بحار الأنوار ج ١٣ – محمد باقر المجلسي

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 13


[ 1 ]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي ” قدس الله سره ” الجزء الثالث عشر دار إحياء التراث العربي بيروت – لبنان الطبعة الثالثة المصحمة 1403 ه‍. 1983 م دار حياء التراث العربي بيروت – لبنان – بناية كليوباترا – شارع دكاش – ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 – 273032 – 278766 – المنزل 830711 – 830717 برقيا: التراث – تلكس / 23644 تراث


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم أبواب قصص موسى وهارون عليهما السلام * (باب 1) * * (نقش خاتمهما وعلل تسميتهما وفضائلهما وسننهما) * * (وبعض أحوالهما) * الايات، البقرة ” 2 ” ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل 87. آل عمران ” 3 ” وأنزل التوراة ؟ ؟ والانجيل * من قبل هدى للناس 3 – 4. هود ” 11 ” ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة 17 ” وقال “: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب 110. ابراهيم ” 14 ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور 5. مريم ” 19 ” واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * و ناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا 51 – 53 الانبياء ” 21 ” ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين 48 التنزيل ” 32 ” ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى


[ 2 ]

لبني إسرائيل * وجعلنا منهم أئمه يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون 23 – 24 الاحزاب ” 32 ” يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها 69 الصافات ” 37 ” ولقد مننا على موسى وهارون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم * ونصرناهم فكانوا هم الغالبين * وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون * إنا كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين 114 – 122. المؤمن ” 40 ” ولقد آتينا موسى الهدى * وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى و ذكرى لاولي الالباب 53 – 54. السجدة ” 41 ” ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه 45. الاحقاف ” 46 ” ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة 12. تفسير: قال الطبرسي قدس سره: ” إماما ” أي يؤتم به في امور الدين ” ورحمة ” أي نعمة من الله على عباده، أو ذا رحمة أي سبب الرحمة لمن آمن به (1) ” الكتاب ” يعني التوراة ” فاختلف فيه ” أي قومه اختلفوا في صحته ” ولولا كلمة سبقت ” أي لولا خبر الله السابق بأنه يؤخر الجزاء إلى يوم القيامة للمصلحة ” لقضي بينهم ” أي لعجل الثواب والعقاب لاهله ” وإنهم لفي شك منه، أي من وعد الله ووعيده (2) ” بأيام الله ” أي بوقائع الله في الامم الخالية وإهلاك من هلك منهم، أو بنعم الله في سائر أيامه كما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أو الاعم منهما (3) ” في الكتاب ” أي القرآن ” إنه كان مخلصا ” قرأ أهل الكوفة بفتح اللام أي أخلصه الله بالنبوة، والباقون بكسرها أي أخلص العبادة لله، أو نفسه لاداء الرسالة


(1) مجمع البيان 5: 15. م (2) مجمع البيان 5: 198. م (3) مجمع البيان 6: 304. م

[ 3 ]

” من جانب الطور ” الطور: جبل بالشام، ناداه الله من جانبه اليمين وهو يمين موسى، و قيل: من الجانب الايمن من الطور، يريد حيث أقبل من مدين ورأى النار في الشجرة، وهو قوله: ” يا موسى إني أنا الله رب العالمين “. ” وقربناه نجيا ” أي مناجيا كليما، قال ابن عباس: قربه الله وكلمه، ومعنى هذا التقريب أنه أسمعه كلامه، وقيل: قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتبت به التوراة، وقيل: ” قربناه ” أي رفعنا منزلته حتى صار محله منا في الكرامة محل من قربه مولاه في مجلس كرامته فهو تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب مسافة وإدناء ” ووهبنا له ” أي أنعمنا عليه بأخيه هارون وأشركناه في أمره (1) ” الفرقان ” أي التوراة يفرق بين الحق والباطل، وقيل: البرهان الذي يفرق به بين حق موسى وباطل فرعون، وقيل: هو فلق البحر ” وضياء ” هو من صفة التوراة أيضا، أي استضاؤوا بها حتى اهتدوا في دينهم. (2) ” فلا تكن في مرية من لقائه ” أي في شك من لقائك موسى ليلة الاسراء بك إلى السماء، عن ابن عباس، وقد ورد في الحديث أنه قال: رأيت ليلة اسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شبوة، (3) ورأيت عيسى بن مريم رجلا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس. (4) فعلى هذا فقد وعد صلى الله عليه وآله أنه سيلقى موسى عليه السلام قبل أن يموت، وقيل: فلا تكن في مرية من لقاء موسى إياك في الآخرة، وقيل:


(1) مجمع البيان 6: 518. م (2) مجمع البيان 7: 50. م (3) هكذا في المطبوع، وفى نسخة: شنوة، والظاهر أن كلاهما مصحف والصحيح كما في المصدر: شنوءة، قال الثعلبي في العرائس في ذكر حلية موسى عليه السلام: جعد طويل كانه من رجال أزد شنوءة. وقال الفيروز آبادى: الشنوءة: المتفزر والتفزر، وأزد شنوءة وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنآن بنيهم وفى اللباب: الشنائى بفتح الشين والنون وكسر الهمزة هذه النسبة إلى ازد شنوءة والشنوى بفتح الشين والنون. وبعدها الواو نسبة إلى شنوءة، ويقال: للازد أزد شنوءة. (4) المربوع: الوسيط القامة. والسبط: ضد الجعد.

[ 4 ]

من لقاء موسى الكتاب، وقيل: من لقاء الاذى كما لقي موسى ” وجعلناه ” أي موسى أو الكتاب ” وجعلنا منهم أئمة ” أي رؤساء في الخير يقتدى بهم، يهدون إلى أفعال الخير بإذن الله، وقيل: هم الانبياء الذين كانوا فيهم ” لما صبروا ” أي لما صبروا جعلوا أئمة ” وكانوا بآياتنا يوقنون ” لا يشكون فيها. (1) ” ولقد مننا على موسى وهارون ” أي بالنبوة والنجاة من فرعون وغيرهما من النعم الدنيوية والاخروية ” من الكرب العظيم ” من تسخير قوم فرعون إياهم واستعمالهم في الاعمال الشاقة، وقيل: من الغرق ” الكتاب المستبين ” يعني التوراة الداعي إلى نفسه بما فيه من البيان ” وتركنا عليهما ” الثناء الجميل ” في الآخرين ” بأن قلنا: ” سلام على موسى و هارون ” (2) موسى اسم مركب من اسمين بالقبطية فمو هو الماء، وسى: الشجر، وسمي بذلك لان التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء والشجر، (3) وجدته جواري آسية وقد خرجن ليغتسلن، وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام. وقال الثعلبي: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلام قال أهل العلم بأخبار الاولين وسير الماضين: ولد ليعقوب عليه السلام لاوي وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة، ثم إن لاوي بن يعقوب نكح نابتة بنت ماوي بن يشجر (4) فولدت له عرشون (5) ومرزى ومردى وقاهث بن لاوي، وولد للاوي قاهث بعد أن مضى من عمره


(1) مجمع البيان 8: 332 – 333. م (2) مجمع البيان 8: 456. م (3) قال المسعودي في اثبات الوصية: روى لما وضعته امه في حجرها اشتد فرحها به، فقال: فديتك يا موسى، فسمع فرعون فاستشاط، فأرسل الله عزوجل فنطق على لسانها فقالت: بلغني انكم مشتموه من الماء، فقلت: يا موشى – بالعبرانية – فقالت لها فرعون: صدقت من الماء مشناه و انا نسميه موشى. (4) في المصدر المطبوع بمصر: ماوى بن يشجب. وفى الطبري: مارى بن يشخر. (5) في المصدر: غرسون، وفى الطبري: غرشون ولم يذكر (مروى) وفى قاموس التوراة والانجيل: جرشون، قهات، مرارى.

[ 5 ]

ست وأربعون سنة، فنكح قاهث بن لاوي قاهي (1) بنت مبنير بن بتويل (2) بن إلياس فولدت له يصهر، وتزوج يصهر شمبت بنت بتاويت بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم (3) فولدت له عمران (4) وقد مضى من عمره ستون سنة، وكان عمر يصهر مائة وسبعا وأربعين سنة، فنكح عمران بن يصهر نخيب بنت إشموئيل بن بركيا بن يقشان (5) بن إبراهيم فولدت له هارون وموسى، واختلف في اسم امهما فقال محمد بن إسحاق: نخيب، وقيل: أفاحية، وقيل: بوخائيد (6) وهو المشهور، وكان عمر عمران مائة وسبعا وثلاثين سنة، وولد له موسى وقد مضى من عمره سبعون سنة، (7) ونحوه ذكر ابن الاثير في الكامل. (8) 1 – فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر المعراج عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا فيها رجل كهل عظيم العين، لم أر كهلا أعظم منه، حوله ثلاثة من امته، (9) فأعجبتني كثرتهم، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا المجيب لقومه (10) هارون بن عمران، فسلمت عليه وسلم علي، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات


(1) في نسخة: قاضى، وفى المصدر والطبري: فاهى. (2) في المصدر: ميين بن تنويل. وفى الطبري: مسين بن بتويل. (3) في المصدر: وتزوج يصهر سميت بنت يتادم بن بركيا بن يشعان. وفى الطبري: شميث ابنة بتادين بن بركيا بن يقسان. وعد البغدادي في المحبر من أولاد ابراهيم يقشان بالشين. (4) في الطبري: وقارون. (5) في المصدر: نجيب بنت شمويل بن بركيا بن يشعان، وفى الطبري، يحيب ابنة شمويل ابن بركيا بن يقسان. (6) في المصدر: نجيب. وقيل: ناجية، وفيل يوخابيل. وفى الطبري، امه يوخابد، وقيل: اناحيد. (7) عرائس الثعلبي: 105. م (8) كامل التواريخ 1: 58. م (9) في نسخة: ثلة من امته. وفى المصدر: ثلاثة صفوف من امته. (10) في نسخة: هذا المحبب لقومه.

[ 6 ]

ثم صعدنا إلى السماء السادسة وإذا فيها رجل آدم طويل كأنه من شبوة، (1) ولو أن عليه قميصين لنفذ شعره فيهما، وسمعته يقول: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم ولد آدم على الله، وهذا رجل أكرم على الله مني، فقلت: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال أخوك موسى ابن عمران، فسلمت عليه وسلم علي، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السماوات. (2) بيان: شبوة أبو قبيلة، وموضع بالبادية، وحصن باليمن، أو واد بين مارب وحضرموت كذا ذكره الفيروز آبادي، ولعله صلى الله عليه وآله شبهه بإحدى هذه الطوائف في الادمة و طول القامة. 2 – فس: في خبر الحسن بن علي عليهما السلام مع ملك الروم أنه عرض على الحسن عليه السلام صور الانبياء فعرض عليه صنما، قال عليه السلام: هذه صفة موسى بن عمران، وكان عمره مائتين وأربعين سنة، وكان بينه وبين إبراهيم خمسمائة سنة. (3) 3 – ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله اختار من الانبياء أربعة للسيف: إبراهيم، وداود، وموسى، وأنا، واختار من البيوتات أربعة فقال عزوجل: ” إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ” الخبر. (4) 4 – ن، ع، ل: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عزوجل: ” يوم يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته وبنيه ” من هم ؟ فقال عليه السلام: قابيل يفر من هابيل،


(1) في طبعة من المصدر: من شعر، وفى اخرى: ستوه، وفى البرهان والصافى نقلا عن المصدر: من شعر، وأحسن الكل ما في الكتاب، ولعل الصحيح ما اخترناه آنفا وهو شنوءة. راجع ما تقدمناه. (2) تفسير القمى: 4373. م (3) تفسير القمى: 597. م (4) الخصال ج 1: 107. م

[ 7 ]

والذي يفر من امه موسى، والذي يفر من أبيه إبراهيم، والذي يفر من صاحبته لوط، والذي يفر من ابنه نوح يفر من ابنه كنعمان. (1) قال الصدوق رحمه الله: إنما يفر موسى من امه خشية أن يكون قصر فيما وجب عليه من حقها. (2) بيان: يمكن أن يتجوز في الام كما ارتكب ذلك في الاب، ويكون المراد بعض مربياته في بيت فرعون. 5 – ل: في خبر أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول نبي من بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى وستمائة نبي. (3) أقول: قد مر نقش خاتمه في نقوش خواتيم الانبياء. 6 – ما: المفيد، عن المظفر بن محمد الخراساني، عن محمد بن جعفر العلوي، عن الحسن ابن محمد بن جمهور العمي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام: أتدري يا موسى لم انتجبتك من خلقي واصطفيتك لكلامي ؟ فقال: لا يا رب، فأوحى الله إليه: إني اطلعت إلى الارض فلم أجد عليها أشد تواضعا لي منك، فخر موسى ساجدا وعفر خديه في التراب تذللا منه لربه عزوجل، فأوحى الله إليه: ارفع رأسك يا موسى، وأمر يدك في موضع سجودك، وامسح بها وجهك وما نالته من بدنك، (4) فإنه أمان من كل سقم وداء وآفة وعاهة. (5) 7 – ع: الطالقاني، عن الحسن بن علي بن زكريا، عن محمد بن جيلان قال: حدثني أبي، عن أبيه وجده، عن غياث بن اسيد قال: حدثني عمن سمع مقاتل بن سليمان يقول: إن الله تبارك وتعالى بارك على موسى بن عمران عليه السلام وهو في بطن امه بثلاث مائة وستين


(1) العيون: 136، علل الشرائع: 198، الخصال ج 1: 154. م (2) هذا البيان من الصدوق ره في كتابه الخصال وقال: يفر ابراهيم من ابيه المربى لانه مشرك لا من الاب الوالد وهو التارخ. م (3) الخصال ج 2: 104. وأما يوسف فكان ابن اسرائيل ولم يكن من بنى اسرائيل. (4) في نسخة: وما يليه من بدنك. (5) امالي الشيخ: 103. م

[ 8 ]

بركة، فالتقطه فرعون من بين الماء والشجر وهو في التابوت، فمن ثم سمي موسى، وبلغة القبط الماء (مو) والشجر (سى) فسموه موسى لذلك. (1) 8 – ع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن يقطين، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام: أتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي ؟ فقال موسى: لا يا رب، فقال: يا موسى إني قلبت عبادي ظهر البطن (2) فلم أجد فيهم أحدا أذل لي منك نفسا، يا موسى إنك إذا صليت وضعت خديك على التراب. (3) ص: بإسناده إلى الصدوق عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. (4) 9 – ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن موسى عليه السلام احتبس عنه الوحي أربعين أو ثلاثين صباحا، قال: فصعد على جبل بالشام يقال له أريحا، فقال: يا رب إن كنت حبست عني وحيك وكلامك لذنوب بني إسرائيل فغفر انك القديم، قال: فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى بن عمران أتدري لما اصطفيتك لوحيي وكلامي دون خلقي ؟ فقال: لا علم لي يا رب، فقال: يا موسى إني اطلعت إلى خلقي اطلاعة فلم أجد في خلقي أشد تواضعا لي منك، فمن ثم خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي، قال: وكان موسى عليه السلام إذا صلى لم ينفتل (5) حتى يلصق خده الايمن بالارض والايسر. (6) 10 – فس: أبي، عن النضر، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام إن بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرجال، وكان موسى إذا أراد الاغتسال ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من الناس، وكان يوما يغتسل على شط نهر وقد وضع ثيابه على صخرة، فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه حتى نظر بنو إسرائيل إليه، فعلموا أنه ليس


(1 و 3 و 6) علل الشرائع: 30. م (2) أي انى اختبرتهم. (4) مخطوط. م (5) أي لم ينصرف.

[ 9 ]

كما قالوا فأنزل الله: ” يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ” إلى قوله: ” وجيها “. (1) بيان: قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: اختلفوا فيما اوذي به موسى على أقوال: أحدها: أن موسى وهارون صعدا الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفوا أنه قد مات وبرأه الله من ذلك، عن علي عليه السلام وابن عباس، واختاره الجبائي. وثانيها: أن موسى عليه السلام كان حييا يغتسل وحده، فقالوا: ما يتستر منا إلا لعيب بجلده: إما برص وإما ادرة، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا، فبرأه الله مما قالوا، رواه أبو هريرة مرفوعا، وقال قوم: إن ذلك لا يجوز لان فيها إشهار النبي وإبداء سوءته على رؤوس الاشهاد وذلك ينفر عنه. وثالثها: أن قارون استأجر مومسة (2) لتقذف موسى بنفسها على رؤوس الملا، فعصمه الله تعالى من ذلك، عن أبي العالية. ورابعها: أنهم آذوه من حيث إنهم نسبوه إلى السحر والجنون والكذب بعدما رأوا الآيات، عن أبي مسلم. انتهى. (3) والسيد قدس سره رد الثاني بأنه ليس يجوز أن يفعل الله تعالى بنبيه ما ذكروه من هتك العورة لتنزيهه من عاهة اخرى، فإنه تعالى قادر على أن ينزهه مما قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة اخرى، وليس يرمي بذلك أنبياء الله من يعرف أقدارهم. ثم قال: والذي روي في ذلك من الصحيح معروف، وهو أن بني إسرائيل لما مات هارون


(1) تفسير القمى: 535. م (2) قال الفيروزآبادى: الماموسة: الحمقاء الخرقاء. وفى النهاية: المومسة: الفاجرة. (3) مجمع البيان 8: 372. م

[ 10 ]

عليه السلام قرفوه (1) بأنه قتله لانهم كانوا إلى هارون أميل، (2) فبرأه الله تعالى من ذلك بأن أمر الملائكة بأن حملت هارون ميتا ومرت به على محافل بني إسرائيل ناطقة بموته، ومبرئة لموسى عليه السلام من قتله، وهذا الوجه يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام، وروي أيضا أن موسى عليه السلام نادى أخاه هارون فخرج من قبره فسأله هل قتله ؟ فقال: لا، ثم عاد. انتهى. (3) أقول: بعد ورود الخبر الحسن كالصحيح لا يتجه الجزم ببطلانه، إذ ليس فيه من الفضيحة بعد كونه لتبريه عما نسب إليه ما يلزم الحكم بنفيها، والله يعلم. 11 – ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن علي بن مهزيار، عن حماد ابن عيسى، عن أبان، عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: لم سميت التلبية تلبية ؟ قال: إجابة أجاب موسى عليه السلام ربه. (4) 12 – ع: بهذا الاسناد عن حماد، عن الحسين بن مختار، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: مر موسى بن عمران عليه السلام في سبعين نبيا على فجاج الروحاء عليهم العباء القطوانية يقول: لبيك عبدك وابن عبدك لبيك. (5) 13 – ع: أبي، عن الحميرى، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر موسى النبي عليه السلام بصفائح الروحاء على جمل أحمر، خطامه من ليف عليه عبايتان قطوانيتان، وهو يقول: لبيك يا كريم لبيك. الخبر. (6) بيان: الصفح من الجبل: مضطجعه، والجمع صفاح. والصفائح: حجارة عراض رقاق. والروحاء: موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة. والقطوانية: عباءة بيضاء قصيرة الخمل منسوبة إلى قطوان محركة: موضع بالكوفة.


(1) أي اتهموه به، وفى المصدر: قذفوه. (2) في المصدر: اميل (اقرب خ ل) م (3) تنزيه الانبياء: 89 – 90 وفيه: ثم عاد إلى قبره. م (4 – 6) علل الشرائع: 145. م

[ 11 ]

14 – ع: أبي، عن محمد العطار، عن الحسين بن إسحاق التاجر، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، (1) عن عثمان بن عيسى، وعلي بن الحكم، عن المفضل بن صالح، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أحرم موسى عليه السلام من رملة مصر، ومر بصفائح الروحاء محرما يقود ناقته بخطام من ليف فلبى تجيبه الجبال. (2) 15 – ص: سئل الصادق عليه السلام: أيهما مات هارون مات قبل أم موسى صلوات الله عليهما ؟ قال: هارون مات قبل موسى. وسئل: أيهما كان أكبر هارون أم موسى ؟ قال: هارون، قال: وكان اسم ابني هارون شبرا وشبيرا، وتفسيرهما بالعربية الحسن والحسين. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم، فأما موسى فرجل طوال سبط يشبه رجال الزط (3) ورجال أهل شبوة، (4) وأما عيسى فرجل أحمر جعد ربعة. (5) قال: ثم سكت، وقيل له: يا رسول الله فإبراهيم ؟ قال: انظروا إلى صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وآله. (6) 16 – كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن البزنطي، عن أبان، عن زيد الشحام، عمن رواه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: حج موسى بن عمران ومعه سبعون نبيا من بني إسرائيل، خطم إبلهم من ليف يلبون وتجيبهم الجبال، وعلى موسى عبايتان قطوانيتان يقول: لبيك عبدك ابن عبدك. (7) 17 – كا: العدة، عن أحمد، عن الاهوازي، عن ابن أبي البلاد، عن أبي بلال المكي قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام دخل الحجر من ناحية الباب فقام يصلي على قدر ذراعين من البيت، فقلت له: ما رأيت أحدا من أهل بيتك يصلي بحيال الميزاب، فقال: هذا مصلى شبير وشبر ابني هارون. (8)


(1) في نسخة: عن الحسين بن سعيد. (2) علل الشرئع: 145. م (3) قال الفيروزآبادى: الزط بالضم: جيل من الهند، معرب جت بالفتح، والقياس يقتضى فتح معربه أيضا. (4) تقدم الكلام فيه آنفا. (5) أي لا طويل ولا قصير. (6) مخطوط. م (7) فروع الكافي 1: 223. م (8) فروع الكافي 1: 224. م

[ 12 ]

18 – صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى بن عمران سأل ربه ورفع يديه فقال: يا رب أين ذهبت اوذيت، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إن في عسكرك غمازا، فقال: يا رب دلني عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إني ابغض الغماز فكيف أغمز ؟ (1) قال الثعلبي: قال كعب الاحبار: كان هارون بن عمران نبي الله رجلا فصيح اللسان بين الكلام، وإذا تكلم تكلم بتؤدة وعلم، وكان أطول من موسى وكان على أرنبته (2) شامة، وعلى طرف لسانه أيضا شامة، وكان موسى بن عمران نبي الله رجلا آدم جعدا طويلا كأنه من رجال أزدشنوءة، وكان بلسانه عقدة ثقل، وكانت فيه سرعة وعجلة، وكان أيضا على طرف لسانه شامة سوداء. (3) بيان: قال الفيروزآبادي: أزد شنوءة وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنآن بينهم. 19 – فس: ” وذكرهم بأيام الله ” قال: أيام الله ثلاثة: يوم القائم، ويوم الموت، ويوم القيامة. (4) قوله: ” يهدون بأمرنا لما صبروا ” قال: كان في علم الله أنهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم أئمة. (5) 20 – فس: ” وكان عند الله وجيها ” أي ذا جاه، أخبرنا الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان رفعه إليهم قالوا: يا أيها الذين آمنوا لا تؤذوا رسول الله في علي والائمة كما آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. (6)


(1) صحيفة الرضا: 11. م (2) الارنبة: طرف الانف. والشامة: الخال أي بثرة سوداء في البدن حولها شعر. (3) عرائس الثعلبي 108. م (4) تفسير القمى: 344. م (5) تفسير القمى: 513. م (6) تفسير القمى: 535. م

[ 13 ]

* (باب 2) * * (أحوال موسى عليه السلام من حين ولادته إلى نبوته) * الايات، القصص ” 28 ” نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون * إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون * وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون * وأصبح فؤاد ام موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى امه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون * ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين * ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين * فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين * فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين * وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك


[ 14 ]

من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير * فجاءته إحديهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحديهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين * قال إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما اريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل * فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل و لا تخف إنك من الآمنين * اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم قوما فاسقين * قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون 3 – 35 تفسير: قال الطبرسي نور الله ضريحه: ” علا في الارض ” أي بغى وتجبر في أرض مصر ” وجعل أهلها شيعا ” أي فرقا يكرم أقواما ويذل آخرين، أو جعل بني إسرائيل أقوما في الخدمة والتسخير ” يستضعف طائفة منهم ” يعني بني إسرائيل ” يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم ” يقتل الابناء ويستبقي البنات ولا يقتلهن، وذلك أن بعض الكهنة قال له: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملكك، وقيل: رأى فرعون في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني


[ 15 ]

إسرائيل، فسأل علماء قومه فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده ” ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ” أي أن فرعون كان يريد إهلاك – بني إسرائيل و نحن نريد أن نمن عليهم ” ونجعلهم أئمة ” أي قادة ورؤساء في الخير ” ونجعلهم الوارثين ” لديار فرعون وقومه وأموالهم ” ونمكن لهم في الارض ” أي أرض مصر ” منهم ” أي من بني إسرائيل ” ما كانوا يحذرون ” من ذهاب الملك على يد رجل منهم، قال الضحاك: عاش فرعون (1) أربعمائة سنة وكان قصيرا دميما، (2) وهو أول من خضب بالسواد، وعاش موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة. (3) ” وأوحينا إلى ام موسى ” أي ألهمناها وقذفناها في قلبها، وليس بوحي نبوة، وقيل: أتاها جبرئيل عليه السلام بذلك، وقال: كان الوحي رؤيا منام عبر عنها من تثق به من علماء بني إسرائيل ” أن أرضعيه ” ما لم تخافي عليه الطلب ” فإذا خفت عليه ” القتل ” فألقيه في اليم ” أي في البحر وهو النيل ” ولا تخافي ” عليه الضيعة ” ولا تحزني ” عن فراقه ” إنا رادوه إليك ” سالما عن قريب. قال وهب: لما حملت بموسى امه كتمت أمرها عن جميع الناس، ولم يطلع على حملها أحد من خلق الله، وذلك شئ ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي تولد فيها موسى بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن أن يفتشن النساء تفتيشا لم يفتشنه قبل ذلك، وحملت ام موسى فلم ينتأ بطنها، (4) ولم يتغير لونها ولم


(1) قال البغدادي: هو الوليد بن مصعب بن أبى أهون بن الهلوات بن فاران بن عمرو بن عمليق بن يلمع، وهو فرعون موسى، قال: كان فرعون يوسف جد فرعون موسى واسمه برخوز. وقال الطبري: كان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني فلما مات قام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر انتهى. وذكره الثعلبي في العرائس ثم نسبه هكذا: أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان بن أراشة بن ثروان بن عمرو بن فاران ابن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح انتهى. وأما اليعقوبي فقال: فاختلف الرواة في نسبه فقالوا: رجل من لخم، وقالوا من غيرها من قبائل اليمن، وقالوا من العمالقة، وقالوا من قبط مصر، يقال له ظلما. (2) الدميم: الحقير والقبيح المنظر. (3) تقدم في الخبر الثاني من الباب الاول أن عمره كان مائتين وأربعين سنة، وسيأتى بيان الخلاف في ذلك في باب وفاته عليه السلام. (4) أي فلم يرتفع، وفى النسخة والمصدر: فلم ينب.

[ 16 ]

يظهر لبنها، فكانت القوابل لا يعرضن لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسى ولدته امه ولا رقيب عليها ولا قابلة ولم يطلع عليها أحد إلا اخته مريم، وأوحى الله تعالى إليها ” أن أرضعيه ” الآية، قال: وكتمته امه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت له تابوتا مطبقا ومهدت له فيه ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله تعالى. ” فالتقطه آل فرعون ” أي أصابوه وأخذوه من غير طلب ” ليكون لهم عدوا وحزنا ” أي ليكون لهم في عاقبة أمره كذلك، لا أنهم أخذوه لذلك، وكانت القصة في ذلك أن النيل جاء بالتابوت إلى موضع فيه فرعون وامرأته على شط النيل، فأمر فرعون به وفتحت آسية بنت مزاحم بابه، فلما نظرت إليه ألقى الله في قلبها محبة موسى، وكانت آسية بنت مزاحم امرأة من بني إسرائيل استنكحها فرعون، وهي من خيار النساء، ومن بنات الانبياء، (1) وكانت اما للمؤمنين ترحمهم وتتصدق عليهم يدخلون عليها، فلما نظر فرعون إلى موسى غاظه ذلك فقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح ؟ ! قالت آسية وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت أن تذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكن قرة عين لي ولك، وإنما قالت ذلك لانه لم يكن له ولد فأطمعته في الولد ” وهم لا يشعرون ” أن هلاكهم على يديه ” فارغا ” أي خاليا من ذكر كل شئ إلا من ذكر موسى، أو من الحزن سكونا إلى ما وعدها الله به، أو من الوحي الذي اوحي إليها بنسيانها ” إن كادت لتبدي به ” أي أنها كادت تبدي بذكر موسى فتقول: يا ابناه من شدة الوجد، أوهمت بأن تقول أنها امه لما رأته عند دعاء فرعون إياها للارضاع لشدة سرورها به ” وقالت ” أي ام موسى ” لاخته ” أي اخت موسى واسمها كليمة (3) ” قصيه “


(1) قال الثعلبي في العرائس: قد استنكح فرعون من بنى اسرائيل امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم، وبقال: هي آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد فرعون يوسف الاول، ونص الطبري أيضا انها كانت من بنى اسرائيل وكانت من خيار النساء المعدودات، ويأتى في الخبر التاسع ايضا ذلك. (2) في نسخة: كلهمة، وفى المصدر: كلثمة، وتقدم قبل ذلك أن اخته تسمى مريم، ولعلها اخت اخرى.

[ 17 ]

أي اتبعي أثره وتعرفي خبره ” فبصرت به عن جنب ” تقديره: فذهبت اخت موسى فوجدت آل فرعون أخرجوا موسى ” فبصرت به عن جنب ” أي عن بعد، وقيل: عن جانب تنظر إليه وجعلت تدخل إليهم كأنها لا تريده ” وهم لا يشعرون ” أنها اخته أو جاءت متعرفة عن خبره ” وحرمنا عليه المراضع ” أي منعناهن منه وبغضناهن إليه فلا يؤتى بمرضع فيقبلها ” من قبل ” أي من قبل مجئ امه ” فقالت هل أدلكم ” وهذا يدل على أن الله تعالى ألقى محبته في قلب فرعون فلغاية شفقته عليه طلب له المراضع، وكان موسى عليه السلام لا يقبل ثدي واحدة منهن بعد أن أتاه مرضع بعد مرضع، فلما رأت اخته وجدهم به ورأفتهم عليه قالت لهم: ” هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ” أي يقبلون هذا الولد، ويبذلون النصح في أمره، ويحسنون تربيته ” وهم له ناصحون ” يشفقون عليه، قيل: إنها لما قالت ذلك قال هامان: إن هذه المرأة تعرف أن هذا الولد من أي أهل بيت هو، فقالت هي: إنما عنيت أنهم ناصحون للملك فأمسكوا عنها. ” ورددناه إلى امه ” فانطلقت اخت موسى إلى امها فجاءت بها إليهم، فلما وجد موسى ريح امه قبل ثديها وسكن بكاؤه، وقيل: إن فرعون قال لامه: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك ؟ قالت: لاني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أكاد اوتى بصبي إلا ارتضع مني، فسر فرعون بذلك ” ولكن أكثرهم لا يعلمون ” أن وعد الله حق. ” ولما بلغ أشده ” أي ثلاثا وثلاثين سنة ” واستوى ” أي بلغ أربعين سنة ” آتيناه حكما وعلما ” أي فقها وعقلا وعلما بدينه ودين آبائه، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، وقيل: نبوة وعلما ” ودخل المدينة ” يريد مصر، وقيل: مدينة ميق (1) من أرض مصر، وقيل: على فرسخين من مصر ” على حين غفلة من أهلها ” أراد به نصف النهار و


(1) الصحيح كما في المصدر: منف بالنون ثم الفاء. قال ياقوت: منف بالفتح ثم السكون وفاء: اسم مدينة فرعون بمصر، أصلها بلغة قبط مافه فعربت فقيل ” منف ” قال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم باسناده: أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله تعالى قوم نوح بيصر بن حام بن نوح، فسكن ” منف ” وهى أول مدينة عمرت بعد الغرق هو وولده وهم ثلاثون نفسا فبذلك سميت ” مافه ” ومعنى مافه بلسان القبط ثلاثون ثم عربت فقيل ” منف ” وهى المرادة بقوله تعالى: ” ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ” انتهى. وذكر أن بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ وبينها وبين عين شمس ستة فراسخ.

[ 18 ]

الناس قائلون، (1) وقيل: بين العشائين، وقيل: كان يوم عيد لهم وقد اشتغلوا بلعبهم، و اختلفوا في سبب دخوله فقيل: إنه كان موسى حين كبر يركب في مواكب فرعون، فلما كان ذات يوم قيل له: إن فرعون قد ركب فركب في أثره، فلما كان وقت القائلة دخل المدينة ليقيل، وقيل: إن بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى ويسمعون كلامه، و لما بلغ أشده خالف قوم فرعون فاشتهر ذلك منه، وأخافوه فكان لا يدخل مصرا إلا خائفا ” فدخلها على حين غفلة ” وقيل: إن فرعون أمر بإخراجه من البلد فلم يدخل إلا الآن ” يقتتلان ” أي يختصمان في الدين، وقيل: في أمر الدنيا ” هذا من شيعته وهذا من عدوه ” أي أحدهما إسرائيلي والآخر قبطي يسخر الاسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون، و قيل: كان أحدهما مسلما والآخر كافرا ” فاستغاثه الذي من شيعته ” استنصره لينصره عليه. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ليهنئكم الاسم، قال: وما الاسم ؟ قال: الشيعة، أما سمعت الله سبحانه يقول: ” فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ” أي دفع في صدره بجمع كفه، وقيل: ضربه بعصاه ” فقضى عليه ” أي فقتله وفرغ من أمره. ” قال رب إني ظلمت نفسي ” يعني في هذا القتل فإنهم لو علموا بذلك لقتلوني ” رب بما أنعمت علي ” أي بنعمتك علي من المغفرة وصرف بلاء الاعداء عني ” فلن أكون ظهيرا للمجرمين ” أي فلك علي أن لا أكون مظاهرا ومعينا للمشركين ” فأصبح ” موسى في اليوم الثاني ” في المدينة خائفا ” من قتل القبطي ” يترقب ” أي ينتظر الاخبار، يعني أنه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنه هو الذي قتل القبطي، وكان يتجسس وينتظر الاخبار في شأنه ” فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه ” معناه أن الاسرائيلي الذي كان قد خلصه بالامس ووكز القبطي من أجله يستصرخ ويستعين به على رجل آخر من القبط خاصمه، قال ابن عباس: لما فشا قتل القبطي قيل لفرعون: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا منا، قال: أتعرفون قاتله ومن يشهد عليه ؟ قالوا: لا، فأمرهم بطلبه فبينا هم يطوفون إذ مر موسى عليه السلام من الغد ورأى ذلك الاسرائيلي يطلب نصرته ويستغيث به


(1) أي نائمون في القائلة أي منتصف النهار.

[ 19 ]

” قال له موسى إنك لغوي مبين ” أي ظاهر الغواية، قاتلت بالامس رجلا وتقاتل اليوم آخر، ولم يرد الغواية في الدين، والمراد أن من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنه غوي أي خائب فيما يطلبه، عادل عن الصواب فيما يقصده. ” فلما أراد أن يبطش ” أي فلما أخذته الرقة على الاسرائيلي وأراد أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والاسرائيلي عنه ويبطش به، أي يأخذه بشدة ظن الاسرائيلي أن موسى قصده لما قال له: ” إنك لغوي مبين ” فقال: ” أتريد أن تقتلني ” وقيل: هو من قول القبطي لانه قد اشتهر أمر القتل بالامس وأنه قتله بعض بني إسرائيل ” إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض ” أي ما تريد إلا أن تكون جبارا عاليا في الارض بالقتل والظلم، ولما قال الاسرائيلي ذلك علم القبطي أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره به، فأمر فرعون بقتل موسى وبعث في طلبه. ” فخرج منها ” أي من مدينة فرعون ” خائفا ” من أن يطلب فيقتل ” يترقب ” الطلب قال ابن عباس: خرج متوجها نحو مدين وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، و قيل: إنه خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ظهر (1) وكان لا يأكل إلا من حشيش الصحراء حتى بلغ ماء مدين ” ولما توجه تلقاء مدين ” قال الزجاج: أي لما سلك في الطريق الذي يلقى مدين فيها، وهي على مسيرة ثمانية أيام من مصر، نحو ما بين الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له بالطريق علم ولذلك قال: ” عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ” أي يرشدني قصد السبيل إلى مدين، وقيل: إنه لم يقصد موضعا بعينه ولكنه أخذ في طريق مدين. وقال عكرمة: عرضت لموسى أربع طرق فلم يدر أيتها يسلك، ولذلك قال: ” عسى ربي أن يهديني ” فلما دعا ربه استجاب له ودله على الطريق المستقيم إلى مدين، وقيل: جاء ملك على فرس بيده عنزة (2) فانطلق به إلى مدين، وقيل: إنه خرج حافيا ولم يصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه (3) عن ابن جبير ” فلما ورد ماء مدين ” وهو بئر كانت لهم


(1) الظهر: الركاب التى تحمل الاثقال. (2) العنزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيه زج كزج الرمح. (3) الخف من الانسان: ما أصاب الارض من باطن قدمه.

[ 20 ]

” وجد عليه امة من الناس ” أي جماعة من الرعاة يسقون مواشيهم الماء من البئر ” تذودان ” أي تحبسان وتمنعان غنمهما من الورود إلى الماء، أو عن أن تختلط بأغنام الناس، أو تذودان الناس عن مواشيهما ” قال ” موسى لهما: ” ما خطبكما ” أي ما شأنكما ؟ ومالكما لا تسقيان مع الناس ؟ ” قالتا لا نسقي ” عند المزاحمة مع الناس ” حتى يصدر الرعاء ” قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر يصدر بفتح الياء وضم الدال، أي حتى يرجع الرعاء من سقيهم، والباقون يصدر بضم الياء وكسر الدال، أي حتى يصدروا مواشيهم عن وردهم فإذا انصرف الناس سقينا مواشينا من فضول الحوض ” وأبونا شيخ كبير ” لا يقدر أن تولى السقي بنفسه من الكبر، ولذلك احتجنا ونحن نساء أن نسقي الغنم، وإنما قالتا ذلك تعريضا للطلب من موسى أن يعينهما على السقي أو اعتذارا في الخروج بغير محرم ” فسقى لهما ” أي فسقى موسى غنمهما الماء لاجلهما، وهو أنه زحم القوم على الماء حتى أخرجهم عنه ثم سقى لهما، وقيل: رفع لاجلهما حجرا عن بئر كان لا يقدر على رفع ذلك الحجر إلا عشرة رجال وسألهم أن يعطوه دلوا فنالوه دلوا وقالوا له: انزح إن أمكنك، وكان لا ينزحها إلا عشرة فنزحها وحده، وسقى أغنامهما ولم يسق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم ” ثم تولى إلى الظل ” أي ثم انصرف إلى ظل سمرة (1) فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع ” فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ” قال ابن عباس: سأل نبي الله اكلة من خبز يقيم به صلبه، وقال ابن إسحاق: فرجعتا إلى أبيهما في ساعة كانا لا ترجعان فيها فأنكر شأنهما وسألهما فأخبرتاه الخبر، فقال لاحداهما: علي به، فرجعت الكبرى إلى موسى لتدعوه فذلك قوله: ” فجاءته إحديهما تمشي على استحياء ” أي مستحيية معرضة عن عادة النساء الخفرات، (2) وقال: غطت وجهها بكم درعها ” قالت إن أبي يدعوك ليجزيك ” أي ليكافئك على سقيك لغنمنا. وأكثر المفسرين على أن أباها شعيب عليه السلام، وقال وهب وابن جبير: هو يثروب (3)


(1) السمر: شجر من العضاه وليس في العضاه أجود خشبا منه. (2) خفرت الجارية: استحيت أشد الحياء، فهى خفر وخفرة ومخفار. (3) كذا في النسخ والصحيح كما في المصدر: يثرون، أو يترون على ما في الطبري.

[ 21 ]

أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره ودفن بين المقام وزمزم، و قيل: يثروب هو اسم شعيب، (1) قال أبو حازم: لما قالت: ” ليجزيك أجر ما سقيت لنا ” كره ذلك موسى عليه السلام وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدا أن يتبعها لانه كان في أرض مسبعة (2) وخوف فخرج معها، وكانت الريح تضرب ثوبها فيصف لموسى عجزها، فجعل موسى يعرض عنها مرة ويغض مرة، فناداها: يا أمة الله كوني خلفي فأريني السمت بقولك، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى: أعوذ بالله، قال شعيب: ولم ذاك ؟ ألست بجائع ؟ قال: بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الارض ذهبا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، قال: فجلس موسى يأكل. ” نجوت من القوم الظالمين ” يعني فرعون وقومه فإنهم لا سلطان لهم بأرضنا ولسنا من مملكته ” قالت إحديهما ” أي إحدى ابنتيه واسمها صفورة وهي التي تزوج بها، واسم الاخرى ليا، (3) وقيل: اسم الكبرى صفراء، واسم الصغرى صفيراء ” يا أبت استأجره ” أي اتخذه أجيرا ” القوي الامين ” أي من يقوى على العمل وأداء الامانة ” على أن تأجرني ” أي على أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ” فمن عندك ” أي ذلك تفضل منك وليس بواجب عليك ” وما اريد أن أشق عليك ” في هذه الثماني حجج وأن اكلفك خدمة سوى رعي الغنم، وقيل: وما أشق عليك بأن آخذك بإتمام عشر سنين ” ستجدني إن شاء الله من الصالحين ” في حسن الصحبة والوفاء بالعهد، وحكى يحيى بن سلام أنه جعل لموسى كل سخلة توضع على خلاف شية امها، (4) فأوحى الله تعالى إلى موسى في المنام: أن ألق عصاك في الماء، ففعل فولدن كلهن على خلاف شبههن، (5) وقيل: إنه وعده أن يعطيه


(1) في المصدر: وقيل: يثروب، وقيل: هو اسم شعيب لان شعيبا اسم عربي. (2) أرض مسبعة أي تكثر فيها السباع. (3) في العرائس: ليا ويقال: حنونا. (4) السخلة: ولد الشاة. الشية: كل لون يخالف معظم لون الشئ. (5) هكذا في الكتاب، والصحيح كما في المصدر: شيتهن. ويأتى في الحديث الثاني وجه آخر.

[ 22 ]

تلك السنة من نتاج غنمه كل أدرع (1) وإنما نتجت كلها درعاء. وروى الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل أيتهما التي قالت: ” إن أبي يدعوك ” ؟ قال: التي تزوج بها، قيل: فأي الاجلين قضى ؟ قال: أوفاهما وأبعدهما عشر سنين، قيل: فدخل بها قبل أن يمضي الشرط أو بعد انقضائه ؟ قال: قبل أن ينقضي، قيل له: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لابيها إجارة شهرين أيجوز ذلك ؟ قال: إن موسى عليه السلام علم أنه سيتم له شرطه، قيل: كيف ؟ قال: إنه علم أنه سيبقى حتى يفي. ” قال ” موسى ” ذلك بيني وبينك ” أي ذلك الذي شرطت علي فلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما فلي وتم الكلام، ثم قال: ” أيما الاجلين ” من الثماني والعشر ” قضيت ” أي أتممت وفرغت منه ” فلا عدوان علي ” أي فلا ظلم علي بأن اكلف أكثر منها ” والله على ما نقول وكيل ” أي شهيد فيما بيني وبينك ” فلما قضى موسى الاجل ” أي أوفاهما، وروى الواحدي بإسناده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا سئلت أي الاجلين قضى موسى ؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإذا سئل (2) أي المرأتين تزوج ؟ فقل: الصغرى منهما وهي التي جاءت فقال: ” يا أبت استأجره “. وقال وهب: تزوج الكبرى منهما، وفي الكلام حذف وهو: فلما قضى موسى الاجل وتسلم زوجته ثم توجه نحو الشام وسار بأهله ” آنس من جانب الطور نارا ” وقيل: إنه لما زوجها منه أمر الشيخ أن يعطى موسى عصا يدفع السباع عن غنمه بها فاعطي العصا، وقيل: خرج آدم بالعصا من الجنة فأخذها جبرئيل عليه السلام بعد موت آدم وكانت معه حتى لقي بن موسى عليه السلام ليلا فدفعها إليه، وقيل: لم تزل الانبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى وكانت عصي الانبياء عنده. وروى عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه به جبرئيل لما توجه تلقاء مدين.


(1) في هامش المطبوع: الادرع من الخيل والشاة: ما اسود رأسه وابيض سائره، والانثى ” درعاء ” ذكره الجوهرى، منه رحمه الله. (2) كذا في النسخ والظاهر: وإذا سئلت اه‍.

[ 23 ]

وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت وأخذت العصا فأتتة بها، فلما رآها الشيخ قال: ايتيه بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فكان لا تقع في يدها إلا هي، فعلت ذلك مرارا فأعطاها موسى. وقوله: ” سار بأهله ” قيل: إنه مكث بعد انقضاء الاجل عند صهره عشرا اخرى تمام عشرين، ثم استأذنه في العود إلى مصر ليزور والدته وأخاه فأذن له فسار بأهله، عن مجاهد، وقيل: إنه لما قضى العشر سار بأهله أي بامرأته وبأولاد الغنم التي كانت له وكانت قطيعا فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها فسار في البرية غير عارف بالطريق فألجأه المسير إلى جانب الطور الايمن في ليلة مظلمة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، وضل الطريق وتفرقت ماشيته وأصابه المطر فبقي لا يدري أين يتوجه، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا. وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما قضى موسى الاجل وسار بأهله نحو بيت المقدس أخطأ الطريق ليلا فرأى نارا ” إني آنست نارا ” أي أبصرت بخبر، أي من الطريق الذي اريد قصده وهل أنا على صوبه أو منحرف عنه، وقيل: بخبر من النار هل هي لخير نأنس به أو لشر نحذره ” أو جذوة ” أي قطعة من النار، وقيل: بأصل شجرة فيها نار ” لعلكم تصطلون ” أي تستدفئون بها ” من شاطئ الواد الايمن ” أي من الجانب الايمن للوادي ” في البقعة المباركة ” وهي البقعة التي قال الله تعالى فيها لموسى: ” اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ” وإنما كانت مباركة لانها معدن الوحي والرسالة وكلام الله تعالى، أو لكثرة الاشجار والثمار والخير والنعم بها، والاول أصح ” من الشجرة ” إنما سمع موسى عليه السلام النداء والكلام من الشجرة لان الله تعالى فعل الكلام فيها، وجعل الشجرة محل الكلام، لان الكلام عرض يحتاج إلى محل، وعلم موسى بالمعجزة أن ذلك كلامه تعالى، وهذه أعلى منازل الانبياء، أعني أن يسمعوا كلام الله من غير واسطة ومبلغ وكان كلامه سبحانه: ” أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ” أي أن المكلم لك هو الله مالك العالمين تعالى وتقدس عن أن يحل في محل، أو يكون في مكان لانه ليس بعرض ولا جسم


[ 24 ]

” وأن ألق عصاك ” إنما أعاد سبحانه هذه القصة وكررها في السور تقريرا للحجة على أهل الكتاب واستمالة بهم إلى الحق، ومن أحب شيئا أحب ذكره، والقوم كانوا يدعون محبة موسى عليه السلام، وكل من ادعى اتباع سيده مال إلى ذكره بالفضل، (1) على أن كل موضع من مواضع التكرار لا يخلو من زيادة فائدة ” فلما رآها تهتز ” أي تتحرك ” كأنها جان ” من سرعة حركتها أو شدة اهتزازها ” ولى مدبرا ” موسى ” ولم يعقب ” أي لم يرجع، فنودي: ” يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ” من ضررها ” اسلك يدك ” أي أدخلها ” من غير سوء ” أي من غير برص ” واضمم إليك جناحك من الرهب ” أي ضم يدك إلى صدرك من الخوف فلا خوف عليك، عن ابن عباس ومجاهد، والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يضم يده إلى صدره فيذهب ما أصابه من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: أمره سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحثه على الجد فيه لئلا يمنعه الخوف الذي يغشاه في بعض الاحوال فيما أمره بالمضي فيه، وليس يريد بقوله: ” اضمم يدك ” الضم المزيل للفرجة بين الشيئين، وقيل: إنه لما ألقى العصا وصارت حية بسط يده كالمتقي وهما جناحاه فقيل له: ” اضمم إليك جناحك ” أي ما بسطته من يدك لانك آمن من ضررها، ويجوز أن يكون معناه اسكن ولا تخف فإن من هاله أمر أزعجه حتى كأنه يطيره، وآلة الطيران الجناح، فكأنه عليه السلام قد بلغ نهاية الخوف (2) فقيل له: ضم منشور جناحك من الخوف واسكن، وقيل: معناه: إذا هالك أمر يدك لما تبصر من شعاعها فاضممها إليك لتسكن ” فذانك برهانان ” أي اليد والعصا حجتان من ربك على نبوتك مرسلا بهما إلى فرعون وملائه. قوله: ” هو أفصح مني لسانا ” إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه ” فأرسله معي ردءا ” أي معينا لي على تبليغ رسالتك ” يصدقني ” أي مصدقا لي على ما أوديه من الرسالة


(1) في المصدر: مال إلى من ذكره بالفضل. (2) قال السيد الرضى قدس سره: الجناح هنا عبارة عن اليد، وقيل: معنى ذلك أي سكن روعك وخفض جأشك من الرهب الذى أصابك، والرعب الذى داخلك عند انصلاب العصا في هيئة الجان، ولما كان من شأن الخائف القلق والانزعاج والتململ والاضطراب صار ضم الجناح عبارة عن السكون بعد القلق والامان بعد الغرق.

[ 25 ]

وقيل: أي لكي يصدقني فرعون ” قال سنشد عضدك بأخيك ” أي سنجعله رسولا معك وننصرك به ” ونجعل لكما سلطانا ” أي حجة وقوة وبرهانا ” فلا يصلون إليكما بآياتنا ” أي لا يصل فرعون وقومه إلى الاضرار بكما بسبب ما نعطيكما من الآيات وما يجري على أيديكما من المعجزات، وقيل: إن قوله ” بآياتنا ” موضعه التقديم، أي ونجعل لكما سلطانا بآياتنا فلا يصلون إليكما ” أنتما ومن اتبعكما الغالبون ” على فرعون وقومه، القاهرون لهم. (1) أقول: سيأتي سائر الآيات وتفسيرها في الباب الآتي. 1 – خص: بإسناده إلى المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام قال: إن بقاع الارض تفاخرت، ففخرت الكعبة على البقعة بكربلاء فأوحى الله إليها: اسكتي ولا تفخري عليها فإنها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة. (2) 2 – فس: أبي، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن موسى عليه السلام لما حملت امه به لم يظهر حملها إلا عند وضعه، وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط تحفظهن، وذلك أنه لما كان بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون: إنه يولد فينا رجل يقال له موسى بن عمران يكون هلاك فرعون و أصحابه على يديه، فقال فرعون عند ذلك: لاقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء، وحبس الرجال في المحابس، فلما وضعت ام موسى بموسى عليه السلام نظرت وحزنت واغتمت وبكت وقالت: يذبح الساعة، فعطف الله قلب الموكلة بها عليه، فقالت لام موسى: مالك قد اصفر لونك ؟ فقالت: أخاف أن يذبح ولدي، فقالت: لا تخافي، وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه وهو قول الله عزوجل، ” وألقيت عليك محبة مني ” فأحبته القبطية الموكلة به، وأنزل الله على ام موسى التابوت ونوديت: ضعه في التابوت فاقدفيه في اليم وهو البحر، ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك


(1) مجمع البيان 7: 239 – 253. م (2) قذ ذكر ههنا في النسخة المخطوطة حديثا أورده بعد أيضا وهو حديث البزنطى الاتى المخرج عن الكافي، والظاهر أن زيادة من الناسخ.

[ 26 ]

وجاعلوه من المرسلين، فوضعته في التابوت وأطبقت عليه وألقته في النيل، وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه (1) فنظر من قصره – ومعه آسية امرأته – إلى سواد في النيل ترفعه الامواج وتضربه الرياح حتى جاءت به على باب قصر فرعون، فأمر فرعون بأخذه فاخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبيا، فقال: هذا إسرائيلي، فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة وكذلك في قلب آسية، وأراد أن يقتله (2) فقالت آسية: ” لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ” وهم لا يشعرون أنه موسى ولم يكن لفوعرن ولد، فقال: التمسوا له (3) ظئرا تربيه، فجاؤوا بعدة نساء قد قتل أولادهن فلم يشرب لبن أحد من النساء، وهو قول الله: ” وحرمنا عليه المراضع من قبل ” وبلغ امه أن فرعون قد أخذه فحزنت وبكت كما قال الله: ” وأصبح فؤاد ام موسى فارغا إن كادت لتبدي به ” يعني كادت أن تخبرهم بخبره، أو تموت ثم ضبطت نفسها، فكانت كما قال: ” لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ” ثم قالت لاخت موسى: قصيه، أي اتبعيه، فجاءت اخته إليه فبصرت به عن جنب، أي عن بعد وهم لا يشعرون، فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء اغتم فرعون غما شديدا فقالت اخته: ” هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ” فقالوا: نعم، فجاءت بامه، فلما أخذته في حجرها وألقمته ثديها التقمه وشرب ففرح فرعون وأهله وأكرموا امه فقالوا لها: ربيه لنا فإنا نفعل بك ونفعل (4) وذلك قول الله: ” فرددناه إلى امه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ” وكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل كل ما يلدون، ويربي موسى ويكرمه، ولا يعلم أن هلاكه على يده، فلما درج (5) موسى كان يوما عند فرعون فعطس موسى فقال: ” الحمد لله رب العالمين ” فأنكر فرعون ذلك عليه ولطمه وقال: ما هذا الذي تقول ؟ فوثب موسى على لحيته وكان طويل اللحية


(1) في نسخة: وكان لفرعون قصور على شط النيل متنزهات. (2) في نسخة: وأراد فرعون أن يقتله. (3) في نسخة: فقالت، وفى المصدر: فقال: ائتوا له اه‍ والظئر: المرضعة. (4) في المصدر: فانا نفعل بك ما نفعل. (5) درج الصبى: مشى.

[ 27 ]

فهلبها أي قلعها، فهم فرعون بقتله، فقالت امرأته: غلام حدث لا يدري ما يقول، وقد لطمته بلطمتك إياه، فقال فرعون: بل يدري، فقالت له: ضع بين يديك تمرا وجمرا، فإن ميز بينهما (1) فهو الذي تقول، فوضع بين يديه تمرا وجمرا فقال له: (2) كل، فمد يده إلى التمر فجاء جبرئيل فصرفها إلى الجمر في فيه فاحترق لسانه (3) فصاح وبكى، فقالت آسية لفرعون: ألم أقل لك أنه لا يعقل ؟ فعفى عنه. قال الراوي: فقلت لابي جعفر عليه السلام: فكم مكث موسى غائبا عن امه حتى رده الله عليها ؟ قال: ثلاثة أيام، فقلت: وكان هارون أخا موسى لابيه وامه ؟ قال: نعم، أما تسمع الله يقول: ” يا بن ام لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ” فقلت: فأيهما كان أكبر سنا ؟ قال: هارون، فقلت: وكان الوحي ينزل عليهما جميعا ؟ قال: كان الوحي ينزل على موسى، وموسى يوحيه إلى هارون، فقلت له: أخبرني عن الاحكام والقضاء والامر والنهي، أكان ذلك إليهما ؟ قال: كان موسى الذي يناجي ربه ويكتب العلم، (4) ويقضي بين بني إسرائيل وهارون يخلفه إذا غاب عن قومه للمناجاة، قلت: فأيهما مات قبل صاحبه ؟ قال: مات هارون قبل موسى عليه السلام وماتا جميعا في التيه، قلت: وكان لموسى ولد ؟ قال: لا، كان الولد لهارون والذرية له. قال: فلم يزل موسى عند فرعون في أكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده ودخل المدينة فإذا رجلان يقتتلان: أحدهما يقول بقول موسى، والآخر يقول ؟ قول فرعون، فاستغاثه الذي هو من شيعته، فجاء موسى فوكز صاحبه (5) فقضى عليه وتوارى في المدينة، فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى، فاستغاث بموسى، فلما


(1) في نسخة: فان ميز بين التمرو الجمر. (2) في نسخة: وقال له: وفى المصدر: فقالت له. (3) في نسخة: فأخذ الجمر حتى أخذها ووضعها في فمه فشوت يده واحرقت لسانه. (4) في المصدر: ويكتب هارون العلم. م (5) في نسخة: فجاء موسى فوكز صاحب فرعون.

[ 28 ]

نظر صاحبه إلى موسى قال له: ” أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ” فخلى صاحبه وهرب، وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى قد كتم إيمانه ستمائة سنة وهو الذي قال الله: ” وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ” وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل فطلبه ليقتله فبعث المؤمن (1) إلى موسى: ” إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ” فخرج منها كما حكى الله ” خائفا يترقب ” قال: يلتفت يمنة ويسرة ويقول: ” رب نجني من القوم الظالمين ” ومر نحو مدين وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة أيام، فلما بلغ باب مدين رأى بئرا يستقي الناس منها لاغنامهم وداوبهم، فقعد ناحية ولم يكن أكل منذ ثلاثة أيام شيئا، فنظر إلى جاريتين في ناحية ومعهما غنيمات لا تدنوان من البئر، فقال لهما: مالكما لا تستقيان ؟ فقالتا كما حكى الله: ” حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ” فرحمهما موسى ودنا من البئر فقال لمن على البئر: أستقي لي دلوا ولكم دلوا، وكان الدلو يمده عشرة رجال، فاستقى وحده دلوا لمن على البئر، ودلوا لبنتي شعيب وسقى أغنامهما ” ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ” وكان شديد الجوع. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن موسى كليم الله حيث سقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال: ” رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ” والله ما سأل الله إلا خبزا يأكل، (2) لانه كان يأكل بقلة الارض، ولقد رأوا خضرة البقل من صفاق بطنه (3) من هزاله، فلما رجعتا ابنتا شعيب إلى شعيب قال لهما: أسرعتما الرجوع ! فأخبرتاه بقصة موسى ولم تعرفاه، فقال شعيب لواحدة منهما: اذهبي إليه فادعيه لنجزيه أجر ما سقى لنا، فجاءت إليه كما حكى الله ” تمشي على استحياء ” فقالت له: ” إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ” فقام


(1) قال البغدادي في المحبر ص 388: وكان اسم مؤمن آل فرعون حزبيل أو خزبيل وهو أخو آسية امرأة فرعون. وقال هشام: حزبيل زوج الماشطة وكان فرعون قد جعله على نصف الناس. قتل: وسيأتى من المصنف ذيل الخبر التاسع أن اسمه خربيل أو شمعون أو شمعان. (2) في نسخة: الا خبزا يأكله. (3) في نسخة: وكان يرى خضرة البقل في صفاق بطنه. قلت: الصفاق ككتاب: الجلد الذى يمسك البطن.

[ 29 ]

موسى عليه السلام معها فمشت أمامه فسفقتها الرياح فبان عجزها، فقال لها موسى: تأخري و دليني على الطريق بحصات تلقيها أمامي أتبعها، فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء، فلما دخل على شعيب قص عليه قصته فقال له شعيب: ” لا تخف نجوت من القوم الظالمين ” قالت إحدى بنات شعيب: ” يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين ” فقال لها شعيب: أما قوته فقد عرفته بسقي الدلو وحده، فبم عرفت أمانته ؟ فقالت: إنه قال لي: (1) تأخري عني ودليني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في أدبار النساء عرفت أنه ليس من القوم الذين ينظرون في أعجاز النساء، فهذه أمانته، فقال له شعيب ” إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما اريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ” فقال له موسى: ” ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي ” أي لا سبيل علي إن عملت عشر سنين أو ثماني سنين، فقال موسى: ” الله على ما نقول وكيل “. قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي الاجلين قضى ؟ قال: أتمهما عشر حجج، قلت له: فدخل بها قبل أن يمضي الاجل أو بعد ؟ (2) قال: قبل، قلت: فالرحل يتزوج المرأة ويشترط لابيها إجارة شهرين (3) يجوز ذلك ؟ قال: إن موسى عليه السلام علم أنه يتم له شرطه، فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي ؟ ! قلت له: جعلت فداك أيتهما زوجه شعيب من بناته ؟ قال: التي ذهبت إليه فدعته وقالت لابيها: ” يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين “. فلما قضى موسى الاجل قال لشعيب: لابد لي أن أرجع إلى وطني وامي وأهل بيتي، فمالي عندك ؟ فقال شعيب: ما وضعت أغنامي في هذه السنة من غنم بلق فهو لك، فعمد موسى عندما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصاه فقشر منه بعضه وترك بعضه وعزره (4) في وسط مربض الغنم وألقى عليه كساء أبلق، ثم أرسل الفحل على الغنم فلم


(1) في نسخة: انه لما قال لى. (2) في نسخة: قبل أن يقضى الاجل أو بعد. (3) في نسخة: اجارة شهرين مثلا. (4) الصحيح كما في المصدر: ” غرزه ” أي اثبته من غرز عودا بالارض أي أدخله وأثبته.

[ 30 ]

تضع الغنم في تلك السنة إلا بلقا، فلما حال عليه الحول حمل موسى امرأته وزوده شعيب من عنده وساق غنمه، فلما أراد الخروج قال لشعيب: أبغي عصا تكون معي، وكانت عصي الانبياء عنده قد ورثها مجموعة في بيت، فقال له شعيب: ادخل هذا البيت وخذ عصا من بين تلك العصي، فدخل فوثبت عليه عصا نوح وإبراهيم عليهما السلام وصارت في كفه فأخرجها ونظر إليها شعيب فقال: ردها وخذ غيرها، فردها ليأخذ غيرها فوثبت إليه تلك بعينها فردها حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما رأى شعيب ذلك قال له: اذهب فقد خصك الله بها، فساق غنمه فخرج يريد مصر، فلما صار في مفازة ومعه أهله أصابهم برد شديد وريح و ظلمة وقد جنهم الليل ونظر موسى إلى نار قد ظهرت كما قال الله: ” فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ” فأقبل نحو النار يقتبس فإذا شجرة ونار تلتهب عليها، فلما ذهب نحو النار يقتبس منها أهوت إليه ففزع منها وعدا ورجعت النار إلى الشجرة فالتفت إليها وقد رجعت إلى الشجرة (1) فرجع الثانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا وتركها ثم التفت وقد رجعت إلى الشجرة، فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا ولم يعقب أي لم يرجع، فناداه الله: أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين قال موسى عليه السلام: فما الدليل على ذلك ؟ قال الله: ما في يمينك يا موسى ؟ قال: هي عصاي قال: ألقها يا موسى، فألقاها فصارت حية ففزع منها موسى وعدا، فناداه الله: خذها ولا تخف إنك من الآمنين، اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير علة، و ذلك أن موسى عليه السلام كان شديد السمرة (2) فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا، فقال الله عزوجل: ” فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين ” فقال موسى كما حكى الله: ” رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا (3) يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد


(1) في نسخة: وقد رجعت إلى مكانها. (2) سمر: كان لونه بين السواد والبياض. (3) أي معينا مصدقا لى. من ردأ الرجل: أعانه.

[ 31 ]

عضدك بأخيك ونجعل لكم سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون “. (1) بيان: قوله: ” فارغا ” قال البيضاوي: أي صفرا من العقل لما دهاها من الخوف و الحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: ” وأفئدتهم هواء (2) ” أي خلاء لا عقول فيها ” إن كادت لبتدي به ” إنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الزجرة أو الفرح بتبنيه ” لولا أن ربطنا على قلبها ” بالصبر والثبات ” لتكون من المؤمنين ” من المصدقين على الله أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وعطفه انتهى. (3) قوله عليه السلام: (فهلبها) قال الجزري: الهلب: الشعر، وقيل: هو ما غلظ من شعر الذنب وغيره، يقال: هلبت الفرس: إذا نتفت هلبه. قوله: (فوكر صاحبه) أي ضربه بجميع كفه (فقضى عليه) أي قتله. وقال البيضاوي: ” إني لما أنزلت إلي ” لاي شئ أنزلت ” من خير ” قليل أو كثير، وحمله الاكثرون على الطعام ” فقير ” محتاج سائل، ولذلك عدي باللام، وقيل: معناه: إني لما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرا في الدنيا، لانه كان في سعة عند فرعون انتهى. (4) وسفقت الباب وأسفقته أي رددته. قوله: ” بخبر ” أي بخبر الطريق ” أو جذوة ” أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، ولذلك بينه بقوله: ” من النار لعلكم تصطلون ” أي تستدفئون بها. قوله تعالى: ” ردءا ” أي معينا. قوله تعالى ” بآياتنا ” قال البيضاوي: متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا، أو بنجعل أي نسلطكما بها، أو بمعنى لا يصلون أي تمتنعون منهم، أو قسم جوابه لا يصلون، أو بيان للغالبون. (5) 3 – كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي جميلة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السلام ذهب


(1) تفسير القمى: 483 – 488. م (2) ابراهيم: 43. (3) أنوار التنزيل 2: 82. م (4) أنوار التنزيل 2: 82. وفيه: كان في سعة عند فرعون. م (5) انوار التنزيل 2: 85. م

[ 32 ]

يقتبس نارا (1) فانصرف إليهم وهو نبي مرسل. (2) 4 – ع: أبي، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن الحسين ابن جعفر الضبي، عن أبيه، عن بعض مشايخه قال: أوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام: وعزتي يا موسى لو أن النفس التي قتلت أقرت لي طرفة عين أني لها خالق ورازق أذقتك طعم العذاب، وإنما عفوت عنك آمرها لانها لم تقر بي طرفة عين أني لها خالق ورازق. (3) 5 – يه: عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن عليه السلام في قول الله عزوجل: ” يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين ” قال: قال لها شعيب: يا بنية هذا قوي قد عرفته بدفع الصخرة، الامين من أين عرفته ؟ قالت: يا أبت إني مشيت قدامه فقال: امشي من خلفي فإن ضللت فأرشديني إلى الطريق، فإنا قوم لا ننظر في أدبار النساء. (4) 6 – ج، ن: في خبر ابن الجهم قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام عن قول الله عزوجل: ” فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان ” قال الرضا عليه السلام: إن موسى عليه السلام دخل مدينة من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها، وذلك بين المغرب والعشاء، فوجد فيها رجلين يقتتلان: هذا من شيعته، وهذا من عدوه. فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فقضى موسى عليه السلام على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات، قال: هذا من عمل الشيطان، يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى عليه السلام من قتله، إنه يعني الشيطان عدو مضل مبين. قال المأمون: فما معنى قول موسى: ” رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ” ؟ قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة ” فاغفر لي ” أي استرني


(1) في نسخة: ذهب يقتبس لاهله نارا. (2) فروع الكافي 1: 351: وفيه: فان موسى عليه السلام ذهب ليقتبس لاهله نارا. م (3) علل الشرائع: 200. م (4) الفقيه: 470. م

[ 33 ]

من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني ” فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ” قال موسى عليه السلام: ” رب بما أنعمت علي ” من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة ” فلن أكون ظهيرا للمجرمين ” بل اجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى ” فأصبح ” موسى عليه السلام ” في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه ” على آخر ” قال له موسى إنك لغوي مبين ” قاتلت رجلا بالامس وتقاتل هذا اليوم ؟ لاؤدبنك، وأراد أن يبطش به، فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما وهو من شيعته (1) قال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين. قال المأمون: جزاك الله خيرا يا أبا الحسن فما معنى قول موسى لفرعون: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” ؟ قال الرضا عليه السلام: إن فرعون قال لموسى عليه السلام لما أتاه: ” وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ” بي، قال موسى: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” عن الطريق بوقوعي إلى مدينة من مدائنك ” ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكمها وجعلني من المرسلين ” الخبر. (2) بيان: قال الرازي: احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الانبياء بأن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك، فإن كان الاول فلم قال: ” هذا من عمل الشيطان ” ؟ ولم قال: ” رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ” ؟ ولم قال في سورة اخرى: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” ؟ وإن كان الثاني كان قتله معصية ودنبا. والجواب: أنه لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدح، وأما قوله: ” هذا من عمل الشيطان ” ففيه وجوه: أحدها: أن الله تعالى وإن أباح قتل الكفار إلا أنه كان الاولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فهو قوله: ” هذا من عمل الشيطان “. وثانيها: أن قوله: ” هذا ” إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه، فقوله:


(1) في الاحتجاج: ظن الذى هو من شيعته انه يريده اه‍. (2) الاحتجاج: 234، عيون الاخبار: 110. م

[ 34 ]

” هذا من عمل الشيطان ” أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان، والمراد منه بيان كونه مخالفا لله تعالى مستحقا للقتل. وثالثها: أن يكون قوله: ” هذا ” إشارة إلى المقتول، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، يقال: فلان من عمل السلطان أي من أحزابه. وأما قوله: ” رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ” فعلى نهج قول آدم عليه السلام: ” ربنا ظلمنا أنفسنا ” والمراد أحد وجهين: إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. وأما قوله: ” فاغفر لي ” أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المراد: ” رب إني ظلمت نفسي ” حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به ” فاغفر لي ” فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون ” فغفر له ” أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويؤيده أنه قال عقيبه: ” رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ” ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سببا للمعصية لما قال ذلك. وأما قوله: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” فلم يقل: إني صرت بذلك ضالا، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالا، أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله، (1) وما يدين به في ذلك، انتهى. (2) وقال السيد المرتضى قدس الله روحه: مما يجاب به عن هذا السؤال أن موسى عليه السلام لم يتعمد القتل ولا أراد، وإنما اجتاز فاستغاثه رجل من شيعته على رجل من عدوه بغى عليه وظلمه وقصد إلى قتله فأراد موسى أن يخلصه من يعده ويدفع عنه مكروهه،


(1) هو مخالف لما يذهب إليه الامامية من أن الانبياء عليهم السلام لم يكونوا في وقت من الاوقات ضالين. والصواب ما تقدم عن الرضا عليه السلام، ويأتى بعد ذلك جواب عن السيد المرتضى قدس سره. (2) مفاتيح الغيب 6: 466 – 467. م

[ 35 ]

فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، وكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح، ولا يستحق العوض به، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الانسان عن نفسه وبين أن يكون عن غيره في هذا الباب. (1) ثم ذكر نحوا من الاجوبة التي ذكرها الرازي ثم قال: فإن قيل: فما معنى قول فرعون لموسى عليه السلام: ” وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ” ؟ وقوله عليه السلام: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” وكيف نسب عليه السلام الضلال إلى نفسه ولم يكن عندكم في وقت من الاوقات ضالا ؟ الجواب: أما قوله: ” وأنت من الكافرين ” فإنما أراد به: الكافرين لنعمتي وحق تربيتي، فإن فرعون كان المربي لموسى إلى أن كبر وبلغ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه: ” ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين “. (2) فأما قول موسى عليه السلام: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” فإنما أراد به من الذاهبين عن أن الوكزة تأتي على النفس، أو المدافعة تفضي إلى القتل، فقد يسمى الذاهب عن الشئ أنه ضال عنه، ويجوز أيضا أن يريد إني ضللت عن فعل المندوب إليه من الكف عن القتل في تلك الحال والفوز بمنزلة الثواب. (3) ثم قال: فإن قيل: كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه: ” إنك لغوي مبين ” ؟ الجواب: إن قوم موسى كانوا غلاظا جفاة، ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الاصنام: ” اجعل لنا إلها كما لهم آلهة (4) ” وإنما خرج موسى عليه السلام خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتل القبطي، فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون واستنصر موسى عليه السلام فقال له عند ذلك: ” إنك لغوي مبين ” وأراد إنك خائب في طلب ما لا تدركه، وتكلف مالا تطيقه، ثم قصد إلى نصرته كما نصره بالامس على الآخر فظن أنه يريده بالبطش لبعد فهمه فقال له: ” أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون


(1) تنزيه الانبياء: 69. م (2) الشعراء: 18. (3) تنزيه الانبياء: 71 – 72. م (4) الاعراف: 138.

[ 36 ]

من المصلحين ” فعدل عن قتله وصار ذلك سببا لشياع خبر القبطي بالامس. انتهى. (1) أقول: ما ذكره رحمه الله أحد الوجهين في تفسير الآية، والوجه الآخر أن قوله: ” يا موسى أتريد أن تقتلني ” كلام القبطي لا كلام الاسرائيلي كما مر في رواية علي بن إبراهيم، ولعل الاظهر في الخبر هو الاول، ويحتمل الثاني أيضا كما لا يخفى بعد التأمل. 7 – ك: ابن إدريس، عن أبيه، عن سهل، عن محمد بن آدم النسائي، عن أبيه آدم ابن أياس، عن المبارك بن فضالة، عن سعيد بن جبير، عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيد الوصيين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنى عليه، ثم حدثهم بشدة تنالهم يقتل فيها الرجال، وتشق بطون الحبالى، و تذبح الاطفال حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل أسمر طويل، ووصفه لهم (2) بنعته، فتمسكوا بذلك، ووقعت الغيبة والشدة ببني إسرائيل وهم ينتظرون قيام القائم أربعمائة سنة، حتى إذا بشروا بولادته ورأوا علامات ظهوره اشتدت البلوى عليهم وحمل عليهم بالخشب والحجارة، وطلب (3) الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، وتراسلوه وقالوا: كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحارى وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الامر، وكانت ليلة قمراء فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى عليه السلام وكان في ذلك الوقت حديث السن وقد خرج من دار فرعون يظهر النزهة، فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خز، فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وانكب على قدميه فقبلهما ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك، فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الارض شكرا لله عزوجل فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم، ثم غاب بعد ذلك وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم


(1) تنزيه الانبياء، 71. م (2) في المصدر: طوال، ونعته لهم اه‍. م (3) في نسخة: وطلبوا.

[ 37 ]

من الاولى، وكانت نيفا وخمسين سنة، واشتدت البلوى عليهم واستتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا، فخرج إلى بعض الصحارى واستدعاهم وطيب قلوبهم و أعلمهم أن الله عزوجل أوحى إليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم: الحمد لله، فأوحى الله عزوجل: قل لهم: قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد لله، فقالوا: كل نعمة من الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة، فقالوا: لا يأتي بالخير إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرا، فقالوا: لا يصرف الشر إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: لا تبرحوا فقد آذنت في فرجكم، فبيناهم كذلك إذ طلع موسى عليه السلام راكبا حمارا، فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى حتى وقف عليهم فسلم عليهم، فقال له الفقيه: ما اسمك ؟ فقال: موسى، قال: ابن من ؟ قال: ابن عمران، قال: ابن من ؟ قال: ابن وهب بن لاوي بن يعقوب، (1) قال: بماذا جئت ؟ قال: بالرسالة من عند الله عزوجل: فقام إليه فقبل يده، ثم جلس بينهم وطيب نفوسهم وأمرهم أمره، ثم فرقهم فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة. (2) بيان: قوله عليه السلام: (وكانت نيفا وخمسين سنة) أي كان المقدر أولا هكذا ولذا أخبرهم بعد مضي نيف وعشر سنين ببقاء أربعين سنة، ثم خفف الله عنهم مرات حتى أظهر لهم موسى عليه السلام في الساعة بعد رجوعه عن مدين، وكان بقاؤه فيها عشر سنين ومدة ذهابه وإيابه نيفا. 8 – كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن البزنطي قال: قلت لابي الحسن عليه السلام قول شعيب عليه السلام: ” إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ” أي الاجلين قضى ؟ قال: وفى منهما بأبعدهما عشر سنين، قلت: فدخل بها قبل أن ينقضي الشرط أو بعد انقضائه ؟ قال: قبل أن ينقضي، قال: قلت له: فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لابيها إجارة شهرين


(1) هكذا في الكتاب والصحيح كما في المصدر: فاهث بن لاوى بن يعقوب. وقد تقدم نسبه في أول الباب الاول راجعه. (2) كمال الدين: 87. م

[ 38 ]

يجوز ذلك ؟ فقال: إن موسى عليه السلام علم أنه سيتم له شرطه، فكيف لهذا بأن يعلم أنه سيبقى حتى يفي له ؟ ! (1) 9 – ك: أبي وابن الوليد معا عن سعد والحميري ومحمد العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلا فقال: إن هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، ويسومونكم سوء العذاب، وإنما ينجيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طويل جعد آدم، فجعل الرجل من بني إسرائيل يسمي ابنه عمران، ويسمي عمران ابنه موسى. فذكر أبان بن عثمان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما خرج موسى حتى خرج قبله خمسون كذابا من بني إسرائيل كلهم يدعي أنه موسى بن عمران، فبلغ فرعون أنهم يرجفون به (2) ويطلبون هذا الغلام، وقال له كهنته (3) وسحرته: إن هلاك دينك وقومك على يدي هذا الغلام الذي يولد العام في بني إسرائيل، فوضع القوابل على النساء وقال: لا يولد العام غلام إلا ذبح، ووضع على ام موسى قابلة، فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا: إذا ذبح الغلمان واستحيي النساء هلكنا فلم نبق، فتعالوا لا نقرب النساء، فقال عمران أبو موسى: بل باشروهن فإن أمر الله واقع ولو كره المشركون، اللهم من حرمه فإني لا احرمه، ومن تركه فإني لا أتركه وباشر ام موسى فحملت به، فوضع على ام موسى قابلة تحرسها، فإذا قامت قامت وإذا قعدت قعدت، فلما حملته امه وقعت عليها المحبة، وكذلك حجج الله على خلقه، فقالت لها القابلة: مالك يا بنية تصفرين وتذوبين ؟ قالت: لا تلوميني فإني إذا ولدت اخذ ولدي فذبح، قالت: فلا تحزني فإني سوف أكتم عليك، فلم تصدقها. فلما أن ولدت التفتت إليها وهي مقبلة فقالت ما شاء الله، فقالت لها: ألم أقل: إني


(1) فروع الكافي 2: 31 – 32. وفيه انه يستتم له. وفيه ايضا: انه سيبقى حتى يفى. م (2) أي يخوضون في ذكره وأخباره قصد أن يهيجوا الناس به. (3) جمع الكاهن وهو من يدعى الاسرار أو احوال الغيب.

[ 39 ]

سوف أكتم عليك، ثم حملته فأدخلته المخدع (1) وأصلحت أمره، ثم خرجت إلى الحرس فقالت: انصرفوا – وكانوا على الباب – فإنه خرج دم منقطع، فانصرفوا فأرضعته، فلما خافت عليه الصوت أوحى الله إليها: اعملي التابوت ثم اجعليه فيه، ثم أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر، فوضعته في التابوت ثم دفعته في اليم، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر (2) وإن الريح ضربته فانطلقت به، فلما رأته قد ذهب به الماء همت أن تصيح فربط الله على قلبها، قال: وكانت المرأة الصالحة امرأة فرعون من بني إسرائيل قالت لفرعون: إنها أيام الربيع فأخرجني و اضرب لي قبة على شط النيل حتى أتنزه هذه الايام، فضرب لها قبة على شط النيل إذ أقبل التابوت يريدها، فقالت: ما ترون ما أرى على الماء ؟ قالوا: إي والله يا سيدتنا إنا لنرى شيئا، فلما دنا منها قامت إلى الماء فتناولته بيدها، وكاد الماء يغمرها حتى تصايحوا عليها فجذبته فأخرجته من الماء فأخذته فوضعته في حجرها فإذا غلام أجمل الناس وأسرهم فوقعت عليه منها محبة فوضعته في حجرها، وقالت: هذا ابني، فقالوا: إي والله أي سيدتنا مالك ولد ولا للملك فاتخذي هذا ولدا. فقامت إلى فرعون فقالت: إني أصبت غلاما طيبا حلوا نتخذه ولدا فيكون قرة عين لي ولك فلا تقتله، قال: ومن أين هذا الغلام ؟ قالت: لا والله (3) ما أدري إلا أن الماء جاء به، فلم تزل به حتى رضي، فلما سمع الناس أن الملك قد تبنى ابنا لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلا بعث إليه امرأته لتكون له ظئرا أو تحضنه، (4) فأبى أن يأخذ من امرأة منهن ثديا، قالت امرأة فرعون: اطلبوا لابني ظئرا ولا تحقروا أحدا، فجعل لا يقبل من امرأة منهن، فقالت ام موسى لاخته: قصيه، انظري أترين له أثرا، فانطلقت حتى أتت باب الملك، فقالت: قد بلغني أنكم تطلبون ظئرا وههنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم وتكفله لكم، فقالت: أدخلوها، فلما دخلت قالت لها امرأة فرعون: ممن أنت ؟ قالت: من بني إسرائيل، قالت: اذهبي يا بنية فليس لنا فيك حاجة، فقال لها النساء:


(1) المخدع: البيت الصغير الذى يكون داخل البيت الكبير. (2) الغمر: معظم الماء. (3) في المصدر: والله ما ادرى. م (4) أي أو تربيه.

[ 40 ]

عافاك الله انظري هل يقبل أو لا يقبل، فقالت امرأة فرعون: أرأيتم لو قبل هل يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل والمرأة من بني إسرائيل ؟ – يعني الظئر – لا يرضى، قلن: فانظري يقبل أو لا يقبل، قالت امرأة فرعون: فاذهبي فادعيها، فجاءت إلى امها فقالت: إن امرأة الملك تدعوك، فدخلت عليها فدفع إليها موسى فوضعته في حجرها ثم ألقمته ثديها، فإذا قحم اللبن (1) في حلقه، فلما رأت امرأة فرعون أن ابنها قد قبل قامت إلى فرعون فقالت: إني قد أصبت لابني ظئرا وقد قبل منها، فقال: وممن هي ؟ قالت: من بني إسرائيل، قال فرعون: هذا مما لا يكون أبدا، الغلام من بني إسرائيل والظئر من بني إسرائيل ! فلم تزل تكلمه فيه وتقول: ما تخاف من هذا الغلام، (2) إنما هو ابنك ينشؤ في حجرك حتى قلبته عن رأيه ورضي فنشأ موسى في آل فرعون وكتمت امه خبره واخته والقابلة حتى هلكت امه والقابلة التي قبلته، فنشأ لا يعلم به بنو إسرائيل، قال: وكانت بنو إسرائيل. تطلبه وتسأل عنه فيعمى عليهم خبره. (3) قال: فبلغ فرعون أنهم يطلبونه ويسألون عنه، فأرسل إليهم فزاد في العذاب عليهم وفرق بينهم ونهاهم عن الاخبار به والسؤال عنه، قال: فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ لهم عنده علم فقالوا: قد كنا نستريح إلى الاحاديث فحتى متى وإلى متى نحن في هذا البلاء ؟ قال: والله إنكم لا تزالون حتى يجئ الله تعالى ذكره بغلام من ولد لاوي ابن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طوال جعد، فبيناهم كذلك إذ أقبل موسى عليه السلام يسير على بغلة حتى وقف عليهم، فرفع الشيخ رأسه فعرفه بالصفة، فقال له: ما اسمك يرحمك الله ؟ فقال: موسى، قال: ابن من ؟ قال: ابن عمران، فوثب إليه الشيخ فأخذ بيده فقبلها، وثاروا إلى رجليه يقبلونها فعرفهم وعرفوه واتخذ شيعة ومكث بعد ذلك ما شاء الله، ثم خرج فدخل مدينة لفرعون فيها رجل من شيعته يقاتل رجلا من آل فرعون من القبط، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه القبطي، فوكزه موسى فقضى عليه،


(1) في نسخة: فازدحم اللبن في حلقه. (2) في نسخة: ما نخاف. وفى اخرى: أتخاف. وفى ثالثة: ما تخاف. (3) أي فيخفى عليهم خبره.

[ 41 ]

وكان موسى قد اعطي بسطة في الجسم وشدة في البطش، فذكره الناس وشاع أمره، و قالوا: إن موسى قتل رجلا من آل فرعون. فأصبح في المدينة خائفا يترقب، فلما أصبحوا من الغد إذا الرجل الذي استنصره بالامس يستصرخه على آخر، قال له موسى: إنك لغوي مبين، بالامس رجل واليوم رجل ؟ ” فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين * وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفا يترقب ” فخرج من مصر بغير ظهر ولا دابة ولا خادم، تخفضه أرض وترفعه اخرى حتى أتى إلى أرض مدين، فانتهى إلى أصل شجرة فنزل، فإذا تحتها بئر وإذا عندها امة من الناس يسقون، فإذا جاريتان ضعيفتان وإذا معهما غنيمة لهما، فقال: ما خطبكما ؟ قالتا: أبونا شيخ كبير، ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال، فإذا سقى الناس سقينا، فرحمهما موسى عليه السلام فأخذ دلوهما وقال لهما: قدما غنمكما، فسقى لهما، ثم رجعتا بكرة قبل الناس، ثم أقبل موسى إلى الشجرة فجلس تحتها وقال: ” رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ” فروي أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شق تمرة، فلما رجعتا إلى أبيهما قال: ما أعجلكما في هذه الساعة ! قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحيما فسقى لنا، فقال لاحداهما: اذهبي فادعيه لي، فجاءته تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فروي أن موسى عليه السلام قال لها: وجهيني إلى الطريق وامشي خلفي، فإنا بنو يعقوب لا ننظر في أعجاز النساء، فلما جاءه وقص عليه القصص قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين، قال: إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك، فروي أنه قضى أتمهما لان الانبياء لا يأخذون إلا بالافضل والتمام. فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله نحو بيت المقدس أخطأ الطريق ليلا فرأى نارا فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو خبر من الطريق، فلما


[ 42 ]

انتهى إلى النار فإذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى أعلاها، فلما دنا منها تأخرت عنه فرجع وأوجس في نفسه خيفة ثم دنت منه الشجرة فنودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب، فإذا حية مثل الجذع لانيابها صرير (1) يخرج منها مثل لهب النار، فولى مدبرا فقال له ربه عزوجل: ارجع، فرجع وهو يرتعد وركبتاه تصطكان، فقال: إلهي هذا الكلام الذي أسمع كلامك ؟ قال: نعم فلا تخف، فوقع عليه الامان فوضع رجله على ذنبها ثم تناول لحيتها (2) فإذا يده في شعبة العصا قد عادت عصا، وقيل له: اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى، فروي أنه امر بخلعهما بأنهما كانتا من جلد حمار ميت، وروي في قوله عزوجل: ” فاخلع نعليك ” أي خوفيك: خوفك من ضياع أهلك وخوفك من فرعون، ثم أرسله الله عزوجل إلى فرعون وملائه بآيتين: يده والعصا. فروي عن الصادق عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى بن عمران عليه السلام خرج ليقتبس لاهله نارا فرجع إليهم وهو رسول نبي فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيه موسى في ليلة، وكذا يفعل الله تعالى بالقائم الثاني عشر من الائمة عليهم السلام يصلح الله أمره في ليلة كما أصلح الله أمر موسى عليه السلام، ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور. ص: علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن السيد أبي البركات، عن الصدوق مثله مع اختصار (3). بيان: الغمر: الماء الكثير ومعظم البحر. والتبني: اتخاذ ولد الغير ابنا. (فإذا قحم اللبن) لعله كناية عن كثرة سيلان اللبن من قولهم: قحم في الامر: رمى بنفسه فيه فجاءة من غير روية. وفي بعض النسخ: ” يجم ” أي يكثر، وفي بعضها: ” فازدحم “


(1) أي صوت وطنين. (2) في المصدر: لحييها وهو الصحيح. واللحى: عظم الحنك الذى عليه الاسنان وهما لحيان. (3) مخطوط. م

[ 43 ]

قوله تعالى: ” وجاء رجل من أقصى المدينة ” أي آخرها، واختصر طريقا قريبا (1) حتى سبقهم إلى موسى ” يسعى ” أي يسرع في المشي فأخبره بذلك وأنذره، وكان الرجل خربيل (2) مؤمن آل فرعون، وقيل: رجل اسمه شمعون، وقيل: شمعان، قال: ” يا موسى إن الملا ” أي الاشراف من آل فرعون ” يأتمرون بك ” أي يتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا. قوله تعالى: ” تهتز ” أي تتحرك. قوله تعالى: ” كأنها جان ” قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر: فإن سأل سائل فقال: ما تقولون في قوله تعالى: ” فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ” وقوله: ” كأنها جان ” والثعبان هي الحية العظيمة الخلقة، والجان: الصغير من الحيات ؟ وبأي شئ تزبلون التناقض عن هذا الكلام ؟ والجواب: أول ما نقوله أن الحالتين مختلفتان، فحالة كونها كالجان كانت في ابتداء النبوة وقبل مسير موسى عليه السلام إلى فرعون، وحالة كونها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، والتلاوة تدل على ذلك، وقد ذكر المفسرون وجهين: أحدهما أنه تعالى إنما شبهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها وكبر جسمها وهول منظرها، وشبهها في الآية الاخرى بالجان لسرعة حركتها ونشاطها وخفتها، فاجتمع لها مع أنها في جسم الثعبان وكبر خلقه نشاط الجان وسرعة حركته، وهذا أبهر في باب الاعجاز وأبلغ في خرق العادة. والثاني أنه تعالى لم يرد بذكر الجان في الآية الاخرى الحية، وإنما أراد أحد الجن، فكأنه تعالى أخبر بأن العصا صارت ثعبانا في الخلقة وعظم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجن في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها، ويمكن أن يكون للآية تأويل آخر وهو أن العصا لما انقلبت حية صارت أولا بصفة الجان وعلى صورته، ثم صارت بصفة الثعبان على تدريج ولم تصر كذلك ضربة واحدة. (3)


(1) في نسخة: واختص طريقا قريبا. (2) راجع ما تقدم ذيل الخبر الثاني. (3) الغرر والدرر 1: 18 – 19، واختصره المصنف راجع المصدر.

[ 44 ]

وقال رحمه الله في كتاب تنزيه الانبياء: قإن قيل: ما معنى قول شعيب عليه السلام: ” إني اريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين ” الآية ؟ وكيف يجوز في الصداق هذا التخيير والتفويض ؟ وأي فائدة للبنت فيما شرطه هو لنفسه وليس يعود عليها (1) من ذلك نفع ؟ قلنا: يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب عليه السلام وكانت الفائدة باستيجار من يرعيها عائدة عليه إلا أنه أراد أن يعوض بنته عن قيمة رعيها فيكون ذلك مهرا لها، فأما التخيير فلم يكن إلا فيما زاد على الثماني حجج ولم يكن فيما شرطه مقترحا تخيير وإنما كان فيما تجاوزه وتعداه. ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن تكون الغنم كانت للبنت وكان الاب المتولي لامرها والقابض لصداقها، لانه لا خلاف أن قبض الاب مهر بنته البكر البالغ جائز، وليس لاحد من الاولياء ذلك غيره، وأجمعوا على أن بنت شعيب عليه السلام كانت بكرا. ووجه آخر: وهو أنه حذف ذكر الصداق وذكر ما شرطه لنفسه مضافا إلى الصداق لانه جائز أن يشرط الولي لنفسه ما يخرج عن الصداق، وهذا يخالف الظاهر. ووجه آخر: وهو أنه يجوز أن يكون من شريعته عليه السلام العقد بالتراضي من غير صداق معين، ويكون قوله: ” على أن تأجرني ” على غير وجه الصداق، وما تقدم من الوجوه أقوى. (2) 10 – ص: بإسناده عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: ” إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ” أهي التي تزوج بها ؟ قال: نعم، ولما قالت: ” استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين ” قال أبوها: كيف علمت ذلك ؟ قالت: لما أتيته برسالتك فأقبل معي قال: كوني خلفي ودليني على الطريق، فكنت خلفه ارشده كراهة أن يرى مني شيئا، ولما أراد موسى الانصراف قال شعيب: ادخل البيت وخذ من تلك العصي عصا تكون معك تدرء بها (3)


(1) في نسخة: وليس يعود إليها. (2) تنزيه الانبياء: 68 – 69 وفيه: وما تقدم من الوجوه قوى. م (3) درأه: دفعه شديدا.

[ 45 ]

السباع، وقد كان شعيب اخبر بأمر العصا التي أخذها موسى، فلما دخل موسى البيت وثبت إليه العصا فصارت في يده فخرج بها، فقال له شعيب: خذ غيرها، فعاد موسى إلى البيت ووثبت إليه العصا فصار في يده فخرج بها، فقال له شعيب: ألم أقل لك خذ غيرها ؟ قال له موسى: قد رددتها ثلاث مرات كل ذلك تصير في يدي، فقال له شعيب: خذها، وكان شعيب يزور موسى كل سنة، فإذا أكل قام موسى غلى رأسه وكسر له الخبز. (1) 11 – كا: محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن منيع بن الحجاج، عن مجاشع، عن معلى، عن محمد بن الفيض، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت عصا موسى عليه السلام لآدم فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لتنطق إذا استنطقت، اعدت لقائمنا عليه السلام يصنع بها ما كان يصنع موسى عليه السلام وإنها لتروع وتلقف (2) ما يأفكون وتصنع ما تؤمر به، إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون، تفتح لها (3) شعبتان: إحداهما في الارض، والاخرى في السقف، وبينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون بلسانها. (4) اقول: قال السيد بن طاوس قدس الله روحه في كتاب سعد السعود: رأيت في تفسير منسوب إلى الباقر عليه السلام (5) كانت عصا موسى هي عصا آدم عليه السلام بلغنا – والله أعلم – أنه هبط بها من الجنة، كانت من عوسج الجنة، وكانت عصا لها شعبتان، وبلغني أنها


(1) مخطوط. م (2) لتروع أي لتفزع من رآها. تلقف أي تتناول بشدة ما يموه، ويزوره السحرة من تحريك عصواتهم ويقلبونها بصورة الثعبان سحرا. (3) في نسخة تنتبح لها. (4) اصول الكافي ج 1: 231. وفيه: يفتح لها شعبان اه‍. م (5) لعله التفسير المنسوب إلى أبى الجارود زياد بن المنذر، وكان زياد يرويه عن الامام الباقر عليه السلام، ولم يكن التفسير له، نص على ذلك ابن النديم في فهرسته ص 50 حيث قال في تسمية الكتب المصنفة في تفسير القرآن: كتاب الباقر محمد بن على بن الحسين عليهم السلام رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجارودية الزيدية.

[ 46 ]

في فراش شعيب فدخل موسى فأخذها، فقال له شعيب: لقد كانت عندي أمينا أخذت العصا بغير أمري، (1) فقال له موسى: لا، إن العصا لولا أنها كانت لي ما أخذتها، فأقر شعيب ورضي وعرف أنه لم يأخذها إلا وهو نبي. (2) 12 – ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ألقى الله تعالى من موسى على فرعون وامرأته المحبة، قال: وكان فرعون طويل اللحية فقبض موسى عليها فجهدوا أن يخلصوها من يد موسى فلم يقدروا على ذلك حتى خلاها، فأراد فرعون قتله فقالت له امرأته: إن هنا أمرا تستبين به هذا الغلام، ادع بجمرة ودينار فضعهما بين يديه، ففعل فأهوى موسى إلى الجمرة ووضع يده عليها فأحرقتها، فلما وجد حر النار وضع يده على لسانه فأصابته لغثة، (3) وقد قال في قوله تعالى: ” أيما الاجلين قضيت ” قضى أوفاهما وأفضلهما. (4) بيان: الألغث: الثقيل البطئ، والمراد هنا البطوء في الكلام. 13 – ص: سئل الصادق عليه السلام عن موسى عليه السلام لما وضع في البحر كم غاب عن امه حتى رده الله تعالى إليها ؟ قال: ثلاثة أيام. (5) 14 – فض، ضه: روى مجاهد، عن ابن عمرو، وأبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله في خبر طويل قال: إن موسى بن عمران عليه السلام كان فرعون في طلبه يبقر بطون النساء الحوامل ويذبح الاطفال ليقتل موسى عليه السلام، فلما ولدته امه أمرها أن تأخذه من تحتها وتقذفه في التابوت وتلقي التابوت في اليم، فقالت وهي ذعرة (6) من كلامه: يا بني إني أخاف


(1) يخالفه ما تقدم من الروايات من أن شعيب أمره أن يأخذ العصاء أو أمر بنته أن تجئ بها إليه. (2) سعد السعود: 123. (3) هكذا بالغين المعجمة والصواب أنها بالعين المهملة وكذا فيما يأتي في البيان. (4 و 5) مخطوط. م (6) أي خائفة مدهشة.

[ 47 ]

عليك الغرق، فقال لها: لا تحزني إن الله يردني إليك، فبقيت حيرانة حتى كلمها موسى وقال لها: يا ام اقذفيني في التابوت وألقي التابوت في اليم، قال: ففعلت ما امرت به فبقي في اليم إلى أن قذفه الله في الساحل ورده إلى امه برمته (1) لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا معصوما مدة. وروي أن المدة كانت سبعين يوما، وروي سبعة أشهر. 15 – ك: محمد بن علي بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوشاء، عن أحمد بن طاهر، عن محمد بن يحيى بن سهل، عن علي بن الحارث، عن سعد بن منصور، عن أحمد بن علي البديلي عن أبيه، عن سدير الصيرفي، عن الصادق عليه السلام قال: إن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يد موسى أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه من بني إسرائيل، فلم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ الله تبارك وتعالى إياه. (2) أقول: تمامه في أبواب الغيبة. 16 – م: قال عزوجل: ” وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ” قال الامام: قال الله تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل ” إذ نجيناكم ” أنجينا أسلافكم ” من آل فرعون ” وهم الذين كانوا يوالون (3) إليه بقرابته وبدينه وبمذهبه ” يسومونكم ” كانوا يعذبونكم ” سوء العذاب ” شدة العقاب كانوا يحملونه عليكم، قال: وكان من عذابهم الشديد أنه كان فرعون يكلفهم عمل البناء والطين ويخاف أن يهربوا عن العمل فأمرهم بتقييدهم، وكانوا ينقلون ذلك الطين على السلاليم إلى السطوح، فربما سقط الواحد منهم فمات أو زمن (4) لا يحفلون بهم إلى أن أوحى الله إلى موسى: قل لهم: لا يبتدئون عملا إلا بالصلاة على محمد وآله الطيبين ليخف عليهم، فكانوا يفعلون ذلك فيخف عليهم، وأمر كل من سقط فزمن


(1) أي بجملته ما أصابه عيب ولا نقص. (2) كمال الدين: 202. والحديث طويل سقط صدره وذيله. م (3) في المصدر: يدنون إليه. م (4) أي أصابه الزمانة وهى العاهة وتعطيل القوى والاعضاء عن التصرف.

[ 48 ]

ممن نسي الصلاة على محمد وآله الطيبين أن يقولها على نفسه إن أمكنه – أي الصلاة على محمد وآله – أو يقال عليه إن لم يمكنه، فإنه يقوم ولا تقلبه يد (1) ففعلوها فسلموا ” يذبحون أبناءكم ” وذلك لما قيل لفرعون: إنه يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر بذبح أبنائهم، فكانت الواحدة منهن تصانع القوابل (2) عن نفسها كيلا تنم عليها ويتم حملها ثم تلقي ولدها في صحراء أو غار جبل أو مكان غامض (3) ويقول عليه عشر مرات الصلاة على محمد وآله، فيقيض الله (4) له ملكا يربيه، ويدر من إصبع له لبنا يمصه، ومن إصبع طعاما لينا يتغذاه إلى أن نشأ بنو إسرائيل وكان من سلم منهم ونشأ أكثر ممن قتل ” ويستحيون نساءكم ” يبقونهن ويتخذونهن إماء، فضجوا إلى موسى عليه السلام و قالوا: يفترعون (5) بناتنا وأخواتنا، فأمر الله تلك البنات كلما رآهن من ذلك ريب صلين على محمد وآله الطيبين، وكان الله يرد عنهن اولئك الرجال: إما بشغل أو مرض أو زمانة أو لطف من ألطافه، فلم تفترش (6) منهن امرأة، بل دفع الله عزوجل ذلك عنهن بصلاتهن على محمد وآله الطيبين، ثم قال عزوجل: ” وفي ذلكم ” في ذلك الانجاء الذي أنجاكم منهم ربكم ” بلاء ” نعمة ” من ربكم عظيم ” كبير، قال الله عزوجل: يا بني إسرائيل اذكروا إذا كان البلاء يصرف عن أسلافكم ويخف بالصلاة على محمد وآله الطيبين أفما تعلمون أنكم إذا شاهدتموه وآمنتم به كانت النعمة عليكم أعظم وأفضل وفضل الله لديكم أجزل ؟. (7)


(1) هكذا في نسخ وفى نسخة: لا تقلبه به. وفى المصدر: فانه يقوم ولا يضره ذلك. (2) أي تداهنها وتخادعها. (3) أي مكان مطمئن يخفى امره عن فرعون وأصحابه. (4) أي فيجئ الله بملك يربيه. (5) افترع البكر: أزال بكارتها. (6) افترشه: وطئه. وافترس عرضه: استباحه بالوقيعة فيه. (7) تفسير الامام: 97 – 98، وفيه: أكثر وأجزل. م

[ 49 ]

بيان: قوله: (لا يحفلون بهم) أي لا يبالون بهم. قوله عليه السلام: (ولا يقلبه يد) الجملة حالية أي يقوم من غير أن تقلبه يد ويداويه أحد. قوله: (تصانع) المصانعة: الرشوة، و قوله: (تنم) بالنون من النميمة. والافتراع: إزالة البكارة. 17 – مل: بإسناده عن ربعي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: شاطئ الواد الايمن الذي ذكره الله في كتابه هو الفرات، والبقعة المباركة هي كربلاء، والشجرة هي محمد. (1) 18 – عدة: روي أنه لما بعث الله موسى وهارون إلى فرعون قال لهما: لا يروعكما لباسه فإن ناصيته بيدي، ولا يعجبكما ما متع به من زهرة الحياة الدنيا وزينة المسرفين، فلو شئت زينتكما بزينة يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عنها، ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي (2) الدنيا عنكما وكذلك أفعل بأوليائي إني لاذودهم (3) عن نعيمها كما يذود الراعي غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لاجنبهم سلوكها كما يجنب ؟ ؟ الراعي الشفيق إبله من موارد الغرة، (4) وما ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا. إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف الذي ينبت في قلوبهم فيظهر على أجسادهم فهو شعارهم ودثارهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يفوزون، ودرجاتهم التي يأملون، ومجدهم الذي به يفخرون، وسيماهم التي بها يعرفون، فإذا لقيتهم يا موسى فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أخاف لي أوليائي فقد بارزني بالمحاربة، ثم أنا الثائر لهم يوم القيامة. (5) 19 – مع: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أحمد بن هلال، عن محمد بن سنان، عن محمد بن عبد الله بن رباط، عن محمد بن النعمان الاحول، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: ” فلما بلغ أشده واستوى ” قال: أشده ثمانية عشر سنة، واستوى: التحى. (6)


(1) كامل الزيارة: 13 – 14. م (2) أي انحى. (3) أي لادفعهم واطردهم. (4) أي من موارد الهلكة. (5) عدة الداعي: 113 – 114. م (6) معاني الاخبار: 67. م

[ 50 ]

بيان: قال البيضاوي: ” ولما بلغ أشده ” أي مبلغه الذي لا يزيد عليه نشوؤه، وذلك من ثلاثين إلى أربعين سنة، فإن العقل يكمل حينئذ، وروي أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين، واستوى قده أو عقله. (1) اقول: المعتمد ما ورد في الخبر. 20 – نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام بعد الحث على التأسي بالرسول: وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله عليه السلام إذ يقول: ” رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ” والله ما سأله إلا خبزا يأكله، لانه كان يأكل بقلة الارض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه. بيان: الصفاق: الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن. وشفيفه: رقته وتشذب اللحم: تفرقه. 21 – نهج: الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات ولا نطق ولا لهوات. اقول: قال الثعلبي في كتاب عرائس المجالس: لما مات الريان بن الوليد فرعون مصر الاول صاحب يوسف عليه السلام وهو الذي ولى يوسف عليه السلام خزائن أرضه وأسلم على يديه، فلما مات ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني، فدعاه يوسف إلى الاسلام فأبى وكان جبارا وقبض الله تعالى يوسف عليه السلام في ملكه وطال ملكه ثم هلك، وقام بالملك بعده أخوه أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان بن أراشة بن ثروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذبن سام بن نوح، وكان أعتى من قابوس وأكبر وأفجر، وامتدت أيام ملكه. وأقام بنو إسرائيل بعد وفاة يوسف عليه السلام وقد نشروا وكثروا وهم تحت أيدي العمالقة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الاسلام متمسكين به حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، وقد ذكرنا اسمه ونسبه ولم يكن منهم (2) فرعون أعتى على الله تعالى ولا أعظم قولا ولا أقسى قلبا ولا أطول عمرا في ملكه ولا أسوأ


(1) انوار التنزيل 2: 83. م (2) في المصدر: فيهم. م (*)

[ 51 ]

ملكة لبني إسرائيل منه، وكان يعذبهم ويستعبدهم فجعلهم خدما وخولا، (1) وصنفهم في أعماله: فصنف يبنون، وصنف يحرسون، وصنف يتولون الاعمال القذرة، ومن لم يكن من أهل العمل فعليه الجزية، كما قال الله تعالى: ” يسومونكم سوء العذاب ” وقد استنكح فرعون منهم امرأة يقال لها آسية بنت مزاحم من خيار النساء المعدودات، ويقال: بل هي آسية بنت مزاحم بن الريات بن الوليد فرعون يوسف الاول فأسلمت على يدي موسى عليه السلام. قال مقاتل: ولم يسلم من أهل مصر إلا ثلاثة: آسية وخربيل ومريم بنت ناموساء التي دلت موسى على قبر يوسف عليه السلام فعمر فرعون وهم تحت يديه عمرا طويلا يقال: أربعمائة سنة يسومونهم سوء العذاب. فلما أراد الله تعالى أن يفرج عنهم بعث موسى عليه السلام وكان بدء ذلك على ما ذكره السدي عن رجاله أن فرعون رأى في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأخربتها وأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون السحرة والكهنة والمعبرين والمنجمين وسألهم عن رؤياه، فقالوا: إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك، ويبدل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه، قال: فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه، ولا جارية إلا تركتنها، ووكل بهن فكن يفعلن ذلك، قال مجاهد: لقد ذكر لي أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، (2) ثم يصف بعضها إلى بعض ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقعن فتحز أقدامهن (3) حتى أن المرأة منهن لتضع ولدها فيقع بين رجليها، فتظل تطأه تتقي به حد القصب عن رجلها لما بلغ من جهدها، فكان يقتل الغلمان الذين كانوا في وقته، ويقتل


(1) الخول: العبيد والاماء والخدم. (2) الشفار: جمع الشفرة: السكين العظيمة العريضة. حد السيف. جانب النصل. (3) في نسخة ” فتحر ” وفى المصدر: ثم يضف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بالحبالى من بنى اسرائيل فيوقفن عليه فتجرح اقدامهن.

[ 52 ]

من يولد منهم، ويعذب الحبالى حتى يضعن ما في بطونهن، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها، قالوا: فولدت هارون امه علانية آمنة، فلما كان العام المقبل حملت بموسى فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه واشتد غمها فأوحى الله تعالى إليها وحي إلهام: ” أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين ” فلما وضعته في خفية أرضعته، ثم اتخذت له تابوتا، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه. قال مقاتل: وكان الذي صنع التابوت خربيل (1) مؤمن آل فرعون، وقيل: إنه كان من بردي (2) فاتخذت ام موسى التابوت وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى و قيرت رأسه وخصاصه، (3) ثم ألقته في النيل، فلما فعلت ذلك وتوارى عنها ابنها أتاها الشيطان لعنه الله ووسوس إليها فقالت في نفسها: ماذا صنعت بابني ؟ لوذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن القيه بيدي إلى دواب البحر، فعصمها الله تعالى، وانطلق الماء بموسى يرفعه الموج مرة ويخفضه اخرى حتى أدخله بين أشجار عند دار فرعون إلى فرضة (4) وهي مستقى (5) جواري آل فرعون، وكان يشرب منها نهر كبير في دار فرعون و بستانه، فخرجت جواري آسية يغتسلن ويسقين فوجدن التابوت فأخذنه وظنن أن فيه مالا فحملنه كهيئته حتى أدخلنه على آسية (6) فلما فتحته ورأت الغلام فألقى الله تعالى


(1) في المصدر: خرقيل وكذا فيما تقدم. (2) بفتح الباء: نبات كالقصب كان قدماء المصريين يتخذون قشره للكتابة. (3) الخصاص بالفتح: كل خلل أو خرق في الباب وما شاكله. الفرج في البناء. (4) الفرضة بالضم من النهر: الثلمة ينحدر منها الماء وتصعد منها السفن ويسقى منها. (5) في نسخة: مسقى. (6) قد سقط من العرائس المطبوع بمصر هنا ازيد من صفحة وهو من قوله: ” فلما فتحته ” إلى قوله: فيما يأتي ” فلما اخرجوه من التابوت عمدت بنت فرعون “.

[ 53 ]

عليه محبة منها فرحمته آسية وأحبته حبا شديدا، فلما سمع الذباحون أمره أقبلوا على آسية بشفارهم ليذبحوا الصبي، فقالت آسية للذباحين: انصرفوا فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت به وقالت: ” قرة عين لي ولك لا تقتله عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ” فقال فرعون: قرة عين لك، فأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين كما أقرت به لهداه الله تعالى كما هدى به امرأته ولكن الله تعالى حرمه ذلك. قالوا: فأراد فرعون أن يذبحه وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا هو الذي على يديه هلاكنا وزوال ملكنا، فلم تزل آسية تكلمه حتى وهبه لها، فلما أمنت آسية أرادت أن تسميه باسم اقتضاه حاله وهو موشى لانه وجد بين الماء والشجر و ” مو ” بلغة القبط الماء و ” الشا ” (1) الشجر فعرب فقيل موسى. وروي عن ابن عباس أن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس وعملوا بالمعاصي، ووافق خيارهم شرارهم، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم وساموهم سوء العذاب، وذبحوا أبناءهم، وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد. وعن ابن عباس أن ام موسى لما تقارب ولادتها وكانت قابلة من القوابل مصافية (2) لها، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها فأتتها وقبلتها، (3) فلما أن وقع موسى بالارض هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك وإخبار فرعون بذلك، ولكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت مثله قط، فاحفظي فإنه هو عدونا، فلما خرجت القابلة من


(1) لعل الصحيح. شى. (2) صافى فلانا: أخلص له الود. (3) قبلت المرأة: كانت قابلة. قبلت القابلة الولد: تلقته عند الولادة. وقبلتها أي أخرجت ولدها.

[ 54 ]

عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على ام موسى، فقالت اخته: هذه الحرس بالباب، فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع خوفا عليه، فلفته في خرقة ووضعته في التنور – وهو مسجور – بإلهامه تعالى، فدخلوا فإذا التنور مسجور. وروي أن ام موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة ؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت علي زائرة، فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها فقالت لاخت موسى: فأين الصبي ؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما، فاحتملته. وعن ابن عباس قال: انطلقت ام موسى إلى نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها: ما تصنعين به ؟ قالت: ابن لي أخبؤه فيه، (1) وكرهت أن تكذب فانطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمرها، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده فلم يدر الامناء، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوى فيه (2) حيران، فجعل الله عليه أن رد لسانه وبصره إن لا يدل عليه و يكون معه يحفظه، فرد الله عليه بصره ولسانه، فآمن به وصدقه، فانطلقت ام موسى وألقته في البحر، وذلك بعدما أرضعته ثلاثة أشهر، وكان لفرعون يومئذ بنت ولم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان بها برص شديد وقد قالت أطباء المصر والسحرة: إنها لا تبرء إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الانسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرء من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق، فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية، فأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الامواج، فأخذوه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها، للذي أراد الله أن يكرمها، (3) فعالجته ففتحت الباب، فإذا نوره بين عينيه، وقد


(1) أي اخفيه فيه. (2) هوى في الارض: ذهب فيها. (3) علة لرؤيتها دون غيرها.

[ 55 ]

جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصه لبنا، فألقى الله حبه في قلبها وأحبه فرعون، (1) فلما أخرجوه عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرئت، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك، (2) فهم فرعون بقتله فاستوهبته آسية فوهبه لها، ثم قال لها: سميه، فقالت: سميته موشى لانه وجد بين الماء والشجر. قالوا: وقالت ام موسى لاخته – وكانت تسمى مريم -: قصيه، أي اتبعي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا ؟ أحي ابني أم قد أكلته دواب البحر ؟ ونسيت وعد الله تعالى ” فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ” أنها اخته. (3) فلما امتنع أن يأخذ من المراضع ثدياقالت: ” هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ” فلما أتت بامه ثار إلى ثديها حتى امتلا جنباه، فقالت: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فقالت: لا أستطيع أن أدع


(1) إلى هنا سقط عن العرائس المطبوع بمصر. (2) أي خوفا منك. (3) في المصدر: عن جنب أي عن بعدوهم لا يشعرون أنها اخته. وفى المصدر هنا زيادة لم تكن في نسخة المؤلف قدس سره أو اراد الاختصار، ونحن نوردها بألفاظها وهى هذه: وكانت آسية قد أرسلت إلى من حولها من كل انثى بها لبن لتختار له ظئراتربى موسى، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت آسية أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به فاخرج إلى السوق لتجتمع عليه الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يقبلها ويأخذ ثديها ويرضع منها، فلم يقبل ثدى امرأة فذلك قوله عزوجل ” وحرمنا عليه المراضع من قبل ” فقالت اخت موسى حين أعياهم أمره وأعيا الظؤورة: ” هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ” فأخذوها وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له ؟ ولعلك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: ما أعرفهم، وانما نصحهم له وشفقتهم عليه من أجل رغبتهم في ظؤورة الملك ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى امها فاخبرتها بالخبر فأتت، فلما وضعتها على ثديها في حجرها نزل اللبن من ثديها حتى ملا جنبيه، فانطلق البشير إلى آسية يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فارسلت إليها فأتى بها، فلما رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثى عندي.

[ 56 ]

بيتي وولدي، (1) فإن طابت نفسك أن تعطيني فأذهب به إلى بيتي لاآلوه خيرا، (2) فعلت وذكرت (3) ام موسى وعد الله تعالى فرجعت به إلى بيتها من يومها، وقيل: كانت غيبة موسى عن امه ثلاثة أيام فلما جاءت امه به إلى بيتها كادت تقول: هو ابني، فعصمها الله تعالى وذلك قوله تعالى ” إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبه ” فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى: احب أن تريني ابني، فوعدتها يوما تريها إياه، فقالت لحواضنها وقهارمتها: (4) لا تبقين منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلم تزل الهدايا والتحف تستقبله من حين اخرج من بيت امه إلى أن ادخل على امرأة فرعون، فأكرمته وفرحت به، فلما ادخل على فرعون تناول لحيته ونتف منها، ويقال: إنه لطم وجهه، وفي بعض الروايات أنه كان يلعب بين يدي فرعون وبيده قضيب صغير يلعب به إذ ضرب على رأس فرعون، فغضب غضبا شديدا وتطير منه وقال: هذا عدوي، فأرسل إلى الذباحين، فقالت امرأته: إنما هو صبي لا يعقل، وإني أجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، أضع له حليا من الذهب، وأضع له جمرا، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل، فلما حول جبرئيل يده إلى الجمر قبضها وطرحها في فيه فوضعها على لسانه فأحرقته، فذلك الذي يقول: ” واحلل عقدة من لساني ” فكف عن قتله وحببه الله تعالى إليه وإلى الناس كلهم. وقال أهل السير: لما بلغ موسى عليه السلام أشده وكبر كان يركب مراكب فرعون، ويلبس ما يلبس فرعون وكان إنما يدعى موسى بن فرعون، وامتنع به بنو إسرائيل من كثير من


(1) في المصدر: لا استطيع أن أدع بيتى وولدى فيضيعوا. (2) في المصدر: لا اولى له الا خيرا، أي لا أصنع له الا خيرا. (3) في المصدر زيادة وهى هكذا: وإلا انى غير تاركة بيتى وولدى، وتذكرت ام موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله تعالى منجز وعده فرجعت بابنها إلى بيتها من وقتها. (4) الحواضن جمع الحاضنة: هي التى تقوم على الصغير في تربيته. القهرمان: الوكيل أو أمين الدخل والخرج. وفى المصدر: فقالت آسية لخواصها وقهارمتها: لا يبقى منكن واحدة الا استقبلت ابني بهدية وكرامة، فانى بادئة بأمينة تحصى ما تصنع كل قهرمانة منكن فلم تزل اه‍.

[ 57 ]

الظلم، (1) فركب فرعون ذات يوم فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض بقال لها منف، (2) فدخلها نصف النهار وقد غلقت أسواقها وليس في طرقها أحد، وذلك قوله تعالى: ” على حين غفلة من أهلها ” فبينا هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، والذي من شيعته يقال إنه السامري، والذي من عدوه كان خبازا لفرعون واسمه قاثون، (3) وكان اشترى حطبا للمطبخ فسخر السامري ليحمله، فامتنع، فلما مر بهما موسى استغاث به، فقال موسى للقبطي: دعه، فقال الخباز: إنما آخذه لعمل أبيك، فأبى أن يخلي سبيله، فغضب موسى فبطش وخلص السامري من يده، فنازعه الفبطي فوكزه موسى فقتله وهو لا يريد قتله، قالوا: ولما قتل لم يرهما إلا الله تعالى والاسرائيلي، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الاخبار، فاتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا، فقال: ائتوني بقاتله ومن يشهد عليه، فطلبوا ذلك فبيناهم يطوفون إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الاسرائيلي: يقاتل فرعونيا، فاستغاثه على الفرعوني، فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالامس، وكره الذي رأى، فغضب موسى فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني: فقال للاسرائيلي ” إنك لغوي مبين ” ففرع الاسرائيلي من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلط له الكلام، فظن أنه يريد قتله، فقال له: ” يا موسى أتريد أن تقتلني ” الآية، وإنما قال ذلك مخافة من موسى وظنا أن يكون إياه أراد، وإنما أراد الفرعوني، فتتاركا، وذهب إلى فرعون وأخبره بما سمع من الاسرائيلي، فأرسل فرعون الذباحين وأمرهم بقتل موسى وقال لهم: اطلبوه في بنيات الطريق (4) فإنه غلام لا يهتدي إلى الطريق، فجاءه رجل من أقصى المدينة من شيعته يقال له خربيل (5) وكان على بقية من دين إبراهيم الخليل عليه السلام وكان أول من صدق بموسى وآمن به.


(1) في المصدر: وامتنع به عن بنى اسرائيل كثير من الظلم والسخر التى كانت فيهم، ولا يعلم الناس أن ذلك الا من قبل الرضاعة، قالوا. فركب. (2) منف بالفتح ثم السكون وفاء: اسم مدينة فرعون بمصر تقدم ذكرها قبلا. (3) في المصدر: قاتون. (4) بنيات الطريق: الطرق الصغيرة المتشعبة من الجادة. (5) في المصدر: حزقيل.

[ 58 ]

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: سباق الامم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: خربيل (1) مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو أفضلهم. قالوا: فجاء خربيل (2) فاختصر طريقا قريبا حتى سبق الذباحين إليه وأخبره بما هم به فرعون، فذلك قوله تعالى: ” وجاء رجل من أقصى المدينة ” الآية، فتحير موسى ولم يدر أين يذهب، فجاء ملك على فرس بيده عنزة فقال له: اتبعني، فاتبعه فهداه إلى مدين. وعن ابن عباس أنه خرج من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثمان ليال، ويقال: نحو من كوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فما وصل إليها متى وقع خف قدميه، وإن خضرة البقل تتراءى من بطنه. قالت العلماء: لما انتهى موسى إلى أرض مدين في ثمان ليال نزل في أصل شجرة، وإذا تحتها بئر، وهي التي قال الله تعالى: ” ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ” أي تحبسان أغنامهما، فقال لهما: ” ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ” لانا امرأتان ضعيفتان، لا نقدر على مزاحمة الرعاء، فإذا سقوا مواشيهم سقينا أغنامنا من فضول حياضهم ” وأبونا شيخ كبير ” تعنيان شعيبا. وعن ابن عباس قال: اسم أب امرأة موسى الذي استأجره يثرون صاحب مدين ابن أخي شعيب عليه السلام واسم إحدى الجاريتين ليا ويقال حنونا، واسم الاخرى صفوراء وهي امرأة موسى، فلما قالتا ذلك رحمهما، وكان هناك بئر وعلى رأسها صخرة، وكان نفر من الرجال يجتمعون عليها حتى يرفعوها عن رأسها، وقيل: إن تلك البئر غير البئر التي يستقي منها الرعاء، قالوا: فرفع موسى الصخرة عن رأسها وأخذ دلوا لهما فسقى لهما أغنامهما، فرجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس، وتولى موسى إلى ظل الشجرة فقال: ” رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير “. فقال ابن عباس: لقد قال ذلك موسى عليه السلام ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة


(1 و 2) في المصدر: حزقيل.

[ 59 ]

أمعائه من شدة الجوع لنظر، ما يسأل الله تعالى إلا اكلة. وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما قال لهما: ما أعجلكما ! قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا فقال لاحداهما: فاذهبي فادعيه إلي، وهي التي تزوجها موسى، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء فقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فقام موسى عليه السلام و تقدمته وهو يتبعها، فهبت ريح فألزقت ثوب المرأة بردفها، فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق، فإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة، فإنا بني يعقوب لا ننظر في أعجاز النساء، فنعتت له الطريق إلى منزل أبيها ومشت خلفه حتى دخلا على شعيب، فسأله عن حاله فأخبره فقال: ” لا تخف نجوت من القوم الظالمين ” فقالت إحداهما وهي التي كانت الرسول إلى موسى: ” يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين ” وإنما قالت: القوي لانه أزال الحجر الذي كان يرفعه ثلاثون أو أربعون رجلا، (1) فقال لها أبوها: فما علمك بأمانته ؟ فأخبرت أباها بما أمرها به موسى من استدبارها إياه. قالوا: فلما قضى موسى عليه السلام أتم الاجلين وسار بأهله منفصلا من أرض مدين يؤم الشام ومعه أغنامه وامرأته وهي في شهرها لا تدري أليلا تضع أم نهارا فانطلق في برية الشام عادلا عن المدائن والعمران مخافة الملوك الذين كانوا بالشام، وكان أكبر همه يومئذ أخاه هارون وإخراجه من مصر، فسار موسى عليه السلام في البرية غير عارف بطرقها، فأجاءه المسير (2) إلى جانب الطور الغربي الايمن في عشية شاتية شديدة البرد، وأظلم عليه الليل، وأخذت السماء ترعد وتبرق وتمطر وأخذ امرأته الطلق، فعمد موسى إلى زنده و قدحه مرات فلم تور، فتحير وقام وقعد وأخذ يتأمل ما قرب وبعد تحيرا وضجرا، فبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا، فحسبه نارا فقال لاهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى يعني من يدلني على الطريق وكان قد ضل الطريق، فلما أتاها رأى نورا عظيما ممتدا من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك، و


(1) في المصدر: لا يرفعه الا اربعون رجلا. وليس فيه ثلاثون. م (2) في المصدر فألجأه المسير.

[ 60 ]

اختلفوا فيها فقيل: العوسجة، وقيل: العناب، فتحير موسى وارتعدت مفاصله حيث رأى نارا عظيمة ليس لها دخان، تلتهب وتشتعل من جوف شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا عظما، ولا الشجرة إلا خضرة ونضرة، فلما دنا استأخرت عنه، فخاف عنها ورجع، ثم ذكر حاحته إلى النار فرجع إليها فدنت منه فنودي من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة: ” أن يا موسى ” فنظر فلم ير أحدا فنودي: ” إني أنا الله رب العالمين ” فلما سمع ذلك علم أنه ربه، فناداه ربه أن ادن واقترب، فلما قرب منه وسمع النداء ورأى تلك الهيبة خفق قلبه و كل لسانه وضعفت متنه، (1) وصار حيا كميت، فأرسل الله سبحانه إليه ملكا يشد ظهره، ويقوي قلبه، فلما تاب إليه (2) نودي: ” اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ” ثم قال الله سبحانه تسكينا لقلبه وإذهابا لدهشته: ” وما تلك بيمينك ” إلى قوله تعالى: ” مآرب اخرى “. واختلف في اسم العصا قال ابن جبير: اسمها ما شاء الله، (3) وقال مقاتل: اسمها نفعة، وقيل غياث، وقيل عليق. وأما صفتها والمآرب التي فيها لموسى عليه السلام فقال أهل العلم بأخبار الماضين: كان لعصا موسى شعبتان ومحجن في أصل الشعبتين، وسنان حديد في أسفلها، فكان موسى عليه السلام إذا دخل مفازة ليلا ولم يكن قمر تضئ شعبتاها كالشعبتين من نور، تضيئان له مد البصر، وكان إذا أعوز الماء أدلاها في البئر فجعلت تمتد إلى مقدار قعر البئر وتصير في رأسها شبه الدلو يستقي، وإذا احتاج إلى الطعام ضرب الارض بعصاه فيخرج ما يأكل يومه، وكان إذا اشتهى فاكهة من الفواكه غرزها في الارض (4) فتغصنت أغصان تلك الشجرة التي اشتهى موسى فاكهتها وأثمرت له من ساعتها، ويقال: كان عصاه من اللوز، فكان إذا جاع ركزها (5) في الارض فأورقت وأثمرت وأطعمت فكان يأكل منها اللوز، وكان إذا قاتل عدوه يظهر على شعبتيها تنينان يتناضلان، (6) وكان يضرب على الجبل


(1) المتن: الظهر. (2) أي فلما رجع إليه الصحة. (3) في المصدر: ماسا. (4) أي أدخلها واثبتها فيها. (5) أي اثبتها فيها. (6) التنين كسجين: الحية العظيمة. وفى المصدر: تنينان يقاتلان.

[ 61 ]

الصعب الوعر المرتقى وعلى الشجر والعشب والشوك فينفرج، وإذا أراد عبور نهر من الانهار بلا سفينة ضربها عليه فانفلق وبدا له طريق مهيع يمشي فيه، وكان يشرب أحيانا من إحدى الشعبتين اللبن ومن الآخر العسل، وكان إذا أعيا في طريقه يركبها فتحملها إلى أي موضع شاء من غير ركض ولا تحريك رجل، وكانت تدله على الطريق وتقاتل أعداءه، وإذا احتاج موسى إلى الطيب فاح منها الطيب حتى يتطيب ثوبه، وإذا كان في طريق فيه لصوص تخشى الناس جانبهم تكلمه العصا وتقول له: خذ جانب كذا، وكان يهش بها على غنمه، ويدفع بها السباع والحيات والحشرات، وإذا سافر وضعها على عاتقه وعلق عليها جهازه ومتاعه ومخلاته ومقلاعه وكساءه وطعامه وسقاءه. قال مقاتل بن حيان: قال شعيب لموسى حين زوج ابنته وسلم إليه أغنامه يرعاها: اذهب بهذه الاغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك، وإن كان الكلاء بها أكثر فإن هناك تنسينا عظيما أخشى عليك وعلى الاغنام منه، فذهب موسى بالاغنام فلما بلغ مفرق الطريقين أخذت الاغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه، فنام موسى والاغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى فحاربته فقتلته، وأتت فاستلقت على جنب موسى وهي دامية، فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فعلم أن في تلك العصا لله تعالى قدرة، وعرف أن لها شأنا، فهذه مآرب موسى فيها إذا كانت عصا، فأما إذا ألقاها موسى فيرى أنها تنقلب حية كأعظم ما يكون من التنانين سوداء مدلهمة تدب على أربع قوائم، تصير شعبتاها فمها، وفيه اثنا عشر أنيابا وأضراسا، لها صريف وصرير، يخرج منها لهب النار، فتصير محجنها عرفا لها كأمثال النيازك (1) تلتهب، وعيناها تلمعان كما يلمع البرق، تهب من فيها ريح السموم، لا تصيب شيئا إلا أحرقته، تمر بالصخرة مثل الناقة الكوماء (2) فتبتلعها حتى أن الصخور في جوفها تتقعقع (3) وتمر بالشجرة فتفطرها بأنيابها ثم تحطمها و


(1) جمع النيزك: شعلة ترى كالرمح، وهو أحد أقسام الشهب المتساقطة. (2) الكوماء: البعير الضخم السنام. (3) تقعقع: صوت.

[ 62 ]

تبتلعها، وجعلت تتلمظ وتترمرم كأنها تطلب شيئا تأكل وكان تكون في عظم الثعبان وخفة الجان، ولى الحية، وذلك موافق لنص القرآن حيث قال في موضع: ” فإذا هي ثعبان مبين ” وقال في موضع آخر: ” كأنها جان ” وقال في موضع آخر: ” فإذا هي حية تسعى ” قالوا: فلما ألقاها صارت شعبتاها فمها، ومحجنها عرفا لها في ظهرها وهي تهتز لها أنياب وهي كما شاء الله أن يكون، فرأى موسى أمرا فظيعا فولى مدبرا ولم يعقب، فناداه ربه تعالى: أن يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين. قالوا: وكان على موسى جبة من صوف فلف كمه على يده وهو لها هائب فنودي: أن احسر عن يدك، فحسر كمه عن يده ثم أدخل يده بين لحييها، فلما قبض فإذا هو عصاه في يده ويده بين شعبتيها حيث كان يضعها، ثم قال له: ” أدخل يدك في جيبك ” فأدخلها ثم أخرجها فإذا هي نور تلتهب يكل عنه البصر، ثم ردها فخرجت كما كانت على لون يديه. ثم قال له: ” اذهب إلى فرعون إنه طغى ” فقال موسى: ” رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ” قال الله تعالى: ” سنشد عضدك بأخيك ” الآية، وكان على موسى يومئذ مدرعة قد خلها بخلال وجبة من صوف، وثياب من صوف، وقلنسوة من صوف، والله سبحانه يكلمه ويعهد إليه ويقول له: يا موسى انطلق برسالتي وأنت بعيني وسمعي، ومعك قوتي و نصرتي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر من نعمتي وآمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، وعزتي وجلالي لولا الحجة والعذر اللذان جعلتهما بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السماوات والارض والبحار والجبال والشجر والدواب، فلو أذنت للسماء لحصبته، (1) أو للارض لابتلعته أو للجبال لدكدكته، أو للبحار لغرقته، ولكن هان علي وصغر عندي ووسعه حلمي، وأنا الغني عنه وعن جميع خلقي، وأنا خالق الغني والفقير، لا غني إلا من أغنيته، ولا فقير إلا من أفقرته، فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي والاخلاص لي، وحذره نقمتي وبأسي، وذكره أيامي، وأعلمه أنه لا يقوم لغضبي شئ وقل له فيما بين ذلك


(1) أي رمته بالحصباء.

[ 63 ]

قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وكنه في خطابك (1) إياه ولا يرو عنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ولا يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بعلمي، وأخبره بأني إلى العفو والمغفرة أسرع إلى الغضب والعقوبة، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة قد أمهلك طول هذه المدة وأنت في كلها تدعي الربوبية دونه، وتصد عن عبادته، وفي كل ذلك تمطر عليك السماء، وتنبت لك الارض، ويلبسك العافية، ولو شاء لعاجلك بالنقمة، ولسلبك ما أعطاك، ولكنه ذو حلم عظيم. ثم امسك عن موسى سبعة أيام، ثم قيل له بعد سبع ليال: أجب ربك يا موسى فيما كلمك. فقال: ” رب اشرح لي صدري ” الآية، فلما رجع موسى شيعته الملائكة، فكان قلب موسى مشتغلا بولده، وأراد أن يختنه فأمر الله عزوجل ملكا فمد يده ولم يزل قدمه عن موضعها حتى جاء به ملففا في خرقته، وتناوله موسى، فأخذ حجرتين فحك أحدهما بالآخر حتى حدده كالسكين فختن بهما (2) ابنه، فتفل الملك عليه وبرئ من ساعته، ثم رده الملك إلى موضعه، ولم يزل أهل موسى في ذلك الموضع حتى مر راع من أهل مدين فعرفهم واحتملهم وردهم إلى مدين، وكانوا عند شعيب حتى بلغهم خبر موسى عليه السلام بعدما فلق البحر وجاوزه بنو إسرائيل، وغرق الله فرعون فبعثهم شعيب إلى موسى عليه السلام بمصر. (3) ايضاح: فتحز بالزاي المعجمة أي تقطع. والخصاص: كل خلل وخرق في باب وغيره. والفرضة بالضم من النهر: ثلمة يستقى منها، ومن البحر محط السفن. وسخره كمنعه: كلفه مالا يريد وقهره. والزند: الذي يقدح به النار. وروي النار: اتقادها. و المحجن كمنبر: كل معطوف معوج. وطريق مهيع: بين. والمقلاع: الذي يرمى به الحجر. وصريف ناب البعير: صوتها. وتلمظت الحية: أخرجت لسانها. وترمرم: تحرك للكلام ولم يتكلم.


(1) أي سمه بالكنية عند الخطاب. (2) في المصدر: به. م (3) عرائس الثعلبي: 105 – 114، وفد اختصره المصنف فاسقط منه كثيرا. م

[ 64 ]

* (باب 3) * * (معنى قوله تعالى: ” فاخلع نعليك ” وقول موسى عليه السلام) * * (” واحلل عقدة من لساني ” وانه لم سمى الجبل طور سيناء) * 1 – ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل لموسى عليه السلام: ” فاخلع نعليك ” لانها كانت من جلد حمار ميت. (1) مع: مرسلا مثله. (2) 2 – ع: محمد بن علي بن نصر النجاري، عن أبي عبد الله الكوفي بإسناد متصل إلى الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال في قول الله عزوجل لموسى عليه السلام: ” فاخلع نعليك ” قال: يعني ارفع خوفيك، يعني خوفه من ضياع أهله وقد خلفها بمخض، (3) وخوفه من فرعون. قال الصدوق رحمه الله: وسمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن طيفور الدامغاني الواعظ يقول في قول موسى عليه السلام: ” واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ” قال: يقول: إني أستحيي أن اكلم بلساني الذي كلمتك به غيرك فيمنعني حيائي منك عن محاورة غيرك، فصارت هذه الحال عقدة على لساني فاحللها بفضلك ” واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ” معناه أنه سأل الله عزوجل أن يأذن له في أن يعبر عنه هارون فلا يحتاج أن يكلم فرعون بلسان كلم الله عزوجل به. (4) 3 – ع: محمد بن علي بن بشار القزويني، عن المظفر بن أحمد، عن الاسدي، عن


(1) علل الشرائع: 34. م (2) لم نجدها. م (3) المخاض: وجع الولادة وهو الطلق. (4) علل الشرائع: 34. ولا يخفى بعد هذا التأويل. (*)

[ 65 ]

النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: إنما سمي الجبل الذي كان عليه موسى طور سيناء لانه جبل كان عليه شجر الزيتون، وكل جبل يكون عليه ما ينتفع به من النبات والاشجار سمي طور سيناء وطور سينين، وما لم يكن عليه ما ينتفع به من النبات أو الاشجار من الجبال سمي طور، ولا يقال له طور سيناء ولا طور سينين: (1) مع: مرسلا مثله. (2) 4 – ج: سأل سعد بن عبد الله القائم عليه السلام عن قول الله تعالى لنبيه موسى: ” فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ” فإن فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب (3) الميتة، فقال عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته، إنه ما خلا الامر فيها من خصلتين: إما أن كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة، فإن كانت جائزة فيها فجاز لموسى أن يكون يلبسها في تلك البقعة وإن كانت مقدسة مطهرة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن موسى لم يعرف الحلال والحرام، ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم تجز وهذا كفر. قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما، قال: إن موسى عليه السلام كان بالواد المقدس، فقال: يا رب إني أخلصت لك المحبة مني، وغسلت قلبي عمن سواك – وكان شديد الحب لاهله – فقال الله تبارك وتعالى: ” اخلع نعليك ” أي انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مشغولا، الخبر (4) بيان: اعلم أن المفسرين اختلفوا في سبب الامر بخلع النعلين ومعناه على أقوال:


(1) علل الشرائع: 34. م (2) لم نجدها. م (3) الاهاب: الجلد مطلقا أو ما لم يدبغ منه. (4) الاحتجاج: 259. وفيه: إلى من سواى مغسولا. م

[ 66 ]

الاول أنهما كانتا من جلد حمار ميت. والثاني أنه كان من جلد بقرة ذكية، و لكنه امر بخلعهما ليباشر بقدميه الارض فتصيبه بركة الوادي المقدس. والثالث أن الحفا من علامة التواضع، ولذلك كانت السلف تطوف حفاة. والرابع أن موسى عليه السلام إنما لبس النعل اتقاء من الانجاس وخوفا من الحشرات فآمنه الله مما يخاف وأعلمه بطهارة الموضع. والخامس أن المعنى: فرغ قلبك من حب الاهل والمال. والسادس أن المراد: فرغ قلبك عن ذكر الدارين. (1) 5 – ع: في خبر ابن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الواد المقدس لم سمي المقدس ؟ قال: لانه قدست فيه الارواح، واصطفيت فيه الملائكة، وكلم الله عزوجل موسى تكليما. (2)


(1) قال المسعودي في اثبات الوصية: وروى انه انما عنى بقوله: ” اخلع نعليك ” اردد صفورا على شعيب، فرجع فردها. (2) علل الشرائع: 161. م

[ 67 ]

* (باب 4) * * (بعثة موسى وهارون صلوات الله عليهما على فرعون، وأحوال) * * (فرعون وأصحابه وغرقهم، وما نزل عليهم من العذاب قبل) * * (ذلك وايمان السحرة وأحوالهم) * الايات، البقرة ” 2 ” وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم * وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون 49 – 50. الاعراف ” 7 ” ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين * وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل * قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم * وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين * قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم * وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون * فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * والقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين * قالوا إنا إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منا


[ 68 ]

إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين * وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون * قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون * ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون * فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون 103 – 137. الانفال ” 8 ” كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب 52 ” وقال تعالى “: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين 54. يونس ” 10 ” ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين * وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * و


[ 69 ]

يحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون * فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الارض وإنه لمن المسرفين * وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين * وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين * وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاءه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم * قال قد اجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون * وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون * ولقد بوأنا لبني إسرائيل مبوء صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون 75 – 92. هود ” 12 ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * واتبعوا في هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود 96 – 99. الاسراء ” 17 ” ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسئل بني إسرائيل * إذ جاءهم فقال له فرعون إني لاظنك يا موسى مسحورا * قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر وإني لاظنك يا فرعون مثبورا * فأراد أن يستفزهم من الارض فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الارض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا 101 – 104. طه ” 20 ” وهل أتا ؟ ك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتمها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا


[ 70 ]

الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري * إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى * وما تلك بيمينك يا موسى * قال هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مآرب اخرى * قال ألقها يا موسى * فألقها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى * واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية اخرى * لنريك من آياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد اوتيت سؤلك يا موسى * ولقد مننا عليك مرة اخرى * إذ أوحينا إلى امك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدولي وعدوله وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني * إذ تمشي اختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى امك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا * فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى * واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيافي ذكري * اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى * قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى * فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد اوحي إلينا أن العذاب على من كذب و تولى * قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الاولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى * الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى * ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى * فلنأتينك بسحر مثله


[ 71 ]

فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى * فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى * قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى * قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى * فالقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى * قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى * إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلى * جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى * ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وماهدى 9 – 79. المؤمنين ” 23 ” ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من الهالكين * ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون 45 – 49. الشعراء ” 26 ” وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون * قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون * فأتيا


[ 72 ]

فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين * قال فعلتها إذا وأنا من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين * وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل * قال فرعون ومارب العالمين * قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الاولين * قال إن رسولكم الذي ارسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين * قال أولو جئتك بشئ مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين * قال للملا حوله إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين * فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فالقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون * لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين * قالوا لاضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين * وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون * فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون * فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربى سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم


[ 73 ]

أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم 10 – 68. النمل ” 27 ” إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون * فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها و سبحان الله رب العالمين * يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم * وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين 7 – 14. القصص ” 28 ” فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين * وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده و من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون * وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لاظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين 36 – 42 ” وقال تعالى “: أولم يكفروا بما اوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون 49. ص ” 38 ” كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد 12. المؤمن ” 40 ” وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لاظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب 36 – 37. الزخرف ” 43 ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول


[ 74 ]

رب العالمين * فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون * وما نريهم من آية إلا هي أكبر من اختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون * ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا القي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين 46 – 56. الدخان ” 44 ” ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين * وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون * فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون * فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون * كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين * ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين 17 – 33. الذاريات ” 51 ” وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين * فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم 38 – 40. القمر ” 54 ” ولقد جاء آل فرعون النذر * كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر 41 – 42. الصف ” 61 ” وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين 5. المزمل ” 73 ” إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا 15 – 16.


[ 75 ]

النازعات ” 79 ” هل أتيك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى * اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الاعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والاولى * إن في ذلك لعبرة لمن يخشى 15 – 26. الفجر ” 89 ” وفرعون ذي الاوتاد 10. تفسير: قال الطبرسي طيب الله رمسه: ” من آل فرعون ” أي من قومه وأهل دينه ” يسومونكم ” أي يكلفونكم ويذيقونكم ” سوء العذاب ” واختلفوا في هذا العذاب فقال قوم: ما ذكر بعده، وقيل: ما كان يكلفونهم من الاعمال الشاقة فمنها أنهم جعلوهم أصنافا: فصنف يخدمونهم، وصنف يحرسون لهم، ومن لا يصلح منهم للعمل ضربوا الجزية عليهم، وكانوا مع ذلك ” يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ” أي يدعونهن أحياء ليستعبدن، وينكحن على وجه الاسترقاق، وهذا أشد من الذبح ” وفي ذلكم ” أي وفي سومكم العذاب وذبح الابناء ” بلاء من ربكم عظيم ” أي ابتلاء عظيم من ربكم لما خلا بينكم وبينه، وقيل: أي وفي نجاتكم نعمة عظيمة من الله، وكان السبب في قتل الابناء أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فهاله ذلك ودعا السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه فقالوا له: إنه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وذهاب ملكك و تبديل دينك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل من أهل مملكته فقال لهن: لا يسقط على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل، ولا جارية إلا تركت، ووكل بهن فكن يفعلن ذلك، فأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إن الموت وقع على بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتر كواسنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها. واذكروا ” إذ فرقنا بكم البحر ” أي فرقنا بين المائين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما تمرون في طريق يبس، وقيل: فرقنا البحر بدخولكم إياه فوقع بين كل فرقتين


[ 76 ]

من البحر طائفة منكم يسلكون طريقا يابسا فوقع الفرق بكم ” وأغرقنا آل فرعون ” لم يذكر فرعون لظهوره وذكره في مواضع ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه. ” وأنتم تنظرون ” أي تشاهدون أنهم يغرقون، وجملة القصة ما ذكره ابن عباس أن الله تعالى أوحى إلى موسى: أن أسر ببني إسرائيل من مصر، فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فأتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث، وكان موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا، فلما عاينهم فرعون قال: ” إن هؤلاء لشرذمة قليلون ” إلى قوله: ” حاذرون ” فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج (1) دواب فرعون، فقالوا: يا موسى ” اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا ” هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا (2) بمن معه، فقال موسى: ” عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون ” فقال له يوشع بن نون: بم امرت ؟ قال: امرت أن أضرب بعصاي البحر، قال: اضرب، وكان الله أوحى إلى البحر: أن أطع موسى إذا ضربك، قال: فبات البحر له أفكل (3) أي رعدة لا يدري في أي جوانبه يضربه، فضرب بعصاه البحر فانفلق وظهر اثنا عشر طريقا، فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه، فقالوا: إنا لا نسلك طريقا نديا، فأرسل الله ريح الصبا حتى جففت الطريق كما قال: ” فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ” فجروا، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: مالنا لا نرى أصحابنا ؟ فقالوا لموسى: أين أصحابنا ؟ فقال: في طريق مثل طريقكم، فقالوا: لا نرضى حتى نراهم، فقال موسى عليه السلام: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك (4) هكذا وهكذا يمينا وشمالا، فأشار بعصاه يمينا وشمالا فظهر كالكو (5) ينظر منها بعضهم إلى بعض، فلما انتهى فرعون إلى ساحل البحر وكان


(1) الرهج: ما اثير من الغبار. (2) أي لحقنا ودنا منا. (3) في نسخة: فبان له البحر أفكل. والافكل: الرعدة يقال: أخذه أفكل – بالتنوين -: إذا ارتعد من خوف أو برد. (4) كذا في النسخة، وفى المصدر: ان مل بعصاك. (5) الكو والكوة: الخرق في الحائط.

[ 77 ]

على فرس حصان أدهم فهاب دخول الماء تمثل له جبرئيل على فرس انثى وديق (1) وتقحم البحر، (2) فلما رآها الحصان تقحم خلفها، ثم تقحم قوم فرعون وميكائيل يسوقهم، فلما خرج آخر من كان مع موسى من البحر ودخل آخر من كان مع فرعون البحر أطبق الله عليهم الماء فغرقوا جميعا ونجا موسى ومن معه. (3) ” وملائه ” أي أشراف قومه وذوي الامر منهم ” فظلموا بها ” أي ظلموا أنفسهم بجحدها، وقيل: فظلموا بها بوضعها غير مواضعها فجعلوا بدل الايمان بها الكفر والجحود، قال وهب: وكان اسم فرعون الوليد بن مصعب وهو فرعون يوسف، (4) وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخلها موسى رسولا أربعمائة عام ” حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ” أي حقيق على ترك القول على الله إلا الحق، وقال الفراء: ” على ” بمعنى الباء، أي حقيق بأن لا أقول، وقيل: أي حريص على أن لا أقول ” ببينة ” أي بحجة ومعجزة ” فأرسل معي بني إسرائيل ” أي فأطلق بني إسرائيل عن عقال التسخير، وخلهم يرجعوا إلى الارض المقدسة ” فإذا هي ثعبان مبين ” أي حية عظيمة بين ظاهر أنه ثعبان بحيث لا يشتبه على الناس، ولم يكن مما يخيل أنه حية وليس بحية. وقيل: إن العصا لما صارت حية أخذت قبة فرعون بين فكيها وكان ما بينهما ثمانون ذراعا، فتضرع فرعون إلى موسى بعد أن وثب من سريره وهرب منها وأحدث، وهرب الناس، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى خذها وأنا اومن بك، فأخذها موسى فعادت عصا، عن ابن عباس والسدي، وقيل: كان طولها ثمانين ذراعا ” ونزع يده ” قيل: إن فرعون قال له: هل معك آية اخرى ؟ قال: نعم، فأدخل يده في جيبه – وقيل: تحت إبطه – ثم نزعها أي أخرجها منه وأظهرها ” فإذا هي بيضاء ” أي لونها أبيض نوري، ولها


(1) يقال لذوات الحافر إذا ارادت الفحل: ودق، فهى وديق. (2) أي دخلته بشدة ومشقة. (3) مجمع البيان 1: 105 – 107. م (4) قد ذكرنا سابقا ان فرعون يوسف اسمه الريان بن الوليد، وقيل: ان فرعون يوسف كان جد فرعون موسى.

[ 78 ]

شعاع يغلب نور الشمس، وكان موسى آدم فيما يروى، ثم أعاد اليد إلى كمه فعادت إلى لونها الاول، عن ابن عباس والسدي، واختلف في عصاه فقيل: أعطاه ملك حين توجه إلى مدين، وقيل: إن عصا آدم كانت من آس الجنة حين اهبط فكانت تدور بين أولاده حتى انتهت النوبة إلى شعيب، وكانت ميراثا مع أربعين عصا كانت لآبائه، فلما استأجر شعيب موسى أمره بدخول بيت فيه العصي، وقال له: خذ عصا من تلك العصي، فوقع تلك العصا بيد موسى، فاسترده شعيب وقال: خذ غيرها، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، في كل مرة تقع يده عليها دون غيرها، فتركها في يده في المرة الرابعة، فلما خرج من عنده متوجها إلى مصر ورأى نارا وأتى الشجرة فناداه الله تعالى: ” أن يا موسى إني أنا الله ” وأمره بإلقائها فألقاها فصارت حية فولى هاربا، فناداه الله سبحانه ” خذها ولا تخف ” فأدخل يده بين لحييها فعادت عصا، فلما أتى فرعون ألقاها بين يديه على ما تقدم بيانه، وقيل: كان الانبياء يأخذون العصا تجنبا من الخيلاء. (1) ” قال الملا من قوم فرعون ” لمن دونهم من الحاضرين ” إن هذا لساحر عليم ” بالسحر ” يريد أن يخرجكم من أرضكم ” أي يريد أن يستميل بقلوب بني إسرائيل إلى نفسه و يتقوى بهم فيغلبكم بهم ويخرجوكم من بلدتكم ” فماذا تأمرون ” قيل: إن هذا قول الاشراف بعضهم لبعض على سبيل المشورة، ويحتمل أن يكون قالوا ذلك لفرعون، وإنما قالوا: ” تأمرون ” بلفظ الجمع على خطاب الملوك، ويحتمل أيضا أن يكون قول فرعون لقومه فتقديره: قال فرعون لهم: فماذا تأمرون ؟ ” قالوا ” أي لفرعون ” أرجه وأخاه ” أي أخره و أخاه هارون، ولا تعجل بالحكم فيهما بشئ فتكون عجلتك حجة عليك، وقيل: أخره أي احبسه، والاول أصح ” وأرسل في المدائن ” التي حولك ” حاشرين ” أي جامعين للسحرة يحشرون من يعلمونه منهم: عن مجاهد والسدي، وقيل: هم أصحاب الشرط أرسلهم في حشر السحرة وكانوا اثنين وسبعين رجلا، عن ابن عباس ” وجاء السحرة فرعون ” وكانوا خمسة عشر ألفا، وقيل: ثمانين ألفا، وقيل: سبعين ألفا، وقيل: بضعا وثلاثين ألفا، وقيل: كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط وهما رئيسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل،


(1) مجمع البيان 4: 457 – 458. م

[ 79 ]

وقيل: كانوا سبعين ” وإنكم لمن المقربين ” أي وإنكم مع حصول الاجر لكم لمن المقربين، إلى المنازل الجليلة. ” قالوا يا موسى ” أي قالت السحرة لموسى: ” إما أن تلقي ” ما معك من العصا أولا ” وإما أن نكون نحن الملقين ” لما معنا من العصي والحبال أولا ” قال ألقوا ” هذا أمر تهديد وتقريع ” سحروا أعين الناس ” أي احتالوا في تحريك العصي والحبال بما جعلوا فيها من الزيبق حتى تحركت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس، وخيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية ” واسترهبوهم ” أي استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس ” فإذا هي تلقف ما يأفكون ” أي فألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يكذبون فيه أنها حيات ” فوقع الحق ” أي ظهر لانهم لما رأوا تلك الآيات الباهرة علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله تعالى، فمنها قلب العصا حية، ومنها أكلها حبالهم وعصيهم مع كثرتها، ومنها فناء حبالهم وعصيهم في بطنه إما بالتفرق وإما بالفناء عند من جوزه، ومنها عودها عصا كما كانت من غير زيادة ولا نقصان، وكل من هذه الامور يعلم كل عاقل أنه لا يدخل تحت مقدور البشر، فاعترفوا بالتوحيد والنبوة وصار إسلامهم حجة على فرعون وقومه ” فغلبوا هنالك ” أي قهر فرعون وقومه عند ذلك المجمع، وبهت فرعون وخلى سبيل موسى ومن تبعه ” وانقلبوا صاغرين ” أي انصرفوا أذلاء مقهورين ” والقي السحرة ساجدين ” ألهمهم الله ذلك. وقيل: إن موسى وهارون سجدا لله شكرا له على ظهور الحق فاقتدوا بهما فسجدوا معهما، وإنما قال: ” القي ” على ما لم يسم فاعله للاشارة إلى أنه ألقاهم ما رأوا من عظيم الآيات حيث لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك أن وقعوا ساجدين ” رب موسى وهارون ” خصوهما لانهما دعوا إلى الايمان ولتفضيلهما، أولئلا يتوهم متوهم أنهم سجدوا لفرعون: لانه كان يدعي أنه رب العالمين ” إن هذا لمكر ” أراد به التلبيس على الناس وإيهامهم أن إيمان السحرة لم يكن عن علم، ولكن لتواطؤ منهم ليذهبوا بأموالكم و ملككم ” فسوف تعلمون ” عاقبة أمركم ” لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ” أي من كل شق طرفا، قال الحسن: هو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، وقال غيره:


[ 80 ]

وكذلك اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، قيل: أول من قطع الرجل وصلب فرعون صلبهم في جذوع النخل على شاطئ نهر مصر ” إنا إلى ربنا منقلبون ” راجعون إلى ربنا بالتوحيد والاخلاص، والانقلاب إلى الله هو الانقلاب إلى جزائه، وغرضهم التسلي في الصبر على الشدة لما فيه من المثوبة مع مقابلة وعيده بوعيد أشد منه وهو عقاب الله ” وما تنقم منا ” أي وما تطعن علينا وما تكره منا إلا إيماننا بالله وتصديقنا بآياته التي جاءتنا ” ربنا أفرغ علينا صبرا ” أي اصبب علينا الصبر عند القطع والصلب حتى لا نرجع كفارا ” وتوفنا مسلمين ” أي وفقنا للثبات على الاسلام إلى وقت الوفاة، قالوا: فصلبهم فرعون من يومه فكانوا أول النهار كفارا سحرة، وآخر النهار شهداء بررة، وقيل أيضا: إنه لم يصل إليهم وعصمهم الله منه. ” وقال الملا من قوم فرعون ” لما أسلم السحرة ” أتذر موسى وقومه ” أي أتتركهم أحياء ليظهروا خلافك ويدعوا الناس إلى مخالفتك ليغلبوا عليك فيفسد به ملكك، وروي عن ابن عباس أنه لما آمن السحرة أسلم من بني إسرائيل ستة مائة ألف نفس واتبعوه ” قال موسى لقومه ” قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل، فلما كان من أمر موسى ما كان أمر بإعادة القتل عليهم، فشكا ذلك بنو إسرائيل إلى موسى فعند ذلك قال: ” استعينوا بالله ” في دفع بلاء فرعون عنكم ” واصبروا ” على دينكم ” يورثها من يشاء ” أي ينقلها إلى من يشاء نقل المواريث ” والعاقبة للمتقين ” أي تمسكوا بالتقوى فإن حسن العاقبة في الدارين للمتقين ” قالوا ” أي بنو إسرائيل لموسى: ” اوذينا من قبل أن تأتينا ” أي عذبنا فرعون بقتل الابناء واستخدام النساء قبل أن تأتينا بالرسالة ” ومن بعد ما جئتنا ” أيضا، ويتوعدنا ويأخذ أموالنا ويكلفنا الاعمال الشاقة فلم ننتفع بمجيئك، وهذا يدل على أنه جرى فيهم القتل والتعذيب مرتين. قال الحسن: كان فرعون يأخذ الجزية قبل مجئ موسى وبعده من بني إسرائيل، وهذا كان استبطاء منهم لما وعدهم موسى من النجاة، فجدد لهم عليه السلام الوعد ” قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ” وعسى من الله موجب (1) ” ويستخلفكم في الارض ” أي يملككم ما كانوا يملكونه في الارض من بعدهم ” فينظر كيف تعملون ” شكرا لما منحكم.


(1) في المصدر: قال الزجاج: عسى من الله طمع واشفاق الا ما يطمع الله فيه فهو واجب.

[ 81 ]

” ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ” اللام للقسم أي عاقبنا قوم فرعون بالجدوب و القحرط ” فإذا جاءتهم الحسنة ” يعني الخصب والنعمة والسعة في الرزق والسلامة والعافية ” قالوا لنا هذه ” أي إنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا، ولم يعلموا أنه من عند الله تعالى فيشكروه ” وإن تصبهم سيئة ” أي جوع وبلاء وقحط المطر وضيق الرزق وهلاك الثمر والمواشي ” يطيروا ” أي يتطيروا ويتشأموا بموسى ومن معه، وقالوا: ما رأينا شرا حتى رأيناكم ” ألا إنما طائرهم عند الله ” معناه: ألا إن الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به من العقاب عند الله يفعل بهم في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا، أو أن الله هو الذي يأتي بطائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر، فلو عقلوا لطلبوا الخير والسلامة من الشر من قبله، وقيل: أي ما تشأموا به محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله به يوم القيامة ” وقالوا ” أي قوم فرعون لموسى: ” مهما تأتنا به من آية ” أي أي شئ تأتينا به من المعجزات ” لتسحرنا بها ” أي لتموه علينا بها حتى تنقلنا عن دين فرعون ؟ ” فأرسلنا عليهم الطوفان ” قال ابن عباس وابن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق ورواه علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوبا وأبى هو وقومه إلا الاقامة على الكفر قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل، فتابع الله عليهم بالآيات، وأخذهم بالسنين ونقص الثمرات، ثم بعث عليهم الطوفان فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية و ضربوا الخيام، وامتلات بيوت القبط ماء، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة وأقام الماء على وجه أرضيهم لا يقدرون على أن يحرثوا، فقالوا لموسى: ” ادع لنا ربك ” أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف (1) عنهم الطوفان فلم يؤمنوا، وقال هامان لفرعون: لئن خليت بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، و أنبت الله لهم في تلك السنة من الكلا والزرع والثمر ما أعشبت به بلادهم وأخصبت، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية – عن علي بن


(1) في نسخة: فكف.

[ 82 ]

إبراهيم وفي الشهر الثاني عن غيره من المفسرين – الجراد، فجردت زروعهم وأشجارهم حتى كانت تجرد شعورهم ولحاهم، وتأكل الابواب والثياب والامتعة، وكانت لا تدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شئ، فعجوا وضجوا وجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا، وقال: ” يا موسى ادع لنا ربك ” أن يكف عنا الجراد حتى اخلي عن بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فكف عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت. وقيل: إن موسى عليه السلام برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت حتى كأن لم يكن قط، ولم يدع هامان فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة – في رواية على بن إبراهيم وفي الشهر الثالث عن غيره من المفسرين – القمل وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له وهو شر ما يكون وأخبثه، فأتى على زروعهم كلهم واجتثها (1) من أصلها، فذهبت زروعهم و لحس الارض كلها. (2) وقيل: امر موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب أعفر (3) بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فأتاه فضربه بعصاه فانثال (4) عليهم قملا، فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضه وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملا. قال ابن جبير: القمل: السوس الذي يخرج من الحبوب، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل، وأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري (5) عليهم، ومنعتهم النور والقرار فصرخوا وصاحوا، فقال فرعون لموسى: ادع لنا ربك لئن كشف عنا القمل لاكفن عن بني إسرائيل، فدعا موسى عليه السلام حتى


(1) أي قلعها من اصلها. (2) أي رعاها كلها. (3) الكثيب: التل من الرمل. الاعفر: البيضاء. (4) أي فانصب. (5) الجدرى: مرض يسبب بثورا حمرا بيض الرؤوس تنتشر في البدن وتتقيح سريعا وهو شديد العدوى

[ 83 ]

ذهب القمل بعدما أقام عندهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فنكثوا، فأنزل الله عليهم في السنة الرابعة – وقيل في الشهر الرابع – الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم و امتلات منها بيوتهم وأبنيتهم، فلا يكشف أحدهم ثوبا ولا إناء ولا طعاما ولا شرابا إلا وجد فيه الضفادع، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها، وكان الرجل يجلس إلى ذقنه من الضفادع (1) ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، ويفتح فاه لاكلته فيسبق الضفدع اكلته إلى فيه، فلقوا منها أذى شديدا، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود، فادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت، ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم، فلما كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم فسال ماء النيل عليهم دما، فكان القبطي يراه دما، والاسرائيلي يراه ماء، فإذا شربه الاسرائيلي كان ماء وإذا شربه القبطي يراه دما، وكان القبطي يقول للاسرائيلي: خذ الماء في فيك وصبه في في، فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الاشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه دما، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم ولا يشربون إلا الدم. قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فلما دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا ولم يخلوا عن بني إسرائيل ” ولما وقع عليهم الرجز ” أي العذاب وهو ما نزل بهم من الطوفان وغيره، وقيل: هو الطاعون أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان، وهو العذاب السادس، عن ابن جبير، ومثله ماروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه أصابهم ثلج أحمر فماتوا فيه وجزعوا. ” قالوا ” أي فرعون وقومه: ” يا موسى ادع لناربك بما عهد عندك ” أي بما تقدم إليك أن تدعوه به، فإنه يجيبك كما أجابك في آياتك، أو بما عهد إليك أنا لو آمنا لرفع


(1) في نسخة: في الضفادع.

[ 84 ]

عنا العذاب، أو بما عهد عندك من النبوة، فالباء للقسم ” إلى أجل هم بالغوه ” يعني الاجل الذي غرقهم الله فيه ” إذا هم ينكثون ” أي ينقضون العهد ” فانتقمنا منهم ” أي فجازيناهم على سوء صنيعهم ” في اليم ” أي البحر ” وكانوا عنها غافلين ” أي عن نزول العذاب بهم، أو المعنى أنا عاقبناهم بتكذيبهم وتعرضهم لاسباب الغفلة وعملهم عمل الغافل عنها. ” وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ” يعني بني إسرائيل، فإن القبط كانوا يستضعفونهم، فأورثهم الله بأن مكنهم وحكم لهم بالتصرف بعد إهلاك فرعون وقومه، فكأنهم ورثوا منهم ” مشارق الارض ومغاربها ” التي كانوا فيها، يعني جهات الشرق و الغرب منها، يريد به ملك فرعون من أدناه إلى أقصاه، وقيل: هي أرض الشام ومصر، وقيل: هي أرض الشام شرقها وغربها، وقيل: أرض مصر. قال الزجاج: كان من بني إسرائيل داود وسليمان ملكوا الارض ” التي باركنا فيها ” بإخراج الزروع والثمار و سائر صنوف النبات والاشجار والعيون والانهار وضروب المنافع ” وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ” أي صح كلام ربك بإنجاز الوعد بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الارض، وقيل: وعد الجنة بما صبروا على أذى فرعون وقومه ” ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ” أي أهلكنا ما كانوا يبنون من الابنية والقصور والديار ” وما كانوا يعرشون ” من الاشجار والاعناب والثمار، أو يسقفون من القصور والبيوت. (1) ” فلما جاءهم الحق من عندنا ” أي ما أتى به من المعجزات والبراهين ” أتقولون للحق لما جاءكم ” أي إنه لسحر، فاستأنف إنكارا وقال: ” أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ” أي لا يظفرون بحجة ” لتلفتنا ” أي لتصرفنا ” وتكون لكما الكبرياء ” أي الملك والعظمة والسلطان ” في الارض ” أي في أرض مصر، أو الاعم ” بكل ساحر ” إنما فعل ذلك للجهل بأن ما أتى به موسى عليه السلام من عند الله وليس بسحر، وبعد ذلك علم فعاند، وقيل: علم أنه ليس سحر ولكنه ظن أن السحر يقاريه مقاربة تشبيه ” ويحق الله الحق ” أي يظهره ويثبته وينصر أهله ” بكلماته ” أي بمواعيده، وقيل: بكلامه الذي يتبين به


(1) مجمع البيان 4: 460 – 471. م

[ 85 ]

معاني الآيات التي آتاها نبيه، وقيل: بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك سيكون ” إلا ذرية من قومه ” أي أولاد من قوم فرعون، أو من قوم موسى وهم بنو إسرائيل الذين كانوا بمصر، واختلف من قال بالاول فقيل: إنهم قوم كانت امهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط فاتبعوا امهاتهم وأخوالهم، عن ابن عباس، وقيل: إنهم ناس يسير من قوم فرعون منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وجاريته (1) وامرأة هي ماشطة امرأة فرعون، وقيل: إنهم بعض أولاد القبط لم يستجب آباؤهم موسى عليه السلام. واختلف من قال بالثاني فقيل: هم جماعة من بني إسرائيل أخذهم فرعون بتعلم السحر وجعلهم من أصحابه فآمنوا بموسى، وقيل: أراد مؤمني بني إسرائيل وكانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب دخل مصر منهم باثنين وسبعين إنسانا فتوالدوا حتى بلغوا ستمائة ألف، وإنما سماهم ذرية على وجه التصغير لضعفهم، عن ابن عباس في رواية اخرى. وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين ارسل إليهم موسى عليه السلام من بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء وبقي الابناء ” على خوف من فرعون ” يعني آمنوا وهم خائفون من معرة (2) فرعون ” وملائهم ” أي رؤسائهم ” أن يفتنهم ” أي يصرفهم عن الدين بأن يمتحنهم بمحنة لا يمكنهم الصبر عليها فينصرفون عن الدين ” لعال في الارض ” أي مستكبر طاغ ” وإنه لمن المسرفين ” أي المجاوزين الحد في العصيان ” لا تجعلنا فتنة ” أي لا تمكن الظالمين من ظلمنا بما يحملنا على إظهار الانصراف عن ديننا، أولا تظهرهم علينا فيفتتن بنا الكفار ويقولوا: لو كانوا على الحق لما ظهرنا عليهم. وروى زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن معناه: لا تسلطهم علينا فتفتنهم بنا. ” أن تبوءا لقومكما ” أي اتخذا لمن آمن بكما بمصر ” بيوتا ” يسكنونها ويأوون إليها ” واجعلوا بيوتكم ” سيأتي تفسيره ” زينة ” من الحلي والثياب، وقيل: الزينة: الجمال وصحة البدن وطول القامة وحسن الصورة، وأموالا يتعظمون بها في الحياة الدنيا ” ربنا ليضلوا ” اللام للعاقبة، وقيل: معناه: لئلا يضلوا فحذفت لا ” ربنا اطمس ” المراد


(1) في نسخة: وجارية. (2) المعرة: الاساءة والاثم والاذى.

[ 86 ]

بالطمس على الاموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها. قال عامة أهل التفسير: صارت جميع أموالهم حجارة حتى السكر والفانيذ (1) ” واشدد على قلوبهم ” أي ثبتهم على المقام ببلدهم بعد إهلاك أموالهم فيكون ذلك أشد عليهم، وقيل: أي أمتهم وأهلكهم بعد سلب أموالهم، وقيل: إنه عبارة عن الخذلان والطبع ” فلا يؤمنوا ” يحتمل النصب والجزم فأما النصب فعلى جواب صيغة الامر بالفاء، أو بالعطف على ” ليضلوا ” وما بينهما اعتراض وأما الجزم فعلى وجه الدعاء عليهم، وقيل: إن معناه: فلا يؤمنون إيمان اختيار أصلا ” قد اجيبت دعوتكما ” قال ابن جريح: مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام ” فاستقيما ” أي فأثبتا على ما امرتما به من دعاء الناس إلى الايمان ” بغيا وعدوا ” أي ليبغوا عليهم ويظلموهم ” قال آمنت ” كان ذلك إيمان إلجاء لا يستحق به الثواب فلم ينفعه ” الآن ” أي قيل له: الآن آمنت حين لم ينفع الايمان وقد عصيت بترك الايمان في حال ينفعك ؟ فهلا آمنت قبل ذلك ؟ ! ” وكنت من المفسدين ” في الارض، والقائل جبرئيل أو هو الله تعالى ” فاليوم ننجيك ببدنك ” قال أكثر المفسرين: معناه: لما أغرق الله تعالى فرعون وقومه أنكر بعض بني إسرائيل غرق فرعون وقالوا: هو أعظم شأنا من أن يغرق، فأخرجه الله حتى رأوه، فذلك قوله: ” فاليوم ننجيك ” أي نلقيك على نجوة من الارض، وهي المكان المرتفع بجسدك من غير روح، وذلك أنه طفا (2) عريانا، وقيل: معناه: نخلصك من البحر وأنت ميت، والبدن: الدرع، قال ابن عباس: كانت عليه درع من ذهب يعرف بها، فالمعنى: نرفعك فوق الماء بدرعك المشهورة ليعرفوك بها ” لتكون لمن خلفك آية ” أي نكالا ” مبوأ صدق ” أي مكناهم مكانا محمودا وهو بيت المقدس والشام، وقال الحسن: يريد به مصر، وذلك أن موسى عبر ببني إسرائيل البحر ثانيا، ورجع إلى مصر وتبوأ مساكن آل فرعون ” فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ” أي اليهود ما اختلفوا في تصديق محمد صلى الله عليه وآله حتى جاءهم العلم وهو القرآن، أو العلم بحقيته، أو ما اختلف بنو إسرائيل إلا بعدما جاءهم الحق على يد موسى وهارون، فإنهم


(1) قال الفيومى في المصباح: الفانيذ: نوع من الحلواء يعمل من القند والنشا، وكانها كلمة أعجمية لفقد فاعيل في كلام العرب. (2) أي علا فوق الماء.

[ 87 ]

كانوا مطبقين على الكفر قبل مجئ موسى، فلما جاءهم آمن به بعضهم، وثبت على الكفر بعضهم فصاروا مختلفين. (1) ” برشيد ” أي مرشد ” يقدم قومه ” أي يمشي بين يدي قومه يوم القيامة على قدميه حتى يهجم بهم إلى النار ” وبئس الورد المورود ” أي بئس الماء الذي يردونه عطاشا لاحياء نفوسهم النار، وإنما أطلق سبحانه على النار اسم الورد المورود ليطابق ما يرد عليه أهل الجنة من الانهار والعيون ” بئس الرفد المرفود ” أي بئس العطاء المعطى النار واللعنة. (2) ” تسع آيات ” اختلف فيها فقيل: هي يد موسى، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وقيل: الطوفان، والجراد، والقمل والضفادع، والدم، والبحر، والعصا، والطمسة، والحجر، وقيل بدل الطمسة اليد، و قيل بدل البحر والطمسة والحجر: اليد والسنين ونقص الثمرات، وقال الحسن مثل ذلك إلا أنه جعل الاخذ بالسنين ونقص الثمرات آية واحدة، وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون، وقيل: إنها تسع آيات في الاحكام ” فاسئل بني إسرائيل ” أمر للنبي صلى الله عليه وآله أن يسأل بني إسرائيل لتكون الحجة عليهم أبلغ، وقيل: إن المعنى: فاسأل أيها السامع. ” مسحورا ” أي معطى علم السحر أو ساحرا، فوضع المفعول موضع الفاعل، وقيل: أي إنك سحرت فأنت تحمل نفسك على ما تقوله للسحر الذي بك ” قال موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء ” أي هذا الآيات ” إلا رب السموات والارض ” الذي خلقهن ” بصائر ” وروي أن عليا عليه السلام قال في ” علمت “: والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم، فقال: لقد علمت ” وإني لاظنك ” أي لاعلمك ” يا فرعون مثبورا ” أي هالكا، وقيل: ملعونا، وقيل: مخبولا لا عقل لك، وقيل: بعيدا عن الخير ” فأراد ” أي فرعون ” أن يستفزهم ” أي يزعج موسى ” ومن معه من الارض ” أي من أرض مصر وفلسطين والاردن بالنفي عنها


(1) مجمع البيان 5: 125 – 132. م (2) مجمع البيان 5: 191. م

[ 88 ]

وقيل: بأن يقتلهم ” وقلنا من بعده ” أي من بعد هلاك فرعون ” اسكنوا الارض ” أي أرض مصر والشام ” فإذا جاء وعد الآخرة ” أي يوم القيامة، أي وعد الكرة الآخرة، وقيل: أراد نزول عيسى ” جئنا بكم لفيفا ” أي من في القبور إلى الموقف للحساب والجزاء مختلطين، التف بعضكم ببعض لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته، وقيل: ” لفيفا ” أي جميعا. (1) ” وهل أتاك ” هذا ابتداء وإخبار من الله على وجه التحقيق إذ لم يبلغه، فيقول: هل سمعت بخبر فلان ؟ وقيل: إنه استفهام تقرير بمعنى الخبر أي وقد أتاك ” إذ رأى نارا ” قال ابن عباس، كان موسى رجلا غيورا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته. ” فلما قضى الاجل ” وفارق مدين خرج ومعه غنم له، وكان أهله على أتان وعلى ظهرها جوالق له فيها أثاث البيت فأضل الطريق في ليلة مظلمة سوداء، وتفرقت ماشيته، ولم تنقدح زنده، وامرأته في الطلق، ورأى نارا من بعيد كانت عند الله نورا وعند موسى نارا ” فقال ” عند ذلك ” لاهله ” وهي بنت شعيب كان تزوجها بمدين: ” امكثوا ” أي ألزموا مكانكم ” بقبس ” أي بشعلة أقتبسها من معظم النار تصطلون بها ” أو أجد على النار هدى ” أي هاديا يدلني على الطريق، أو علامة أستدل بها عليه، لان النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها ” فلما أتاها ” قال ابن عباس: لما توجه نحو النار فإذا النار (2) في شجرة عناب، فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة، فسمع النداء والشجرة ” يا موسى إني أنا ربك ” قال وهب: نودي من الشجرة: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فقال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لربه عزوجل وأيقن به، وإنما علم موسى عليه السلام أن هذا النداء من قبل الله سبحانه لمعجز


(1) مجمع البيان 6: 443 – 444. م (2) قال المسعودي في إثبات الوصية: فرأى نارا فأقبل إليها. فلما دنا منها طفرت فصارت من خلفه، فالتفت إليها فصارت عن يمينه، فالتفت إليها فصارت عن يساره، ثم صارت على الشجرة وسمع الكلام، فقال: يا رب هذا الذى أسمعه كلامك ؟ قال: نعم.

[ 89 ]

أظهره الله تعالى، كما قال في موضع آخر: ” إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك ” إلى آخره. وقيل: إنه لما رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها يتوقد فيها نار بيضاء، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما لم تكن الخضرة تطفئ النار ولا النار تحرق الخضرة تحير وعلم أنه معجز خارق للعادة وأنه لامر عظيم، فالقيت عليه السكينة، ثم نودي: ” أنا ربك فاخلع نعليك ” قد مر تفسيره ” إنك بالواد المقدس ” أي المبارك أو المطهر ” طوى ” هو اسم الوادي، وقيل: سمي به لانه قدس مرتين، فكأنه طوى بالبركة مرتين ” وأنا اخترتك ” أي اصطفيتك بالرسالة ” فاستمع لما يوحى ” إليك من كلامي وأصغ إليه ” وأقم الصلوة لذكري ” أي لان تذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم، أو لان أذكرك بالمدح والثناء، وقيل: معناه: وصل لي ولا تصل لغيري، وقيل: أي أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن، عن أكثر المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام ” إن الساعة آتية ” يعني إن القيامة قائمة لا محالة ” أكاد اخفيها ” أي اريد أن اخفيها (1) عن عبادي لئلا تأتيهم إلا بغتة، وروي عن ابن عباس ” أكاد اخفيها من نفسي ” وهي كذلك في قراءة ابي، وروي ذلك عن الصادق عليه السلام، والتقدير: إذا كدت اخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك ؟ وهذا شائع بين العرب، وقال أبو عبيدة: معنى


(1) قال السيد الرضى قدس الله روحه: سمعت من شيخنا أبى الفتح النحوي أن الذى عليه حذاق أصحابنا أن (أكاد) ههنا على بابها من معنى المقاربة، إلا أن قوله تعالى: (اخفيها) يؤول إلى معنى الاظهار، لان المراد به أكاد أسلبها خفاءها، والخفاء: الغشاء والغطاء مأخوذ من خفاء القربة وهو الغشاء الذى يكون عليها، فإذا سلب عن الساعة غطاؤها المانع من تجليها ظهرت للناس فرأوها، فكأنه تعالى قال: أكاد اظهرها، قال لى: وأنشدني أبو على بيتا هو من انطق الشواهد على الغرض الذى رمينا إليه، وهو قول الشاعر: لقد علم الايقاظ أخفية الكرى * نزججها من حالك واكتحالها ومعناه: لقد علم الايقاظ عيونا، فجعل العين للنوم في أنها مشتملة عليه كالخفاء للقربة في انه مشتمل عليها، ويمكن أن يكون أيضا (أكاد) بمعنى اريد، ويكون المعنى إن الساعة آتية اريد أستر وقت مجيتها لما في ذلك من المصلحة.

[ 90 ]

اخفيها: اظهرها، ودخلت ” أكاد ” تأكيدا، أي أوشك أن اقيمها ” بما تسعى ” أي بما تعمل من خير وشر ” فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ” أي لا يصرفنك عن الصلاة من لا يؤمن بالساعة، أو لا يمنعنك عن الايمان بالساعة من لا يؤمن بها، وقيل: عن العبادة ودعاء الناس إليها، وقيل: عن هذه الخصال ” واتبع هواه ” الهوى: ميل النفس إلى الشئ ” فتردى ” أي فتهلك. (1) ” وما تلك بيمينك ” سأله عما في يده من العصا ” أتوكؤ عليها ” أي أعتمد عليها إذا مشيت ” وأهش بها على غنمي ” أي وأخبط (2) بها ورق الشجر لترعاه غنمي ” ولي فيها مآرب اخرى ” أي حاجات اخر، قال ابن عباس: كان يحمل عليها زاده، ويركزها فيخرج منها الماء، ويضرب بها الارض فيخرج ما يأكل، وكان يطرد بها السباع، وإذا ظهر عدو حاربت، وإذا أراد الاستقاء من بئر طالت وصارت شعبتاها كالدلو، وكان يظهر عليها كالشمعة فيضئ له الليل، وكانت تحرسه وتؤنسه، وإذا طالت شجرة حناها (3) بمحجنها ” فإذا هي حية تسعى ” أي تمشي بسرعة، وقيل: صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا وهي أكبر الحيات، عن ابن عباس، وقيل: إنه ألقاها فحانت منه نظرة فإذا هي بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يمر بالصخرة مثل الخلفة (4) من الابل فيلقمها، ويطعن أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، وعيناه تتوقدان نارا، وقد عاد المحجن عنقا فيه شعر مثل النيازك، فلما عاين ذلك ولى مدبرا ولم يعقب ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي: ” يا موسى ” ارجع إلى حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف ” قال خذها ” بيمينك ” ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى ” أي إلى الحالة الاولى عصا، وعلى موسى يومئذ مدرعة من صوف قدخلها بخلال، فلما أمره سبحانه بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده فقال: مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا ؟ قال: لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت، وكشف عن


(1) مجمع البيان 7: 5 – 6. م (2) خبط الشجرة: شدها ثم نفض ورقها. (3) أي عطفها. والمحجن: العصا المنعطفة الرأس، أو كل معطوف الرأس على الاطلاق. (4) الخلفة بكسر اللام: الحامل من النوق. منه رحمه الله.

[ 91 ]

يده ثم وضعها في فم الحية وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ عليها بين الشعبتين، عن وهب، قال: وكانت العصا من عوسج، وكان طولها عشرة أذرع على مقدار قامة موسى ” واضمم يدك إلى جناحك ” أي إلى ما تحت عضدك أو إلى جنبك، وقيل: أدخلها في جيبك كني عن الجيب بالجناح ” تخرج بيضاء ” لها نور ساطع يضئ بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا. (1) ” آية اخرى ” قال البيضاوي: أي معجزة ثانية، وهي حال من ضمير ” تخرج ” كبيضاء، أو من ضميرها، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك ” لنريك من آياتنا الكبرى ” متعلق بهذا المضمر، أو بما دل عليه آية أو القصة، أي دللنا بها أو فعلنا ذلك لنريك، والكبرى صفة آياتنا، أو مفعول نريك، و ” من آياتنا ” حال منها. (2) ” رب اشرح لي صدري ” قال الطبرسي: أي أوسع لي صدري حتى لا أضجر ولا أخاف ولا أغتم ” ويسر لي أمري ” أي سهل علي أداء ما كلفتني من الرسالة ” واحلل عقدة من لساني ” أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي، وكان في لسانه رتة (3) لا يفصح معها بالحروف تشبه التمتمة، (4) وقيل: إن سببها جمرة طرحها في فيه لما أخذ بلحية فرعون فأراد قتله، فامتحن بإحضار الدرة والجمرة فأراد موسى أخذ الدرة فضرب جبرئيل يده إلى الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه، وقيل: إنه انحل أكثر ماكان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله: ” ولا يكاد يبين ” وقيل: استجاب الله دعاءه فأحل العقدة عن لسانه، وقوله: ” ولا يكاد يبين ” أي لا يأتي ببيان وحجة، وإنما قالوا ذلك تمويها ليصرفوا الوجوه عنه ” واجعل لي وزيرا ” يؤازرني على المضي إلى فرعون ويعاضدني عليه ” من أهلي ” ليكون أفصح ” هارون أخي ” فكان أخاه لابيه وامه وكان بمصر ” اشدد به أزري ” أي قو به ظهري ” وأشركه في أمري ” في النبوة ليكون أحرس عن مؤازرتي ” كي نسبحك كثيرا ” أي ننزهك عما لا يليق بك ” ونذكرك كثيرا ” أي نحمدك ونثني


(1) مجمع البيان 7: 8. م (2) انوار التنزيل 2: 22. م (3) الرتة بالضم: العجمة في الكلام بحيث لا يبين، ورترت: تعتع في التاء. منه رحمه الله. (4) تمتم في الكلام: عجل فيه ولم يفهمه.

[ 92 ]

عليك بما أوليتنا من نعمك ” إنك كنت بنا بصيرا ” أي بأحوالنا وامورنا عالما ” قد اوتيت سؤلك ” قال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس لاهله نارا فكلمه الله تعالى فرجع نبيا، وخرجت ملكة سبأ كافرة فأسلمت مع سليمان، وخرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين. (1) ” إذ أوحينا إلى امك ” قال البيضاوي: بالالهام، أوفي المنام، أو على لسان نبي في وقتها، أو ملك لا على وجه النبوة، كما أوحى إلى مريم عليه السلام ” ما يوحى ” مالا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لفرط الاهتمام به ” أن اقذفيه ” بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه، لان الوحي بمعنى القول، والقذف يقال للالقاء وللوضع ” فليلقه اليم بالساحل ” لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمرا واجب الحصول لتعلق. الارادات (2) به جعل البحر كأنه ذو تميز مطيع أمره بذلك، وأخرج الجواب مخرج الامر، والاولى أن يجعل الضمائر كلها لموسى. (3) ” ولتصنع على عيني ” قال الطبرسي: أي لتربى ولتقضي (4) بمرأى مني أن يجري أمرك على ما اريد بك من الرفاهية في غذائك، وقيل: لتربى ويطلب لك الرضاع على علم مني ومعرفة لتصل إلى امك، وقيل: لتربى بحياطتي وحفظي، كما يقال في الدعاء بالحفظ: عين الله عليك ” إذ تمشي ” ظرف لالقيت أو لتصنع، وذلك أن ام موسى اتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا ووضعته فيه وألقته في النيل، فكان يشرع من النيل نهر كبير في باغ فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا التابوت يجئ على رأس الماء، فأمر بإخراجه فلما فتح رأسه إذا صبي من أحسن الناس وجها، فأحبه فرعون بحيث لم يتمالك، وجعل موسى يبكي ويطلب اللبن، فأمر فرعون حتى أتته النساء اللواتي كن حول داره، فلم يأخذ موسى من لبن واحدة منهن، وكانت اخت موسى واقفة


(1) مجمع البيان 7: 8 – 9. م (2) في المصدر: لتعلق الارادة. م (3) انوار التنزيل 2: 22. م (4) في المصدر: لتغذى. م

[ 93 ]

هناك إذ أمرتها امها أن تتبع التابوت، فقالت: إني آتي بامرأة ترضعه، وذلك قوله تعالى: ” هل أدلكم على من يكفله ” فقالوا: نعم، فجاءت بالام، فقبل ثديها فذلك قوله تعالى: ” فرجعناك إلى امك كي تقر عينها ” برؤيتك ” ولا تحزن ” من خوف قتلك أو غرقك، وذلك أنها حملته إلى بيتها آمنة مطمئنة، قد جعل لها فرعون أجرة على الرضاع ” وقتلت نفسا ” أي القبطي الكافر الذي استغاثه عليه الاسرائيلي ” فنجيناك من الغم ” أي من غم القتل وكربه، لانه خاف أن يقتصوا منه بالقبطي ” وفتناك فتونا ” أي اختبرناك اختبارا حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، أو خلصناك من محنة بعد محنة ” فلبثت سنين في أهل مدين ” أي حين كنت راعيا لشعيب ” على قدر ” أي في الوقت الذي قدر لارسالك نبيا ” واصطنعتك لنفسي ” أي لوحيي ورسالتي، أي اخترتك واتخذتك صنيعتي، وأخلصتك لتنصرف على إرادتي ومحبتي ” بآياتى ” أي بحججي ودلالاتي، وقيل: بالآيات التسع ” ولاتنيا في ذكري ” أي ولا تضعفا ولا تفترا في رسالتي ” فقولا له قولا لينا ” أي ارفقا به في الدعاء والقول ولا تغلظاله، أو كنياه، وكنيته أبو الوليد، وقيل: أبو العباس، وقيل أبو مرة. وقيل: القول اللين هو ” هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى ” وقيل: هو أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن برب العالمين على أن لك شبابك ولا تهرم، وتكون ملكا لا ينزع الملك منك حتى تموت، ولا تنزع منك لذة الطعام والشراب والجماع حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة، فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلما قدم هامان أخبره بالذي دعاه إليه وأنه يريد أن يقبل منه، فقال هامان: قد كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، بينا أنت رب تريد أن تكون مربوبا ؟ ! وبينا أنت تعبد تريد أن تعبد ؟ ! فقلبه عن رأيه ” لعله يتذكر أو يخشى ” أي ادعواه على الرجاء والطمع لا على اليأس من فلاحه ” أن يفرط علينا ” أن يتقدم فينا بعذاب ويعجل علينا ويبادر إلى قتلنا قبل أن يتأمل حجتنا ” أو أن يطغى ” أي يتجاوز الحد في الاساءة بنا ” إنني معكما ” بالنصرة والحفظ ” أسمع ” ما يسأله منكما فالهمكما جوابه ” وأرى ” ما يقصدكما به فأدفعه عنكما. ” فأرسل معنا بني إسرائيل ” أي أطلقهم وأعتقهم من الاستعباد ” ولا تعذبهم “


[ 94 ]

بالاستعمال في الاعمال الشاقة ” والسلام على من اتبع الهدى ” لم يرد به التحية، بل معناه: من اتبع الهدى سلم من عذاب الله ” فمن ربكما ” أي من أي جنس من الاجناس هو ؟ فبين موسى عليه السلام أنه تعالى ليس له جنس، وإنما يعرف بأفعاله ” أعطى كل شئ خلقه ” أي صورته التي قدرها له، ثم هداه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه وغير ذلك، أو مثل خلقه. أي زوجه من جنسه ثم هداه لنكاحه، أو أعطى خلقه كل شئ من النعم في الدنيا مما يأكلون ويشربون وينتفعون به، ثم هداهم إلى طرق معايشهم وإلى امور دينهم ليتوصلوا بها إلى نعم الآخرة ” فما بال القرون الاولى ” أي فما حال الامم الماضية، فإنها لم تقر بالله وما تدعو إليه بل عبدت الاوثان ؟ وقيل: لما دعاه موسى إلى البعث قال: فما بالهم لم يبعثوا ؟ قال موسى عليه السلام: ” علمها عند ربي ” أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازيهم بها ” في كتاب ” يعني اللوح، أو ما يكتبه الملائكة ” لا يضل ربي ” أي لا يذهب عليه شئ ” ولا ينسى ” ما كان من أمرهم بل يجازيهم بأعمالهم ” مهدا ” أي فرشا ” وسلك لكم فيها ” أي أدخل لاجلكم في الارض طرقا تسلكونها ” أزواجا ” أي أصنافا ” ولقد أريناه ” أي فرعون ” آياتنا كلها ” أي الآيات التسع ” فكذب ” بجميعها ” وأبى ” أن يؤمن ” مكانا سوى ” أي تستوي مسافته على الفريقين. ” قال ” موسى: ” موعدكم يوم الزينة ” وكان يوم عيد يتزينون فيه ويزينون فيه الاسواق ” وأن يحشر الناس ضحى ” أي ضحى ذلك اليوم ” فتولى فرعون ” أي انصرف على ذلك الوعد ” فجمع كيده ” وذلك جمعه السحرة ” ثم أتى ” أي حضر الموعد ” قال لهم ” أي للسحرة موسى فوعظهم فقال: ” ويلكم ” هي كلمة وعيد وتهديد، أي ألزمكم الله الويل والعذاب ” لا تفتروا على الله كذبا ” بأن تنسبوا معجزتي إلى السحر، وسحركم إلى أنه حق، وفرعون إلى أنه معبود ” فيسحتكم ” أي يستأصلكم ” فتنازعوا أمرهم بينهم ” أي تشاور القوم وتفاوضوا في حديث موسى وفرعون وجعل كل منهم ينازع الكلام صاحبه، وقيل: تشاورت السحرة فيما هيؤوه من الحبال والعصي وفيمن يبتدئ بالالقاء ” وأسروا النجوى ” أي أخفوا كلامهم سرا من فرعون، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: إن موسى لما قال لهم: ” ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ” قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون،


[ 95 ]

وقيل: تناجوا مع فرعون وأسروا عن موسى وهارون. قولهم: ” إن هذان لساحران ” قاله فرعون وجنوده للسحرة ” ويذهبا بطريقتكم المثلى ” هي تأنيث الامثل، وهو الافضل، والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس إليهما، عن علي عليه السلام. وقيل: إن طريقتهم المثلى بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا، (1) وقيل: يذهبا بطريقتكم التي أنتم عليها في السيرة والدين ” فأجمعوا كيدكم ” أي لا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به ” ثم ائتوا صفا ” أي مصطفين مجتمعين ” وقد أفلح اليوم من استعلى ” أي قد سعد اليوم من غلب وعلا، قال بعضهم: إن هذا من قول فرعون للسحرة، وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض ” يخيل إليه ” أي إلى موسى أو إلى فرعون ” أنها تسعى ” أي تسير وتعدو مثل سير الحيات، وإنما قال: ” يخيل إليه ” لانها لم تكن تسعى حقيقة وإنما تحركت لانهم جعلوا داخلها الزيبق، فلما حميت الشمس طلب الزيبق الصعود فحركت الشمس ذلك فظن أنها تسعى. ” فأوجس في نفسه ” أي وجد في نفسه ما يجده الخائف، يقال: أوجس القلب فزعا أي أضمر، والسبب في ذلك أنه خاف أن يلتبس على الناس أمرهم فيتوهموا أنهم فعلوا مثل ما فعله، ويظنوا المساواة فيشكوا، وقيل: إنه خوف الطباع إذا رأى الاسنان أمرا فظيعا فإنه يحذره ويخافه في أول وهلة، وقيل: إنه خاف أن يتفرق الناس قبل إلقائه العصا وقبل أن يعلموا بطلان السحر فيبقوا في شبهة، وقيل: إنه خاف لانه لم يدر أن العصا إذا انقلبت حية هل يظهر المزية ؟ لانه لم يعلم أنها تتلقفها، وكان ذلك موضع خوف، لانها لو انقلبت حية ولم تتلقف ما يأفكون ربما ادعوا المساواة، لاسيما والاهواء معهم والدولة لهم، فلما تلقفت زالت الشبهة ” إنك أنت الاعلى ” عليهم بالظفر والغلبة ” وألق ما في يمينك ” قالوا: لما ألقى عصاه صارت حية وطافت حول الصفوف حتى رآها الناس كلهم، ثم قصدت الحبال والعصي فابتلعتها كلها على كثرتها، ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت ” حيث أتى ” أي حيث كان وأين أقبل ” إنه لكبيركم ” اي استادكم، وقد يعجز التلميذ عما يفعله الاستاد، أو رئيسكم ما


(1) في المصدر: أي يريدان أن يذهبا بكم لانفسهم. (*)

[ 96 ]

عجزتم عن معارضته ولكنكم تركتم معارضته احتشاما واحتراما، وإنما قال ذلك لايهام العوام. ” في جذوع النخل ” أي عليها ” أينا أشد عذابا ” أنا على إيمانكم أم رب موسى على ترككم الايمان به ” لن نؤثرك ” أي لن نختارك على ما جاءنا من البينات، أي المعجزات والادلة ” والذي فطرنا ” أي وعلى الذي فطرنا، أو الواو للقسم ” فاقض ما أنت قاض ” أي فاصنع ما أنت صانعه، أوفاحكم ما أنت حاكم فإنا لا نرجع عن الايمان ” إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ” أي إنما تصنع بسلطانك وتحكم في هذه الحياة الدنيا دون الآخرة فلا سلطان لك فيها، وقيل: معناه: إنما تفنى وتذهب الحياة الدنيا ” خطايانا ” من الشرك والمعاصي ” وما أكرهتنا عليه من السحر ” إنما قالوا ذلك لان الملوك كانوا يجبرونهم على تعليم السحر كيلا يخرج من أيديهم، وقيل: إن السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم إياه، فإذا هو نائم وعصاه تحرسه، فقالوا: ليس هذا بسحر إن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يعملوا، فذلك إكراههم ” والله خير ” لنا منك وثوابه أبقى لنا من ثوابك، أو خير ثوابا للمؤمنين، وأبقى عقابا للعاصين منك، وههنا انتهى الاخبار عن السحرة. ثم قال تعالى: ” إنه من يأت ربه مجرما ” وقيل: إنه من قول السحرة. (1) ” فاضرب لهم ” قال البيضاوي: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما، أو فاتخذ، من ضرب اللبن: إذا عمله ” يبسا ” أي يابسا مصدر وصف به ” لا تخاف دركا ” أي أمنا من أن يدرككم العدو ” فأتبعهم فرعون بجنوده ” أي فأتبعهم نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني، وقيل: ” فأتبعهم ” بمعنى فاتبعهم، ويؤيده القراءة، والباء للتعدية، وقيل: الباء مزيدة ” فغشيهم ” الضمير لجنوده أوله ولهم وفيه مبالغة ووجازة أي غشيهم ما سمعت قصته، ولا يعرف كنهه إلا الله ” وأضل فرعون قومه وما هدى ” أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكم به في قوله: ” وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ” أو أضلهم في البحر وما نجا. (2)


(1) مجمع البيان 7: 10 – 21. م (2) انوار التنزيل 2: 25. م

[ 97 ]

” بآياتنا ” بالآيات التسع ” وسلطان مبين ” وحجة واضحة، ويجوز أن يراد به العصا، وإفرادها لانها أولى المعجزات ” قوما عالين ” أي متكبرين ” وقومهما ” يعني بني إسرائيل ” لنا عابدون ” خادمون منقادون كالعباد. (1) ” ألا يتقون ” استيناف أتبعه إرساله للانذار تعجيبا له من إفراطهم في الظلم و اجترائهم عليه ” قال رب إني أخاف ” إلى قوله: ” إلى هارون ” رتب استدعاء ضم أخيه إليه و اشتراكه له في الامر على الامور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، فإنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته، وليس ذلك تعللا منه وتوقفا في تلقي الامر بل طلب لما يكون معونة على امتثاله و تمهيد عذره ” ولهم علي ذنب ” أي تبعة ذنب، والمراد قتل القبطي، وإنما سمي ذنبا على زعمهم ” فأخاف أن يقتلون ” به قبل أداء الرسالة، وهو أيضا ليس تعللا وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة. وقوله: ” كلا فاذهبا بآياتنا ” إجابة له إلى الطلبتين بوعده للدفع اللازم ردعه عن الخوف، وضم أخيه إليه في الارسال ” إنا معكم ” يعني موسى وهارون وفرعون ” مستمعون ” سامعون لما يجري بينكما وبينه فاظهر كما عليه ” إنا رسول رب العالمين ” أفرد الرسول لانه مصدر وصف به، أو لاتحادهما للاخوة، أو لوحدة المرسل والمرسل به، أو لانه أراد أن كل واحد منا ” أن أرسل معنا بني إسرائيل ” أي خلهم يذهبوا معنا إلى الشام ” قال ” أي فرعون لموسى بعدما أتياه فقالا له ذلك: ” ألم نربك فينا ” أي في منازلنا ” وليدا ” طفلا سمي به لقربه من الولادة ” ولبثت فينا من عمرك سنين ” قيل: لبث فيهم ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الغرق خمسين. (2) وقال الطبرسي: أي أقمت سنين كثيرة عندنا، وهي ثماني عشرة سنة، عن ابن عباس، وقيل: ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة ” وفعلت فعلتك التي فعلت ” يعني قتل القبطي


(1) انوار التنزيل 2: 46 – 47. م (2) انوار التنزيل 2: 67. م

[ 98 ]

” وأنت من الكافرين ” لنعمتنا وحق تربيتنا، وقيل: معناه: وأنت من الكافرين بإلهك إذ كنت معنا على ديننا الذي تعيبه وتقول: إنه كفر ” قال ” موسى: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” أي من الجاهلين لم أعلم أنها تبلغ القتل، وقيل: من الناسين، وقيل: من الضالين عن طريق الصواب لاني ما تعمدته وإنما وقع مني خطأ، وقيل: من الضالين عن النبوة، أي لم يوح إلي تحريم قتله ” حكما ” أي نبوة، وقيل: هو العلم بما تدعو إليه الحكمة من التوراة والعلم بالحلال والحرام والاحكام ” وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ” يقال: عبده وأعبده: إذا اتخذه عبدا، وفيه أقوال: أحدها: أن فيه اعترافا بأن تربيته له كانت نعمة منه على موسى وإنكارا للنعمة في ترك استعباده ويكون ألف التوبيخ مضمرا فيه، فكأنه قال: أتقول: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ولم تعبدني ؟ ! وثانيها: أنه إنكار للمنة أصلا، ومعناه: أتمن بأن ربيتني مع استعبادك قومي ؟ هذه ليست بنعمة، يريد أن اتخاذك بني إسرائيل الذين هم قومي عبدا أحبط نعمتك التي تمن بها علي. وثالثها: أن معناه إنك لو كنت لا تستعبد بني إسرائيل ولا تقتل أبناءهم لكانت امي مستغنية عن قذفي في اليم، فكأنك تمتن علي بما كان بلاؤك سببا له. ورابعها: أن فيه بيان أنه ليس لفرعون عليه نعمة، لان الذي تولى تربيته امه وغيرها من بني إسرائيل بأمر فرعون لما استعبدهم، فمعناه أنك تمن علي بأن استعبدت بني إسرائيل حتى ربوني وحفظوني. (1) ” قالوا أرجه وأخاه ” قال البيضاوي: أي أخر أمرهما، وقيل: احبسهما ” وابعث في المدائن حاشرين ” شرطا يحشرون السحرة من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة ” لميقات يوم معلوم ” لما وقت به من ساعات يوم معين ” وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ” لعلنا نتبعهم في دينهم، والترجي لاعتبار الغلبة المقتضية للاتباع، ومقصودهم أن لا يتبعوا موسى لا أن


(1) مجمع البيان 7: 186 – 187. م

[ 99 ]

يتبعوا السحرة ” وقالوا بعزة فرعون ” أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يكون أن يؤتى به من السحر ” ما يأفكون ” ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، أو إفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة ” إنكم متبعون ” يتبعكم فرعون وجنوده، وهو علة الامر بالاسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر ” فأرسل فرعون ” حين اخبر بسراهم ” في المدائن حاشرين ” العساكر ليتبعونهم ” إن هؤلاء لشرذمة قليلون ” على إرادة القول، وإنما استقلهم وكانوا ستمائة وسبعين ألفا بالاضافة إلى جنوده، إذ روي أنه خرج فكانت مقدمته سبعمائة ألف، والشرذمة: الطائفة القليلة، وقليلون باعتبار أنهم أسباط، كل سبط منهم قليل ” لغائظون ” لفاعلون ما يغيظنا ” وإنا لجميع حاذرون ” وإنا لجمع من عادتنا الحذر، وقيل: الحاذر: المؤدي للسلاح ” ومقام كريم ” يعني المنازل الحسنة والمجالس السنية ” كذلك ” مثل ذلك الاخراج أخرجنا، فهو مصدر، أو مثل ذلك المقام الذي كان لهم، على أنه صفة مقام، أو الامر كذلك فيكون خبر المحذوف ” فلما تراء الجمعان ” أي تقاربا بحيث يرى كل منهما الآخر ” إنا لمدركون ” لملحقون ” قال كلا ” لن يدركوكم فإن الله وعدكم الخلاص منهم ” إن معي ربي ” بالحفظ والنصرة ” سيهدين ” طريق النجاة منهم ” بعصاك البحر ” القلزم أو النيل ” فانفلق ” أي فضرب فانفلق وصار اثني عشر فرقا بينها مسالك ” كالطود العظيم ” كالجبل المنيف الثابت في مقره ” وأزلفنا ” وقربنا ” ثم الآخرين ” فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم. (1) ” إذ قال موسى ” قال الطبرسي: أي اذكر قصة موسى ” إذ قال لاهله ” وهي بنت شعيب: ” إني آنست (2) ” أي أبصرت نارا ” بشهاب قبس ” أي بشعلة نار، والشهاب: نور كالعمود من النار، وكل نور يمتد مثل العمود يسمى شهابا، وإنما قال لامرأته:


(1) انوار التنزيل 2: 68 – 69. م (2) قال السيد الرضى رضوان الله عليه: هذه استعارة على القلب، والمراد بها إنى رأيت نارا فآنستنى، فنقل فعل الايناس إلى نفسه على معنى أنى وجدت النار مونسة لى.

[ 100 ]

” آتيكم ” على لفظ خطاب الجمع لانه أقامها مقام الجماعة في الانس بها في الامكنة الموحشة ” لعلكم تصطلون ” أي لكي تستدفئوا بها، وذلك لانهم كانوا قد أصابهم البرد وكانوا شاتين ” فلما جاءهم ” أي جاء موسى إلى النار يعني التي ظنها نارا وهي نور ” أن بورك من في النار ومن حولها ” قال وهب: لما رأى موسى النار وقف قريبا منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار إلا اشتغالا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا، فلم تكن النار بحرارتها تحرق الشجرة، ولا الشجرة برطوبتها تطفئ النار، فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه فخافها، فتأخر عنها، لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن نودي، والمراد به نداء الوحي ” أن بورك من في النار ومن حولها ” أي بورك فيمن في النار وهم الملائكة، وفيمن حولها يعني موسى عليه السلام، وذلك أن النور الذي رأى موسى كان فيه ملائكة لهم زجل (1) بالتقديس والتسبيح، ومن حولها هو موسى، لانه كان بالقرب منها ولم يكن فيها، فكأنه قال: بارك الله على من في النار وعليك يا موسى، ومخرجه الدعاء والمراد الخبر، وقيل: من في النار سلطانه وقدرته وبرهانه فالبركة ترجع إلى اسم الله تعالى، وتأويله: تبارك من نور هذا النور ومن حولها، يعني موسى والملائكة، وقيل: أي بورك من في طلب النار وهو موسى عليه السلام ومن حولها الملائكة ” وسبحان الله رب العالمين ” أي تنزيها له عما لا يليق بصفاته من أن يكون جسما يحتاج إلى جهة، أو عرضا يحتاج إلى محل، أو يكون ممن يتكلم بآلة ” إن الله ” أي إن الذي يكلمك هو الله ” العزيز ” أي القادر الذي لا يغالب ” الحكيم ” في أفعاله، المحكم لتدابيره. ” كأنها جان ” الجان الحية التي ليست بعظيمة، وإنما شبهها بالجان في خفة حركتها واهتزارها مع أنها ثعبان عظيم، وقيل: الحالتان مختلفتان فصارت جانا في أول ما بعثه، وثعبانا حين لقي بها فرعون ” إلا من ظلم ” الاستثناء منقطع ” في تسع آيات ” أي مع تسع آيات اخر أنت مرسل بها ” إلى فرعون وقومه ” وقيل: أي من تسع


(1) الزجل: نوع من الشعر. سحاب ذو زجل: ذو رعد. وزجل: طرب وتغنى. والمراد هنا أن لهم صوتا وتغنيا بالتسبيح

[ 101 ]

آيات ” فاسقين ” أي خارجين عن طاعة الله إلى أقبح وجوه الكفر ” مبصرة ” أي واضحة بينة ” واستيقنتها أنفسهم ” أي عرفوها وعلموها يقينا بقلوبهم ” ظلما ” على بني إسرائيل، أو على أنفسهم ” وعلوا ” أي طلبا للعلو والرفعة، وتكبرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى. (1) ” إلا سحر مفترى ” أي مختلق لم يبن على أصل صحيح ” وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين ” إنما قالوا ذلك مع اشتهار قصة نوح وهود وصالح وغيرهم ممن دعوا إلى توحيد الله إما للفترة والزمان الطويل أو لان آباءهم ما صدقوا بشئ من ذلك ” ربي أعلم ” أي ربي يعلم أني جئت بهذه الآيات الدالة على الهدى من عنده فهو شاهد لي على ذلك إن كذبتموني ويعلم أن العاقبة الحميدة لنا ولاهل الحق ” فأوقد لي يا هامان ” أي فأجج النار على الطين واتخذ الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به ” فاجعل لي صرحا ” أي قصرا وبناءا عاليا ” لعلي أطلع إلى إله موسى ” أي أصعد إليه وأشرف عليه، وأقف على حاله، وهذا تلبيس منه وإيهام على العوام أن الذي يدعو إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة ” وإني لاظنه من الكاذبين ” في ادعائه إلها غيري وأنه رسول ” إلينا لا يرجعون ” أي أنكروا البعث ” في اليم ” أي النيل أو بحر من وراء مصر يقال له إساف ” وجعلناهم أئمة ” أي حكمنا بأنهم كذلك ” وأتبعناهم ” أي أردفناهم لعنة بعد لعنة، وهي البعد عن الرحمة والخيرات، أو ألزمناهم اللعنة بأن أمرنا المؤمنين بلعنهم ” من المقبوحين ” أي من المهلكين، أو من المشوهين في الخلقة بسواد الوجوه وزرقة الاعين. (2) ” قالوا سحران ” قال البيضاوي: يعنون موسى وهارون، أو موسى ومحمد صلى الله عليه وآله بتقدير مضاف، أو جعلهما سحرين مبالغة ” تظاهرا ” (3) تعاونا بإظهار تلك الخوارق أو


(1) مجمع البيان 7: 211 – 213. م (2) مجمع البيان 7: 254 – 255. م (3) قال السيد الرضى قدس سره: أي تعاونا (يعنى موسى ونبينا صم) من طريق الاشتباه والتماثل، وكان الثاني مصدقا للاول والمتأخر مقويا للمتقدم.

[ 102 ]

بتوافق الكتابين. (1) ” وفرعون ذو الاوتاد ” قال الطبرسي: فيه أقوال: أحدها: أنه كانت له ملاعب من أوتاد يلعب له عليها. والثاني: أنه كان يعذب الناس بالاوتاد. والثالث: أن معناه ذو البنيان، والبنيان: أوتاد. الرابع: أن المعنى ذو الجنود والجموع الكثيرة، بمعنى أنهم يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشئ، والعرب تقول: هو في عز ثابت الاوتاد، والاصل فيه أن بيوتهم إنما تثبت بالاوتاد. الخامس: أنه إنما سمي ذا الاوتاد لكثرة جيوشه السائرة في الارض، وكثرة أوتاد خيامهم، فعبر بكثرة الاوتاد عن كثرة الاجناد. (2) ” ابن لي صرحا ” أي قصرا مشيدا بالآجر، وقيل: مجلسا عاليا ” لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات ” أي لعلي أبلغ الطرق من سماء إلى سماء، وقيل: أبلغ أبواب طرق السماوات، وقيل: منازل السماوات، وقيل: أتسبب وأتوصل به إلى مرادي وإلى علم ما غاب عني، (3) ثم بين مراده فقال: ” فأطلع إلى إله موسى ” فأنظر إليه فأراه، أراد به التلبيس على الضعفة مع علمه باستحالة ذلك، وقيل: أراد فأصل إلى إله موسى، فغلبه الجهل واعتقد أن الله سبحانه في السماء، وأنه يقدر على بلوغ السماء ” وكذلك ” أي ومثل ما زين لهؤلاء الكفار سوء أعمالهم ” زين لفرعون سوء عمله ” أي قبيح عمله، زينه له أصحابه أو الشيطان ” إلا في تباب ” أي هلاك وخسار. (4) ” إذا هم منها يضحكون ” استهزاء واستخفافا ” وما نريهم من آية ” المراد بذلك ما ترادف عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، وكان كل آية من تلك الآيات أكبر من التي قبلها وهي العذاب المذكور في قوله: ” وأخذناهم بالعذاب “


(1) انوار التنزيل 2: 86. (2) مجمع البيان 8: 468. وقد ذكر لها معان اخر أوردناها في ج 11 ص 6. (3) في انوار التنزيل: ولعله اراد ان يبنى له رصدا في موضع عال يرصد منه احوال الكواكب التى هي اسباب سماوية تدل على الحوادث الارضية فيرى هل فيها ما يدل على ارسال الله اياه أو ان يرى فساد قول موسى عليه السلام. م (4) مجمع البيان 8: 524. م (*)

[ 103 ]

فكانت عذابا لهم ومعجزات لموسى ” وقالوا يا أيها الساحر ” يعنون بذلك: يا أيها العالم، وكان الساحر عندهم عظيما يعظمونه ولم يكن صفة ذم، وقيل: إنما قالوا استهزاء به، وقيل: معناه: يا أيها الذي غلبنا بسحره، يقال: ساحرته فسحرته أي غلبته بالسحر ” إنا لمهتدون ” أي راجعون إلى ما تدعونا إليه متى كشف عنا العذاب ” تجري من تحتي ” أي من تحت أمري، وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره وهو مشرف عليها ” أفلا تبصرون ” هذا الملك العظيم وقوتي وضعف موسى ” مهين ” أي ضعيف حقير يعني به موسى، قال سيبويه والخليل: عطف أنا بأم على قوله: ” أفلا تبصرون ” لان معنى أم أنا خير أم تبصرون، (1) لانهم إذا قالوا: أنت خير منه فقد صاروا بصراء عنده ” ولا يكاد يبين ” أي ولا يكاد يفصح بكلامه وحججه للعقدة التي في لسانه. وقال الحسن: كانت العقدة زالت عن لسانه حين أرسله الله كما قال: ” واحلل عقدة ” وقال تعالى: ” قد اوتيت سؤلك ” وإنما عيره بما كان في لسانه قبل، وقيل: كان في لسانه لثغة (2) فرفعه الله تعالى وبقي فيه ثقل ” فلو لا القي عليه أسورة من ذهب ” كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار من ذهب، وطوقوه بطوق من ذهب ” مقترنين ” أي متتابعين يعينونه على أمره الذي بعث له، ويشهدون له بصدقه، وقيل: متعاضدين متناصرين ” فاستخف قومه ” أي استخف عقولهم فأطاعوه فيما دعاهم إليه لانه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله: ” أليس لي ملك مصر ” وأمثاله ” فلما آسفونا ” أي أغضبونا، وغضب الله على العصاة إرادة عقابهم، وقيل: أي آسفوا رسلنا انتقمنا لاوليائنا منهم ” فجعلناهم سلفا ” أي متقدمين إلى النار ” ومثلا ” أي عبرة وموعظة ” للآخرين ” أي لمن جاء بعدهم يتعظون بهم. (3) ” ولقد فتنا ” أي اختبرنا وشددنا عليهم التكليف ” رسول كريم ” أي كريم الافعال و الاخلاق، أو عند الله، أو شريف في قومه ” أن أدوا إلي عباد الله ” أي أطلقوا بني إسرائيل


(1) في المصدر: لان معنى أم انا خير معنى أم تبصرون، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون ؟ (2) اللثغة: النطق بالسين كالثاء، أو بالراء كالغين، أو كاللام أو كالياء إلى غير ذلك. (3) مجمع البيان 9: 50 – 52. م

[ 104 ]

” وأن لا تعلوا ” أي لا تتجبروا ” أن ترجمون ” أي من أن ترموني بالحجارة، وقيل: أراد به الشتم كقولهم: ساحر كذاب ” وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ” أي إن لم تصدقوني فاتركوني لامعي ولا علي، وقيل: معناه: فاعتزلوا أذاي ” فأسر ” أي فقال الله مجيبا له: أسر ” إنكم متبعون ” أي سيتبعكم فرعون بجنوده ” رهوا ” أي ساكنا على ما هو به إذا قطعته وعبرته ليغرق فرعون، وقيل: ” رهوا ” أي منفتحا منكشفا حتى يطمع فرعون في دخوله، وقيل أي كما هو طريقا يابسا ” مغرقون ” سيغرقهم الله ” ونعمة ” أي تنعم وسعة في العيش ” كانوا فيها فاكهين ” أي بها ناعمين متمتعين (1) ” كذلك ” قال الطبرسي: أي كذلك أفعل بمن عصاني ” وأورثناها قوما آخرين ” أي بني إسرائيل ” فما بكت عليهم السماء والارض (2) ” أي لم يبك عليهم أهل السماء والارض، أو المراد به المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، فإن العرب إذا أخبرت عن عظيم المصاب بالهالك قالت: بكاه السماء والارض، أو كناية عن أنه لم يكن لهم في الارض عمل صالح يرفع منها إلى السماء. وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقيل: وهل يبكيان على أحد ؟ قال: نعم مصلاه في الارض، ومصعد عمله في السماء. وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بكت السماء على يحيى بن زكريا


(1) مجمع البيان 9: 63 – 64. م (2) قال السيد الرضى قدس الله روحه: في معناها أقوال: أحدها البكاء بمعنى الحزن، فكأنه قال: فلم تحزن عليهم السماء والارض بعد هلاكهم وانقطاع آثارهم، والتعبير عن الحزن بالبكاء لان البكاء يصدر عن الحزن في أكثر الاحوال، ومن عادة العرب أن يصفوا الدار إذا ظعن عنها سكانها وفارقها قطانها بأنها باكية عليهم ومتوجعة لهم على طريق معنى المجاز بمعنى ظهور علامات الخشوع والوحشة عليها وانقطاع اسباب النعمة والانسة منها. ثانيها أن يكون المعنى: لو كانت السماوات والارض من الجنس الذى يصح منه البكاء لم تبكيا عليهم إذ كان الله عليهم ساخطا. ثالثها قيل: معنى ذلك: ما بكى عليهم من السماوات والارض ما يبكى على المؤمن عند وفاته من مواضع صلواته ومصاعد اعماله على ما ورد به الخبر. ووجه آخر أن يراد اهل السماء والارض. رابعها: أن يكون المعنى: لم ينتصر أحد لهم ولم يطلب طالب بثأرهم.

[ 105 ]

وعلى الحسين بن علي عليهما السلام أربعين صباحا ولم تبك إلا عليهما. قلت: فما بكاؤها ؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء. ” وما كانوا منظرين ” أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا من العذاب. (1) ” المهين ” قال البيضاوي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم ” من فرعون ” بدل من العذاب على حذف المضاف، أو جعله عذابا لافراطه في التعذيب، أو حال من المهين، بمعنى واقعا من جهته ” إنه كان عاليا ” متكبرا ” من المسرفين ” في العتو والشرارة ” ولقد اخترناهم ” أي بني إسرائيل ” على علم ” عالمين بأنهم أحقاء بذلك، أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بعض الاحوال ” على العالمين ” لكثرة الانبياء فيهم، أو على عالمي زمانهم ” ما فيه بلاء مبين ” نعمة جلية واختبار ظاهر. (2) ” فتولى بركنه ” أي فأعرض عن الايمان به كقوله: ” ونأى بجانبه ” أو فتولى بما كان يتقوى به من جنوده ” وهو مليم ” آت بما يلام عليه من الكفر والعناد، وهو حال عن الضمير في أخذناه. (3) ” فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ” قال الطبرسي: أي فلما مالوا عن الحق والاستقامة خلاهم وسوء اختيارهم، ومنعهم الالطاف التي بها يهدى قلوب المؤمنين، وقيل: أزاغ الله قلوبهم عما يحبون إلى ما يكرهون. (4) ” وبيلا ” أي ثقيلا. (5) ” هل لك إلى أن تزكى ” قال البيضاوي: أي هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان ؟ ” وأهديك إلى ربك ” وارشدك إلى معرفته ” فتخشى ” بأداء الواجبات وترك المحرمات ” ثم أدبر ” عن الطاعة ” يسعى ” ساعيا في إبطال أمره، أو أدبر بعدما رأى الثعبان مرعوبا مسرعا في مشية ” فحشر ” فجمع السحرة أو جنوده ” فنادى ” في المجمع بنفسه أو بمناد. (6)


(1) مجمع البيان: 64 – 65. (2) انوار التنزيل 2: 173. م (3) انوار التنزيل: 195 و 196. (4) مجمع البيان 9: 279. م (5) مجمع البيان 10: 380. وفيه: أي شديدا ثقيلا. م (6) انوار التنزيل 2: 251 و 252. م

[ 106 ]

1 – فس: ” يذبحون أبناءكم ” إن فرعون لما بلغه أن بني إسرائيل يقولون: يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده كان يقتل أولادهم الذكور ويدع الاناث. (1) 2 – فس: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: ” وقال موسى ” إلى قوله: ” لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ” فإن قوم موسى استعبدهم آل فرعون، وقالوا: لو كان لهؤلاء على الله كرامة كما يقولون ما سلطنا عليهم، قوله: ” أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ” يعني بيت المقدس. قوله: ” ربنا إنك آتيت فرعون وملاءه زينة ” أي ملكا ” ليضلوا عن سبيلك ” أي يفتنوا الناس بالاموال والعطايا ليعبدوه ولا يعبدوك ” ربنا اطمس على أموالهم ” أي أهلكها. قوله: ” سبيل الذين لا يعلمون ” أي طريق فرعون و أصحابه. قوله: ” مبوأ صدق ” قال: ردهم إلى مصر وغرق فرعون. (2) 3 – فس: ” في هذه لعنة ” يعني الهلاك والغرق ” ويوم القيمة بئس الرفد المرفود ” أي رفدهم الله بالعذاب. (3) 4 – فس: ” ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ” قال: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والعصا ويده والبحر. ويحكي قول موسى (4) ” وإني لاظنك يا فرعون مثبورا ” أي هالكا تدعو بالثبور. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” فأراد أن يستفزهم من الارض ” أراد أن يخرجهم من الارض وقد علم فرعون وقومه أن ما أنزل تلك الآيات إلا الله (5) وقوله: ” فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ” يعني جميعا. وفي رواية علي بن إبراهيم: ” فأراد ” يعني فرعون ” أن يستفزهم من الارض ” أي


(1) تفسير القمى: 39. م (2) تفسير القمى: 290 – 292 م (3) تفسير القمى: 314 وفيه: هلاك الغرق. وفيه يرفدهم الله م. (4) في المصدر: وقوله يحكى قول موسى. (5) في المصدر: وقد علم فرعون وقومه ما أنزل تلك الايات الا الله.

[ 107 ]

يخرجهم من مصر ” جئنا بكم لفيفا ” أي من كل ناحية. (1) 6 – فس: ” وهل أتاك حديث موسى ” يعني قد أتاك. قوله: ” فاخلع نعليك ” قال: كانتا من جلد حمار ميت ” وأقم الصلاة لذكري ” قال: إذا نسيتها ثم ذكرتها فصلها. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” آتيكم منها بقبس ” يقول: آتيكم بقبس من النار ” تصطلون ” من البرد، وقوله: ” أو أجد على النار هدى ” كان قد أخطأ الطريق يقول: أو أجد عند النار طريقا. (2) وقوله: ” وأهش بها على غنمي ” يقول: أخبط بها الشجر لغنمي ” ولي فيها مآرب اخرى ” فمن الفرق (3) لم يستطع الكلام فجمع كلامه فقال: ” ولي فيها مآرب اخرى ” يقول: حوائج اخرى. وقال علي بن إبراهيم في قوله: ” إن الساعة آتية أكاد اخفيها ” قال: من نفسي، هكذا نزلت، (4) قلت: كيف يخفيها من نفسه ؟ قال: جعلها من غير وقت. قوله: ” وفتناك فتونا ” أي اختبرناك اختبارا ” في أهل مدين ” أي عند شعيب. قوله: ” واصطنعتك لنفسي ” أي اخترتك ” ولا تنيا ” أي لا تضعفا ” اذهبا إلى فرعون ” ائتياه. واعلم أن الله قال لموسى عليه السلام حين أرسله إلى فرعون: ائتياه فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى، ولكن قال الله ليكون أحرص لموسى على الذهاب وآكد في الحجة على فرعون. (5) فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” لشرذمة قليلون ” يقول: عصبة قليلة ” وإنا لجميع حاذرون ” يقول: مؤدون في الاداة وهو الشاكي في


(1) تفسير القمى: 390. (2) في المصدر: أو اجد على النار طريقا. م (3) أي فمن الفزع والخوف لم يستطع تفصيل مآربه فلخصها وجمعها فقال: ولى فيها مآرب اخرى. (4) هذا يوافق ما قيل من التحريف، وقد أشرنا كرارا أن ما عليه اجماع محققى الامامية خلفا وسلفا أن ما بين الدفتين هو المنزل من عند الله على النبي الكريم لم يزد فيه ولم ينقص، فكلما ورد خبر شاذ أو قول نادر تدل على خلافه فهو عندنا مطروح لا نعبأ به ونرد علم الخبر الوارد فيه إلى أهله. (5) تفسير القمى: 418 – 419. م

[ 108 ]

السلاح، وأما قوله: ” ومقام كريم ” يقول: مساكن حسنة. وأما قوله: ” فأتبعوهم مشرقين ” فعند طلوع الشمس. وقوله: ” معي ربي سيهدين ” يقول: سيكفين. (1) بيان: قال الجزري: يقال: آدني عليه أي قوني، ورجل مؤد: تام السلاح كامل أداة الحرب. ومنه حديث الاسود بن زيد في قوله تعالى: ” وإنا لجميع حاذرون ” قال: مقوون مؤدون أي كاملون أداة الحرب. 8 – فس: ” إني آنست نارا ” أي رأيت، وذلك لما خرج من مدين من عند شعيب. قوله: ” إلا من ظلم ” معناه: ولا من ظلم فوضع حرف مكان حرف. (2) بيان: على ما ذكره تكون ” إلا ” عاطفة. قال البغوي في تفسيره: قال بعض النحويين: ” إلا ” ههنا بمعنى ” ولا ” يعني لا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: ” لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ” يعني ولا الذين ظلموا منهم. 9 – فس: ” ساحران تظاهرا ” قال: موسى وهارون. (3) 10 – فس: ” قالوا يا أيها الساحر ” أي يا أيها العالم. قوله: ” من هذا الذي هو مهين ” يعني موسى ” ولا يكاد يبين ” قال: لم يبين الكلام ” فلولا القي عليه ” أي هلا القي عليه. قوله: ” مقترنين ” يعني مقارنين ” فلما آسفونا ” أي عصونا، لانه لا يأسف عزوجل كأسف الناس. (4) 11 – فس: ” ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ” أي اختبرناهم ” أن أداوا إلي عباد الله ” أي ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والاحكام، وأوحى الله إليه ” أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون ” أي يتبعكم فرعون وجنوده ” واترك البحر رهوا ” أي


(1) تفسير القمى: 473 وفيه: فعنى به طلوع الشمس. م (2) تفسير القمى: 476 وفيه: ومعنى الامن ظلم كقولك ولا من ظلم. فوضع حرفا مكان حرف. (3) تفسير القمى: 489. وقد قرأ أهل الكوفة: سحران بغير ألف، والباقون بالالف. (4) تفسير القمى: 611. م

[ 109 ]

جانبا وخذ على الطريق. (1) قوله: ” ومقام كريم ” أي حسن ” ونعمة كانوا فيها ” قال: النعمة في الابدان. قوله: ” فاكهين ” أي مفاكهين للنساء ” وأورثناها قوما آخرين ” يعني بني إسرائيل. قوله: ” على العالمين ” لفظه عام ومعناه خاص، وإنما اختارهم وفضلهم على عالمي زمانهم. (2) بيان: قوله: (أي ما فرض الله) الظاهر أنه جعل ” عباد الله ” منادى، وبين مفعول ” أدوا ” المقدر بالصلاة وغيرها، وهو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما جماعة من المفسرين واحتمال كون المراد بالعباد العبادة بحذف التاء كإقام الصلاة بعيد. والرهو بهذا المعنى لم يعهد في اللغة وإن أتى بمعان قريبة منه، كالمكان المرتفع والمنخفض والسكون، ويمكن إرجاعه إلى ما مر في التفسير بتكلف. والمفاكهة: الممازحة. 12 – فس: ” بالوادي المقدس ” أي المطهر، وأما طوى فاسم الوادي. وقال علي ابن إبراهيم في قوله: ” فحشر فنادى “: يعني فرعون. والنكال العقوبة. والآخرة هو (3) قوله: ” أنا ربكم الاعلى ” والاولى قوله: ” وما علمت لكم من إله غيري ” فأهلكه الله بهذين القولين. (4) 13 – فس: ” وفرعون ذي الاوتاد ” عمل الاوتاد التي أراد أن يصعد بها إلى السماء. (5) 14 – ص: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحجال، عن عبد الرحمن بن حماد، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فرعون بنى سبع مدائن فتحصن فيها من موسى، فلما أمره الله أن يأتي فرعون جاءه ودخل المدينة، فلما رأته الاسود (6) بصبصت بأذنابها، ولم يأن مدينة إلا انفتح له حتى انتهى إلى التي هو


(1) في المصدر: وخذ على الطرف. م (2) تفسير القمى: 616 و 617. م (3) قال الطبرسي قدس سره: ” نكال الاخرة والاولى ” بأن أغرقه في الدنيا ويعذبه في الاخرة وقيل: معناه: فعاقبه الله بكلمته الاخرة وكلمته الاولى، فالاخرة قوله: ” أنا ربكم الاعلى ” والاولى قوله: ” ما علمت لكم من اله غيرى ” فنكل به نكال هاتين الكلمتين. (4) تفسير القمى: 710 – 711. وفيه: يعنى فرعون فنادى. م (5) تفسير القمى: 723 – 724. م (6) أي الاسود التى كانت على باب المدينة.

[ 110 ]

فيها، فقعد على الباب وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه، فلما خرج الآذن قال له موسى عليه السلام: إني رسول رب العالمين إليك، فلم يلتفت، فضرب بعصاه الباب فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح فدخل عليه وقال: أنا رسول رب العالمين، فقال: ائتني بآية، فألقى عصاه، وكان لها شعبتان فوقعت إحدى الشعبتين في الارض، والشعبة الاخرى في أعلى القبة، فنظر فرعون إلى جوفها وهي تلتهب نارا وأهوت إليه، فأحدث فرعون وصاح: يا موسى خذها، ولم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب، فلما أخذ موسى العصا ورجعت إلى فرعون نفسه هم بتصديقه فقام إليه هامان وقال: بينا أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد ؟ ! واجتمع الملا وقالوا: هذا ساحر عليم، فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم ألقى موسى عصاه فالتقمتها كلها، وكان في السحرة اثنان و سبعون شيخا خروا سجدا، ثم قالوا لفرعون: ما هذا سحر لو كان سحرا لبقيت حبالنا و عصينا، ثم خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل يريد أن يقطع بهم البحر فأنجى الله موسى ومن معه، وغرق فرعون ومن معه، فلما صار موسى في البحر اتبعه فرعون وجنوده فتهيب فرعون أن يدخل البحر، فمثل جبرئيل على ما ديانة، (1) وكان فرعون على فحل، فلما رأى قوم فرعون الماديانة اتبعوها فدخلوا البحر وغرقوا، (2) وأمر الله البحر فلفظ فرعون ميتا (3) حتى لا يظن أنه غائب وهو حي، ثم إن الله تعالى أمر موسى أن يرجع ببني إسرائيل إلى الشام، فلما قطع البحر بهم مر على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا: ” يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون ” ثم ورت بنو إسرائيل ديارهم وأموالهم، فكان الرجل يدور على دور كثيرة، ويدور على النساء. (4) 15 – فس: ” وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض و يذرك وآلهتك ” قال: كان فرعون يعبد الاصنام ثم ادعى بعد ذلك الربوبية، فقال


(1) لفظ عجمى يقال للانثى من الخيل. (2) اللفظ لا يخلو عن سقط أو تصحيف، ولعله كان هكذا: فلما رأى فحل فرعون الماديانة اتبعها واتبعوه قومه فدخلوا البحر وغرقوا. (3) أي رماه وطرحه ميتا. (4) قصص الانبياء مخطوط. م

[ 111 ]

فرعون: ” سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ” قوله: ” قالوا اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا ” قال: قال الذين آمنوا لموسى: قد اوذينا قبل مجيئك يا موسى بقتل أولادنا، ومن بعدما جئتنا لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى، فقال موسى: ” عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون ” ومعنى ” ينظر ” أي يرى كيف تعملون، فوضع النظر مكان الرؤية. وقوله: ” ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات ” يعني السنين الجدبة لما أنزل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل و الضفادع والدم. وأما قوله: ” فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ” قال: الحسنة ههنا الصحة و السلامة والامن والسعة ” وإن تصبهم سيئة ” قال: السيئة ههنا الجوع والخوف والمرض ” يطيروا بموسى ومن معه أي بتشأموا بموسى ومن معه. وأما قوله: ” وقالوا مهما تأتنا به من آية لتحسرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ” إلى قوله: ” فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ” فإنه لما سجد السحرة وآمن به الناس (1) قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل، فجاء إليه موسى فقال له: خل عن بني إسرائيل، فلم يفعل، فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان فخرب دورهم ومساكنهم (2) حتى خرجوا إلى البرية وضربوا فيها الخيام، فقال فرعون لموسى: ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى اخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان، وهم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل فقال له هامان: إن خليت عن بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني إسرائيل فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد، فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر حتى كانت تجرد شعرهم ولحيتهم، (3) فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا وقال: يا موسى ادع ربك أن يكف الجراد عنا (4) حتى اخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربكه فكف عنهم الجراد، فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله


(1) في نسخة: ومن آمن به من الناس. (2) في المصدر وفى نسخة: فخرب زروعهم ومساكنهم. (3) في المصدر: ولحاهم. م (4) في المصدر ونسخة: عنا الجراد.

[ 112 ]

عليهم في السنة الثالثة القمل، (1) فذهبت زروعهم وأصابتهم المجاعة. فقال فرعون لموسى: إن رفعت عنا القمل (2) كففت عن بني إسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل، وقال: أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، و يقال: إنها كانت تخرج من أدبارهم وآذانهم وآنافهم، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاؤوا إلى موسى فقالوا: ادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك، فلما أبوا أن يخلوا عن بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما، فكان القبطي يراه دما، والاسرائيلي يراه ماء، فإذا شربه الاسرائيلي كان ماء، وإذا شربه القبطي كان دما، فكان القبطي يقول للاسرائيلي: خذ الماء في فمك وصبه في فمي، فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دما، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع الله عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الرجز وهو الثلج ولم يروه قبل ذلك فماتوا فيه وجزعوا وأصابهم ما لم يعهدوه قبله، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل، فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسى من مصر واجتمع عليه من كان هرب من فرعون، وبلغ فرعون ذلك فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل فقد اجتمعوا إليه، فجزع فرعون وبعث في المدائن حاشرين، وخرج في طلب موسى. قوله: ” وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ” يعني بني إسرائيل لما أهلك الله فرعون ورثوا الارض وما كان لفرعون. قوله: ” وتمت كلمة ربك ” يعني الرحمة بموسى تمت لهم. قوله: ” وما كانوا يعرشون ” يعني المصانع والعريش والقصور. (2)


(1) أي السوس، أو مثله وقد تقدم تفسيره بذلك ويأتى. (2) في نسخة: إن دفعت عنا القمل. (3) تفسير القمى 220 – 222. م

[ 113 ]

بيان: قوله تعالى: ” وآلهتك ” قيل: كان فرعون يستعبد الناس ويعبد الاصنام بنفسه وكان الناس يعبدونها تقربا إليه، وقيل: كان يعبد ما يستحسن من البقر، وروي أنه كان يأمرهم أيضا بعبادة البقر، ولذلك أخرج السامري لهم عجلا، وقيل: كانت لهم أصنام يعبدها قومه تقربا إليه، وقرئ ” وإلهتك ” على فعالة، روي عن علي عليه السلام وابن عباس وابن مسعود وأنس وعلقمة وغيرهم، فالالهة بمعنى الربوبية أو العبادة. قوله تعالى: ” فأرسلنا عليهم الطوفان ” اختلف فيه فقيل: هو الماء الخارج عن العادة، وقيل: هو الموت الذريع، (1) وقيل: هو الطاعون بلغة اليمن، أرسل الله ذلك على أبكار آل فرعون في ليلة فلم يبق منهن إنسان ولا دابة، وقيل: هو الجدري وهم أول من عذبوا به فبقي في الارض، وقيل: هو أمر من أمر الله طاف بهم. واختلف في القمل أيضا فقيل: هو صغار الجراد التي لا أجنحة لها، وقيل: صغار الذر، وقيل: شئ يشبه الحلم (2) لا يأكل أكل الجراد خبيث الرائحة، وقيل: دواب سود صغار كالقردان، وقيل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل: قمل الناس. وأما الرجز فقيل: هو العذاب، وهو ما نزل بهم من الطوفان وغيره، وقيل: هو الطاعون مات به من القبط سبعون ألف إنسان. وقال الطبرسي رحمه الله: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه أصابهم ثلج أحمر، ولم يره قبل ذلك، فماتوا فيه وجزعو وأصابهم ما لم يعهدوه قبله. (3) 16 – ص: في تسع آيات موسى: لما اجتمع رأي فرعون أن يكيد موسى فأول ما كاده به عمل الصرح، فأمر هامان ببنائه حتى اجتمع فيه خمسون ألف بناء سوى من يطبخ الآجر، وينجر الخشب والابواب ويضرب المسامير حتى رفع بنيانا لم يكن مثله منذ خلق الله الدنيا، وكان أساسه على جبل فزلزله الله تعالى فانهدم على عماله وأهله وكل من كان عمل فيه من القهارمة والعمال، فقال فرعون لموسى عليه السلام: إنك تزعم


(1) موت ذريع: أي فاش أو سريع. (2) جمع الحلمة: دودة تقع في الجلد فتأكله. (3) مجمع البيان 4: 469. م

[ 114 ]

أن ربك عدل لا يجوز، أفعدله الذي أمر ؟ فاعتزل الآن إلى عسكرك فإن الناس لحقوا بالجبال والرمال، فإذا اجتمعوا تسمعهم رسالة ربك، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أخر ودعه، فإنه يريد أن يجند لك الجنود فيقاتلك، واضرب بينك وبينه أجلا، وابرز إلى معسكرك يأمنوا بأمانك ثم ابنوا بنيانا واجعلوا بيوتكم قبلة، فضرب موسى بينه وبين فرعون أربعين ليلة، فأوحى إلى موسى أنه يجمع لك الجموع فلا يهولنك شأنه، فإني أكفيك كيده، فخرج موسى عليه السلام من عند فرعون والعصا معه على حالها حية تتبعه وتنعق وتدور حوله والناس ينظرون إليه متعجبين وقد ملئوا رعبا حتى دخل موسى عسكره وأخذ برأسها فإذا هي عصا، وجمع قومه وبنوا مسجدا، فلما مضى الاجل الذي كان بين موسى وفرعون أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب بعصاك النيل، وكانوا يشربون منه، فضربه فتحول دما عبيطا، (1) فإذا ورده بنو إسرائيل استقوا ماء صافيا، وإذا ورده آل فرعون اختضبت أيديهم وأسقيتهم بالدم، فجهدهم العطش حتى أن المرأة من قوم فرعون تستقي من نساء بني إسرائيل، فإذا سكبت الماء لفرعونية تحول دما، فلبثوا في ذلك أربعين ليلة واشرفوا على الموت، واستغاث فرعون وآله بمضغ الرطبة فصير ماؤها مالحا، فبعث فرعون إلى موسى: ادع لنا ربك يعيد لنا هذا الماء صافيا، فضرب موسى بالعصا النيل فصار ماء خالصا، هذا قصة الدم. وأما قصة الضفادع: فإنه تعالى أوحى إلى موسى أن يقوم على شفير النيل حتى يخرج كل ضفدع خلقه الله تعالى من ذلك الماء فأقبلت تدب سراعا (2) تؤم أبواب المدينة فدخلت فيها حتى ملات كل شئ، فلم يبق دار ولا بيت ولا إناء إلا امتلات ضفادع، ولا طعام ولا شراب إلا فيه ضفادع حتى غمهم ذلك (3) وكادوا يموتون، فطلب فرعون إلى موسى أن يدعو ربه ليكشف البلاء واعتذر إليه من الخلف، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن أسعفه، (4) فأناف موسى بالعصا فلحق جميع الضفادع بالنيل.


(1) أي خالصا طريا. (2) في الكلام تقدير: والمعنى أن موسى قام على شفير النيل فخرج كل ضفدع، فأقبلت تدب سراعا. (3) في نسخة: حتى عمهم ذلك. (4) أي اقض حاجته.

[ 115 ]

وأما قصة الجراد والقمل: فإنه تعالى أوحى إلى موسى أن ينطلق إلى ناحية من الارض ويشير بالعصا نحو المشرق واخرى نحو المغرب، فانبثق الجراد من الافقين جميعا، فجاء مثل الغمام الاسود، وذلك في زمان الحصاد، فملا كل شئ وعم الزرع فأكله وأكل خشب البيوت وأبوابها، ومسامير الحديد والاقفال والسلاسل، ونكت موسى الارض بالعصا فامتلات قملا فصار وجه الارض أسود وأحمر حتى ملئت ثيابهم ولحفهم وآنيتهم فتجئ متواصلة وتجئ من رأس الرجل ولحيته، وتأكل كل شئ، فلما رأوا الذي نزل من البلاء اجتمعوا إلى فرعون وقالوا: ليس من بلاء إلا ويمكن الصبر عليه إلا الجوع، فإنه بلاء فاضح لا صبر لاحد عليه، ما أنت صانع ؟ فأرسل فرعون إلى موسى عليه السلام يخبره أنه لم يجتمع له أمره الذي أراد، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن لا يدع له حجة وأن ينظره، فأشار بعصاه فانقشع الجراد والقمل من وجه الارض. وأما الطمس: فإن موسى لما رأى آل فرعون لا يزيدون إلا كفرا دعا موسى عليهم فقال: ” ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا اطمس على أموالهم ” فطمس الله أموالهم حجارة فلم يبق لهم شيئا مما خلق الله تعالى يملكونه لا حنطة ولا شعيرا ولا ثوبا ولا سلاحا ولا شيئا من الاشياء إلا صار حجارة. وأما الطاعون: فإنه أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أني مرسل على أبكار آل فرعون في هذه الليلة الطاعون، فلا يبقى بآل فرعون من إنسان ولا دابة إلا قتله، فبشر موسى قومه بذلك، فانطلقت العيون إلى فرعون بالخبر، فلما بلغه الخبر قال لقومه: قولوا لبني إسرائيل إذا أمسيتم فقدموا أبكاركم، وقدموا أنتم أبكاركم، واقرنوا كل بكرين في سلسلة، فإن الموت يطرقهم ليلا، فإذا وجدهم مختلطين لم يدر بأيهم يبطش، ففعلوا فلما جهم الليل أرسل الله تعالى الطاعون فلم يبق منهم إنسانا ولا دابة إلا قتله فأصبح أبكار آل فرعون جيفا، وأبكار بني إسرائيل أحياء سالمين، فمات منهم ثمانون ألفا سوى الدواب، وكان لفرعون من أثاث الدنيا وزهرتها وزينتها ومن الحلي والحلل مالا يعلمه إلا الله تعالى. فأوحى الله جلت عظمته إلى موسى عليه السلام أني مورث بني إسرائيل ما في أيدي آل فرعون، فقل ليستعيروا منهم الحلي والزينة، فإنهم لا يمتنعون من خوف


[ 116 ]

البلاء، وأعطى فرعون جميع زينة أهله وولده وما كان في خزائنه، فأوحى الله تعالى إلى موسى بالمسير بجميع ذلك حتى كان من الغرق بفرعون وقومه ما كان. (1) ايضاح: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: ” واجعلوا بيوتكم قبلة “: اختلف في ذلك فقيل: لما دخل موسى مصر بعدما أهلك الله فرعون امروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة – أي الكعبة – وكانت قبلتهم إلى الكعبة، وقيل: إن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة فامروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها خوفا من فرعون، وقيل: معناه: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا انتهى (2) اقول: ما في القصص يحتمل كلا من الوجهين الاخيرين، وأن يكون المعنى كون بيوتهم محاذيه للكعبة. وأناف على الشئ: أشرف، والمراد الاشارة بالعصا. وانقشع: تفرق. 17 – فس: محمد بن جعفر، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، عن محمد بن يعقوب، (3) عن جعفر الاحول، (4) عن منصور، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: لما خافت بنو إسرائيل جبابرتها أوحى الله إلى موسى وهارون عليهما السلام: ” أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ” قال: امروا أن يصلوا في بيوتهم. (5) 18 – فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا ” إلى قوله: ” وأنا من المسلمين ” فإن بني إسرائيل قالوا: يا موسى ادع الله أن يجعل لنا مما نحن فيه فرجا، فدعا فأوحى الله إليه: أن أسر بهم، قال: يا رب البحر أمامهم ! قال: امض فإني آمره ان يعطيك وينفرج


(1) قصص الانبياء مخطوط. م (2) مجمع البيان 5: 129. م (2) في المصدر: محمد بن يعفور. (4) في المصدر: عن أبى جعفر الاحول. وهو الصحيح. (5) تفسير القمى: 290. م

[ 117 ]

لك، فخرج موسى ببني إسرائيل وأتبعهم فرعون حتى إذا كاد أن يلحقهم ونظروا إليه قد أظلهم، قال موسى للبحر: انفرج لي، قال: ما كنت لافعل، وقال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: غررتنا وأهلكتنا، فليتك تركتنا يستعبدنا آل فرعون، ولم نخرج الآن نقتل قتلة، قال: ” كلا إن معي ربي سيهدين ” واشتد على موسى ما كان يصنع به عامة قومه وقالوا: يا موسى إنا لمدركون، زعمت أن البحر ينفرج لنا حتى نمضي ونذهب وقد رهقنا (1) فرعون وقومه، هم هؤلاء نراهم قد دنوا منا، فدعا موسى ربه فأوحى الله إليه: ” أن اضرب بعصاك البحر ” فضربه فانفلق البحر، فمضى موسى وأصحابه حتى قطعوا البحر و أدركهم آل فرعون، فلما نزلوا إلى البحر قالوا لفرعون: ما تعجب مما ترى ؟ قال أنا فعلت، (2) فمروا وامضوا فيه، (3) فلما توسط فرعون ومن معه أمر الله البحر فأطبق عليهم فغرقهم أجمعين، فلما أدرك فرعون الغرق قال: ” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” يقول الله عزوجل: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ” يقول: كنت من العاصين ” فاليوم ننجيك ببدنك ” قال: إن قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر فلم ير منهم أحد، هووا في البحر إلى النار، (4) وأما فرعون فنبذه الله وحده فألقاه بالساحل لينظروا إليه وليعرفوه ليكون لمن خلفه آية، ولئلا يشك أحد في هلاكه، وإنهم كانوا اتخذوه ربا، فأراهم الله إياه جيفة ملقاة بالساحل ليكون لمن خلفه عبرة وعظة، يقول الله: ” وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون “. وقال علي بن إبراهيم: وقال الصادق عليه السلام: ما أتى جبرئيل رسول الله إلا كئيبا حزينا، ولم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون، فلما أمر الله بنزول هذه الآية: (5) ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ” نزل عليه وهو ضاحك مستبشر، فقال له رسول الله: ما أتيتني يا جبرئيل إلا وتبينت الحزن في وجهك حتى الساعة، قال: نعم يا محمد لما غرق


(1) أي لحقنا ودنا منا. (2) في نسخة: انما أنا فعلت هذا. (3) في نسخة: فمضوا فيه. (4) في المصدر: فلم ير أحد في البحر، هووا إلى النار. م (5) في نسخة: فلما أمره بنزول هذه الاية.

[ 118 ]

الله فرعون قال: ” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” فأخذت حمأة فوضعتها في فيه، ثم قلت له: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ” و عملت ذلك من غير أمر الله خفت أن يلحقه الرحمة من الله ويعذبني على ما فعلت، فلما كان الآن وأمرني الله أن اؤدي إليك ما قلته أنا لفرعون أمنت وعلمت أن ذلك كان لله رضى. قوله: ” فاليوم ننجيك ببدنك ” فإن موسى عليه السلام أخبر بني إسرائيل أن الله قد غرق فرعون فلم يصدقوه، فأمر الله البحر فلفظ به على ساحل البحر حتى رأوه ميتا. (1) 19 – طب: عبد الله بن بسطام، عن إبراهيم بن النضر من ولد ميثم التمار، عن الائمة عليهم السلام أنهم وصفوا هذا الدواء (2) لاوليائهم وهو الدواء الذي يسمى الشافية – وساق الحديث إلى أن قال -: نزل به جبرئيل عليه السلام على موسى بن عمران عليه السلام حين أراد فرعون أن يسم بني إسرائيل فجعل لهم عيدا في يوم الاحد، وقد تهيأ فرعون واتخذ لهم طعاما كثيرا ونصب موائد كثيرة وجعل السم في الاطعمة، وخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف فوقف لهم موسى عليه السلام عند المضيف، فرد النساء والولدان، و أوصى بني إسرائيل فقال: لا تأكلوا من طعامهم ولا تشربوا من شرابهم حتى أعود إليكم، ثم أقبل على الناس يسقيهم من هذا الدواء مقدار ما تحمله رأس الابرة، و علم أنهم يخالفون أمره ويقعون في طعام فرعون، ثم زحف وزحفوا معه، (3) فلما نظروا إلى نصب الموائد أسرعوا إلى الطعام ووضعوا أيديهم فيه، ومن قبل نادى فرعون موسى وهارون ويوشع بن نون ومن كل خيار بني إسرائيل (4) ووجههم إلى مائده لهم خاصة، وقال: إني عزمت على نفسي أن لا يلي خدمتكم وبركم غيري أو كرام أهل مملكتي، فأكلوا حتى تملوا من الطعام، وجعل فرعون يعيد السم مرة بعد اخرى، فلما فرغوا من الطعام خرج موسى عليه السلام وأصحابه وقال لفرعون: إنا تركنا النساء والصبيان خلفنا وإنا ننتظرهم، فقال فرعون: إذا يعاد لهم الطعام ونكرمهم كما أكرمنا من معك، فتوافوا


(1) تفسير القمى: 291 – 292. م (2) اختصره المصنف ولم يذكر الدواء. (3) أي مشى ومشوا معه. (4) الظاهر أن لفظة (من) زائدة والصحيح: وكل خيار بنى إسرائيل.

[ 119 ]

وأطعمهم كما أطعم أصحابهم، وخرج موسى عليه السلام إلى العسكر فأقبل فرعون على أصحابه وقال لهم: زعمتم أن موسى وهارون سحرا بنا وأريانا بالسحر أنهم يأكلون من طعامنا و لم يأكلوا من طعامنا شيئا وقد خرجنا وذهب السحر، فأجمعوا من قدرتم عليه على الطعام الباقي يومهم هذا ومن الغد لكيلا يتفانوا، (1) ففعلوا، وقد كان أمر فرعون أن يتخذ لاصحابه خاصة طعام لا سم فيه، فجمعهم عليه، فمنهم من أكل ومنهم من ترك، فكل من طعم من طعامه تفسخ، فهلك من أصحاب فرعون سبعون ألف ذكر ومائة وستون ألف انثى سوى الدواب والكلاب وغير ذلك، فتعجب هو وأصحابه. (2) أقول: سيأتي تمام الخبر مع وصف الدواء في كتاب السماء والعالم. 20 – فس: ” أو من ينشؤ في الحلية ” أي ينشؤ في الذهب ” وهو في الخصام غير مبين ” قال: إن موسى أعطاه الله من القوة أن رأى فرعون صورته على فرس من ذهب رطب عليه ثياب من ذهب رطب، فقال فرعون: ” أو من ينشؤ في الحلية ” أي ينشؤ بالذهب ” و هو في الخصام غير مبين ” قال: لا يبين الكلام ولا يتبين من الناس، ولو كان نبيا لكان خلاف الناس. (3) بيان: المشهور بين المفسرين أن المعنى: أو اجعلوا من ينشؤ في الحلية أي في زينة النساء لله عزوجل، يعني البنات، وهو في الخصام يعني المخاصمة غير مبين للحجة، أي لا يمكنها أن تبين الحجة عند الخصومة لضعفها وسفهها، وقيل: معناه: أو يعبدون من ينشؤ في الحلية ولا يمكنه أن ينطق بحجته ويعجز عن الجواب وهم الاصنام، فإنهم كانوا يحلونها بالحلي، وإنما قال: ” وهو ” حملا على لفظ ” من ” وأما ما ذكره علي بن إبراهيم فلا يخفى بعده عن سياق الآية، لانها محفوفة بالآيات المشتملة على ذكر من جعل لله البنات، ولو كان خبرا فلعل في قرآنهم عليهم السلام كانت بين الآيات المسوقة لذكر


(1) هكذا في نسخ، ولعله مصحف ” يتغانوا ” كما في نسخة أو ” يتعافوا ” كما في اخرى. ويتغانوا أي غثوا، أي لكيلا يغثوا ويتقيؤوا. وفى نسخة اخرى: لكى يتفانوا. (2) طب الائمة مخطوط. م (3) تفسير القمى: 608. م

[ 120 ]

قصص موسى عليه السلام، (1) أو يكون القول مقدرا، وتكون ههنا معترضة لمشابهة قوله لقول هؤلاء في معارضة الحق ومعاندة أهل الدين. 21 – فس: أبي، عن ابن فضال، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون أتى بابه فاستأذن عليه ولم يؤذن له، فضرب بعصاه الباب فاصطكت الابواب مفتحة، ثم دخل على فرعون فاخبره أنه رسول من رب العالمين، وسأله أن يرسل معه بني إسرائيل، فقال له فرعون كما حكى الله: ” ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت ” أي قتلت الرجل ” وأنت من الكافرين ” يعني كفرت نعمتي، فقال موسى كما حكى الله: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم ” إلى قوله: ” أن عبدت بني إسرائيل ” فقال فرعون: ” وما رب العالمين ” وإنما سأله عن كيفية الله، فقال موسى: ” رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم مؤمنين ” فقال فرعون متعجبا لاصحابه: ” ألا تستمعون ” أسأله عن الكيفية فيجيبني عن الخلق ! فقال موسى: ” ربكم ورب آبائكم الاولين ” ثم قال لموسى: ” لئن اتخذت إلها غيري لاجعلك من المسجونين ” قال موسى: ” أو لو جئتك بشئ مبين ” قال فرعون: ” فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ” فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب ودخل فرعون من الرعب ما لم يملك نفسه، فقال فرعون: يا موسى انشدك الله والرضاع إلا ما كففتها عني، فكفها، ثم نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، فلما أخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه وهم بتصديقه فقام إليه هامان فقال له: بينما أنت إله تعبد إذ صرت تابعا لعبد ؟ ! ثم قال فرعون للملا الذي حوله: ” إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ” إلى قوله: ” الميقات يوم معلوم ” وكان فرعون وهامان قد تعلما السحر وإنما غلبا الناس بالسحر، وادعى فرعون الربوبية بالسحر، فلما أصبح بعث في المدائن حاشرين، مدائن مصر كلها، وجمعوا ألف ساحر، واختاروا من الالف مائة ومن المائة ثمانين، فقال السحرة لفرعون: قد علمت أنه ليس في الدنيا أسحر منا، فان علبنا موسى فما يكون لنا عندك ؟ قال: ” إنكم إذا لمن المقربين ” عندي، اشارككم في


(1) فيه مالا يخفى. (*)

[ 121 ]

ملكي، قالوا: فإن غلبنا موسى وأبطل سحرنا علمنا أن ما جاء به ليس من قبل السحر ولا من قبل الحيلة، آمنا به وصدقناه، فقال فرعون: إن غلبكم موسى صدقته أنا أيضا معكم، ولكن أجمعوا كيدكم أي حيلتكم، قال: وكان موعدهم يوم عيد لهم. فلما ارتفع النهار من ذلك اليوم، وجمع فرعون الخلق والسحرة، وكانت له قبة طولها في السماء ثمانون ذراعا، وقد كانت لبست الحديد الفولاد، (1) وكانت إذا وقعت الشمس عليها لم يقدر أحد أن ينظر إليها من لمع الحديد ووهج الشمس، (2) وجاء فرعون وهامان وقعدا عليها ينظران، وأقبل موسى ينظر إلى السماء، فقالت السحرة لفرعون: إنا نرى رجلا ينظر إلى السماء ولم يبلغ سحرنا السماء، وضمنت السحرة من في الارض، فقالوا لموسى: إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين، قال لهم موسى: ” ألقوا ما أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم ” فأقبلت تضطرب مثل الحيات وهاجت، فقالوا: ” بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ” (3) ” فأوجس في نفسه خيفة موسى ” فنودي: ” لا تخف إنك أنت الاعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ” فألقى موسى العصا فذابت في الارض مثل الرصاص ثم طلع رأسها وفتحت فاها و وضعت شدقها العليا على رأس قبلة فرعون، ثم دارت والتقمت (4) عصي السحرة وحبالها وغلب كلهم وانهزم الناس حين رأوها وعظمها وهولها مما لم تر العين ولا وصف الواصفون مثله قبل، فقتل في الهزيمة من وطئ الناس بعضهم بعضا عشرة آلاف رجل وامرأة وصبي ودارت على قبة فرعون، قال: فأحدث فرعون وهامان في ثيابهما وشاب رأسهما وغشي عليهما من الفزع. ومر موسى في الهزيمة مع الناس فناداه الله خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى، فرجع موسى ولف على يده عباءة كانت عليه ثم أدخل يده في فمها فإذا هي عصا كما كانت، وكان كما قال الله: ” فالقي السحرة ساجدين ” لما رأوا ذلك ” قالوا


(1) في نسخة: لبست بالفولاد المصقول. (2) أي اتقادها. (3) في نسخة بعد ذلك: فهال الناس ذلك. (4) في المصدر وفى نسخة: ثم دارت وارخت شفتها السفلى والتقمت اه‍. م.

[ 122 ]

آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ” فغضب فرعون عند ذلك غضبا شديدا وقال: ” آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم ” يعني موسى ” الذي علمكم السحر فسوف تعلمون * لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين ” فقالوا له كما حكى الله عزوجل: ” لا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين “. فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن حتى أنزل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فأطلق عنهم، فأوحى الله إلى موسى: ” أن أسر بعبادي إنكم متبعون ” فخرج موسى ببني إسرائيل ليقطع بهم البحر، وجمع فرعون أصحابه وبعث في المدائن حاشرين، وحشر الناس وقدم مقدمته في ستمائة ألف، وركب هو في ألف ألف، وخرج كما حكى الله عزوجل: ” فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين ” فلما قرب موسى من البحر وقرب فرعون من موسى قال أصحاب موسى: ” إنا لمدركون ” فقال موسى: ” كلا إن معي ربي سيهدين ” أي سينجين، فدنا موسى عليه السلام من البحر فقال له: انفرق، فقال له البحر: استكبرت يا موسى أن أنفرق لك (1) ولم أعص الله طرفة عين وقد كان فيكم المعاصي ؟ ! فقال له موسى: فاحذر أن تعصي، وقد علمت أن آدم اخرج من الجنة بمعصية وإنما لعن إبليس بمعصية، فقال البحر: عظيم ربي (2) مطاع أمره، ولا ينبغي لشئ أن يعصيه. فقام يوشع بن نون فقال لموسى: يا رسول الله ما أمرك ربك ؟ فقال: بعبور البحر، فأقحم يوشع فرسه الماء (3) وأوحى الله إلى موسى: ” أن اضرب بعصاك البحر ” فضربه ” فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ” أي كالجبل العظيم، فضرب له في البحر اثنا عشر


(1) في المصدر وفى نسخة: استكبرت يا موسى أن تقول لى انفرق لك. وفى طبعة اخرى من المصدر: فقال له: انفلق، فقال البحر له: استكبرت يا موسى أن أنفلق لك. (2) في المصدر: ربى عظيم. (3) في المصدر: في الماء. م

[ 123 ]

طريقا، فأخذ كل سبط في طريق، فكان الماء قد ارتفع (1) وبقيت الارض يابسة طلعت فيها الشمس فيبست كما حكى الله عزوجل: ” فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا * لا تخاف دركا ولا تخشى ” ودخل موسى وأصحابه البحر، وكان أصحابه اثني عشر سبطا، فضرب الله لهم في البحر اثني عشر طريقا، فأخذ كل سبط في طريق، وكان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال، فجزعت الفرقة التي كانت مع موسى في طريقه فقالوا: يا موسى أين إخواننا ؟ فقال لهم: معكم في البحر، فلم يصدقوه، فأمر الله البحر فصارت طاقات حتى كان ينظر بعضهم إلى بعض ويتحدثون، وأقبل فرعون وجنوده فلما انتهى إلى البحر قال لاصحابه: ألا تعلمون أني ربكم الاعلى قد فرج لي البحر ؟ فلم يجسر أحد أن يدخل البحر وامتنعت الخيل منه لهول الماء، فتقحم فرعون حتى جاء إلى ساحل البحر، فقال له منجمه: لا تدخل البحر، وعارضه فلم يقبل منه، وأقبل على فرس حصان فامتنع الفرس أن يدخل الماء، فعطف عليه جبرئيل وهو على ما ديانة (2) فتقدمه ودخل، فنظر الفرس إلى الرمكة فطلبها ودخل البحر واقتحم أصحابه خلفه، فلما دخلوا كلهم حتى كان آخر من دخل من أصحابه وآخر من خرج من أصحاب موسى أمر الله الرياح فضربت البحر بعضه ببعض، فأقبل الماء يقع عليهم مثل الجبال، فقال فرعون عند ذلك: ” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” فأخذ جبرئيل كفا من حمأة فدسها في فيه ثم قال: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين “. (3) بيان: قال الرازي في قوله: ” وما رب العالمين ” اعلم أن السؤال بما لطلب الحقيقة وتعريف حقيقة الشئ إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة، أو بشئ منها، أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج، والاول محال لانه يلزم أن يكون المعرف معلوما قبل أن يكون معلوما، والثاني مستلزم لتركبه تعالى وهو محال (4) فثبت أنه لا يمكن تعريفه


(1) في نسخة: فكان الماء لما ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال وقع الشمس في أرض البحر فيبست. (2) لفظ عجمى وبالعربية: الرمكة. وهى الفرس أو البرذونة تتخذ للنتاج. (3) تفسير القمى: 469 – 473. م (4) وكذا الرابع.

[ 124 ]

تعالى إلا بلوازمه وآثاره، وأظهر آثار واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس، وهو السماوات والارض وما بينهما، فلذا قال موسى عليه السلام: ” رب السماوات والارض وما بينهما “. وأما قوله: ” إن كنتم موقنين ” فمعناه: إن كنتم موقنين باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته، لانكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى واجب لذاته وثبت أنه فرد مطلق وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره وثبت أن تلك الآثار لابد وأن تكون أظهر آثاره وما ذاك إلا السماوات والارض وما بينهما فإن أيقنتم لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا فقال فرعون على سبيل التعجب من جواب موسى: ” ألا تستمعون ” أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية والموثرية ؟ فأجاب موسى عليه السلام بأن قال: ” ربكم ورب آبائكم الاولين ” وكأنه عليه السلام عدل عن التعريف السابق لانه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السماوات والارضين واجبة لذواتها، ولا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وآبائه و أجداده كونهم واجبة لذواتهم، لان المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا لذاته. فقال فرعون: ” إن رسولكم الذي ارسل إليكم لمجنون ” يعني المقصود من سؤال ما طلب خصوصية الحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجة لا تفيد البتة تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون، فقال موسى: ” رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ” فعدل إلى طريق ثالث أوضح لانه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار، وبالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والامر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر لا يتم إلا بتدبير مدبر، فإن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. انتهى ملخص كلامه. (1) أقول: لعل الاظهر أنه لم يكن سؤاله عن طلب الماهية والحقيقة، بل على وجه الاستبعاد من وجود إله غيره، فاستدل عليه السلام على وجوده تعالى بالسماوات والارض وما بينهما، ثم أظهر الاستبعاد عن كون السماوات والارض محتاجة إلى الصانع، بل هي واجبة متحركة بذواتها كما هو مذهب الدهرية، أو أنه كان يخيل أنه رب السماوات و


(1) مفاتيح الغيب 6: 403 – 404. م

[ 125 ]

الارض، فاستدل عليه السلام ثانيا بخلق أنفسهم، فنسبه إلى الجنون سفها ومكابرة ومعاندة كما كان دأب جميع كفرة الامم حيث كانوا ينسبون أنبياءهم بعد إتمام الحجج عليهم إلى الجنون. (1) ثم استدل عليه السلام بحركات الافلاك واختلاف الليل والنهار، فلما رأى فرعون أنه يظهر الرب لقومه بآثاره عدل عن الاحتجاج إلى التهديد والوعيد، فقال موسى: ” أولو جئتك بشئ مبين ” أي أتفعل ذلك ولو جئتك بشئ يبين صدق دعواي ؟ يعني المعجزة، قوله: (لا ضير) أي لا ضرر علينا في ذلك. قوله: (أن كنا) أي بأن كنا قوله: (مشرقين) أي داخلين في وقت شروق الشمس. والحصان بالكسر الفرس الذكر الاصيل، ويسمى كل ذكر من الخيل حصانا والرمكة محركة الفرس والبرذونة تتخذ للنتاج. 22 – فس: وقال فرعون: ” يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لاظنه من الكاذبين ” قال: فبنى هامان له في الهواء صرحا حتى بلغ مكانا في الهواء لم يقدر (2) الانسان أن يقوم عليه من الرياح القائمة في الهواء، فقال لفرعون: لا نقدر أن نزيد على هذا، وبعث الله رياحا فرمت به، فاتخذ فرعون (3) عند ذلك التابوت وعمد إلى أربعة أنسر فأخذ فراخها ورباها حتى إذا بلغت وكبرت عمدوا إلى جوانب التابوت الاربعة فغرزوا (4) في كل جانب منه خشبة، وجعلوا على رأس كل خشبة لحما، وجوعوا الانسر وشدوا


(1) يمكن أن يقال في توجيه اختلاف الاجوبة أنه أجاب أولا بما يدل على وجوده وعظم قدرته، ثم أجاب بما يدل على علمه وحكمته، إذ خالق الانسان الحكيم لابد وأن يكون أعلم منه وأحكم، إذ بديهة العقل تحكم بأن العلة أشرف وأحكم من المعلول، ثم أجاب بما يدل على لطفه ورحمته، حيث هيأ لعباده مما يحتاجون إليه من معايشهم بخلق الشمس والقمر والكواكب وتدبير حركاتها على نظام مخصوص به تحصل الفصول الاربعة التى بها تنمو الحبوب والثمار، وعليها تصلح الابدان، فلما نبههم على أنه لا يمكن معرفة ذاته تعالى هداهم إلى معرفة صفاته بوجه يتيسر لهم غاية العرفان إذا تدبروا حق التدبير. منه رحمه الله. (2) في المصدر: لا يتمكن. م (3) في المصدر: وهامان. م (4) أي أثبتوا.

[ 126 ]

أرجلها بأصل الخشبة، فنظرت الانسر إلى اللحم فأهوت إليه، وسفت بأجنحتها وارتفعت بهما في الهواء، وأقبلت يطير يومها، فقال فرعون لهامان: انظر إلى السماء هل بلغناها ؟ فنظر هامان فقال: أرى السماء كما كنت أراها في الارض في البعد، فقال: انظر إلى الارض فقال: لا أرى الارض ولكن أرى البحار والماء، قال: فلم يزل النسر ترتفع حتى غابت الشمس وغابت عنهما البحار والماء، فقال فرعون: يا هامان انظر إلى السماء، فنظر فقال: أراها كما كنت أراها في الارض، فلما جنهما الليل نظر هامان إلى السماء فقال فرعون: هل بلغناها ؟ فقال: أرى الكواكب كما كنت أراها في الارض ولست أرى من الارض إلا الظلمة، قال: ثم جالت الرياح القائم في الهواء (1) فأقبلت التابوت فلم يزل يهوي بهما حتى وقع على الارض، فكان فرعون أشد ما كان عتوا في ذلك الوقت. (2) بيان: ” أوقد لي ” أي النار ” على الطين ” أي اللبن ليصير آجرا، وقيل: أول من اتخذ الآجر فرعون ” فاجعل لي صرحا ” أي قصرا عاليا، وتوهم الملعون أنه لو كان الله لكان جسما في السماء، وقيل: أراد أن يبني له رصدا يترصد منها أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول وتبدل دولة ؟ قوله: (حتى غابت الشمس) لعل المراد أثر الشمس لعدم الانعكاس، أو جرم الشمس لغيبوبتها تحت الارض. 23 – ل، ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن ستة لم يركضوا في رحم فقال: آدم وحواء وكبش إبراهيم وعصا موسى وناقة صالح والخفاش الذي عمله عيسى بن مريم فطار بإذن الله عزوجل. (3) 24 – ع، ن: وسأله عن أول شجرة غرست في الارض، فقال: العوسجة ومنها عصا موسى. (4) 25 – ع، ن، ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن أبي الحسن


(1) في المصدر: في الهواء بينهما. م (2) تفسير القمى: 488 – 489. م (3) الخصال ج 1: 156. علل الشرائع: 198، عيون الاخبار: 135. م (4) علل الشرائع: 198. عيون الاخبار: 135. م

[ 127 ]

عليه السلام أنه قال: احتبس القمر عن بني إسرائيل، فأوحى الله جل جلاله إلى موسى عليه السلام: أن أخرج عظام يوسف من مصر، ووعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عمن يعلم موضعه، فقيل له: ههنا عجوز تعلم محله، فبعث إليها فاتي بعجوز مقعدة عمياء، فقال لها: أتعرفين موضع قبر يوسف ؟ قالت: نعم، قال: فأخبريني به ؟ قالت لا حتى تعطيني أربع خصال: تطلق لي رجلي، وتعيد إلي شبابي، وتعيد إلي بصري، وتجعلني معك في الجنة، قال: فكبر ذلك على موسى، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى أعطها ما سألت فإنك إنما تعطي علي، (1) ففعل فدلته عليه فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر، فلما أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام، فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشام. (2) 26 – كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد عن محمد بن هشام، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوما ممن آمن بموسى عليه السلام قالوا: لو أتينا عسكر فرعون فكنا فيه ونلنا من دنياه، فإذا كان الذي نرجوه من ظهور موسى عليه السلام صرنا إليه، ففعلوا، فلما توجه موسى ومن معه هاربين من فرعون ركبوا دوابهم وأسرعوا في السير ليلحقوا موسى وعسكره فيكونوا معهم، فبعث الله ملكا فضرب وجوه دوابهم فردهم إلى عسكر فرعون، فكانوا فيمن غرق مع فرعون. (3) ين: النضر مثله. (4) 27 – كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن محمد، عن الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كان رجل من أصحاب موسى أبوه من أصحاب فرعون، فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنهم (5) ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو يراغمه


(1) في العيون: فانك لا تعطى فذلك على (فانك انما تعطى على خ ل). م (2) علل الشرائع: 107، عيون الاخبار: 143 – 144، الخصال 1: 96. م (3) فروع الكافرى 1: 357. م (4) مخطوط. م (5) في نسخة: تخلف عنه.

[ 128 ]

حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا، فأتى موسى الخبر فقال: هو في رحمة الله، ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع. (1) 28 – ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن محبوب، عن حنان ابن سدير قال: حدثني رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن أشد الناس عذابا يوم القيمة لسبعة نفر: أولهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاج إبراهيم في ربه، واثنان في بني إسرائيل هودا قومهم ونصراهم، وفرعون الذي قال: أنا ربكم الاعلى، واثنان في هذه الامة. (2) 29 – ل: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن عيسى بن محمد، عن بعض أصحابنا، (3) عن عبد الله بن محمد، عن أبي جميلة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أملى الله عزوجل لفرعون ما بين الكلمتين أربعين سنة ثم أخذه الله نكال الآخرة و الاولى، وكان بين أن قال الله عزوجل لموسى وهارون: ” قد اجيبت دعوتكما ” وبين أن عرفه الله الاجابة أربعين سنة. ثم قال: قال جبرئيل: نازلت ربي في فرعون منازلة شديدا فقلت يا رب تدعه وقد قال: أنا ربكم الاعلى ؟ فقال: إنما يقول هذا عبد مثلك. (4) بيان: لعل المراد بالكلمتين قوله تعالى: ” قد اجيبت دعوتكما ” وأمره بإغراق فرعون، أو قول فرعون: ” ما علمت لكم من إله غيري ” وقوله: ” أنا ربكم الاعلى (5) ” قال الطبرسي قدس سره: نكال مصدر مؤكد لان معنى أخذه الله: نكل الله به نكال الآخرة والاولى بأن أغرقه في الدنيا ويعذبه في الآخرة، وقيل: معناه: فعاقبه الله بكلمته الآخرة وكلمته الاولى، فالآخرة قوله: ” أنا ربكم الاعلى ” والاولى قوله: ” ما علمت لكم من إله


(1) اصول الكافي 2: 375. م (2) الخصال ج 2: 4. م (3) في نسخة: عن بعض أصحابه. (4) الخصال ج 2: 142 وفيه: انما يقول مثل هذا عبد مثلك. م (5) وهو الاصح لما تقدم عن على بن ابراهيم والطبرسي ويأتى.

[ 129 ]

غيري ” فنكل به نكال هاتين الكلمتين، وجاء في التفسير أنه كان بين الكلمتين أربعون سنة. وعن وهب عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام: أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربكم الاعلى، ويجحد رسلك، ويكذب بآياتك ؟ ! فأوحى الله تعالى إليه: إنه كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن اكافيه. وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال جبرئيل: قلت: يا رب تدع فرعون وقد قال: ” أنا ربكم الاعلى ” فقال: إنما يقول هذا مثلك من يخاف الفوت انتهى. (1) وقال الجزري: فيه: نازلت ربي في كذا أي راجعته وسألته مرة بعد مرة وهو مفاعلة من النزول عن الامر أو من النزال في الحرب وهو تقابل القرنين. (2) 30 – ب: ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: ما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر، ولارضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها، ولقد أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى عليه السلام أن يخرج عظام يوسف منها، فاستدل موسى على من يعرف القبر، فدل على امرأة عمياء زمنة، فسألها موسى أن تدله عليه، فأبت إلا على خصلتين: فيدعو الله فيذهب بزمانتها، ويصيرها معه في الجنة في الدرجة التي هو فيها، فأعظم ذلك موسى عليه السلام، فأوحى الله إليه: وما يعظم عليك من هذا، أعطها ما سألت، ففعل فوعدته طلوع القمر، فحبس الله القمر حتى جاء موسى لموعده فأخرجه من النيل في سفط (3) مرمر فحمله موسى. الخبر. (4) 31 – شى: عن ابن أسباط، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: إن أهل مصر يزعمون أن بلادهم مقدسة، قال: وكيف ذاك ؟ قلت: جعلت فداك إنهم يزعمون أنه يحشر من ظهرهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فقال: لا، لعمري ما ذاك كذاك، وما غضب الله على بني إسرائيل. إلى آخر ما مر. (5)


(1) مجمع البيان 10: 432. م (2) بالكسر: الكفو والنظير في الشجاعة. (3) السفط: وعاء كالقفة أو الجوالق ما يعبأ فيه الطيب وما أشبه ذلك من أدوات النساء. (4) قرب الاسناد: 165. م (5) مخطوط.

[ 130 ]

32 – ب: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى أن يحمل عظام يوسف عليه السلام، فسأل عن قبره فجاءه شيخ فقال: إن كان أحد يعلم ففلانة، فأرسل إليها فجاءت فقال: أتعلمين موضع قبر يوسف ؟ فقالت: نعم، قال: فدليني عليه ولك الجنة، قالت: لا والله لا أدلك عليه إلا أن تحكمني (1) قال: ولك الجنة، قالت لا والله لا أدلك عليه حتى تحكمني، قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ما يعظم عليك أن تحكمها ؟ قال: فلك حكمك، قالت: أحكم عليك أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها. (2) 33 – دعوات الراوندي: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن موسى لما امر أن يقطع البحر فانتهى إليه ضربت وجوه الدواب ورجعت، فقال موسى: يا رب مالي ؟ قال: يا موسى إنك عند قبر يوسف فاحمل عظامه، وقد استوى القبر بالارض فسأل موسى قومه: هل يدري أحد منكم أين هو ؟ قالوا: عجوز لعلها تعلم، فقال لها: هل تعلمين ؟ قالت: نعم، قال: فدلينا عليه، قالت: لا والله حتى تعطيني ما أسألك، قال: ذلك لك، قالت: فإني أسألك أن أكون معك في الدرجة التي تكون في الجنة (3) قال: سلي الجنة، قالت: لا والله إلا أن أكون معك، فجعل موسى يراد فأوحى الله أن أعطها ذلك فإنها لا تنقصك، فأعطاها ودلته على القبر. (4) اقول: تمامه في كتاب الدعاء. 34 – ع، ن: ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت للرضا عليه السلام: لاي علة أغرق الله فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده ؟


(1) أي الا أن تفوض إلى الحكم. (2) قرب الاسناد: 28. م (3) لا ينافى هذا وما قبله ما تقدم في الخبر 25 من أنها سألت أربع خصال، لان هذا يحمل على بعض ما سألت، وذلك على تمامه. (4) مخطوط. م

[ 131 ]

قال: لانه آمن عند رؤية البأس والايمان عند رؤية البأس غير مقبول، (1) وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف، قال الله عزوجل: ” فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ” وقال عزوجل: ” يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ” وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال: ” آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” فقيل له: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ” وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد قد لبسه على بدنه، فلما غرق ألقاه الله تعالى على نجوة من الارض ببدنه ليكون لمن بعده علامة، فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الارض، وسبيل الثقيل أن يرسب ولا يرتفع فكان ذلك آية وعلامة، ولعلة اخرى أغرقه الله عزوجل وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله، فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى لم تغث فرعون لانك لم تخلقه ولو استغاث بي لاغثته. (2) تحقيق: قال الرازي: فإن قيل: ما السبب في عدم قبول توبته ؟ والجواب أن العلماء ذكروا وجوها: الاول: أنه إنما آمن عند نزول العذاب والايمان في هذا الوقت غير مقبول لانه تصير الحال حينئذ وقت الالجاء، وفي هذه الحال لا تكون التوبة مقبولة. الثاني: أنه لم يكن مخلصا في هذه الكلمة بل إنما تكلم بها توسلا إلى دفع تلك البلية الحاضرة. الثالث: أن ذلك الاقرار كان مبنيا على محض التقليد، ألا ترى أنه قال: لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. الرابع: أن أكثر اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم، ولذا اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسده، فكأنه آمن بالاله الموصوف بالجسمية وكل من اعتقد ذلك كان كافرا.


(1) لانه خارج عن الطوع والاختيار، ألجاته إلى ذلك رؤية البأس ونزول العذاب. (2) علل الشرائع: 31، عيون الاخبار: 232 – 233. م

[ 132 ]

الخامس: أنه أقر بالتوحيد فقط، ولم يقر بنبوة موسى عليه السلام فلذا لم يقبل منه انتهى. (1) والاول هو الاظهر كما دل عليه الخبر، إذ التوبة لا يجب على الله قبوله عقلا إلا بما أوجب على نفسه من قبول توبة عباده تفضلا، وقد أخبر في الآيات الكثيرة بعدم قبول التوبة عند رؤية البأس، فلا إشكال في عدم قبول توبته عند معاينة العذاب. 35 – ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن إسماعيل بن منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول فرعون: ” ذروني أقتل موسى ” من كان يمنعه ؟ قال: منعته رشدته، (2) ولا يقتل الانبياء وأولاد الانبياء إلا أولاد الزنا. (3) 36 – ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن أبي جميلة، عن محمد بن مروان، عن العبد الصالح عليه السلام قال: كان من قول موسى عليه السلام حين دخل على فرعون: ” اللهم إني أدرء بك في نحره، (4) وأستجير بك من شره، وأستعين بك ” فحول الله ما كان في قلب فرعون من الامن خوفا. (5) 37 – ع: علي بن عبد الله بن الاسواري، عن مكي بن أحمد اليربوعي، عن نوح ابن الحسن، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إبراهيم، عن أيوب بن سويد الرملي، عن عمرو بن الحارث، عن زيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن عمر قال: غار النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته فقالوا: أيها الملك أجر لنا النيل، قال: إني لم أرض عنكم، ثم ذهبوا فأتوه فقالوا: أيها الملك تموت البهائم وهلكت ولئن لم تجر لنا النيل لنتخذن إلها غيرك، قال: اخرجوا إلى الصعيد، فخرجوا فتنحى عنهم حيث لا يرونه ولا يسمعون كلامه فألصق خده بالارض وأشار بالسبابة وقال: اللهم إني خرجت إليك خروج العبد الذليل


(1) مفاتيح الغيب 5: 24 – 25. (2) الرشدة: ضد الزنية. (3) علل الشرائع: 31. م (4) درأه: دفعه شديدا. أي ادفع بك مضاره وشروره في نحره. (5) مخطوط. م

[ 133 ]

إلى سيده، وإني أعلم أنك تعلم أنه لا يقدر على إجرائه أحد غيرك فأجره، قال: فجرى النيل جريا لم يجر مثله، فأتاهم فقال لهم: إني قد أجريت لكم النيل، فخروا له سجدا، وعرض له جبرئيل فقال: أيها الملك أعني على عبد لي، قال: فما قصته ؟ قال عبد لي ملكته على عبيدي وخولته مفاتيحي فعاداني وأحب من عاداني، وعادى من أحببت قال: لبئس العبد عبدك، لو كان لي عليه سبيل لاغرقته في بحر القلزم، قال: أيها الملك اكتب لي بذلك كتابا، فدعا بكتاب ودواة فكتب: ما جزاء العبد الذي يخالف سيده فأحب من عادى وعادى من أحب إلا أن يغرق في بحر القلزم، قال يا أيها الملك اختمه لي، قال: فختمه ثم دفعه إليه، فلما كان يوم البحر أتاه جبرئيل بالكتاب فقال له: خذ هذا ما استحققت به على نفسك، أو هذا ما حكمت به على نفسك. (1) 38 – ل، ع، ن: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن يوم الاربعاء والتطير منه، فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهر وهو المحاق – وساق الحديث إلى أن قال -: ويوم الاربعاء طلب فرعون موسى ليقتله، ويوم الاربعاء أمر فرعون بذبح الغلمان، ويوم الاربعاء أظل قوم فرعون أول العذاب. (2) 39 – أقول: قال في مجمع البيان: روي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل: قال: لما رجع موسى إلى امرأته قالت: من أين جئت ؟ قال من عند رب تلك النار، قال: فغدا إلى فرعون، فو الله لكأني أنظر إليه طويل الباع ذو شعر آدم عليه جبة من صوف، عصاه في كفه، مربوط حقوه بشريط، (3) نعله من جلد حمار شراكها من ليف، فقيل لفرعون: إن على الباب فتى يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون لصاحب الاسد: خل سلاسلها، وكان إذا غضب على أحد خلاها فقطعته، فخلاها وقرع موسى الباب الاول و كانت تسعة أبواب فلما قرع الباب الاول انفتح له الابواب التسعة، (4) فلما دخل جعلن (5)


(1) علل الشرائع: 31. والاسناد عامى. (2) الخصال ج 2: 28، علل الشرائع. 199، العيون: 136 – 137. وتقدم الحديث بتمامه مسندا في ج 10 ص 75 – 83، والقطعة في ص 81. (3) الشريط: خوص مفتول يشرط به السرير ونحوه. (4) في نسخة انفتحت الابواب التسعة. (5) في نسخة: فلما دخلن جعلن يبصبصن. قلت: بصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه. و التبصبص: التملق.

[ 134 ]

يبصبصن تحت رجليه كأنهن جراء، (1) فقال فرعون لجلسائه: رأيتم مثل هذا قط ؟ ! فلما أقبل إليه قال: ” ألم نربك فينا وليدا ” إلى قوله: ” وأنا من الضالين ” فقال فرعون لرجل من أصحابه: قم فخذ بيده، وقال للآخر: اضرب عنقه، فضرب جبرئيل بالسيف حتى قتل ستة من أصحابه، فقال: خلوا عنه، قال: فأخرج يده فإذا هي بيضاء قد حال شعاعها بينه وبين وجهه، وألقى العصا فإذا هي حية فالتقمت الايوان بلحييها، فدعاه: أن يا موسى أقلني إلى غد، ثم كان من أمره ما كان. (2) 40 – ع محمد بن جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري، عن عمه محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير قال: قلت لموسى بن جعفر عليه السلام: أخبرني عن قول الله عزوجل لموسى: ” اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ” فقال: أما قوله: ” فقولا له قولا لينا ” أي كنياه وقولا له: يا با مصعب – و كان اسم فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب – وأما قوله: ” لعله يتذكر أو يخشى ” فإنما قال ليكون أحرص لموسى على الذهاب، وقد علم الله عزوجل أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى إلا عند رؤية البأس، ألا تسمع الله عزوجل يقول: ” حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” فلم يقبل الله إيمانه، وقال: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين “. (3) 41 – ختص: عن عبد الله بن جندب، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كان على مقدمة فرعون ستمائة ألف ومائتي ألف، (4) وعلى ساقته ألف ألف، قال: ولما صار موسى في البحر أتبعه فرعون وجنوده، قال: فتهيب فرس فرعون أن يدخل البحر، فتمثل له جبرئيل على ما ديانة، (5) فلما رأى فرس فرعون الماديانة أتبعها فدخل البحر هو وأصحابه فغرقوا. (6)


(1) جمع الجرو: صغير كل شئ، وغلب على ولد الكلب والاسد. (2) مجمع البيان 7: 253. م (3) علل الشرائع: 34. م (4) هكذا في النسخ واستظهر في هامش الكتاب أن الصحيح: ستمائة ألف ألف ومائتي ألف. (5) أي على رمكة. (6) مخطوط. م

[ 135 ]

42 – نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دعا موسى وأمن هارون وأمنت الملائكة، فقال الله سبحانه: استقيما فقد اجيبت دعوتكما، ومن غزا في سبيلي استجبت له إلى يوم القيامة. (1) 43 – مع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن سفيان بن سعيد قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام – وكان والله صادقا كما سمي – يقول: يا سفيان عليك بالتقية فإنها سنة إبراهيم الخليل عليه السلام، وإن الله عزوجل قال لموسى وهارون عليهما السلام: ” اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ” يقول الله عزوجل: كنياه وقولا له: يا أبا مصعب، وإن رسول الله كان إذا أراد سفرا ورى بغيره (2) وقال عليه السلام: أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ؟، ولقد أدبه الله عزوجل بالتقية فقال: ” ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ” يا سفيان من استعمل التقية في دين الله فقد تسنم الذروة العليا من العز، إن عز المؤمن في حفظ لسانه، ومن لم يملك لسانه ندم. قال سفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله هل يجوز أن يطمع الله عزوجل عباده في كون مالا يكون ؟ قال: لا، فقلت: فكيف قال الله عزوجل لموسى وهارون عليهما السلام: ” لعله يتذكر أو يخشى ” وقد علم أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى ؟ فقال: إن فرعون قد تذكر وخشي ولكن عند رؤية البأس حيث لم ينفعه الايمان، ألا تسمع الله عزوجل يقول: ” حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ” فلم يقبل الله عزوجل إيمانه، و قال: ” الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ” يقول: نلقيك على نجوة (3) من الارض لتكون لمن بعدك علامة وعبرة. (4)


(1) نوادر الراوندي: 20، وفيه: استجبت له كما استجبت لكما إلى يوم القيامة. (2) لعل المعنى: كان يخفى نفسه بغيره، أو يتشكل بشكل غيره. (3) النجوة: ما ارتفع من الارض. (4) معاني الاخبار: 109. م

[ 136 ]

44 – ع: المكتب: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الاحمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: ” وفرعون ذي الاوتاد ” لاي شئ سمي ذا الاوتاد ؟ قال: لانه كان إذا عذب رجلا بسطه على الارض على وجهه، ومد يديه ورجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الارض، وربما بسطه على خشب منبسط فوتد رجليه ويديه بأربعة أوتاد، ثم تركه على حاله حتى يموت، فسماه الله عزوجل فرعون ذا الاوتاد لذلك. (1) 45 – ل: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن يزيد بن إسحاق شعر، (2) عن هارون الغنوي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التسع الآيات التي اوتي موسى عليه السلام فقال: الجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والبحر والحجر والعصا ويده. (3) 46 – ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: ” ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ” قال: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والعصا ويده. (4) 47 – مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن سنان، عن خلف ابن حماد، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: ” أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ” قال: من غير برص. الخبر. (5) 48 – مل: محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جده علي بن مهزيار، عن الحسن ابن سعيد، عن علي بن الحكم، عن عرفة، عن ربعي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: شاطئ


(1) علل الشرائع: 35. م (2) ضبطه في الخلاصة بالشين المعجمة والعين المهملة، قلت: فهو بفتح الشين وكسر العين أي كثير الشعر، وهو لقب يزيد. (3) الخصال 2: 47. م (4) الخصال 2: 74. م (5) معاني الاخبار: 54. وفى نسخة من الكتاب والمصدر: من غير مرض.

[ 137 ]

الوادي الايمن الذي ذكره الله في كتابه هو الفرات، والبقعه المباركة هي كربلا، والشجرة محمد صلى الله عليه وآله. (1) بيان: لعل المراد أن الله تعالى أظهر نور محمد صلى الله عليه وآله وهو الشجرة المباركة له هناك ثم كلمه. 49 – شى: عن عاصم المصري رفعه قال: إن فرعون بنى سبع مدائن يتحصن فيها من موسى عليه السلام وجعل فيما بينها آجاما وغياضا، وجعل فيها الاسد ليتحصن بها من موسى، قال: فلما بعث الله موسى إلى فرعون فدخل المدينة ورآه الاسد تبصبصت و ولت مدبرة قال: ثم لم يأت مدينة إلا انفتح له بابها حتى انتهى إلى قصر فرعون الذي هو فيه، قال: فقعد على بابه، وعليه مدرعة من صوف، ومعه عصاه، فلما خرج الآذن قال له موسى: استأذن لي على فرعون، فلم يلتفت إليه، قال: فقال له موسى عليه السلام: ” إني رسول رب العالمين ” قال: فلم يلتفت إليه، قال: فمكث بذلك ما شاء الله يسأله أن يستأذن له، قال: فلما أكثر عليه قال له: أما وجد رب العالمين من يرسله غيرك ؟ ! قال: فغضب موسى فضرب الباب بعصاه فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلا انفتح حتى نظر إليه فرعون وهو في مجلسه، فقال: أدخلوه، قال: فدخل عليه وهو في قبة له من بقعة كبيرة الارتفاع ثمانون ذراعا، قال: فقال. إني رسول رب العالمين إليك، قال: فقال: ” فأت بآية إن كنت من الصادقين ” قال: فألقى عصاه وكان لها شعبتان، قال: فإذا هي حية قد وقع إحدى الشعبتين في الارض، والشعبة الاخرى في أعلى القبة، قال: فنظر فرعون إلى جوفها وهو يلتهب نيرانا، قال: وأهوت إليه فأحدث وصاح: يا موسى خذها. (2) 50 – شى: عن يونس بن ظبيان قال: قال: إن موسى وهارون حين دخلا على فرعون لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح، كانوا ولد نكاح كلهم، ولو كان فيهم ولد سفاح لامر بقتلهما، فقالوا: أرجه وأخاه، وأمروه بالنأني والنظر، ثم وضع يده على صدره قال: وكذلك نحن لا ينزع إلينا إلا كل خبيث الولادة. (3)


(1) كامل الزيارات: 48 و 49. (2 و 3) مخطوط. م

[ 138 ]

بيان: لعل قوله: (لا ينزع إلينا) من نزع القوس كناية عن القصد بالشر. 51 – شى عن محمد بن علي قال: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون، وتصنع ما تؤمر، تفتح لها شعبتان: إحداهما في الارض، والاخرى في السقف، وبينهما أربعون ذراعا، تلقف ما يأفكون بلسانها. (1) 52 – شى: عن محمد بن قيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: ما الطوفان ؟ قال: هو طوفان الماء والطاعون. (2) 53 – شى: عن سليمان، عن الرضا عليه السلام في قوله: ” لئن كشف عنا الرجز لنؤمنن لك ” قال: الرجز هو الثلج، ثم قال: خراسان بلاد رجز. (2) 54 – م: قوله عزوجل: ” وإذ فرقنا بكم البحر فأنيجناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ” قال الامام عليه السلام: قال الله تعالى: واذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقا ينقطع بعضه من بعض فأنجيناكم هناك وأغرقنا فرعون وقومه وأنتم تنظرون إليهم وهم يغرقون، وذلك أن موسى لما انتهى إلى البحر أوحى الله عزوجل إليه قل لبني إسرائيل: جددوا توحيدي، وأمروا (4) بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدي وإمائي، و أعيدوا على أنفسكم الولاية لعلي أخي محمد وآله الطيبين، وقولوا: اللهم بجاههم جوزنا على متن هذا الماء، فإن الماء يتحول لكم أرضا، فقال لهم موسى ذلك فقالوا: تورد علينا ما نكره، وهل فررنا من فرعون (5) إلا من خوف الموت ؟ وأنت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، وما يرينا ما يحدث من هذه علينا ؟ فقال لموسى كالب بن يوحنا (6) وهو على دابة له وكان ذلك الخليج أربعة فراسخ: يا نبي الله أمرك الله بهذا أن نقوله وندخل الماء ؟ فقال: نعم، فقال: وأنت تأمرني به ؟ قال: نعم، (7) قال: فوقف وجدد على نفسه


(1 – 3) مخطوط. م (4) في نسخة: وأجروا. وفي المصدر: وأقروا. (5) في المصدر: من آل فرعون. م (6) في نسخة وفى تاريخ الطبري: كالب بن يوفنة، وفى العرائس: كالب بن يوقنا وهو ختن موسى، ويأتى في الباب السادس أيضا ما يناسب ذلك. (7) في نسخة: قال: بلى.

[ 139 ]

من توحيد الله ونبوة محمد وولاية علي والطيبين من آلهما كما امر به ثم قال: اللهم بجاههم جوزني على متن هذا الماء، ثم أقحم فرسه فركس على متن الماء وإذا الماء تحته كأرض لينة حتى بلغ آخر الخليج، ثم عاد راكضا، ثم قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل أطيعوا موسى فما هذا الدعاء إلا مفتاح أبواب الجنان، ومغاليق أبواب النيران، ومستنزل الارزاق، وجالب على عبيدالله وإمائه رضى المهيمن الخلاق، فأبوا وقالوا: نحن لا نسير إلا على الارض فأوحى الله إلى موسى: (1) أن اضرب بعصاك البحر وقل: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين (2) لما فلقته، ففعل فانفلق وظهرت الارض إلى آخر الخليج، فقال موسى: ادخلوها، قالوا: الارض وحلة نخاف أن نرسب فيها، فقال الله: يا موسى قل: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين جففها، فقالها فأرسل الله عليها ريح الصبا فجفت، وقال موسى: ادخلوها، قالوا: يا نبي الله نحن اثنا عشر قبيلة بنو اثني عشر آباء، وإن دخلنا رام كل فريق منا منا تقدم صاحبه، فلا نأمن وقوع الشر بيننا، فلو كان لكل فريق منا طريق على حدة لامنا ما نخافه، فأمر الله موسى أن يضرب البحر بعددهم اثني عشر ضربة (3) في اثني عشر موضعا إلى جانب ذلك الموضع، ويقول: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين بين الارض لنا وأمط الماء عنا، فصار فيه تمام اثني عشر طريقا، وجف قرار الارض بريح الصبا، فقال: ادخلوها، قالوا: كل فريق منا يدخل سكة من هذه السكك لا يدري ما يحدث على الآخرين، فقال الله عزوجل: فاضرب كل طود من الماء بين هذه السكك، فضرب وقال: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما جعلت هذا الماء طبقات واسعة (4) يرى بعضهم بعضا منها، فحدثت طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا منها، ثم دخلوها، فلما بغلوا آخرها جاء فرعون وقومه فدخل بعضهم فلما دخل آخرهم وهموا بالخروج أولهم (5) أمر الله تعالى البحر فانطبق عليهم فغرقوا وأصحاب


(1) في المصدر: فأوحى الله: يا موسى. م (2) في نسخة: اللهم بحق محمد وآله. (3) في نسخة: اثنتى عشر ضربة. م (4) في نسخة: طاقات واسعة. وفى اخرى: طيقان واسعة. (5) في المصدر: وهم أولهم بالخروج. م

[ 140 ]

موسى ينظرون إليهم فذلك قوله عزوجل: ” وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ” إليهم، قال الله عزوجل لبني إسرائيل في عهد محمد صلى الله عليه وآله: فإذا كان الله تعالى فعل هذا كله بأسلافكم لكرامة محمد صلى الله عليه وآله ودعاء موسى دعاء تقرب بهم إلى الله أفلا تعقلون أن عليكم الايمان بمحمد وآله إذ قد شاهدتموه الآن ؟. (1) 55 – شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بين قوله: ” قد اجيبت دعوتكما ” وبين أن اخذ فرعون أربعون سنة. (2) 56 – شى: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا يرفعه قال: لما صار موسى في البحر أتبعه فرعون وجنوده، قال: فتهيب فرس فرعون أن يدخل البحر، فتمثل له جبرئيل على رمكة، فلما رأى فرس فرعون الرمكة أتبعها فدخل البحر هو وأصحابه فغرقوا. (3) 57 – شى: عن الفضل بن أبي قرة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوحى الله إلى إبراهيم أنه سيولد لك، فقال لسارة فقالت: ءألد وأنا عجوز ؟ فأوحى الله إليه: أنها ستلد ويعذب أولادها أربع مائة سنة بردها الكلام علي، قال: فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجوا وبكوا إلى الله أربعين صباحا، فأوحى الله إلى موسى وهارون عليهم السلام يخلصهم من فرعون، فحط عنهم سبعين ومائة سنة، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: هكذا أنتم لو فعلتم لفرج الله عنا، فأما إذ لم تكونوا فإن الامر ينتهي إلى منتهاه. (4) 58 – شى: عن سلام، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ” قال: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والعصا ويده. (5) 59 – شى: عن العباس، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ذكر قول الله: ” يا فرعون ” يا عاصي. (6)


(1) تفسير الامام: 98 – 99. م (2 – 6) مخطوط. م

[ 141 ]

60 – نهج: فأوجس موسى خيفة على نفسه أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. 61 – نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة القاصعة: إن الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم، ولقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون عليهما السلام على فرعون عليهما مدارع الصوف، وبأيديهما العصي، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزه، فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز و بقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل ؟ فهلا القي عليهما أساورة من ذهب إعظاما للذهب وجمعه، واحتقارا للصوف ولبسه، ولو أراد الله سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طير السماء ووحوش الارض لفعل، ولو فعل لسقط البلاء، وبطل الجزاء، واضمحل الانباء، ولما وجب للقابلين اجور المبتلين، ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين. بيان: الاساورة جمع للاسورة التي هي جمع السوار. والذهبان بالكسر والضم جمع الذهب. والعقيان بالكسر هو الذهب الخالص. وقيل: ما ينبت منه نباتا. والبلاء: الامتحان. واضمحل الانباء أي سقط الوعد والوعيد. قال الثعلبي: قال العلماء بأخبار الماضين: لما كلم الله موسى وبعثه إلى مصر خرج ولا علم له بالطريق، وكان الله تعالى يهديه ويدله وليس معه زاد ولا سلاح ولا حمولة (1) ولا شئ غير عصاه ومدرعة صوف وقلنسوة من صوف ونعلين، يظل صائما، ويبيت قائما، ويستعين بالصيد وبقول الارض حتى ورد مصر، ولما قرب مصر أوحى الله سبحانه إلى أخيه هارون يبشره بقدوم موسى ويخبره أنه قد جعله لموسى وزيرا ورسولا معه إلى فرعون، وأمره أن يمر يوم السبت لغرة ذي الحجة متنكرا إلى شاطئ النيل ليلتقي في تلك الساعة بموسى، قال: فخرج هارون وأقبل موسى عليه السلام فالتقيا على شط النيل قبل طلوع الشمس، فاتفق أنه كان يوم ورود الاسد الماء، وكان لفرعون اسد تحرسه في غيضة


(1) في المصدر بعد ذلك: ولا صاحب له ولا شئ اه‍. م

[ 142 ]

محيطة بالمدينة من حولها، وكانت ترد الماء غبا، وكان فرعون إذ ذاك في مدينة حصينة عليها سبعون سورا، في كل سور رساتيق وأنهار (1) ومزارع وأرض واسعة، في ربض كل سور (2) سبعون ألف مقاتل، ومن وراء تلك المدينة غيضة (3) تولى فرعون غرسها بنفسه وعمل فيها وسقاها بالنيل، ثم أسكنها الاسد فنسلت (4) وتوالدت حتى كثرت، ثم اتخذها جندا من جنوده تحرسه، وجعل خلال تلك الغيضة طرقا تفضي من يسلكها إلى أبواب من أبواب المدينة معلومة ليس لتلك الابواب طريق غيرها، فمن أخطأ وقع في الغيضة فأكلته الاسد (5) وكانت الاسود إذا وردت النيل ظلت عليها يومها كلها ثم تصدر مع الليل، قال: فالتقى موسى وهارون يوم ورودها، فلما أبصرتهما الاسد مدت أعناقها و رؤوسها إليهما وشخصت أبصارها نحوهما، وقذف الله تعالى في قلوبها الرعب، فانطلقت نحو الغيضة منهزمة هاربة على وجوهها تطأ بعضها بعضا حتى اندست في الغيضة، وكان لها ساسة يسوسونها وذادة يذودونها ويشلونها بالناس (6) فلما أصابها ما أصابها خاف ساستها فرعون ولم يشعروا من أين اتوا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام في تلك المسبعة (7) حتى وصلا إلى باب المدينة الاعظم الذي هو أقرب أبوابها إلى منزل فرعون، وكان منه يدخل ومنه يخرج، وذلك ليلة الاثنين بعد هلال ذي الحجة بيوم، فأقاما عليه سبعة أيام فكلمهما واحد من الحراس وزبرهما (8) وقال لهما: هل تدريان لمن هذا الباب ؟ فقال موسى


(1) في المصدر: وكان بين كل سورين بساتين وانهار اه‍. م (2) الربض: ما حول المدينة من بيوت ومساكن. سور المدينة. وفى المصدر: وأرض واسعة في ربض، لكل سور اه‍. (3) الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء. الاجمة. (4) في المصدر: فتناسلت. م (5) في المصدر: فتأكله الاسود. م (6) في المصدر: ويسلطونها على الناس. م (7) في المصدر: في تلك الغيضة. م (8) زبره عن الامر: منعه ونهاه عنه، زبر السائل: انتهره. وليست هذه الكلمة في المصدر.

[ 143 ]

عليه السلام: إن هذا الباب والارض كلها وما فيها لرب العالمين، وأهلها عبيد له، فسمع ذلك الرجل قولا لم يسمع مثله قط ولم يظن أن أحدا من الناس يفصح بمثله، فلما سمع ما سمع أسرع إلى كبرائه الذين فوقه فقال لهم: سمعت اليوم قولا وعاينت عجبا من رجلين هو أعظم عندي وأفظع وأشنع مما أصابنا في الاسد، وما كانا ليقدما على ما أقدما عليه إلا بسحر عظيم، وأخبرهم القصة فلا يزال ذلك يتداول بينهم حتى انتهى إلى فرعون. وقال السدي بإسناده: سار موسى عليه السلام بأهله نحو مصر حتى أتاها ليلا فتضيف امه وهي لا تعرفه، وإنما أتاهم في ليلة كانوا يأكلرن فيها الطفيشل ونزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه امه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه فلما أن قعد تحدثا فسأله هارون فقال: من أنت ؟ فقال: أنا موسى، فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق معي إلى فرعون، فإن الله عزوجل قد أرسلنا إليه، فقال هارون: سمعا وطاعة، فقامت امهما فصاحت (1) وقالت: انشدكما الله أن تذهبا (2) إلى فرعون فيقتلكما، فأتيا ومضيا (3) لامر الله سبحانه فانطلقا إليه ليلا فأتيا الباب والتمسا الدخول عليه ليلا فقرعا الباب ففزع فرعون وفزع البواب، وقال فرعون: من هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة ؟ ! فأشرف عليهما البواب فكلمهما، فقال له موسى: أنا رسول رب العالمين، فأتى (4) فرعون فأخبره وقال: إن ههنا إنسانا مجنونا يزعم أنه رسول رب العالمين. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: خرج موسى لما بعثه الله سبحانه حين قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الاذن عليه وهما يقولان: إنا رسول رب العالمين، فأذنوا بنا هذا الرجل، (5) فمكثا سنتين يغدوان إلى بابه و


(1) في المصدر: فصاحت وضجت اه‍. م (2) في المصدر: ان لا تذهبا. م (3) في المصدر: فأبيا عليهما ومضيا. م (4) في المصدر: ففزع البواب واتى اه‍. م (5) المصدر خال من هذه الجملة. م

[ 144 ]

يروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلعب عنده ويضحكه فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلا (1) يقول قولا عجيبا يزعم أن له إلها غيرك، فقال: ببابي ؟ (2) أدخلوه، فدخل موسى ومعه هارون عليه السلام على فرعون. (3) قالوا: فلما أذن فرعون لموسى وهارون دخلا عليه فلما وقفا عنده دعا موسى بدعاء وهو: ” لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، اللهم إني أدرؤك (4) في نحره و أعوذ بك من شره وأستعينك (5) عليه فاكفنيه بما شئت ” قال: فتحول ما بقلب موسى من الخوف أمنا، وكذلك من دعا بهذا الدعاء وهو خائف آمن الله خوفه، ونفس كربته، وهون عليه سكران الموت. ثم قال فرعون لموسى: من أنت ؟ قال: أنا رسول رب العالمين، فتأمله فرعون فعرفه فقال له: ” ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين ” معناه: على ديننا هذا الذي تعيبه، (6) فقال موسى: ” فعلتها إذا وأنا من الضالين ” المخطئين، (7) ولم أرد بذلك القتل ” ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما ” أي نبوة (8) ” وجعلني من المرسلين ” ثم أقبل موسى ينكر عليه ما ذكر فقال: ” وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ” أي اتخذتهم عبيدا تنزع أبناءهم من أيديهم تسترق من شئت، (9) أي إنما صيرني إليك ذلك، قال فرعون: ” وما رب


(1) في المصدر: رجلين، وهكذا ثنى جميع الضمائر الاتية. م (2) المصدر خال من هذه الكلمة. م (3) العرائس: 114 – 115. م (4) في المصدر: أدرء بك. م (5) في المصدر: واستعين بك. م (6) أي معنى ” ولبثت فينا من عمرك سنين ” أنك لبثت على ديننا الذى تعيبه. (7) في المصدر: أي من المخطئين. م (8) المصدر خال عن قوله: أي نبوة. م (9) في المصدر بعد ذلك: وتقتل من شئت. م

[ 145 ]

العالمين * قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين ” قال فرعون لمن حوله: ألا تستمعون ؟ إنكارا لما قال، قال موسى: ” ربكم ورب آبائكم الاولين ” فقال فرعون ” إن رسولكم الذي ارسل إليكم لمجنون ” يعني ما هذا بكلام صحيح (1) إذ يزعم أن لكم إلها غيري، قال موسى: ” رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ” فقال فرعون لموسى: ” لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين * قال أولو جئتك بشئ مبين ” تعرف به صدقي وكذبك، وحقي وباطلك، قال فرعون: ” فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ” فاتحة فاها قد ملات ما بين سماطي فرعون، (2) واضعة لحييها الاسفل في الارض والاعلى في سور القصر حتى رأى بعض من كان خارجا من مدينة مصر رأسها، ثم توجهت نحو فرعون ليأخذه فارفض (3) عنها الناس وذعر عنها فرعون، ووثب عن سريره و أحدث حتى قام به بطنه (4) في يومه ذلك أربعين مرة ! وكان فيما يزعمون لا يسعل ولا يصدع (5) ولا يصيبه آفة مما يصيب الناس، وكان يقوم في أربعين يوما مرة، وكان أكثر ما يأكل الموز لكيلا يكون له ثفل (6) فيحتاج إلى القيام، وكان هذه الاشياء مما زين له أن قال ما قال، لانه ليس له من الناس شبيه، قالوا: فلما قصدته الحية صاح: يا موسى انشدك بالله وحرمة الرضاع إلا أخذتها وكففتها عني، وإني اؤمن بك وارسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت، ثم نزع يده من جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج، لها شعاع كشعاع الشمس، فقال له فرعون: هذه يدك، فلما قالها فرعون أدخلها موسى جيبه ثم أخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكل منها الابصار، وقد أضاءت ما حولها، يدخل نورها في البيوت، ويرى من الكوى من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى إلى جيبه ثم أخرجها فإذا هي على لونها الاول، قالوا: فهم فرعون بتصديقه فقام إليه هامان وجلس بين يديه فقال له: بينا أنت إله تعبد إذ أنت تابع لعبد ؟ ! فقال


(1) في المصدر: ما هذا بكلام رجل صحيح العقل. م (2) أي جانباه. وفى المصدر: قد ملات ما بين جانبى القصر. (3) في المصدر: فانفض. م (4) في المصدر: قام من بطنه. م (5) في المصدر: لا يسعل ولا يتمخط ولا يتصدع رأسه. م (6) في نسخة: ثقل. (*)

[ 146 ]

فرعون لموسى: أمهلني اليوم إلى غد، وأوحى الله تعالى إلى موسى: أن قل لفرعون: إنك إن آمنت بالله وحده عمرتك في ملكك ورددت (1) شابا طريا، فاستنظره فرعون، فلما كان من الغد دخل عليه هامان فأخبره فرعون بما وعده موسى من ربه، فقال له هامان: والله ما يعدل هذا عبادة هؤلاء لك يوما واحدا، ونفخ في منخره، ثم قال له هامان: أنا أردك شابا، فأتاه بالوسمة فخضبه بها ! (2) فلما دخل عليه موسى فرآه على تلك الحالة هاله ذلك، فأوحى الله تعالى: لا يهولنك ما رأيت فإنه لم يلبث إلا قليلا حتى يعود إلى الحالة الاولى. وفي بعض الروايات أن موسى وهارون لما انصرفا من عند فرعون أصابهما المطر في الطريق، فأتيا على عجوز من أقرباء امهما، ووجه فرعون الطلب في أثرهما، فلما دخل عليهما الليل ناما في دارها وجاءت الطلب إلى الباب والعجوز منتبهة، فلما أحست بهم خافت عليهما فخرجت العصا من صير الباب والعجوز تنظر (3) فقاتلتهم حتى قتلت منهم سبعة أنفس، ثم عادت ودخلت الدار، فلما انتبه موسى وهارون أخبرتهما بقصة الطلب ونكاية العصا منهم (4) فآمنت بهما وصدقتهما. (5) توضيح: الغيضة: موضع تنبت فيه الاشجار الكثيرة. وربض المدينة بالتحريك: ما حولها. والاندساس: الاختفاء. وأشليت الكلب على الصيد: أغريته. الطفيشل كسميدع: نوع من المرق. والارفضاض: التفرق. والطلب بالتحريك: جمع طالب. والصير بالكسر: شق الباب. ثم قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الانبياء: إن موسى وهارون عليهما السلام وضع فرعون أمرهما وما أتيا به من سلطان الله سبحانه على السحر وقال للملا من حوله (6):


(1) في المصدر: ورددتك. م (2) في المصدر: فأتاه بالوشم فخضبه به. م (3) في المصدر: من جانب الباب والعجوز تنظر إليها. م (4) في نسخة: ونكاية العصا فيهم. (5) العرائس: 116. م (6) في نسخة: قال للملا من قومه، وفى المصدر: قال للملا حوله. وهو الصحيح.

[ 147 ]

” إن هذان لساحران يريدان ” إلى قوله: ” فماذا تأمرون ” ءأقتلهما ؟ (1) فقال العبد الصالح خربيل (2) مؤمن آل فرعون: ” أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ” إلى قوله: ” فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ” قال فرعون: ” ما اريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ” وقال الملا من قوم فرعون: ” أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم ” وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة عدة للامر إذا حزبه. (3) وقال ابن عباس: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في اليد والعصا: (4) إنا لا نغالب موسى إلا بمن هو مثله، فأخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الغرماء (5) يعلمونهم السحر كما يعلم الصبيان (الكتابة خ ل) في الكتاب، فعلموهم سحرا كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم، فقالوا له: (6) ماذا صنعت ؟ فقال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الارض إلا أن يكون أمر من السماء فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون الشرطي في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به. (7) واختلفوا في عدد السحرة (8) الذين جمعهم فرعون، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل، وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم، وكان الذي يعلمهم ذلك رجلين مجوسيين من أهل نينوى،


(1) في المصدر: قالوا اقتلهما. م (2) في المصدر: حزقيل. م (3) حزبه أمر أي أصابه، وفى المصدر: معدة للامر إذا أحزنه. م (4) في المصدر بعد ذلك: ما رأى. م (5) في المصدر: الغرقاء. م (6) في المصدر: فجئ بهم ومعهم معلمهم فقال له. م (7) في المصدر: فلم يتركوا في مملكته ساحرا الا اتوا به. م (8) في المصدر: عدة السحرة. م

[ 148 ]

وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا، وقال السدي: كانوا بضعا وثلاثين ألفا، وقال عكرمة: سبعين ألفا، وقال محمد بن المنكدر: ثمانين ألفا فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلا ساحر ماهر، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار من اولئك السبعمائة سبعين من كبرائهم و علمائهم، قال مقاتل: وكان رئيس السحرة أخوين بأقصى مدائن مصر، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لامهما: دلينا على قبر أبينا. فدلتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا: إن الملك وجه إلينا أن نقدم عليه لانه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما عز ومنعة وقد ضاق الملك ذرعا (1) من عزهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما شئ، تبلع الحديد والخشب والحجر، فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما فإن قدرتما أن تسلا العصا فسلاها، فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، وإن عملت العصا وهما نائمان فدلك أمر رب العالمين، ولا طاقة لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فأتياهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا. قالوا: ثم واعدوه يوم الزينة وكان يوم سوق لهم، عن سعيد بن جبير، وقال ابن عباس: كان يوم عاشوراء، ووافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز، وكان يوم عيد لهم يجتمع إليه الناس من الآفاق، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وكان اجتماعهم للميقات بالاسكندرية، ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة (2) يومئذ، قالوا: ثم قال السحرة لفرعون: ” أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين ” قال فرعون: وإنكم إذا لمن المقربين عندي في المنزلة، فلما اجتمع الناس جاء موسى وهو متكئ على عصاه ومعه أخوه هارون حتى أتى (3) الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف قومه، فقال موسى عليه السلام للسحرة حين جاءهم: ” ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ” فتناجى السحرة بينهم وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، فذلك قوله تعالى: ” فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ” فقالت السحرة:


(1) أي ضاق صدره وضعفت طاقته. (2) في المصدر: بلغ ذنب الحية الجزيرة من وراء، البحرة. م (3) في المصدر: حتى أتيا المجمع. م

[ 149 ]

لنأتينك اليوم بسحر لم تر مثله، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، وكانوا قد جاؤوا بالعصي والحبال تحملها ستون بعيرا، (1) فلما أبوا إلا الاصرار على السحر قالوا لموسى: إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى ؟ قال: بل ألقوا أنتم، فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملات الوادي يركب بعضها بعضا تسعى، فذلك قوله تعالى: ” يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى ” وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم ولقد عادت حيات وما يعدون عصاي هذه، أو كما حدث نفسه (2) فأوحى الله تعالى إليه: ” لا تخف إنك أنت الاعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ” ففرج عن موسى و ألقى عصاه من يده فإذا هي ثعبان مبين، كأعظم ما يكون أسود مدلهم (3) على أربع قوائم قصار غلاظ شداد، وهو أعظم وأطول من البختي، وله ذنب يقوم عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه وعنقه وكاهله، لا يضرب ذنبه على شئ إلا حطمه وقصمه، و يكسر بقوائمه الصخور الصم الصلاب، ويطحن كل شئ، ويضرم حيطان البيوت بنفسه نارا، وله عينان تلتهبان نارا، ومنخران تنفخان سموما، وعلى مفرقه شعر كأمثال الرماح، وصارت الشعبتان له فما سعته اثنا عشر ذراعا، وفيه أنياب وأضراس، وله فحيح وكشيش وصرير وصريف، فاستعرضت ما ألقى السحرة من حبالهم وعصيهم وهي حيات (4) في عين فرعون وأعين الناس، تسعى تلقفها وتبتلعها واحدا واحدا حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، وانهزم الناس فزعين هاربين منقلبين، فتزاحموا وتضاغطوا ووطئ بعضهم بعضا حتى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام ومواطئ الاقدام خمسة وعشرون ألفا، و


(1) قال اليعقوبي: فعملوا من جلود البقر حبالا مجوفة وعصيا مجوفة ويزوقونها ويصيرون فيها الزيبق ثم أحموا المواضع التى أرادوا أن يلقوا فيها الحبال والعصى، ثم جلس فرعون فالقى السحرة حبالهم وعصيهم فلما حمى الزيبق تحرك ومشت الحبال والعصى. (2) في المصدر: فلما حدث نفسه. م (3) في المصدر: كأعظم ما يكون من الثعابين، اسود مدلهم. م (4) في المصدر: وهى تخيل. م

[ 150 ]

انهزم فرعون فيمن انهزم منخوبا (1) مرعوبا عازبا عقله، (2) وقد استطلق بطنه في يومه ذلك عن أربعمائة جلسة ! (3) ثم بعد ذلك إلى أربعين مرة في اليوم والليلة على الدوام إلى أن هلك ! فلما انهزم الناس وعاين السحرة ما عاينوا وقالوا: لو كان سحرا لما غلبنا، ولما خفي علينا أمره ولئن كان سحرا فأين حبالنا وعصينا ؟ فالقوا سجدا وقالوا: ” آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ” وكان فيهم اثنان وسبعون شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر، وكانوا علماء السحرة، وكان رئيس جماعتهم أربعة نفر: (4) سابور وعادور و حطحط (5) ومصفا، وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله تعالى، ثم آمنت السحرة كلهم، فلما رأى فرعون ذلك أسف وقال لهم متجلدا: آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى، فقالوا: ” لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ” إلى قوله تعالى: ” والله خير وأبقى ” فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم على جذوع النخل، وهو أول من فعل ذلك، فأصبحوا سحرة كفرة وأمسوا شهداء بررة، ورجع فرعون مغلوبا (6) معلولا، ثم أبى إلا إقامة على الكفر و التمادي فيه، فتابع الله تعالى عليه بالآيات وأخذه وقومه بالسنين إلى أن أهلكهم، وخرج موسى عليه السلام راجعا إلى قومه والعصا على حالها حية تتبعه وتبصبص حوله وتلوذ به كما يلوذ الكلب الالوف بصاحبه، والناس ينظرون إليها ينخزلون ويتضاغطون حتى دخل موسى عسكر بني إسرائيل وأخذ برأسها فإذا هي عصاه كما كانت أول مرة، وشتت الله على فرعون أمره، ولم يجد على موسى سبيلا، فاعتزل موسى في مدينته ولحق بقومه


(1) نخب: كان منزوع الفؤاد جبانا، والمنخوب: الجبان الذاهب القلب. وفى المصدر: متخوفا. م (2) في المصدر: ذاهبا عقله. (3) في المصدر: اربعمائة مرة. م (4) هكذا في النسخ وفى تاريخ الطبري، وفى المصدر: خمسة نفر، وزاد ” حفظ “. (5) في المصدر: وحفظ وخطط. وفى نسخة من العرائس: ” غادر ” بدل ” عادور ” (6) في المصدر: مغلوبا مهزوما مكسورا. م

[ 151 ]

وعسكروا مجتمعين إلى أن صاروا ظاهرين ظافرين. (1) بيان: المدلهم: المظلم. وفحيح الافعي: صوتها من فيها. والكشيش: صوتها من جلدها. والمنخوب: الجبان الذي لا فؤاد له. ثم قال الثعلبي: فلما خاف فرعون على قومه أن يؤمنوا بموسى عزم على بناء صرح يقوى به سلطانه، فقال: ” يا هامان ابن لي صرحا ” الآية، فجمع العمال والفعلة حتى اجتمع له خمسون ألف بناء سوى الاتباع والاجراء ممن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب والابواب ويضرب المسامير، فلم يزل يبني ذلك الصرح إلى أن فرغ منه في سبع سنين وارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السماوات والارض، فبعث الله عزوجل جبرئيل وضرب بجناحه الصرح فقطعه ثلاث قطع: وقعت قطعة منها في البحر، واخرى في الهند، واخرى في المغرب. وقال الضحاك: بعثه الله وقت الغروب (2) فقذف به على عسكر فرعون فقتل منهم ألف ألف رجل، (3) وقالوا: ولم يبق أحد عمل فيه شيئا إلا أصابه موت أو حريف أو عاهة، ثم إن فرعون بعد ذلك عزم على قتال موسى فأراه الله الآيات (4) فلما لم يؤمن أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن واضربوا بدمائها على الابواب، فإني مرسل على أعدائكم عذابا وإني سامر الملائكة (5) فلا يدخل بيتا على بابه دم، وسامرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم و أموالهم فتسلمون أنتم ويهلكون هم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا (6) فإنه أسرع لكم، ثم اسر بعبادي حتى تنتهي بهم إلى البحر فيأتيك أمري، ففعلت ذلك بنو إسرائيل، فقالت القبط لبني إسرائيل، لم تعالجون هذا الدم على أبوابكم ؟ فقالوا: إن الله سبحانه مرسل عذابا فنسلم


(1) العرائس: 116 – 118. م (2) المصدر خال من قوله: وقت الغروب. م (3) في المصدر: الفى الف رجل. م (4) العرائس: 119. م (5) في المصدر: سأرسل الملائكة. م (6) في المصدر: ثم اخبزوا فطيرا. م

[ 152 ]

وتهلكون، فقالت القبط: فما يعرفكم ربكم إلا بهذه العلامات ؟ فقالوا: هكذا أمرنا نبينا، فاصبحوا وقد طعن أبكار آل فرعون وماتوا كلهم في ليلة واحدة وكانوا سبعين ألفا، واشتغلوا بدفنهم وبما نالهم من الحزن على المصيبة، وسرى موسى بقومه متوجهين إلى البحر وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا لا يعد فيهم ابن سبعين سنة لكبره، ولا ابن عشرين سنة لصغره، وهم المقاتلة سوى الذرية، وكان موسى عليه السلام على الساقة، وهارون على المقدمة، فلما فرغت القبط من دفن أبكارهم وبلغهم خروج بني إسرائيل قال فرعون: هذا عمل موسى قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا، ثم خرجوا ولم يرضوا أن ساروا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالنا معهم، فنادى في قومه كما قال الله سبحانه: ” فأرسل فرعون في المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع حاذرون ” ثم تبعهم فرعون بجنوده وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة وبيده حربة. وقال ابن جريج: أرسل فرعون في أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور (1) مع كل ملك ألف، ثم خرج فرعون خلفهم في الدهم (2) وكانوا مائة ألف رجل كل واحد منهم راكبا حصانا أدهم، فكان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت، كما قال الله سبحانه ” فأتبعوهم مشرقين ” فلما تراءى الجمعان ورأت بنو إسرائيل غبار عسكر فرعون قالوا: يا موسى أين ما وعدتنا من النصر والظفر ؟ هذا البحر أمامنا، إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، ولقد اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا، فقال موسى: استعينوا (3) بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وقال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم و يستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون. (4) قالوا: فلما انتهى موسى عليه السلام إلى البحر هاجت الريح ترمي بموج كالجبال،


(1) ملك مسور: مسود قدير. (2) الدهم: العدد الكثير. (3) في المصدر: فقال موسى لقومه: يا قوم استعينوا اه‍. م (4) العرائس: 123. م

[ 153 ]

فقال له يوشع بن نون: يا مكلم الله (1) أين امرت وقد غشينا فرعون والبحر أمامنا ؟ فقال موسى: ههنا، فخاض يوشع الماء وجاز البحر ما يواري حافر دابته الماء، وقال خربيل (2) يا مكلم الله أين امرت ؟ قال: ههنا، فكبح فرسه بلجامه (3) حتى طار الزبد من شدقيه ثم أقحمه البحر فرسب في الماء وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدروا، فأوحى الله سبحانه إلى موسى: ” أن اضرب بعصاك البحر ” فضرب فلم يطعه فأوحى الله إليه: أن كنه، فضرب موسى بعصاه ثانيا وقال: انفلق أبا خالد ! (4) فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فإذا خربيل واقف على فرسه لم يبتل سرجه ولا لبده، وظهر في البحر اثنا عشر طريقا لاثني عشر سبطا، لكل سبط طريق، وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا. وعن عبد الله بن سلام أن موسى لما انتهى إلى البحر قال: ” يا من كان قبل كل شئ، والمكون لكل شئ، والكائن بعد كل شئ اجعل لنا مخرجا “. وعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه قال عند ذلك: ” اللهم لك الحمد و إليك المشتكى وأنت المستعان (5) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ” قالوا: فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضا فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا، فأوحى الله سبحانه إلى جبال الماء: أن تشبكي فصار الماء شبكات ينظر بعضهم إلى بعض، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين، ولما خرجت ساقة عسكر موسى من البحر وصلت مقدمة عسكر فرعون إليه، و أراد موسى أن يعود البحر إلى حاله الاولى فأوحى الله سبحانه: أن اترك البحر رهوا


(1) في المصدر يا كليم الله. م (2) في المصدر: ” حزقيل ” في المواضع. (3) كبح الدابة باللجام: جذبها به لتقف ولا تجرى. (4) كنية للبحر. (5) في المصدر بعد ذلك: وعليك التكلان. م

[ 154 ]

إنهم جند مغرقون، فلما وصل فرعون قال لقومه: انظروا إلى البحر قد انفلق لهيبتي حتى ادرك أعدائي وعبيدي، ولم تكن في خيل فرعون انثى فجاء جبرئيل على فرس انثى وعليه عمامة سوداء وتقدمهم وخاض البحر وظن أصحاب فرعون أنه منهم، فلما سمعت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم (1) ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم، فلما أراد فرعون أن يسلك طريق البحر نهاه وزيره هامان وقال: إني قد أتيت هذا الموضع مرارا ومالي عهد بهذه الطرق، وإني لا آمن أن يكون هذا مكرا من الرجل يكون فيه هلاكنا وهلاك أصحابنا، فلم يطعه فرعون وذهب حاملا (2) على حصانه أن يدخل البحر، فامتنع ونفر حتى جاء جبرئيل على رمكة بيضاء فخاض البحر فتبعها حصان فرعون، فلما توافوا في البحر وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالتطم عليهم فغرقهم أجمعين بمرأى من بني إسرائيل، قالوا: فلما سمعت بنو إسرائيل صوت التطام البحر قالوا لموسى: ما هذه الوجبة ؟ (3) فقال لهم: إن الله سبحانه قد أهلك فرعون وكل من كان معه، فقالوا: إن فرعون لا يموت لانه خلق خلق من لا يموت، ألم تر أنه كان يلبث كذا وكذا يوما لا يحتاج إلى شئ مما يحتاج إليه الانسان ؟ فأمر الله سبحانه البحر فألقاه على نجوة من الارض وعليه درعه حتى نظر إليه بنو إسرائيل. ويقال: لو لم يخرجه الله تعالى ببدنه لشك فيه بعض الناس، فبعث موسى جندين عظيمين من بني إسرائيل كل جند اثنا عشر ألفا إلى مدائن فرعون، وهي يومئذ خالية من أهلها لم يبق منهم إلا النساء والصبيان والزمنى والمرضى والهرمى، وأمر على الجند بن يوشع بن نون وكالب بن يوفنا (4) فدخلوا بلاد فرعون فغنموا ما كان فيها من أموالهم و كنوزهم، وحملوا من ذلك ما استقلت به الحمولة (5) عنها، وما لم يطيقوا حملها باعوه من قوم آخرين، فذلك قوله تعالى: ” كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم *


(1) أي يسوقهم شديدا، وفى المصدر: يستحثهم. (2) في المصدر: معاجلا. م (3) الوجبة: السقطة مع الهدة. أو صوت الساقط. وفى المصدر: هذه الضوضاء. (4) تقدم الخلاف في ضبطه. (5) أي ما أطاقته الحمولة.

[ 155 ]

ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين ” ثم إن يوشع استخلف على قوم فرعون رجلا منهم وعاد إلى موسى بمن معه سالمين غانمين. (1) تذنيب: قال السيد المرتضى قدس سره: فإن قيل: كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه، والامر بمثله لا يحسن ؟ قلنا: لابد من أن يكون في أمره عليه السلام بذلك شرط، فكأنه قال: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، وكان فيما تفعلونه حجة، وحذف الشرط لدلالة الكلام عليه و اقتضاء الحال له، ويمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الالقاء على وجه يساويه فيه، ولا يخيلون فيما ألقوه السعي والتصرف من غير أن يكون له حقيقة لان ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل، وإذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به ليظهر حجته. (2) أقول: يمكن أن يقال: الامر بالسحر إذا كان مشتملا على بيان بطلانه وظهور المعجزة وعدم مبالاته بما صنعوا مع أن القوم لا ينتهون عنه بعدم أمره بل بنهيه أيضا ليس بقبيح، (3) فيكن أن يكون مخصصا لعمومات النهي عن الامر بالسحر إن كانت ولو كان لمحض دليل العقل، فلا يحكم في خصوص تلك الصورة بشئ من القبح، أو يقال: إنه لم يكن المراد به الامر حقيقة بل كان الغرض عدم خوفه ومبالاته بما سحروا به، فيمكن إرجاعه إلى أمر التسوية، وقيل: إنه لم يأمر بالسحر بل بالالقاء وهو أعم منه. ثم قال السيد: فإن قيل: فمن أي شئ خاف موسى عليه السلام ؟ أو ليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به ؟ قلنا: إنما رأى من قوة التلبيس والتخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم ينعم النظر (4) فآمنه الله تعالى من ذلك، وبين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى: ” لا تخف إنك أنت الاعلى “. (5)


(1) العرائس: 123 – 126. وفيه: غانمين شاكرين م (2) تنزيه الانبياء: 70 – 71. م (3) بل ربما يمكن أن يقال بحسن ذلك، إذ فيه إبطال الباطل وإرشاد الجاهل إلى بطلان عملهم وأن عمله ليس من سنخ عملهم وسحرهم، بل هو من عند الله، وعمله من صنع الله. (4) أي لم يحقق النظر فيما صنعوا. (5) تنزيه الانبياء: 71. م

[ 156 ]

اقول: قد مر خبر في علة ذلك الخوف في إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار، (1) وقيل كان لا يلقي العصا إلا بوحي، ولما أبطأ الوحي خاف تفرق بعض الناس قبل أن يؤمر بالالقاء، وقيل: كان خوفه ابتداء على مقتضى الجبلة البشرية. ثم قال السيد رحمه الله: فإن قيل: فما معنى قوله: ” ربنا إنك آتيت فرعون و ملاه ” الآية ؟ قلنا: أما قوله: ” ليضلوا عن سبيلك ” ففيه وجوه: أولها: أنه أراد: لئلا يضلوا فحذف، وهذا له نظائر كثيرة في القرآن وكلام العرب فمن ذلك قوله: ” أن تضل إحديهما (2) ” وإنما أراد: لئلا تضل، وقوله: ” أن تقولوا يوم القيمة (3) ” وقوله: ” أن تميد بكم (4) ” وقال الشاعر: نزلتم منزل الاضياف منا * فعجلنا القرى أن تشتمونا وثانيها: أن اللام ههنا هي لام العاقبة وليست بلام الغرض كقوله: ” ليكون لهم عدوا وحزنا (5) “. وثالثها: أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي والانكار على من زعم أن الله تعالى فعل ذلك ليضلهم. ورابعها: أن يكون أراد الاستفهام فحذف حرفه المختص به. (6)


(1) وهو خبر اسماعيل بن الفضل الهاشمي سأل عن أبى عبد الله عليه السلام عن موسى بن عمران لما رأى حبالهم وعصيهم كيف أوجس في نفسه خيفة ولم يوجسها إبراهيم ؟ قال: إن ابراهيم عليه السلام حين وضع في المنجنيق كان مستندا إلى ما في صلبه من انوار حجج الله عزوجل ولم يكن موسى عليه السلام كذلك. (2) البقرة: 282. والظاهر أن الاية لا تحتاج إلى تقدير، والمعنى: أن تنسى احدى المرأتين فتذكرها الاخرى. (3) الاعراف: 172. (4) النحل: 15، لقمان: 10. (5) القصص: 8. (6) تنزيه الانبياء: 73 – 75 ولخصه المصنف. م

[ 157 ]

* (باب 5) * * (أحوال مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون) * الايات، المؤمن ” 40 ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون و هامان وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد * وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب * يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما اريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد * وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فماله من هاد * ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب 23 – 34. ” وقال تعالى “: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار * من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار * تدعونني لاكفر بالله واشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعونني


[ 158 ]

إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار * فستذكرون ما أقول لكم وافوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب 38 – 46. التحريم ” 66 ” وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين 11. تفسير: قوله تعالى: ” يكتم إيمانه ” قال الطبرسي رحمه الله: على وجه التقية قال أبو عبد الله عليه السلام: التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية ترس الله في الارض لان مؤمن آل فرعون لو أظهر الاسلام لقتل، قال ابن عباس: لم يكن مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك “. قال السدي ومقاتل: كان ابن عم فرعون (1) وكان آمن بموسى وهو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، وقيل: إنه كان ولي عهده من بعده وكان اسمه جيبا، وقيل: اسمه خربيل. (2) وقال البيضاوي: الرجل إسرائيلي، أو غريب موحد كان ينافقهم ” أتقتلون رجلا ” أتقصدون قتله ” أن يقول ” لان يقول أو وقت أن يقول، من غير روية وتأمل في أمره ” ربي الله ” وحده ” فعليه كذبه ” لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله ” يصبكم بعض الذي يعدكم ” أي فلا أقل من أن يصيبكم بعضه ” إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ” احتجاج ثالث ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات.


(1) سيأتي في الحديث الاول ان اسمه حزبيل وانه كان ابن عم فرعون وولى عهده وخليفته. وقال البغدادي في المحبر: كان اسم مؤمن آل فرعون حزبيل أو خزبيل وهو أخو آسية امرأة فرعون. وقال هشام: حزبيل زوج الماشطة، وكان فرعون قد جعله على نصف الناس. وقال الطبري: اسمه فيما يزعمون حبرك. وسيجئ ما يحكيه الثعلبي في ذلك بعد الحديث السابع. (2) مجمع البيان 8: 521. م

[ 159 ]

وثانيهما: أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله، ولعله أراد به المعنى الاول، وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، (1) وعرض به لفرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب ” ظاهرين ” غالبين عالين في الارض أرض مصر ” فمن ينصرنا من بأس الله ” أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا عنه أحد ” ما اريكم ” ما اشير إليكم ” إلا ما أرى ” وأستصوبه من قتله ” إني أخاف عليكم ” في تكذيبه والتعرض له ” مثل يوم الاحزاب ” مثل أيام الامم الماضية، يعني وقائعهم ” مثل دأب قوم نوح ” مثل جزاء ما كانوا عليه دائبين من الكفر وإيذاء الرسل ” يوم التناد ” يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة، أو يتصايحون بالويل والثبور، أو يتنادى أصحاب الجنة و أصحاب النار ” يوم تولون ” عن الموقف ” مدبرين ” منصرفين عنه إلى النار، وقيل: فارين عنها ” من عاصم ” يعصمكم من عذابه ” ولقد جاءكم يوسف ” أي يوسف بن يعقوب، على أن فرعونه فرعون موسى، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الاولاد، أو سبطه يوسف بن إبراهيم ابن يوسف ” من قبل ” من قبل موسى ” من هو مسرف ” في العصيان ” مرتاب ” شاك فيما تشهد له البينات ” وقال الذي آمن ” يعني مؤمن آل فرعون. وقيل: موسى ” سبيل الرشاد ” أي سبيلا يصل سالكه إلى المقصود ” متاع ” أي تمتع يسير لسرعة زوالها ” بغير حساب ” أي بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة ” ما ليس لي به ” أي بربوبيته علم، والمراد نفي المعلوم ” لا جرم ” لا رد لما دعوه إليه، وجرم فعل بمعنى حق، وفاعله ” أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة ” أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا، وقيل: جرم بمعنى كسب، وفاعله مستكن فيه، أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له، بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته، وقيل: من الجرم بمعنى القطع والمعنى: لا قطع لبطلان دعوة الوهية الاصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقا ” وأن مردنا إلى الله ” بالموت ” وأن المسرفين ” في الضلالة والطغيان ” وافوض أمري إلى الله ” ليعصمني من كل سوء ” إن الله بصير بالعباد ” فيحرسهم ” فوقاه الله سيئات ما مكروا ” شدائد مكرهم، وقيل: الضمير لموسى ” وحاق بآل فرعون ” أي بفرعون وقومه، واستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك، وقيل:


(1) الشكيمة: الانفة. وفلان شديد الشكيمة أي أنوف أبى لا ينقاد.

[ 160 ]

بطلبة المؤمن من قومه، فإنه فر إلى جبل فأتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله فرجعوا رعبا فقتلهم ” سوء العذاب ” الغرق أو القتل أو النار. (1) وقال الطبرسي رحمه الله: ” فوقاه الله ” أي صرف الله عنه سوء مكرهم فجاء مع موسى عليه السلام حتى عبر البحر معه ” النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ” أي يعرض آل فرعون على النار في قبورهم صباحا ومساء فيعذبون، وقال أبو عبد الله عليه السلام: ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة لان نار القيامة لا يكون غدوا وعشيا، ثم قال: إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا ففيما بين ذلك هم من السعداء، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة، ألم تسمع قوله عزوجل: ” ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ” وهذا أمر لآل فرعون بالدخول، أو أمر للملائكة بإدخالهم في أشد العذاب وهو عذاب جهنم. (2) 1 – م، ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن الصادق عليهم السلام قال: كان حزبيل (3) مؤمن آل فرعون يدعو قوم فرعون إلى توحيد الله، ونبوة موسى، وتفضيل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله على جميع رسل وخلقه، وتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الائمة على سائر أوصياء النبيين، وإلى البراءة من ربوبية فرعون، فوشى به الواشون إلى فرعون وقالوا: إن حزبيل يدعو إلى مخالفتك ويعين أعداءك على مضادتك، فقال لهم فرعون: ابن عمي وخليفتي على ملكي وولي عهدي، إن فعل ما قلتم فقد استحق أشد العذاب على كفره نعمتي، فإن كنتم (4) عليه كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لايثاركم الدخول في مكانه، فجاء بحزبيل وجاء بهم فكاشفوه وقالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك وتكفر نعماءه ؟ فقال حزبيل: أيها الملك هل جربت علي كذبا قط ؟ قال: لا، قال: فسلهم من ربهم ؟ فقالوا: فرعون، قال: ومن خالقكم ؟ قالوا: فرعون هذا، قال: ومن رازقكم الكافل لمعايشكم والدافع عنكم مكارهكم ؟ قالوا: فرعون هذا، قال حزبيل: أيها الملك فاشهدك وكل من حضرك أن ربهم هو ربي، وخالقهم هو خالقي، ورازقهم هو


(1) انوار التنزيل 2: 151 – 153. م (2) مجمع البيان 8: 525 – 526. م (3) في نسخة ” حزقيل ” وفى اخرى ” خربيل ” في جميع المواضع. (4) في نسخة: على كفره لنعمتي، وان كنتم.

[ 161 ]

رازقي، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا رب لي ولا خالق ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم، واشهدك ومن حضرك أن كل رب وخالق ورازق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه ومن ربوبيته وكافر بإلهيته، يقول حزبيل هذا وهو يعني أن ربهم هو الله ربي، ولم يقل: إن الذي قالوا إنه ربهم هو ربي، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره وتوهموا أنه يقول: فرعون ربي وخالقي ورازقي، فقال لهم فرعون: يا رجال السوء ويا طلاب الفساد في ملكي ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي وهو عضدي أنتم المستحقون لعذابي لارادتكم فساد أمري، وإهلاك ابن عمي والفت في عضدي، ثم أمر بالاوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتدا وفي صدره وتدا. وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى: ” فوقاه الله ” يعني حزبيل ” سيئات ما مكروا به ” لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه ” وحاق بآل فرعون سوء العذاب ” وهم الذين وشوا بحزبيل إليه لما أوتد فيهم الاوتاد ومشط عن أبدانهم لحومها بالامشاط. الخبر. (1) بيان: وشى به إلى السلطان أي سعى ونمه. وقال الجوهري: فت الشئ: أي كسره يقال: فت عضدي وهد ركني. 2 – ل: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن الفضل، عن منصور بن عبد الله الاصبهاني، عن علي بن عبد الله، عن محمد بن هارون بن حميد، عن محمد بن المغيرة الشهرزوري، عن يحيى بن الحسين المدائني، عن أبي لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين: مؤمن آل ياسين، وعلي ابن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون. (2) 3 – ل: محمد بن علي بن إسماعيل، عن أبي القاسم بن منيع، عن شيبان بن فروخ، عن داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمد، (3) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول


(1) تفسير العسكري: 143 – 144، الاحتجاج: 206. (2) الخصال ج 1: 82. (3) في المصدر ” عليا ” بالياء وهو وهم والصحيح ” علباء ” بالكسر فالسكون فالمد، والرجل هو ابن أحمد اليشكرى بصرى من القراء.

[ 162 ]

الله صلى الله عليه وآله أربع خطط في الارض، وقال: أتدرون ما هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل نساء الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. (1) 4 – ل: سليمان بن أحمد اللخمي، عن علي بن عبد العزيز، عن حجاج بن منهال عن داود بن أبي الفرات الكندي، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله أربع خطوط، (2) ثم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون. (3) 5 – فس: ” وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ” قال: كتم إيمانه ستمائة سنة، قال: وكان مجذوما مكنعا، (4) وهو الذي قد وقعت أصابعه، وكان يشير إلى قومه بيديه المكنوعتين ويقول: ” يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد “. (5) قوله: ” فوقاه الله سيئات ما مكروا ” يعني مؤمن آل فرعون، فقال أبو عبد الله عليه السلام: والله لقد قطعوه إربا إربا ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه. (6) 6 – ص: حزبيل (7) هو مؤمن آل فرعون، أرسل فرعون رجلين في طلبه فانطلقا في طلبه فوجداه قائما يصلي بين الجبال والوحوش خلفه، فأرادا أن يعجلاه عن صلاته، فأمر الله دابة من تلك الوحوش كأنها بعير أن تحول بينهما وبين المؤمن فطردتهما عنه حتى قضى صلاته، فلما رآهما أوجس في نفسه خيفة وقال: ” يا رب أجرني من فرعون فإنك إلهي، عليك توكلت وبك آمنت، وإليك أنبت، أسألك يا إلهي إن كان هذان الرجلان يريدان بي سوءا فسلط عليهما فرعون وعجل ذلك، وإن هما أراداني بخير فاهدهما ” فانطلقا حتى دخلا على فرعون ليخبراه بالذي عايناه، فقال أحدهما: ما الذي نفعك أن يقتل، فكتم عليه، فقال الآخر:


(1) الخصال ج 1: 96. (2) في المصدر: أربع خطط. (3) الخصال ج 1: 96. (4) كنع يده: أشلها وأيبسها. (5) تفسير القمى: 585. (6) تفسير القمى: 585 – 586. (7) في نسخة: ” خربيل ” في جمع الموارد.

[ 163 ]

وعزة فرعون لا أكتم عليه، وأخبر فرعون على رؤوس الناس بما رأى وكتم الآخر، فلما دخل حزبيل قال فرعون للرجلين: من ربكما ؟ قالا: أنت، فقال لحزبيل: ومن ربك ؟ قال ربي ربهما، فظن فرعون أنه يعنيه فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب، وسر فرعون وأمر بالاول فصلب فنجى الله المؤمن وآمن الآخر بموسى عليه السلام حتى قتل مع السحرة. (1) سن: أبي، عن علي بن النعمان، عن أيوب بن الحر، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: ” فوقاه الله سيئات ما مكروا ” قال: أما لقد سطوا عليه وقتلوه، ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه أن يفتنوه في دينه. (2) بيان: سطا عليه أي قهر وبطن به. قال الثعلبي: قالت الرواة: كان حزبيل من أصحاب فرعون نجارا، وهو الذي نجر التابوت لام موسى حين قذفته في البحر، وقيل: إنه كان خازنا لفرعون مائة سنة وكان مؤمنا مخلصا يكتم إيمانه إلى أن ظهر موسى عليه السلام على السحرة فأظهر حزبيل إيمانه، فاخذ يومئذ وقتل مع السحرة صلبا، وأما امرأة حزبيل فإنها كانت ماشطة بنات فرعون وكانت مؤمنة. وروي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما اسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت لجبرئيل: ما هذه الرائحة ؟ قال: هذه ماشطة آل فرعون (3) وأولادها كانت تمشطها فوقعت المشطة من يدها فقالت: بسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي ؟ فقالت: لا بل ربي وربك ورب أبيك، فقالت: لاخبرن بذلك أبي، فقالت: نعم، فأخبرته فدعا بها وبولدها وقال: من ربك ؟ فقالت: إن ربي وربك الله، فأمر بتنور من نحاس فاحمي فدعا بها وبولدها، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي ؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها. قال: ذاك لك لمالك علينا من حق، فأمر بأولادها فالقوا واحدا واحدا في التنور حتى كان آخر ولدها وكان صبيا مرضعا، فقال: اصبري يا اماه إنك على الحق، فألقيت في التنور مع ولدها.


(1) مخطوط، فيه اضطراب وتقدم تفصيل الحكاية في الحديث الاول. (2) محاسن البرقى: 219. (3) في المصدر: قال: رائحة ماشطة آل فرعون.

[ 164 ]

وأما امرأة فرعون آسية فكانت من بني إسرائيل وكانت مؤمنة مخلصة وكانت تعبد الله سرا، وكانت على ذلك إلى أن قتل فرعون امرأة حزبيل، فعاينت حينئذ الملائكة يعرجون بروحها لما أراد الله تعالى بها من الخير فزادت يقينا وإخلاصا وتصديقا، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها فرعون يخبرها بما صنع بها، فقالت: الويل لك يا فرعون، ما أجرأك على الله جل وعلا ؟ فقال لها: لعلك قد اعتراك الجنون الذي اعترى صاحبتك، فقالت: ما اعتراني جنون لكن آمنت بالله تعالى ربي وربك ورب العالمين، فدعا فرعون امها فقال لها: إن ابنتك أخذها الجنون، فاقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها امها فسألتها موافقة (1) فيما أراد، فأبت وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله لا أفعل ذلك أبدا، فأمر بها فرعون حتى مدت بين أربعة أوتاد ثم لا زالت تعذب حتى ماتت، كما قال الله سبحانه: ” وفرعون ذي الاوتاد “. وعن ابن عباس: قال: أخذ فرعون امرأته آسية حين تبين له إسلامها يعذبها لتدخل في دينه، فمر بها موسى وهو يعذبها فشكت إليه بإصبعها، فدعا الله موسى أن يخفف عنها، فلم تجد للعذاب مسا، وإنها ماتت من عذاب فرعون لها، (2) فقالت وهي في العذاب: ” رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ” وأوحى الله إليها: أن ارفعي رأسك، ففعلت فاريت البيت (3) في الجنة بنى لها من در فضحكت، فقال فرعون: انظروا إلى الجنون الذي بها، تضحك وهي في العذاب. انتهى. (4) وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: ” وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون ” هي آسية بنت مزاحم، قيل: إنها لما عاينت المعجز من عصا موسى وغلبت السحرة أسلمت فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس،


(1) في المصدر: فسألتها موافقة فرعون فيما أراد. (2) في المصدر: فدعا الله أن يخفف عنها من العذاب، فبعد ذلك لم تجد للعذاب ألما إلى أن مات في عذاب فرعون. (3) في المصدر: فرأت البيت. (4) عرائس الثعلبي: 106 و 107 من طبع مصر.

[ 165 ]

ثم أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة، فلما قربت أجلها قالت: ” رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ” فرفعها الله تعالى إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب، عن الحسن وابن كيسان، وقيل: إنها أبصرت بيتها في الجنة من درة وانتزع الله روحها، فالقيت الصخرة على جسدها وليس فيه روح، فلم تجد ألما من عذاب فرعون، وقيل: إنها كانت تعذب بالشمس وإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة وجعلت ترى بيتها في الجنة، عن سلمان. (1) * (باب 6) * * (خروجه عليه السلام من الماء مع بنى اسرائيل وأحوال التيه) * الايات، البقرة ” 2 ” وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الارض مفسدين * وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة و باءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون 57 – 61. المائدة ” 5 ” وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما


(1) مجمع البيان 10: 319. (*)

[ 166 ]

جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون * وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين 20 – 26. الاعراف ” 7 ” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين * وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم 138 – 141. ” وقال تعالى “: ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون * وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا امما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن و السلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون 159 – 162. تفسير: قوله تعالى: ” وظللنا عليكم الغمام ” قال الطبرسي رحمه لله: أي جعلنا لكم الغمام ظلة وسترة تقيكم حر الشمس في التيه ” وأنزلنا عليكم المن ” هو الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر، وقيل: إنه شئ كالصمغ كان يقع على الاشجار طعمه كالزبد والعسل، وقيل: إنه الخبز المرقق، وقيل: إنه جميع النعم التي أتتهم مما من الله به عليهم بلا تعب (1)


(1) قال اليعقوبي: كان المن مثل حب الكسبرة يطحنونه بالارحاء ويجعلونه أرغفة فيكون طعامهم طيبا أطيب من كل شئ وكان ينزل عليهم بالليل ويجمعونه بالنهار، فضجوا وبكوا وجعلوا يقولون. من يطعمنا لحما ؟ أما تذكرون ما كنا نأكل بمصر من النون والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والفوم ؟ فاشتد غم موسى لذلك فدعا فبعث لهم السلوى.

[ 167 ]

” والسلوى ” قيل: هو السمانى، (1) وقيل: طائر أبيض يشبه السمانى ” كلوا من طيبات ما رزقناكم ” أي قلنا لهم: كلوا من الشهي اللذيذ، وقيل: المباح الحلال، وقيل: المباح الذي يستلذ أكله ” وما ظلمونا ” أي فكفروا هذه النعمة وما نقصونا بكفرانهم أنعمنا ” ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ” ينقصون، وقيل: أي ما ضرونا ولكن كانوا أنفسهم يضرون. وكان سبب إنزال المن والسلوى عليهم أنه لما ابتلاهم الله بالتيه إذ قالوا لموسى: ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة بقوله: ” ادخلوا الارض المقدسة ” فوقعوا في التيه فصاروا كلما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستة، وكلما أصبحوا ساروا غادين فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه، كذلك حتى تمت المدة وبقوا فيها أربعين سنة، وفي التيه توفي موسى وهارون، ثم خرج يوشع بن نون، وقيل: كان الله يرد الجانب الذي انتهوا إليه من الارض إلى الجانب الذي ساروا منه، فكانوا يضلون على الطريق، لانهم كانوا خلقا عظيما، فلا يجوز أن يضلوا كلهم عن الطريق في هذه المدة المديدة، وفي هذا المقدار من الارض، ولما حصلوا في التيه ندموا على ما فعلوه، فألطف الله بهم بالغمام لما شكوا حرا لشمس، وأنزل عليهم المن من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليومهم وقال الصادق عليه السلام: كان ينزل المن على بني إسرائيل من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، فمن نام في ذلك الوقت لم ينزل نصيبه، فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى طلوع الشمس. وقال ابن جريج: وكان الرجل منهم إن أخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم واحد فسد إلا يوم الجمعة، فإنهم إذا أخذوا طعام يومين لم يفسد، وكانوا يأخذون منها ما يكفيهم ليوم الجمعة والسبت لانه كان لا يأتيهم يوم السبت، وكانوا يخبزونه مثل القرصة ويوجد له طعم كالشهد المعجون بالسمن، وكان الله تعالى يبعث لهم السحاب بالنهار فيدفع عنهم حر الشمس، وكان ينزل عليهم في الليل من السماء عمود من نور يضئ لهم مكان السراج، وإذا ولد فيهم مولود يكون عليه ثوب يطول بطوله كالجلد ” حيث شئتم ” أي


(1) السمانى بضم السين: نوع من الطيور معروف في بلاد الشام بالفرى.

[ 168 ]

أنى شئتم (1) ” رغدا ” أي موسعا عليكم مستمتعين بما شئتم من طعام القرية، وقيل: إن هذه إباحة منه لغنائمها وتملك أموالها ” وقولوا حطة ” (2) روي عن الباقر عليه السلام أنه قال: نحن باب حطتكم (3) ” وسنزيد المحسنين ” على ما يستحقونه من الثواب تفضلا ” وإذ استسقى موسى ” أي في التيه لما شكوا إليه الظماء فأوحى الله تعالى إليه ” أن اضرب بعصاك ” وهو عصاه المعروف ” الحجر ” أي أي حجر كان، أو حجر مخصوص، وسيأتي ذكر الاقوال فيه ” قد علم كل اناس مشربهم ” أي كل سبط موضع شربهم ” كلوا واشربوا ” أي قلنا لهم: كلوا واشربوا ” ولا تعثوا ” أي لا تسعوا في الارض فسادا. (4) وقال البيضاوي: ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الاحجار ما يحلق الشعر وينفر الخل (5) و يجذب الحديد لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الارض، أو لجذب الهواء من الجوانب وتصييره ماء بقوة التبريد ” على طعام واحد ” يريد به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى وبوحدته أنها لا تختلف ولا تتبدل ” الذي هو أدنى ” أي أدون قدرا. (6) ” إذ جعل فيكم أنبياء ” إذ لم يبعث في امة ما بعث في بني إسرائيل من الانبياء ” وجعلكم ملوكا ” أي وجعل منكم أو فيكم، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الانبياء بعد فرعون، وقيل: لما كانوا مملوكين في أبدي القبط فأنقذهم وجعلهم مالكين لانفسهم وامورهم سماهم ملوكا ” وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ” من فلق البحر وتظليل الغمام والمن والسلوى ونحوها، وقيل: أي عالمي زمانهم. ” يا قوم ادخلوا الارض المقدسة ” أرض بيت المقدس لكونها قرار الانبياء ومسكن


(1) في المصدر: أي أين شئتم. م (2) سيأتي بعد الحديث الثامن معنى الباب والحطة. (3) أي من ورد في طاعتنا وعمل بأوامرنا وانتهى عن نواهينا وسار سيرتنا يحط عنه أوزاره ويغفر خطاياه. (4) مجمع البيان 1: 116 – 121. (5) في المصدر: من الخل. ولم نفهم المراد. (6) انوار التنزيل 1: 25 – 26.

[ 169 ]

المؤمنين وقيل: الطور وما حوله، وقيل: دمشق وفلسطين وبعض الاردن، وقيل: الشام. (1) ” التي كتب الله لكم ” قال الطبرسي: أي كتب لكم في اللوح أنها لكم، وقيل: أي وهب الله لكم، وقيل: أمركم الله بدخولها. فإن قيل: كيف كتب الله لهم مع قوله: ” فإنها محرمة عليهم ” فجوابه أنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمها عليهم، وقيل: الذين كتب لهم هم الذين كانوا مع يوشع بعد موت موسى بشهرين ” ولا ترتدوا على أدباركم ” أي لا ترجعوا عن الارض التي امرتم بدخولها، أو عن طاعة الله. قال المفسرون: لما عبر موسى وبنو إسرائيل البحر وهلك فرعون أمرهم الله بدخول الارض المقدسة، فلما نزلوا عند نهر الاردن خافوا من الدخول، فبعث موسى عليه السلام من كل سبط رجلا وهم الذين ذكرهم الله سبحانه في قوله: ” وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ” فعاينوا من عظم شأنهم وقوتهم شيئا عجيبا، فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى عليه السلام بذلك فأمرهم أن يكتموا ذلك، فوفى اثنان منهم يوشع بن نون من سبط بنيامين، وقيل: إنه كان من سبط يوسف، وكالب بن يوفنا من سبط يهودا، وعصى العشرة وأخبروا بذلك، وقيل: كتم خمسة منهم وأظهر الباقون، وفشا الخبر في الناس فقالوا: إن دخلنا عليهم تكون نساؤنا وأهالينا غنيمة لهم، وهموا بالانصراف إلى مصر وهموا بيوشع وكالب، و أرادوا أن يرجموهما بالحجارة، فاغتاظ لذلك موسى عليه السلام وقال: ” رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ” فأوحى الله إليه: إنهم يتيهون في الارض أربعين سنة، وإنما يخرج منهم من لم يعص الله في ذلك، فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا، وقيل: تسعة فراسخ، وقيل: ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، لا تنخرق ثيابهم وتنبت معهم، و ينزل عليهم المن والسلوى، ومات النقباء غير يوشع بن نون وكالب، ومات أكثرهم ونشأ ذراريهم فخرجوا إلى حرب أريحا (2) وفتحوها، واختلفوا فيمن فتحها فقيل: فتحها موسى


(1) انوار التنزيل 1: 128. (2) أريحا بالفتح والكسر – ورواه بعضهم بالخاء المعجمة – لغة عبرانية. قال ياقوت: هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الاردن بالشام. بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس، في جبال صعب المسلك، سميت فيما قيل بأريحا بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.

[ 170 ]

ويوشع على مقدمته، وقيل: فتحها يوشع وكان قد توفي موسى وبعثه الله نبيا، وروي أنهم كانوا في المحاربة إذ غابت الشمس فدعا يوشع فرد الله عليهم الشمس حتى فتحوا أريحا، وقيل: كان وفاة موسى وهارون في التيه، وتوفي هارون قبل موسى بسنة وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة في ملك إفريدون ومنوچهر، وكان عمر يوشع مائة وستة وعشرين سنة، وبقي بعد وفاته مدبرا لامر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة ” قالوا ” يعني بني إسرائيل: ” إن فيها ” أي في الارض المقدسة ” قوما حبارين ” شديدي البأس والبطش والخلق. قال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى النقباء رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه، وقال للملك تعجبا منهم: هؤلاء يريدون قتالنا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا، قال مجاهد: وكانت فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب ! ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال ! وإن موسى كان طوله عشرة أذرع، وله عصا طولها عشرة أذرع ونزا من الارض مثل ذلك بلغ كعب عوج ابن عنق فقتله ! وقيل: كان طول سريره ثمانمائة ذراع. ” وإنا لن ندخلها ” يعني لقتالهم ” فإن يخرجوا ” يعني الجبارين ” قال رجلان ” هما يوشع وكالب، (1) وقيل: رجلان كانا من مدينة الجبارين وكانا على دين موسى فلما بلغهما خبر موسى جاءاه فاتبعاه ” من الذين يخافون ” الله تعالى ” أنعم الله عليهما ” بالاسلام، و قيل: يخافون الجبارين، أي لم يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق، أنعم الله عليهما بالتوفيق للطاعة ” ادخلوا ” يا بني إسرائيل ” عليهم ” على الجبارين ” الباب ” باب مدينتهم، وإنما علما أنهم يظفرون بهم لما أخبر به موسى عليه السلام من وعد الله تعالى بالنصر، وقيل: لما رأوه من إلقاء الرعب في قلوب الجبارين ” إنا لن ندخلها ” أي هذه المدينة ” إنا ههنا قاعدون ” إلى أن تظفر بهم وترجع إلينا فحينئذ ندخل ” إلا نفسي ” أي لا أملك إلا


(1) قال المسعودي في اثبات الوصية: هما يوشع وابن عمه كالب بن يوقنا، وبه قال الطبري الا انه قال: كالوب بن يوفنة، وقال: وقيل: كلاب بن يوفنة ختن موسى. وتقدم في الباب الرابع قول الثعلبي وغيره.

[ 171 ]

تصريف نفسي في طاعتك ” وأخي ” أي وأخي كذلك لا يملك إلا نفسه، أو لا أملك أيضا إلا أخي لانه يجيبني إذا دعوت ” فافرق ” أي فافصل ” بيننا ” وبينهم بحكمك فإنها ” أي الارض المقدسة ” محرمة عليهم ” تحريم منع، وقيل: تحريم تعبد ” يتيهون ” أي يتحيرون في المسافة التي بينهم وبينها لا يهتدون إلى الخروج منها. وقال أكثر المفسرين: إن موسى وهارون كانا معهم في التيه، وقيل: لم يكونا فيه لان التيه عذاب وعذبوا عن كل يوم عبدوا فيه العجل سنة، والانبياء لا يعذبون، قال الزجاج إن كانا في التيه فجائز أن يكون الله سهل عليهما ذلك، كما سهل على إبراهيم النار فجعلها عليه بردا وسلاما. ومتى قيل: كيف يجوز على عقلاء كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا يهتدوا للخروج منها ؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بأن تحول الارض التي هم عليها إذا ناموا وردوا إلى المكان الذي ابتدؤوا منه. والآخر أن يكون بالاسباب المانعة عن الخروج عنها، إما بأن تمحى العلامات التي يستدل بها، أو بأن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك معجزا خارقا للعادة. وقال قتادة: لم يدخل بلد الحبارين أحد من القوم إلا يوشع وكالب بعد موت موسى بشهرين، وإنما دخلها أولادهم معهما ” فلا تأس على القوم الفاسقين ” أي لا تحزن على هلاكهم لفسقهم. (1) ” يعكفون على أصنام لهم ” أي يقبلون عليها، ملازمين لها، مقيمين عندها يعبدونها، قال قتادة: كان اولئك القوم من لخم (2) وكانوا نزولا بالرقة. (3) وقال ابن جريح: كانت تماثيل بقر (4) وذلك أول شأن العجل ” إنكم قوم تجهلون “


(1) مجمع البيان 3: 178 – 182. (2) اسم لخم مالك بن عدى بن الحارث بن مرة بن ادد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سأبن يشجب ين يعرب بن قحطان. (3) الرقة بفتح أوله وثانيه وتشديده مدينة مشهورة على الفرات، معدودة في بلاد الجزيرة. (4) وقيل: وكانوا يعبدون المشترى ويحجون إلى صنم في مشارف الشام يقال له الاقيصر.

[ 172 ]

ربكم وعظمته، أو نعمة ربكم فيما صنع بكم ” متبر ” أي مدمر مهلك ” ما هم فيه ” من عبادة الاصنام ” أبغيكم ” أي ألتمس لكم ” على العالمين ” أي على عالمي زمانكم، وقيل: أي خصكم بفضائل لم يعطها أحدا غيركم، وهو أن أرسل إليكم رجلين منكم لتكونوا أقرب إلى القبول، وخلصكم من أذى فرعون وقومه على أعجب وجه وأورثكم أرضهم وديارهم و أموالهم. (1) ” ومن قوم موسى امة يهدون بالحق ” أي جماعة يدعون إلى الحق ” وبه يعدلون ” أي وبالحق يحكمون ويعدلون في حكمهم، واختلف فيهم على أقوال: أحدها: أنهم قوم من وراء الصين لم يغيروا ولم يبدلوا، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. قالوا: وليس لاحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويضحون بالنهار و يزرعون لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق. قال ابن جريح: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبط تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا (2) في الارض فساروا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا من وراء الصين ! فهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وقيل: إن جبرئيل انطلق بالنبي صلى الله عليه وآله ليلة المعراج إليهم فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به وصدقوه، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ويتركوا السبت، وأمرهم بالصلاة والزكاة ولم تكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا. وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد عليهم السلام، وروي أن ذا القرنين رآهم (3) فقال: لو امرت بالمقام لسرني أن اقيم بين أظهركم.


(1) مجمع البيان 4: 471 و 472. (2) أي سربا في الارض. (3) تقدم في باب قصص ذى القرنين أنه رآهم.

[ 173 ]

وثانيها: أنهم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بالحق وبشريعة موسى عليه السلام في وقت ضلالة القوم وقتلهم أنبياءهم، وكان ذلك قبل نسخ شريعتهم بشريعة عيسى عليه السلام فالتقدير: كانوا يهدون. وثالثها: أنهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مثل عبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما وفي حديث أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهير أن موسى لما أخذ الالواح قال: رب إني أجد في الالواح امة هي خير امة اخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد، قال: رب إني أجد في الالواح امة هم الآخرون في الخلق، السابقون في دخول الجنة فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد، قال: رب إني أجد في الالواح امة كتبهم في صدورهم يقرؤونها فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد، قال: رب إني أجد في الالواح امة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتب له عشر أمثالها، وإن هم بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد. قال: رب إني أجد في الالواح امة يؤمنون بالكتاب الاول والكتاب الآخر، ويقاتلون الاعور الكذاب فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد. قال: رب إني أجد في الالواح امة هم الشافعون وهم المشفوع لهم فاجعلهم امتي، قال: تلك امة أحمد. قال موسى: رب اجعلني من امة أحمد. قال أبو حمزة: فاعطي موسى آيتين لم يعطوها – يعني امة أحمد – قال الله: يا موسى ” إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ” وقال: ” ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون ” قال: فرضي موسى كل الرضاء. وفي حديث غير أبي حمزة: قال النبي صلى الله عليه وآله لما قرأ ” وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون “: هذه لكم، وقد أعطى الله قوم موسى مثلها. ” وقطعناهم اثنتي عشر أسباطا امما ” أي وفرقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ” أسباطا ” يعني أولاد يعقوب عليه السلام فإنهم كانوا اثني عشر، وكان لكل واحد منهم أولاد ونسل فصار كل فرقة منهم سبطا وامة، وإنما جعلهم سبحانه امما ليتميزوا في مشربهم ومطعمهم، ويرجع كل امة منهم إلى رئيسهم، فيخف الامر على موسى ولا يقع بينهم


[ 174 ]

اختلاف وتباغض ” فانبجست ” الانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان يبتدئ الماء من الحجر بقلة، ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة. (1) 1 – فس: ” وجعلكم ملوكا ” يعني في بني إسرائيل، لم يجمع الله لهم النبوة و الملك في بيت واحد، ثم جمع الله ذلك لنبيه. (2) قوله: ” وقطعناهم ” أي ميزناهم. (3) 2 – فس: ” وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ” الآية، فإن بني إسرائيل لما عبر بهم موسى البحر نزلوا في مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء، وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه، وبالعشي يجئ طائر مشوي فيقع على موائدهم، وإذا أكلوا وشبعوا طار ومر، وكان مع موسى حجر يضعه في وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا كما حكى الله، فيذهب الماء إلى كل سبط في رحله، وكانوا إثني عشر سبطا، فلما طال عليهم الامد قالوا: ” يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ” والفوم هي الحنطة، فقال لهم موسى: ” أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ” فقالوا: ” يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ” فنصف الآية في سورة البقرة وتمامها وجوابها لموسى في سورة المائدة. قوله: ” وقولوا حطة ” أي حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ذلك وقالوا: حنطة، وقال الله: ” فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا ” آل محمد صلوات الله عليهم حقهم ” رجزا من السماء بما كانوا يفسقون “. (4) بيان: قال البيضاوي: الفوم: الحنطة، ويقال للخبز، وقيل: الثوم. (5) وقال


(1) مجمع البيان 4: 489 و 490. (2) تفسير القمى: 152. (3) تفسير القمى: 226. (4) تفسير القمى: 40 – 41. (5) انوار التنزيل 1: 26.

[ 175 ]

الفيروز آبادي: الفوم بالضم: الثوم والحنطة والحمص والخبز وسائر الحبوب التي تخبز. 3 – فس: قوله: ” يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” فإن ذلك نزل لما قالوا: ” لن نصر على طعام واحد ” فقال لهم موسى: ” اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ” فقالوا: ” إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ” فنصف الآية ههنا ونصفها في سورة البقرة، فلما قالوا لموسى: ” إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ” فقال لهم موسى: لابد أن تدخلوها، فقالوا له: ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” فأخذ موسى بيد هارون وقال كما حكى الله: ” إني لا أملك إلا نفسي وأخي ” يعني هارون فافرق بيننا وبين قومنا القوم الفاسقين، (1) فقال الله: ” إنها محرمة عليهم أربعين سنة ” يعني مصر أن يدخلوها أربعين سنة ” يتيهون في الارض ” فلما أراد موسى أن يفارقهم فزعوا وقالوا: إن خرج موسى من بيننا نزل علينا العذاب، ففزعوا إليه وسألوه أن يقيم معهم ويسأل الله أن يتوب عليهم، فأوحى الله إليه: قد تبت عليهم (2) على أن يدخلوا مصر، وحرمتها عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض عقوبة لقولهم: ” اذهب أنت وربك فقاتلا ” فدخلوا كلهم في التوبة (3) والتيه إلا قارون، فكانوا يقومون في أول الليل ويأخذون في قراءة التوراة، فإذا أصبحوا على باب مصر دارت بهم الارض فردتهم إلى مكانهم، وكان بينهم وبين مصر أربع فراسخ، فبقوا على ذلك أربعين سنة، فمات هارون وموسى في التيه ودخلها أبناؤهم وأبناء أبناءهم. (4) بيان: تفسير الارض المقدسة بمصر خلاف ما أجمع عليه المفسرون والمؤرخون


(1) المصدر خال عن كلمة: ” قومنا “. (2) في المصدر: فأوحى الله إليه انى قد تبت عليهم. (3) في المصدر وفى نسخة: فدخلوا كلهم في القرية. (4) تفسير القمى: 152 – 153.

[ 176 ]

كما سيأتي، وأما قوله تعالى: ” اهبطوا مصرا ” فقيل: أراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، وقيل: بيت المقدس، وقيل: أراد مصرا من الامصار، يعني إن ما تسألونه إنما يكون في الامصار كما سيجئ في الاخبار، وقوله: ” إلا قارون ” أي أنه لم يدخل في التوبة، وسيأتي شرحه وتمام القصة في باب قصص قارون. 4 – فس: ” وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعفكون على أصنام لهم ” فإنه لما غرق الله فرعون وأصحابه وعبر موسى وأصحابه البحر نظر أصحاب موسى إلى قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ” يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ” فقال موسى: ” إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ” إلى قوله: ” وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ” وهو محكم. (1) أقول: (2) روى الثعلبي، عن محمد بن قيس (3) قال: جاء يهودي إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أبا الحسن ما صبرتم بعد نبيكم إلا (4) خمسا وعشرين سنة حتى قتل بعضكم بعضا، قال: بلى ولكن ما جف أقدامكم من البحر حتى قلتم: ” يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ” !. (5) 5 – ختص: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما انتهى بهم إلى الارض المقدسة قال لهم: ” ادخلوا الارض المقدسة ” إلى قوله: ” فإنكم غالبون ” قالوا: ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ” فلما


(1) تفسير القمى: 222. (2) في نسخة: بيان: أقول. (3) في المصدر: أخبرني الحسن بن محمد بن قيس. (4) المصدر خال عن كلمة ” الا “. (5) عرائس الثعلبي: 113. وفيه: بلى قد كان صبر وخير ولكنكم ما جفت اقدامكم من حما البحر اه‍. م

[ 177 ]

أبوا أن يدخلوها حرمها الله عليهم فتاهوا في أربعة فراسخ أربعين سنة ” يتيهون في الارض فلا تأس على القوم الفاسقين ” قال أبو عبد الله عليه السلام: وكانوا إذا أمسوا نادى مناديهم: أمسيتم الرحيل، (1) فيرتحلون بالحداء والرجز (2) حتى إذا أسحروا أمر الله الارض فدارت بهم فيصبحون في منزلهم الذي ارتحلوا منه، فيقولون: قد أخطأتم الطريق، فمكثوا بهذا أربعين سنة، ونزل عليهم المن والسلوى حتى هلكوا جميعا إلا رجلين: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وأبناءهم، وكانوا يتيهون في نحو من أربعة فراسخ فإذا أرادوا أن يرتحلوا ثبت ثيابهم عليهم وخفافهم، (3) قال: وكان معهم حجر إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين، فإذا ارتحلوا رجع الماء فدخل في الحجر ووضع الحجر على الدابة. (4) 6 – ص: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما انتهى بهم موسى عليه السلام إلى الارض المقدسة قال لهم: ادخلوا، فأبوا أن يدخلوها، فتاهوا في أربعة فراسخ أربعين سنة وكانوا إذا أمسوا نادى مناديهم أمسيتم الرحيل، حتى إذا انتهوا إلى مقدار ما أرادوا أمر الله الارض فدارت بهم إلى منازلهم الاولى فيصبحون في منزلهم الذي ارتحلوا منه، فمكثوا بذلك أربعين سنة، ينزل عليهم المن والسلوى فهلكوا فيها أجمعين إلا رجلين: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا اللذين أنعم الله عليهما، ومات موسى وهارون عليهما السلام فدخلها


(1) في البرهان: استتموا الرحيل. (2) حد الابل: ساقها وغنى لها. وفى نسخة: بالجد والزجر. (3) هكذا في النسخ، وفى البرهان: يبست ثيابهم عليهم وخفافهم. واستظهر في هامش نسخة: وكانوا ينبت ثيابهم. (4) الاختصاص: مخطوط، وأخرجه البحراني أيضا في تفسير البرهان 1: 455 و 456 وزاد في آخره: وقال أبو عبد الله عليه السلام لبنى اسرائيل أن يدخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لهم ثم بداله فدخلها أبناء الابناء انتهى. قلت: فيه سقط، ولعل الصحيح: قال أبو عبد الله عليه السلام قال الله تعالى.

[ 178 ]

يوشع بن نون وكالب وأبناؤهم، وكان معهم حجر كان موسى يضربه بعصاه فينفجر منه الماء لكل سبط عين. (1) 7 – ص: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاز بهم البحر: خبرنا يا موسى بأي قوة وأي عدة وعلى أي حمولة نبلغ الارض المقدسة ومعك الذرية والنساء والهرمى والزمنى ؟ فقال موسى عليه السلام: ما أعلم قوما ورثه الله من عرض الدنيا ما ورثكم، ولا أعلم أحدا آتاه منها مثل الذي آتاكم، فمعكم من ذلك مالا يحصيه إلا الله تعالى، وقال موسى: سيجعل الله لكم مخرجا فاذكروه وردوا إليه اموركم، فإنه أرحم بكم من أنفسكم، قالوا: فادعه يطعمنا ويسقنا ويكسنا ويحملنا من الرجلة ويظلنا من الحر، فأوحى الله تعالى إلى موسى: قد أمرت السماء أن يمطر عليهم المن والسلوى، وأمرت الريح أن يشوي لهم السلوى، وأمرت الحجارة أن تنفجر، وأمرت الغمام أن تظلهم، وسخرت ثيابهم أن تنبت بقدر ما ينبتون، فلما قال لهم موسى ذلك سكتوا فسار بهم موسى، فانطلقوا يؤمون الارض المقدسة وهي فلسطين، و إنما قدسها لان يعقوب عليه السلام ولد بها، وكانت مسكين أبيه (2) إسحاق ويوسف عليهما السلام، ونقلوا كلهم بعد الموت إلى أرض فلسطين. (3) 8 – ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن الطالقاني، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله، عن كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن الباقر عليه السلام قال في قوله تعالى: ” وادخلوا الباب سجدا ” إن ذلك حين فصل موسى من أرض التيه فدخلوا العمران، وكان بنو إسرائيل أخطؤوا خطيئة فأحب الله أن ينقذهم منها إن تابوا، فقال لهم: إذا انتهيتم إلى باب القرية فاسجدوا وقولوا: حطة تنحط عنكم خطاياكم، فأما المحسنون ففعلوا ما امروا به، وأما الذين ظلموا فزعموا حنطة حمراء فبدلوا فأنزل الله تعالى رجزا. بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: ” وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا


(1) مخطوط. (2) الضمير يرجع إلى موسى عليه السلام، وانما اطلق الاب عليهما مجازا لان موسى كان من ولد لاوى بن يعقوب. (3) مخطوط.

[ 179 ]

منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا “: أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية ههنا بيت المقدس، ويؤيده قوله في موضع آخر: ” ادخلوا الارض المقدسة ” وقال ابن زيد: إنها أريحا قرية قرب بيت المقدس، وكان فيها بقايا من قوم عاد، فيهم عوج بن عنق، والباب قيل هو باب حطة من بيت المقدس وهو الباب الثامن، عن مجاهد، وقيل: باب القبة التي يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل، وقال قوم: هو باب القرية التي امروا بدخولها، وقال الجبائي: والآية على باب القبة أدل لانهم لم يدخلوا القرية في حياة موسى، وآخر الآية يدل على أنهم كانوا يدخلون على غير ما امروا به في أيام موسى. وقوله: ” سجدا ” قيل: معناه: ركعا، وهو شدة الانحناء، عن ابن عباس، وقال غيره: إن معناه: ادخلوا خاضعين متواضعين، وقيل: معناه: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا لله سبحانه شكرا، عن وهب ” وقولوا حطة ” قال أكثر أهل العلم: معناه: حط عنا ذنوبنا وهو أمر بالاستغفار، وقال ابن عباس: امروا أن يقولوا هذا الامر حق، وقال عكرمة: امروا أن يقولوا: لا إله إلا الله لانها تحط الذنوب، واختلف في تبديلهم فقيل: إنهم قالوا بالسريانية: حطا سمقاثا، (1) معناه: حنطة حمراء فيها شعيرة، وكان قصدهم في ذلك الاستهزاء ومخالفة الامر، وقيل: إنهم قالوا: حنطة تجاهلا واستهزاء، وكانوا امروا أن يدخلوا الباب سجدا وطوطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك فدخلوه زاحفين على أستاههم. قوله: ” رجزا ” أي عذابا، وقال ابن زيد: هلكوا بالطاعون فمات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم. (2) 9 – شى: عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام أن رأس المهدي يهدى إلى موسى بن عيسى على طبق، قلت: فقد مات هذا وهذا، (3) قال: فقد قال الله: ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” فلم يدخلوها ودخلها الابناء – أو قال أبناء الابناء – (4) فكان ذلك دخولهم،


(1) في المصدر: هاطا سماقاتا، وقال بعضهم: حطا سماقاتا. (2) مجمع البيان 1: 118 – 120. (3) أي كيف يكون ذلك وقد ماتا هما وهذا حى ؟. (4) الترديد من الراوى.

[ 180 ]

فقلت: أو ترى أن الذي قال في المهدي وفي ابن عيسى يكون مثل هذا ؟ فقال: نعم يكون في أولادهم، (1) فقلت: ما ينكر أن يكون ما كان في ابن الحسن يكون في ولده ؟ قال: ليس ذاك مثل ذا. (2) 10 – شى: عن حريز، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى لا تخطؤون طريقهم، ولا يخطئكم سنة بني إسرائيل. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: قال موسى لقومه: ” يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” فردوا عليه وكانوا ستمائة ألف، فقالوا: يا موسى ” إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ” أحدهما يوشع بن نون، والآخر كالب بن يافنا، قال: وهما ابنا عمه فقالا: ” ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه ” إلى قوله: ” إنا ههنا قاعدون ” قال: فعصى أربعون ألفا، وسلم هارون وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يافنا، فسماهم الله فاسقين فقال: ” لا تأس على القوم الفاسقين ” فتاهوا أربعين سنة لانهم عصوا فكان حذو النعل بالنعل، إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض لم يكن على أمر الله إلا علي والحسن والحسين وسلمان والمقداد وأبو ذر، فمكثوا أربعين حتى قام علي فقاتل من خالفه. (3) بيان: القذة: ريش السهم. وقوله: (وسلم هارون) أي التسليم الكامل. ولعله عليه السلام حسب الاربعين من زمان إظهار النبي صلى الله عليه وآله خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وإنكار المنافقين ذلك بقلوبهم حتى أظهروه بعد وفاته صلى الله عليه وآله. 11 – شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: ” يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” قال: كتبها لهم ثم محاها. (4)


(1) في البرهان: في أولادهما. قلت: ولعل الصحيح: في أولاده. (2) مخطوط. (3) مخطوط، أخرجه البحراني أيضا في البرهان 1: 456 وفيه: كالب بن يوفنا. (4) مخطوط.

[ 181 ]

12 – شى: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لي: إن بني إسرائيل قال لهم ” ادخلوا الارض المقدسة ” فلم يدخلوها حتى حرمها عليهم وعلى أبنائهم، وإنما دخلها أبناء الابناء. (1) 13 – شى: عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له، أصلحك الله ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” أكان كتبها لهم ؟ قال: إي والله لقد كتبها لهم ثم بدا له لا يدخلوها. (2) قال: ثم ابتدأ هو فقال: إن الصلاة كانت ركعتين عند الله فجعلها للمسافر وزاد للمقيم ركعتين فجعلها أربعا. (3) 14 – شى: عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن قول الله: ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” قال: كتبها لهم ثم محاها ثم كتبها لابنائهم فدخلوها، والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب. (4) 15 – شى: عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر أهل مصر وذكر قوم موسى وقولهم: ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” فحرمها الله عليهم أربعين سنة وتيههم، فكان إذا كان العشاء أخذوا في الرحيل ونادوا: الرحيل الرحيل، الوحى الوحى، (5) فلم يزالوا كذلك حتى تغيب الشفق حتى إذا ارتحلوا واستوت بهم الارض قال الله للارض: ديري بهم، فلم يزالوا كذلك حتى إذا أسحروا وقارب الصبح قالوا: إن هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا، فإذا أصبحوا إذا أبنيتهم ومنازلهم التي كانوا فيها بالامس فيقول بعضهم لبعض: يا قوم لقد ظللتم وأخطأتم الطريق، فلم يزالوا كذلك حتى أذن الله لهم فدخلوها وقد كان كتبها لهم. (6) 16 – شى: عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: نعم الارض الشام وبئس القوم أهلها، وبئس البلاد مصر، أما إنها سجن


(1 و 3 و 4) مخطوط. (2) تقدم معنى البداء في ج 4 ص 92 راجعه. (5) الوحى الوحى أي البدار البدار. (6) مخطوط. وقد أخرجه وما قبله وما بعده البحراني أيضا في تفسير البرهان 1: 456 و 457.

[ 182 ]

من سخط الله عليه، ولم يكن دخول بني إسرائيل مصر إلا من سخط ومعصية منهم لله، لان الله قال: ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” يعني الشام فأبوا أن يدخلوها فتاهوا في الارض أربعين سنة في مصر وفيا فيها، ثم دخلوها بعد أربعين سنة، قال: وما كان خروجهم من مصر ودخولهم الشام إلا من بعد توبتهم ورضى الله عنهم، وقال: إني لاكره أن آكل من شئ طبخ في فخارها، وما احب أن أغسل رأسي من طينها مخافة أن يورثني ترابها الذل ويذهب بغيرتي. (1) 17 – شى: عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” قال: كان في علمه أنهم سيعصون ويتيهون أربعين سنة ثم يدخلونها بعد تحريمه إياها عليهم. (2) 18 – يب: قال الصادق عليه السلام: نومة الغداة مشومة تطرد الرزق، وتصفر اللون وتغيره وتقبحه، وهو نوم كل مشوم، إن الله تعالى يقسم الارزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإياكم وتلك النومة، وكان المن والسلوى ينزل على بني إسرائيل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن نام تلك الساعة لم ينزل نصيبه، وكان إذا انتبه فلا يرى نصيبه احتاج إلى السؤال والطلب. (3) 19 – م: قوله عزوجل: ” وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ” قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: واذكروا يا بني إسرائيل إذ ظللنا عليكم الغمام لما كنتم في التيه تقيكم حر الشمس وبرد القمر ” وأنزلنا عليكم المن والسلوى ” المن: الترنجبين كان يسقط على شجرهم فيتناولونه، والسلوى: السمانى أطيب طير لحما يسترسل لهم فيصطادونه، قال الله عزوجل لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا نعمتي وعظموا من عظمته، ووقروا من وقرته ممن أخذت عليكم العهود والمواثيق لهم محمد وآله الطيبين. قال الله عزوجل: وما ظلمونا لما بدلوا وقالوا غير ما به امروا ولم يفوا بما عليه عوهدوا لان


(1 و 2) تفسير العياشي: مخطوط. (3) التهذيب 1: 174 – 175.

[ 183 ]

كفر الكافر (1) لا يقدح في سلطاننا وممالكنا، كما أن إيمان المؤمن (2) لا يزيد في سلطاننا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يضرون بها لكفرهم وتبديلهم، ثم قال (3) رسول الله صلى الله عليه وآله: عباد الله عليكم باعتقاد ولايتنا أهل البيت ولا تفرقوا بيننا، وانظروا كيف وسع الله عليكم حيث أوضح لكم الحجة ليسهل عليكم معرفة الحق، ثم وسع لكم في التقية لتسلموا من شرور الخلق، ثم إن بدلتم وغيرتم عرض عليكم التوبة وقبلها منكم، فكونوا لنعماء الله من الشاكرين. (4) ثم قال الله عزوجل: ” وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ” إلى قوله تعالى: ” ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا لاسلافكم: ادخلوا هذه القرية وهي أريحا من بلاد الشام، وذلك حين خرجوا من التيه، ” فكلوا منها ” من القرية ” حيث شئتم رغدا ” واسعا بلا تعب ” وادخلوا الباب ” القرية ” سجدا ” مثل الله تعالى على الباب مثال محمد وعلي وأمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك المثال، وأن يجددوا على أنفسهم بيعتهما وذكر موالاتهما، وليذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم لهما، ” وقولوا حطة ” أي قولوا: إن سجودنا لله تعظيما لمثال محمد وعلي، واعتقادنا لولايتهما حطة لذنوبنا ومحو لسيئاتنا، قال الله تعالى: ” نغفر لكم ” أي بهذا الفعل ” خطاياكم ” السالفة، ونزيل عنكم آثامكم الماضية ” وسنزيد المحسنين ” من كان فيكم (5) لم يقارف الذنوب التي قارفها من خالف الولاية، وثبت على ما أعطى الله من نفسه من عهد الولاية فإنا نزيدهم بهذا الفعل زيادة درجات ومثوبات، وذلك قوله عزوجل: ” وسنزيد المحسنين “. قوله عزوجل: ” فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ” أي لم يسجدوا كما امروا، ولا قالوا ما امروا، ولكن دخلوها من مستقبليها بأستاههم وقالوا: هنطا سمقانا، (6) أي حنطة حمراء ينقونها أحب إلينا من هذا الفعل وهذا القول، قال الله


(1) في نسخة: كفر الكافرين. (2) في نسخة: ايمان المؤمنين. (3) في المصدر: ثم قال: قال. وهو الصحيح. (4) في المصدر: وفى نسخة من الكتاب: فكونوا النعماء الله الشاكرين. (5) في المصدر: من كان منكم. (6) في نسخة من المصدر: هطا سمقانا.

[ 184 ]

عزوجل: ” فأنزلنا على الذين ظلموا ” غيروا وبدلوا ما قيل لهم ولم ينقادوا لولاية محمد وعلي وآلهما الطيبين ” رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ” يخرجون عن أمر الله وطاعته قال: والرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون ألفا، وهم من علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون، ولم ينزل هذا الرجز على من علم أنه يتوب أو يخرج من صلبه ذرية طيبة يوحد (1) الله ويؤمن بمحمد ويعرف الولاية لعلي وصيه وأخيه، ثم قال الله تعالى: ” وإذ استسقى موسى لقومه ” قال: واذكروا يا بني إسرائيل إذ استسقى موسى لقومه طلب لهم السقي (2) لما لحقهم العطش في التيه، وضجوا بالبكاء إلى موسى وقالوا: هلكنا بالعطش، (3) فقال موسى: ” إلهي بحق محمد سيد الانبياء، وبحق علي سيد الاوصياء، وبحق فاطمة سيدة النساء، وبحق الحسن سيد الاولياء، وبحق الحسين سيد الشهداء، وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الازكياء لما سقيت عبادك هؤلاء ” فأوحى الله تعالى: يا موسى ” اضرب بعصاك الحجر ” فضربه بها ” فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل اناس ” كل قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب ” مشربهم ” فلا يزاحم الآخرين في مشربهم، قال الله تعالى: ” كلوا واشربوا من رزق الله ” الذي آتاكموه ” ولا تعثوا في الارض مفسدين ” ولا تسعوا فيها وأنتم مفسدون عاصون. ثم قال الله عزوجل: ” وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ” اذكروا إذ قال أسلافكم: لن نصبر على طعام واحد: المن والسلوى، ولابد لنا من خلط معه ” فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ” قال موسى: ” أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ” يريد: أتستدعون الادنى (4) ليكون لكم بدلا من الافضل، ثم قال: ” اهبطوا مصرا ” من الامصار من هذه التيه (5) ” فإن لكم ما سألتم ” في المصر.


(1) في المصدر: ” توحد ” بالتأنيت وكذا ما بعده. (2) في نسخة وفى المصدر: طلب لهم السقيا، قلت: السقيا: اسم من السقى. والاستسقاء. (3) في المصدر: أهلكنا العطش. (4) في نسخة: أتستدعون الادون. (5) في المصدر: ثم قال: اهبطوا مصرا من هذا التيه.

[ 185 ]

ثم قال الله عزوجل: ” وضربت عليهم الذلة ” أي الجزية اخزوا (1) بها عند ربهم وعند مؤمني عباده ” والمسكنة ” هي الفقر والذلة ” وباءوا بغضب من الله ” احتملوا الغضب واللعنة من الله ” ذلك بأنهم كانوا ” ذلك الذي لحقهم من الذلة والمسكنة واحتملوا من غضب الله بأنهم كانوا ” يكفرون بآيات الله ” قبل أن ضرب عليهم هذه الذلة والمسكنة ” ويقتلون النبيين بغير الحق ” وكانوا يقتلونهم بغير حق بلا جرم كان منهم إليهم ولا إلى غيرهم ” ذلك بما عصوا ” ذلك الخذلان الذي استولى عليهم حتى فعلوا الآثام التي من أجلها ضربت عليهم الذلة والمسكنة وبأووا بغضب من الله بما عصوا ” وكانوا يعتدون ” يتجاوزون أمر الله إلى أمر إبليس. (2) 20 – كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن القائم عليه السلام إذا قام بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران – وهو وقر بعير – (3) فلا ينزل منزلا إلا انبعث عين منه، فمن كان جائعا شبع، ومن كان ظامئا روي، فهو زادهم حتى ينزل النجف من ظهر الكوفة. (4) 21 – م: أقبل رسول الله على اليهود وقال: احذروا أن ينالكم بخلاف أمر الله وخلاف كتاب الله ما أصاب أوائلكم الذين قال الله فيهم: ” فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ” وامروا بأن يقولوه، فقال الله تعالى: ” فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ” عذابا ” من السماء ” طاعونا نزل بهم فمات منهم مائة وعشرون ألفا، ثم أخذهم بعد ذلك فمات منهم مائة وعشرون ألفا أيضا، وكان خلافهم أنهم لما أن بلغوا الباب رأوا بابا مرتفعا فقالوا: ما بالنا نحتاج إلى أن نركع عند الدخول ههنا ؟ ظننا أنه باب منحط (5) لابد من


(1) في نسخة: ” خذوا ” ولعله تصحيف ” خزوا “. (2) تفسير العسكري: 102 – 105. (3) أي حمل بعير. (4) الاصول: 231. (5) في نسخة وفى المصدر: باب متطأمن أي منخفض.

[ 186 ]

الركوع فيه، وهذا باب مرتفع إلى متى يسخر بنا هؤلاء ؟ – يعنون موسى ويوشع بن نون – ويسجدوننا في الاباطيل ؟ وجعلوا أستاههم نحو الباب وقالوا بدل قولهم حطة الذي امروا به ” حطا سمقانا ” يعنون حنطة حمراء، فذلك تبديلهم. (1) تتميم: (2) قال الثعلبي: إن الله عزوجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الارض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون. وهم العمالقة من ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وعد الله موسى أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله بالسير إلى أريحا أرض الشام (3) وهي الارض المقدسة، وقال: يا موسى إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا (4) من كل سبط نقيبا ليكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما امروا به، فاختار موسى النقباء من كل سبط نقيبا وأمره عليهم، (5) فسار موسى عليه السلام ببني إسرائيل قاصدين أريحا فبعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها وحال أهلها، فلقيهم رجلا من الجبارين يقال له عوج بن عناق، (6) قال ابن عمر: كان طول عوج ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاث


(1) تفسير العسكري: 227. (2) هنا زيادة في نسخة مخطوطة ليست في المطبوعة أصلا، وقد خط عليها في نسخة مخطوطة اخرى بعدما كتبت، وهى: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (ادخلوا الارض المقدسة): هي بيت المقدس عن ابن عباس والسدى وابن زيد، وقيل: هي دمشق وفلسطين وبعض الاردن، عن الزجاج والفراء، وقيل: هي الشام، عن قتادة، وقيل: هي أرض الطور وما حوله، عن مجاهد، و المقدسة المطهرة طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للانبياء والمؤمنين ” التى كتب الله لكم ” أي كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم، وقيل: معناه: وهب الله لكم، عن ابن عباس، وقيل: معناه: أمركم الله بدخوله، عن قتادة والسدى. فان قيل: كيف كتب لهم مع أنه حرمها عليهم ؟ فجوابه أنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمها عليهم، عن ابن اسحاق، وقيل: ان المراد به الخصوص وان كان الكلام على العموم فصار كأنه مكتوب لبعضهم حرام على البعض، والذين كتب لهم هم الذين كانوا مع يوشع بن نون بعد موت موسى بشهرين. (3) في المصدر: من أرض الشام. (4) ذكر اليعقوبي في تاريخه أسماء النقباء وعدد من كان معهم من بنى اسرائيل راجعه. (5) أي جعله أميرا عليهم. (6) في المصدر: عوج بن عنق.

[ 187 ]

وثلاثين ذراعا وثلث ذراع بذراع الملك، (1) وكان عوج يحتجر (2) بالسحاب ويشرب، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله !. (3) ويروى أنه أتى نوحا عليه السلام أيام الطوفان فقال له: احملني معك في سفينتك، فقال له: اذهب يا عدو الله فإني لم اومر بك، وطبق الماء ما على الارض من جبل وما جاوز ركبتي عوج ! وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، وكان لموسى عليه السلام عسكر فرسخ في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم، ثم أتى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله تعالى إليه الهدهد ومعه المسن – يعني منقاره – (4) حتى قور الصخرة فانتقبت (5) فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع ونزا في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالارض فقتله. قالوا: فأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر فجهدوا حتى جزوا رأسه، فلما قتل وقع على نيل مصر فجسرهم سنة، قالوا: وكانت امه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم عليه السلام من صلبه، (6) فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم


(1) المصدر خال عن (ثلث ذراع) والمذكور فيه هكذا: ثلاثة وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا بالذراع الاول. (2) في المصدر: يحتجز بالسحب ويشرب منه الماء. قال المصنف في الهامش: يحجر اما بالمهملة قال في القاموس: احتجر به: التجأ واستعاذ، أو بالمعجمة قال الجوهرى: احتجز الرجل بازار: شده على وسطه، أي كان السحاب في وسطه، والاول أظهر. (3) هذا وما بعده من أساطير العامة ولم يرد بطرقنا في ذلك شئ. (4) قال الفيروز آبادى: سن السكين: أحده. وكل ما يسن به أو عليه مسن، وقال: السنة بالسكر الفأس: منه قدس سره. (5) في المصدر: فبعث الله عليه الهدهد ومعه الطيور فجعلت تنقر بمناقيرها حتى قورت الصخرة و انثقبت. قلت: قور الشئ: قطعه من وسطه خرقا مستديرا. (6) توجد في المصدر المطبوع بمصر نقيصة من قوله: ” فلما لقيهم ” إلى قول موسى: عليه السلام فيما يأتي ” رب انى لا أملك “.

[ 188 ]

يريدون قتالنا، فطرحهم بين يديها، وقال: ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت امرأته: لا بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فجعلوا يتعرفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بالخشب ! ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة ! فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم شكوا وارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموا شأنهم وأخبروا موسى وهارون فيريان فيه رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك، ثم انصرفوا إلى موسى عليه السلام بعد أربعين يوما وجاؤوا بحبة من عنبهم وقر رجل، وأخبروا بما رأوا، ثم إنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه وقريبه عن قتالهم ويخبرهم بما رأوا من حالهم إلا رجلان منهم وفيا بما قالا: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على اخته مريم، فلما سمع القوم ذلك من الجواسيس رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله القرية فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لاصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم: ” قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين ” قال قتادة: كانت لهم أجسام طويلة وخلقة عجيبة ليست لغيرهم ” وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ” فقال لهم موسى: ” ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم ” فإن الله عزوجل سيفتحها عليكم، وإن الذي أنجاكم وفلق البحر هو الذي يظهركم عليهم فلم يقبلوا وردوا عليه أمره وهموا بالانصراف إلى مصر، فخرق يوشع وكالب ثيابهما و هما اللذان أخبر الله عزوجل عنهما في قوله: ” قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ” بالتوفيق والعصمة ” ادخلوا عليهم الباب ” يعني قرية الجبارين ” فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ” لان الله عزوجل منجز وعده، وإنا رأيناهم وخبرناهم فكانت أجسامهم قوية وقلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم ” وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ” فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصرهما، وقالوا: ” يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” فغضب موسى ودعا عليهم فقال: ” رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ” أي فاقض وافصل بيننا وبين القوم


[ 189 ]

العاصين، وكانت عجلة عجلها موسى عليه السلام فظهر الغمام على باب قبة الزمر، (1) فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إلى متى يعصيني هذا الشعب ؟ وإلى متى لا يصدقون بالآيات ؟ لاهلكنهم جميعا ولاجعلن لك شعبا أقوى وأكثر منهم. فقال موسى: إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الامم الذين سمعوا: إنما قتل هذا الشعب (2) من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الارض المقدسة فقتلهم في البرية، وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الابناء والابناء على الآباء فاغفر لهم ولا توبقهم، فقال الله عزوجل: قد غفرت لهم بكلمتك ولكن بعدما سميتهم فاسقين ودعوت عليهم، بي حلفت لاحر من عليهم دخول الارض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولاتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم من الايام التي تجسسوا فيها سنة، وكانت أربعين يوما، ولنلقين جيفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين لم يعلموا (3) الخير والشر فإنهم يدخلون الارض المقدسة، فذلك قوله تعالى: ” فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ” في ستة فراسخ، (4) وكانوا ستمائة ألف مقاتل، فكانوا يسيرون كل يوم جادين حتى إذا أمسوا وباتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه، ومات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة، وكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا: ” إنا لن ندخلها أبدا ” فلما هلكوا وانقضت الاربعون السنة ونشأت النواشي من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين، وفتح الله لهم.


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر: قبة موسى، وفى دعاء السمات: قبة الرمان، وفى نسخة قبة الزمان، قيل: المراد بتلك القبة هو الخبأ المحضر، ويسميها أهل التوراة الخيمة المقدسة و قدس الاقداس، وكانت محل تابوت الشهادة ومعبدهم. ويأتى ذكرها في كلام الثعلبي. (2) الشعب بالفتح: القبيلة العظيمة ذكره الفيروز آبادى. منه رحمه الله. (3) في المصدر: وليأتينهم حتفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين لم يعصونى ولم يعلموا الخير ولا الشر اه‍. (4) في المصدر: فانها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الارض متحيرين فلا تأس على القوم الفاسقين، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ.

[ 190 ]

* * * * (وفى ذكر النعم (1) التى انعم الله تعالى على بنى اسرائيل في التيه) * قال الله سبحانه: ” يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي الذي أنعمت عليكم ” أي على أجدادكم وأسلافكم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى فلق البحر لهم، وأنجاهم من فرعون، و أهلك عدوهم، وأورثهم ديارهم وأموالهم، وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كل شئ يحتاجون إليه، وأعطاهم ما أعطاهم في التيه، وذلك أنهم قالوا لموسى في التيه: أهلكتنا وأخرجتنا من العمران والبنيان إلى مفازة لا ظل فيها ولاكن (2) فأنزل الله تعالى عليهم غماما أبيض رقيقا وليس بغمام المطر أرق وأطيب (3) وأبرد منه فأظلهم، وكان يسير معهم إذا ساروا، ويدوم عليهم (4) من فوقهم إذا نزلوا، فذلك قوله تعالى: ” وظللنا عليكم الغمام ” يعني في التيه تقيكم من حر الشمس، ومنها أنه جعل لهم عمودا من نور يضئ لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، فقالوا: هذا الظل والنور قد حصل فأين الطعام ؟ فأنزل الله تعالى عليهم المن، واختلفوا فيه فقال مجاهد: هو شئ كالصمغ كان يقع على الاشجار وطعمه كالشهد، وقال الضحاك: هو الترنجبين، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وقال السدي: هو عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه، وقال عكرمة: هو شئ أنزله الله عليهم مثل الرب الغليظ، وقال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به مما لا تعب فيه ولا نصب، كقول النبي صلى الله عليه وآله: ” الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين (5)) قالوا: وكان ينزل عليهم هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع كل ليلة، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن حلاوته فادع لنا ربك يطعمنا اللحم، فدعا موسى عليه السلام فأنزل الله عليهم السلوى.


(1) في المصدر: باب في ذكر النعم. (2) الكن بالكسر: البيت. وقاء كل شئ وستره. (3) في المصدر: بل أرق وأطيب. (4) في المصدر: وتدور عليهم. (5) تقدم من اليعقوبي أنه كان مثل حب الكسبرة كانوا يطحنونه ويجعلونه ارغفة.

[ 191 ]

واختلفوا فيه: فقال ابن عباس وأكثر الناس: هو طائر يشبه السمانى، وقال أبو العالية ومقاتل: هي طير حمر بعث الله سبحانه سحابة فمطرت السمانى عليهم في عرض ميل (1) وقدر طول رمح في السماء بعضها على بعض وكانت السماء تمطر عليهم ذلك، وقيل: كانت طيرا مثل فراخ الحمام طيبا وسمنا قد تمعط (2) ريشها وزغبها فكانت الريح تأتي بها إليهم فيصبحون وهو في معسكرهم، وقيل: إنها طير كانت تأتيهم فتسترسل لهم فيأخذونها بأيديهم، وقال عكرمة: هي طير تكون بالهند أكبر من العصفور، وقيل: (3) هو العسل بلغة كنانة، فكان الله تعالى يرسل عليهم المن والسلوى فيأخذ كل واحد منهما (4) ما يكفيه يوما وليلة، فإذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه يومين، لانه لم يكن ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ” وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا ” أي وقلنا لهم: كلوا ” من طيبات ” حلالات ” ما رزقناكم ” ولا تدخروا لغد، فخبوا لغد وتدود وفسد ما ادخروا وقطع الله عنهم ذلك، قال الله تعالى: ” وما ظلمونا ” أي ما يضرونا بالمعصية ومخالفة الامر ” ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ” يضرون باستيجابهم قطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤونة ولا مشقة في الدنيا، ولا حساب ولا تبعة في العقبى. ومنها أنهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب ؟ فاستسقى لهم موسى عليه السلام فأوحى الله سبحانه إليه: ” أن اضرب بعصاك الحجر ” واختلف العلماء فيه فقال وهب: كان موسى عليه السلام يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فتنفجر عيونا، لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا، ثم تسيل كل عين في جدول إلى سبط، فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى الله عزوجل إلى موسى: لا تقرعن الحجارة بالعصا ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون، وكان يفعل ذلك، فقالوا: كيف بنا لو افضينا إلى الوحل وإلى الارض التي ليست فيها حجارة ؟ فأمر موسى فحمل معه حجرا فحيث ما نزلوا ألقاه.


(1) هكذا في النسخ وفيه تصحيف، والصواب ما في المصدر وهو هكذا: هو طير أحمر بعثه الله عليهم فأمر به السماء في عرض ميل. (2) أي تساقط. والزغب: أول ما يبدو من الريش أو الشعر. (3) في المصدر: وقال المؤرخ، وهو وهم والصحيح ” مؤرج ” بالجيم، وهو عمرو بن الحارث أبو فيد السدوسى، سمى بذلك لتأريجه الحرب بين بكر وتغلب. (4) في المصدر: وكان أحدهم يأخذ ما يكفيه يومه وليلته.

[ 192 ]

وقال الآخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه والدليل عليه قوله: ” الحجر ” فادخل الالف واللام للتعريف والتخصيص مثل قولك: رأيت الرجل. ثم اختلفوا في ذلك الحجر ما هو ؟ فقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل، امر أن يحمله فكان يضع في مخلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء ألفاه (1) وضربه بعصاه فسقاهم، وقال أبوروق: (2) كان الحجر من الكدان وهو حجارة رخوة كالمدر وكان فيه اثنا عشر حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب فيأخذونه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف. ومنها أنهم قالوا لموسى في التيه: من أين لنا اللباس ؟ فجدد الله لهم ثيابهم التي كانت عليهم حتى لا تزيد على كرور الايام ومرور الاعوام إلا جدة وطراوة ولا تخلق ولا تبلى، وتنمو على صبيانهم كما ينمون. انتهى. (3) اقول: لا يخفى عليك مما أوردنا في تلك الابواب أن موسى وهارون عليهما السلام لم يخرجا من التيه، (4) وإن حجر موسى عليه السلام كان حجرا مخصوصا وهو عند قائمنا عليه السلام وسيأتي الاخبار في ذلك في كتاب الغيبة. وروى الثعلبي عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى أن يتخذ مسجدا لجماعتهم، وبيت المقدس للتوراة ولتابوت السكينة، وقبابا للقربان، وأن يجعل لذلك المسجد سرادقات ظاهرها وباطنها من الجلود الملبسة عليها، وتكون تلك الجلود من جلود ذبائح القربان، وحبالها التي تمد بها من أصواف تلك الذبائح، وعهد أن لا تغزل تلك الحبال حائض، وأن لا يدبغ تلك الجلود جنب، وأمره أن ينصب تلك السرادقات على عمد من نحاس طول كل عمود منها أربعون ذراعا، ويجعل منه (5) اثني عشر قسما مشرحا،


(1) في المصدر: أخرجه. (2) بفتح الراء وسكون الواو هو عطية بن الحارث الهمداني الكوفى صاحب التفسير. (3) عرائس الثعلبي 135 – 138 طبعة مصر. (4) بل توفى هارون أولا ثم موسى بعده. (5) في المصدر: ويجعل فيها.

[ 193 ]

فإذا انقضى وصار اثني عشر جزءا حمل كل جزء بما فيه من العمد سبط من أسباط بني إسرائيل، وأمره أن يجعل سعة تلك السرادقات ستمائة ذراع في ستمائة ذراع، وأن ينصب فيه سبع قباب ستة منها مشبكة بقضبان الذهب والفضة، كل واحدة منهن منصوبة على عمود من فضة طوله أربعون ذراعا وعليها أربعة دسوت (1) ثياب الباطن منها سندس أخضر (2) والثاني ارجوان أحمر، والثالث ديباج، والرابع من جلود القربان وقاية لها من المطر والغبار، وحبالها التي تمد بها من صوف القربان، وأن يجعل سعتها أربعين ذراعا، وأن ينصب في جوفها موائد (3) من فضة مربعة يوضع عليها القربان، سعة كل مائدة منهن ذراع في أربعة أذرع، كل مائدة على أربع قوائم من فضة، طول كل قائمة ثلاثة أذرع، لا ينال الرجال منها إلا قائما، وأمره أن ينصب بيت القدس (4) على عمود من ذهب طوله سبعون ذراعا وأن يضعه على سبيكة من ذهب طوله سبعون ذراعا مرصع بألوان الجواهر، وأن يجعل أسفله مشبكا بقضبان الذهب والفضة، وأن يجعل حبالها التي تمد بها من صوف القربان مصبوغا بألوان من أحمر وأصفر وأخضر، وأن يلبسه سبعة من الجلال: الباطن (5) منها سندس أخضر، والثاني ارجوان أحمر، والثالث أبيض وأصفر من الحرير، وسائرها من الديباج والوشي، والظاهر غاشية له (6) من جلود القربان وقاية من الاذى والندى، وأمره أن يجعل سعته سبعين ذراعا، وأن يفرش القباب بالقز الاحمر، فأمره أن ينصب فيه تابوتا من ذهب لتابوت الميثاق (7) مرصعا بألوان الجواهر والياقوت الاحمر والاكهب (8) والزمرد


(1) جمع الدست. الوسادة. (2) في المصدر: أربعة دسوت محلاه الباطن الاول سندس أخضر. (3) جمع المائدة: خوان الطعام. (4) في نسخة: بيت المقدس. (5) في المصدر: وأن يلبسه سبعة من الجلال محلاه الباطن، الاول منها سندس أخضر. قلت الجلال جمع الجل وهو للدابة وغيرها كالثوب للانسان تصان به. (6) في المصدر: والثالث من الديباج الاصفر، والرابع من الحرير الاصفر، وكذلك أثواب نحوها، وسائرها من الديباج والوشى، والظاهر له غاشية من جلود القربان. قلت: الوشى: نقش الثوب، الثياب الموشية، والثانى هو المراد هنا. (7) في المصدر: كتابوت الميثاق. (8) الكهبة: لون ليس بخالص الحمرة. قاله المصنف في الهامش. قال الفيروز آبادى: الكهبة بالضم: غبرة مشربة سوادا. وعد الثعالبي الاكهب من لواحق السواد، وقال في الوان متقاربة: الكهبة صفرة تضرب إلى حمرة. وفى المصدر: الاشهب.

[ 194 ]

الاخضر، وقوائمه من ذهب، وأن يجعل سعته تسعة أذرع (1) في أربعة أذرع، وسمكه قامة موسى، وأن يجعل له أربعة أبواب: باب يدخل منه الملائكة، وباب يدخل منه موسى بن عمران عليه السلام، وباب يدخل منه هارون عليه السلام وباب يدخل منه أولاد هارون، وهم سدنة ذلك البيت وخزان التابوت، وأمر الله سبحانه نبيه موسى عليه السلام أن يأخذ من كل محتلم (2) فصاعدا من بني إسرائيل مثقالا من ذهب فينفقه على هذا البيت وما فيه، وأن يجعل باقي المال الذي يحتاج من ذلك من الحلي والاموال التي ورثها موسى وأصحابه من فرعون وقومه، (3) ففعل موسى ذلك فبلغ عدد رجال بني إسرائيل ستمائة ألف وسبع مائة وثمانين. (4) رجلا فأخذ منهم ذلك المال، فأوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام إني منزل عليك من السماء نارا لا دخان لها ولا تحرق شيئا ولا تنطفئ أبدا لتأكل القرابين المتقبلة، ولتسرج منها القناديل التي في بيت المقدس، وهي من ذهب معلقة بسلاسل من ذهب منظومة باليواقيت واللآلي وأنواع الجواهر، وأمره أن يضع في وسط البيت صخرة عظيمة من رخام وينقر فيها نقرة لتكون كانون تلك النار التي تنزل فيها من السماء، فدعا موسى أخاه هارون فقال: إن الله قد اصطفاني بنار ينزلها من السماء لتأكل القرابين المقبولة، وليسرج منها في بيت المقدس، وأوصاني بها، وإني قد اصطفيتك لها، واوصيك بها، فدعا هارون ابنيه وقال لهما: إن الله تعالى قد اصطفى موسى بأمر وأوصاه به، وإنه اصطفاني له وأوصاني به وإني قد اصطفيتكما له واوصيكما به، وكان أولاد هارون هم الذين يلون


(1) في المصدر: سبعة أذرع. (2) أي بالغ، وفى المصدر: ” كل محتلم فيها ” أي في النوم، والظاهر أن كلمة (فيها) زائدة، وان المراد المعنى الاول، يدل عليه ما بعده. (3) كذا في النسخ والكلام ناقص. والصواب ما في المصدر وهو هكذا: وأن يحعل باقى المال الذى لا يحتاج إليه من الحلى والحلل التى ورثها الله بنى اسرائيل وموسى وأصحابه من فرعون و قومه دفينا في أرض بيت المقدس. (4) في المصدر: ستمائة ألف وسبعة وخمسين رجلا. وفى تاريخ اليعقوبي: وكان عددهم ممن بلغ العشرين سنة فما فوقها إلى الستين ممن يحمل السلاح ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة و خمسين رجلا.

[ 195 ]

سدانة بيت القدس، (1) وأمر القربان والنيران. (2) بيان: كما أن سدانة بيت القدس (3) والنار التي نزلت من السماء ومعابد بني إسرائيل كانت لاولاد هارون عليه السلام فكذلك سدانة الكعبة وبيوت العلم والحكمة وأنوار العلم والمعرفة التي نزلت من السماء ولم يكن فيها دخان الشك والشبهة ومثل الله بها في آية النور لاولاد أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو من النبي صلى الله عليه وآله كهارون من موسى، سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. * (باب 7) * * (نزول التوراة، وسؤال الرؤية، وعبادة العجل وما يتعلق بها) * الايات، البقرة ” 2 ” وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون * وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون * وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتربوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم * وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون 51 – 56 ” وقال تعالى “: وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين 63 – 64. ” وقال تعالى “: ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا


(1 و 3) في نسخة: بيت المقدس. (2) عرائس الثعلبي: 132 – 133. وسدانة البيت: خدمتها. والسادن: الخادم والبواب والحاجب.

[ 196 ]

سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين 92 – 93. النساء ” 4 ” يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا * ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا 153 – 154. المائدة ” 5 ” ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل 12 ” وقال تعالى “: إنا أنزلنا التورية فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا الربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء 54. الاعراف ” 7 ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لاخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين * ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين * قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين * وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ساريكم دار الفاسقين 142 – 145. ” وقال تعالى “: واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين * ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين * ولما رجع موسى إلى قومه غضبان


[ 197 ]

أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الاعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين * قال رب اغفر لي ولاخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا وكذلك نجزي المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم * ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الالواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون * واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي اصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم بآياتنا يؤمنون 147 – 156 ” وقال تعالى “: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون 171. طه ” 20 ” يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى * وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى * وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم اولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى * قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري * فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي * قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا * ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى * قال


[ 198 ]

يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري * قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي * قال فما خطبك يا سامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحيوة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا * إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما 80 – 98. القصص ” 28 ” ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون 43. الطور ” 52 ” والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور 1 – 3. النجم ” 53 ” أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر اخرى * وأن ليس للانسان إلا ما سعى 36 – 39. الاعلى ” 87 ” إن هذا لفي الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى 18 و 19. تفسير: قال الطبرسي: ” وإذ واعدنا موسى ” أن نؤتيه الالواح على رأس أربعين ليلة، أو عند انقضاء أربعين ليلة. قال المفسرون: لما عاد بنو إسرائل إلى مصر بعد إنجائهم من البحر وهلاك فرعون وقومه وعدهم الله إنزال التوراة والشرائع، فخلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الالواح ” ثم اتخذتم العجل ” إلها ” من بعده ” أي من بعد غيبة موسى، أو من بعد وعد الله إياكم بالتوراة، أو من بعد غرق فرعون وما رأيتم من الآيات ” وأنتم ظالمون ” أي مضرون بأنفسكم ” والفرقان ” هي التوراة أيضا أو انفراق البحر أو الفرق بين الحلال والحرام ” إلى بارئكم ” أي خالقكم ومنشئكم ” فاقتلوا أنفسكم ” أي ليقتل بعضكم بعضا بقتل البرئ المجرم، وقيل: أي استسلموا للقتل، واختلفوا في المأمور بالقتل فروي أن موسى عليه السلام أمرهم أن يقوموا صفين فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم، وجاء هارون باثني عشر ألفا ممن لم يعبد العجل ومعهم الشفار المرهفة (1) وكانوا


(1) الشفار جمع الشفرة: السكين العظيمة العريضة. سيف مرهف: محدد مرقق الحد.

[ 199 ]

يقتلونهم، فلما قتلوا سبعين ألفا تاب الله على الباقين، وجعل قتل الماضين شهادة لهم، وقيل إن السبعين الذين كانوا مع موسى في الطور هم الذين قتلوا ممن عبد العجل سبعين ألفا، وقيل: إنهم قاموا صفين فجعل يطعن بعضهم بعضا حتى قتلوا سبعين ألفا، وقيل: غشيتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا ثم انجلت الظلمة فأجلوا عن سبعين ألف قتيل. (1) وروي أن موسى وهارون وقفا يدعوان الله ويتضرعان إليه، وهم يقتل بعضهم بعضا حتى نزل الوحي برفع القتل وقبلت توبة من بقي، وذكر ابن جريح أن السبب في أمرهم بقتل أنفسهم أن الله علم أن ناسا منهم ممن لم يعبدوا العجل لم ينكروا عليهم ذلك مخافة القتل، مع علمهم بأن العجل باطل، فلذلك ابتلاهم الله بأن يقتل بعضهم بعضا ” ذلكم خير لكم ” إشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم. (2) ” لن نؤمن لك ” أي لن نصدقك في أنك نبي ” حتى نرى الله جهرة ” أي علانية فيخبرنا بذلك، أو لا نصدقك فيما تخبر به من صفات الله تعالى، وقيل: إنه لما جاءهم بالالواح قالوا ذلك، وقيل: إن ” جهرة ” صفة لخطابهم لموسى، إنهم جهروا به وأعلنوه ” فأخذتكم الصاعقة ” أي الموت ” وأنتم تنظرون ” إلى أسباب الموت، وقيل: إلى النار، واستدل البلخي بها على عدم جواز الرؤية على الله تعالى، ويؤكده قوله: ” فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ” وتدل هذه الآية على أن قول موسى عليه السلام ” رب أرني أنظر إليك ” كان سؤالا لقومه، لانه لا خلاف بين أهل التوراة أن موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية إلا دفعة واحدة وهي التي سألها لقومه. ” ثم بعثناكم من بعد موتكم ” أي أحييناكم لاستكمال آجالكم، وقيل: إنهم سألوا بعد الافاقة أن يبعثوا أنبياء، فبعثهم الله أنبياء، فالمعنى: بعثناكم أنبياء. (3)


(1) أجلوا عن القتيل: انفرجوا عنه. (2) مجمع البيان 1: 109 و 111 و 113. (3) وهو لا يصح، لان من كان في هذه الدرجة المنحطة من المعرفة وصدر منه هذا الذنب العظيم لا يليق الرسالة والنبوة وهى منصب إلهى ومقام شامخ لا يعطى الا من كان في أعلى مراتب العلم و أقصى درجة العرفان.

[ 200 ]

وأجمع المفسرون إلا شرذمة يسيرة أن الله تعالى لم يكن أمات موسى عليه السلام كما أمات قومه، ولكن غشي عليه بدلالة قوله تعالى: ” فلما أفاق ” واستدل بها على جواز الرجعة. (1) ” وإذ أخذنا ميثاقكم ” باتباع موسى والعمل بالتوراة ” ورفعنا فوقكم الطور ” قال أبو زيد: هذا حين رجع موسى من الطور فأتى بالالواح فقال لقومه: جئتكم بالالواح، وفيها التوراة والحلال والحرام فاعملوا بها، قالوا: ومن يقبل قولك ؟ فأرسل الله الملائكة حتى نتقوا الجبل (2) فوق رؤوسهم، فقال موسى عليه السلام: إن قبلتم ما أتيتكم به وإلا ارسل الجبل عليكم، فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين إلى الجبل، فمن ثم يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم. قيل: وهذا هو معنى أخذ الميثاق لان في هذه الحال قيل لهم: ” خذوا ما آتيناكم بقوة ” يعني التوراة بجد ويقين، وروى العياشي أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى: ” خذوا ما آتيناكم بقوة ” أبقوة بالابدان أو بقوة بالقلب ؟ فقال: بهما جميعا. ” واذكروا ما فيه ” الضمير لما آتينا، أي احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام ولا تنسوه، وقيل: اذكروا ما في تركه من العقوبة وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام وقيل: أي اعملوا بما فيه ولا تتركوه ” ثم توليتم ” أي نقضتم العهد الذي أخذناه عليكم ” فلولا فضل الله عليكم ” بالتوبة ” ورحمته ” بالتجاوز. (3) ” واسمعوا ” أي اقبلوا ما سمعتم واعملوا به، أو استمعوا لتسمعوا ” قالوا سمعنا و عصينا ” أي قالوا استهزاء: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، أو حالهم كحال من قال ذلك. (4) ” واشربوا في قلوبهم العجل (5) ” قال البيضاوي: أي تداخلهم حبه، ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شعفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن ” وفي قلوبهم ” بيان لمكان الاشراب، كقوله: ” إنما يأكلون في بطونهم نارا “.


(1) مجمع البيان 1: 114 و 115. (2) أي قلعوه. (3) مجمع البيان 1: 128. (4) مجمع البيان 1: 162 و 163. (5) قال السيد الرضى قدس الله روحه: هذه استعارة والمراد بها صفة قلوبهم بالمبالغة في حب العجل، فكأنها تشرب حبه فمازجها ممازجة المشروب وخالطها مخالطة الشئ الملذوذ، و حذف حب العجل لدلالة الكلام عليه، لان القلوب لا يصح وصفها بتشرب العجل على الحقيقة.

[ 201 ]

” بكفرهم ” أي بسبب كفرهم، وذلك لانهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه، فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري ” قل بئسما يأمركم به إيمانكم ” (1) بالتوراة، والمخصوص بالذم محذوف نحو هذا الامر أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث ” إن كنتم مؤمنين ” تقرير للقدح في دعواهم الايمان بالتوراة، وتقدير: إن كنتم مؤمنين بها ما أمركم بهذه القبائح ورخص لكم فيها إيمانكم بها، أو إن كنتم مؤمنين بها فبئس ما أمركم إيمانكم بها، فإن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الايمان بها لا يأمر به فإذن لستم بمؤمنين. (2) ” ميثاق بني إسرائيل ” قال الطبرسي: أي عهدهم المؤكد باليمين بإخلاص العبادة له والايمان برسله وما يأتون به من الشرائع ” وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ” أي أمرنا موسى بأن يبعث من الاسباط الاثني عشر اثني عشر رجلا كالطلائع يتجسسون ويأتون بني إسرائيل بأخبار أرض الشام وأهلها الجبارين، فاختار من كل سبط رجلا يكون لهم نقيبا، (3) أي أمينا كفيلا، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لما رأوا من شدة بأسهم و عظم خلقهم إلا رجلين: كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وقيل: معناه: أخذنا من كل سبط منهم ضمينا بما عقدنا عليهم الميثاق في أمر دينهم، أو رئيسا أو شهيدا على قومه، وقيل: إنهم بعثوا أنبياء ” وقال الله إني معكم ” الخطاب للنقباء أو لبني إسرائيل، أي إني معكم بالنصر والحفظ، إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي ” وعزرتموهم ” أي نصرتموهم، وقيل: عظمتموهم وأطعتموهم ” وأقرضتم الله ” أي أنفقتم في سبيل الله نفقة حسنة ” فمن كفر بعد ذلك ” أي بعد بعث النقباء وأخذ الميثاق ” فقد ضل سواء السبيل ” أي أخطأ قصد الطريق الواضح وزال عن منهاج الحق. (4)


(1) قال السيد: هذه استعارة لان الايمان على الحقيقة لا يصح عليه النطق، والامر انما يكون بالقول، فالمراد ان الايمان انما يكون دلالة على ضد الكفر والضلال، وترغيبا في اتباع الهدى والرشاد، وانه لا يكون ترغيبا في سفاهة ولا دلالة على ضلالة، فأقام تعالى ذكر الامر ههنا مقام ذكر الترغيب والدلالة على طريق المجاز والاستعارة، إذ كان المرغب في الشئ والمدلول عليه قد يفعله كما يفعله المأمور به والمندوب إليه. (2) انوار التنزيل 1: 31. (3) النقيب: شاهد القوم وضمينهم وعريفهم وسيدهم. (4) مجمع البيان 3: 171.

[ 202 ]

” فيها هدى ” أي بيان للحق ودلالة على الاحكام ” ونور ” أي ضياء لكل ما تشابه عليهم، وقيل: أي بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وآله حق. ” يحكم بها النبيون الذين أسلموا ” أي يحكم بالتوراة النبيون الذين أذعنوا لحكم الله وأقروا به ” للذين هادوا ” أي تابوا من الكفر، أو لليهود، واللام فيه متعلق بيحكم أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم ” والربانيون ” أي يحكم بها الربانيون الذين علت درجاتهم في العلم، وقيل: الذين يعملون بما يعلمون ” والاحبار ” العلماء الكبار ” بما استحفظوا ” أي بما استودعوا من كتاب الله، أو بما امروا بحفظ ذلك والقيام به وترك تضييعه ” وكانوا عليه شهداء ” أي رقباء لا يتركون أن يغير، أو يبينون ما يخفى منه. (1) ” اخلفني ” أي كن خليفتي ” في قومي وأصلح ” فيما بينهم، وأجر على طريقتك في الصلاح، أو أصلح فاسدهم ” ولا تتبع سبيل المفسدين ” أي لا تسلك طريقة العاصين، ولا تكن عونا للظالمين. ” قال رب أرني ” اختلف في وجه هذا السؤال على أقوال نذكر منها وجهين: أحدهما ما قاله الجمهور وهو الاقوى: إنه لم يسأل لنفسه وإنما سألها لقومه، حين قالوا: ” لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” ولذا قال عليه السلام: ” أتهلكنا بما فعل السفهاء منا “. وثانيهما: أنه لم يسأل الرؤية بالبصر، ولكن سأله أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة التي تضطره إلى المعرفة، ويستغني عن الاستدلال ” قال لن تراني ” أبدا ” فإن استقر مكانه ” علق رؤيته باستقرار الجبل الذي علمنا أنه لم يستقر من قبيل التعليق على المحال ” وخر موسى صعقا ” (2) أي سقط مغشيا عليه، وروي عن ابن عباس


(1) مجمع البيان 197 و 198. (2) قال السيد الرضى رضوان الله تعالى عليه في قوله عز اسمه: ” فلما تجلى ربه ” هذه استعارة على احد وجهى التأويل، وهو أن يكون المعنى: فلما حقق تعالى بمعرفته لحاضري الجبل بالايات التى أحدثها في الجبل زالت عنهم في العلم بحقيقته عوارض الشبه وخوالج الريب، وكان معرفته سبحانه تجلت لهم من غطاء أو برزت لهم من حجاب، وأما التأويل الاخر وهو أن يقدر في الكلام *

[ 203 ]

أنه قال: أخذته الغشية عشية الخميس يوم عرفة وأفاق عشية الجمعة، وفيه نزلت عليه التوراة، وقيل: معناه: خر ميتا ” فلما أفاق ” من صعقته ” قال سبحانك ” أي تنزيها لك عن أن يجوز عليك مالا يليق بك ” تبت إليك ” من التقدم في المسألة قبل الاذن فيها. وقيل: إنما قاله على وجه الانقطاع إلى الله سبحانه كما يذكر التسبيح والتهليل ونحو ذلك من الالفاظ عند ظهور الامور الجليلة ” وأنا أول المؤمنين ” بأنه لا يراك أحد من خلقك، عن ابن عباس. وروي مثله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: معناه: أنا أول من آمن وصدقك بأنك لا ترى. وقيل: أنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية. ” برسالاتي ” من غير كلام ” وبكلامي ” من غير رسالة، قيل: إنه سبحانه كلم موسى على الطور، وكلم نبينا عند سدرة المنتهى. ” فخذ ما آتيتك ” أي أعطيتك من التوراة وتمسك بما أمرتك ” وكن من الشاكرين ” أي من المعترفين بنعمتي القائمين بشكرها ” في الالواح ” يعني بالالواح التوراة، وقيل: كانت من خشب نزلت من السماء، وقيل: كانت من زمرد طولها عشرة أذرع، وقيل: كانت من زبرجدة خضراء وياقوته حمراء، وقيل: إنهما كانا لوحين. ” من كل شئ ” قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أنه أعطاه من كل شئ يحتاج إليه من أمر الدين مع ما أراه من الآيات ” موعظة ” هذا تفسير لقوله: ” كل شئ ” وبيان لبعض ما دخل تحته ” وتفصيلا لكل شئ ” يحتاج إليه في الدين من الاوامر والنواهي والحلال والحرام وغير ذلك ” يأخذوا بأحسنها ” أي بما فيها من أحسن المحاسن وهي الفرائض والنوافل، فإنها أحسن من المباحات، وقيل: بالناسخ دون المنسوخ، وقيل: المراد بالاحسن الحسن وكلها حسن. (1)


* محذوف هو سلطانه أو أمره سبحانه، ويكون تقدير الكلام: فلما تجلى أمر ربه أو سلطان ربه للجبل، ويكون ذلك مثل قوله: ” وجاء ربك ” أي جاء ملائكة ربك، أو أمر ربك، أو عقاب ربك وهذه استعارة من وجه آخر وهو من حيث وصف الامر أو السلطان بالتجلى وانما المتجلى حاملهما والوارد بهما. (1) مجمع البيان 4: 473 و 474 و 475 و 476 و 477.

[ 204 ]

” جسدا ” أي مجسدا لا روح فيه، وقيل: لحما ودما ” له خوار ” أي صوت، وفي كيفية خوار العجل مع أنه مصوغ من ذهب خلاف، فقيل: أخذ السامري قبضة من تراب أثر فرس جبرئيل عليه السلام يوم قطع البحر فقذف ذلك التراب في فم العجل فتحول لحما و ودما وكان ذلك معتادا غير خارق للعادة، وجاز أن يفعل الله ذلك بمجرى العادة، وقيل: إنه احتال بإدخال الريح كما تعمل هذه الآلات التي تصوت بالحيل ” إنه لا يكلمهم ” بما يجدي عليهم نفعا أو يدفع عنهم ضررا (1) ” ولا يهديهم سبيلا ” أي لا يهديهم إلى خير ليأتوه، ولا إلى شر ليجتنبوه ” اتخذوه ” أي إلها. (2) ” ولما سقط في أيديهم ” (3) قال البيضاوي: أي اشتد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها ” وألقى الالواح ” طرحها من شدة الغضب وفرط الزجر حمية للدين. (4) وقال الطبرسي: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يرحم الله أخي موسى، ليس المخبر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه وقد عرفت أن ما أخبره ربه حق، وإنه على ذلك لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وألقى الالواح. ” استضعفوني ” أي اتخذوني ضعيفا ” وكادوا يقتلونني ” أي هموا بقتلي ” فلا تشمت بي الاعداء ” أي لا تسرهم بأن تفعل ما يوهم ظاهره خلاف التعظيم ” مع القوم الظالمين ” أي مع عبدة العجل ومن جملتهم في إظهار الغضب والموجدة (5) ” وذلة في الحيوة الدنيا ” أي صغر النفس والمهانة،


(1) ويمكن أن يكون المعنى: أو لم يروا أنه لا ينطق كاحاد البشر ولا يتفوه بكلام بل يخرج منه صوت البقر فقط فكيف يكون هذا خالقا وهو أعجز من اضعف المخلوقين ؟. (2) مجمع البيان 4: 48. (3) انوار التنزيل 1: 172 و 174. (3) قال السيد الرضى قدس الله روحه: هذه استعارة ولا شئ على الحقيقة هناك سقط في ايديهم، ويقال: أسقط يديه وسقط في يديه بمعنى واحد، وذلك عندما يصيب الانسان من الابلاس لتروق البلاء وغلبة الاعداء، وربما قيل ذلك للنادم على فعل الشئ إذا وجد غب مضرته ووخيم عاقبته، والمعنى أن الامر المخوف حصل في أيديهم من مجنى ثمرة معاصيهم فوجدوه وجدان من هو في يده إذ كانت أيديهم في مكروهه. (4) أنوار التنزيل 1: 173 و 174. (5) الموجدة: الغضب.

[ 205 ]

أو الجزية، أو الاستسلام للقتل. (1) ” واختار موسى قومه ” اختلف في سبب اختياره إياهم ووقته، فقيل: إنه اختارهم حين خرج إلى الميقات ليكلمه الله سبحانه بحضرتهم ويعطيه التوراة فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لما لم يثقوا بخبره أن الله سبحانه يكلمه، فلما حضروا الميقات وسمعوا كلامه سألوا الرؤية فاصابتهم الصاعقة ثم أحياهم الله، وقيل: إنه اختارهم بعد الميقات الاول للميقات الثاني بعد عبادة العجل ليعتذروا من ذلك فلما سمعوا كلام الله قالوا: أرنا الله جهرة ” فأخذتهم الرجفة ” وهي الرعدة والحركة الشديدة حتى كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم الموت فبكى ودعا وخاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوه بأنهم ماتوا، وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعط أحدا قبلنا ولا تعطيه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة. وروي (2) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: إنما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على موسى قتل أخيه هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبر وشبير ابني هارون انطلقوا إلى سفح جبل، فنام هارون على سرير فتوفاه الله، فلما مات دفنه موسى، فلما رجع إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون ؟ قال: توفاه الله، فقالوا: لا بل أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه، قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا منهم سبعين رجلا وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قال موسى: يا هارون أقتلت أم مت ؟ فقال: هارون ما قتلني أحد ولكن توفاني الله، فقالوا: لن تعصى بعد اليوم، فأخذتهم الرجفة فصعقوا وماتوا ثم أحياهم الله وجعلهم أنبياء. (3) وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة


(1) مجمع البيان 4: 482 و 483، وفيه: وقيل: إن الذلة أخذ الجزية، وأخذ الجزية لم يقع فيمن عبد العجل وانما أراد استسلامهم للقتل. (2) في المصدر: رووا أي العامة. (3) تقدم الاشكال في ذلك. (*)

[ 206 ]

وقلقلوا ورجفوا حتى كادت تبين منه مفاصلهم وتنقض ظهورهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا وزراءه على الخير، سامعين له مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة، فسكنوا واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم ” قال ” أي موسى: ” رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ” أي لو شئت أهلكت هؤلاء السبعين من قبل هذا الموقف وأهلكتني معهم، فالآن ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم ؟ ” أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ” معناه النفي وإن كان بصورة الانكار، والمعنى أنك لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالاهلاك عنا، وما فعله السفهاء هو عبادة العجل، ظن موسى أنهم اهلكوا لاجل عبادة بني إسرائيل العجل، وقيل: هو سؤال الرؤية ” إن هي إلا فتنتك ” أي إن الرجفة إلا اختبارك وابتلاؤك ومحنتك، أي تشديدك التعبد والتكليف علينا بالصبر على ما أنزلته بنا، وقيل: المراد: إن هي إلا عذابك ” تضل بها من تشاء ” أي تهلك بهذه الرجفة من تشاء ” وتهدي من تشاء ” أي تنجي، وقيل: تضل بترك الصبر على فتنتك وترك الرضى بها من تشاء عن نيل ثوابك ودخول جنتك، وتهدي بالرضى بها والصبر عليها من تشاء ” أنت ولينا ” أي ناصرنا والاولى بنا تحوطنا وتحفظنا ” في هذه الدنيا حسنة ” أي نعمة، وقيل: الثناء الجميل، وقيل: التوفيق للاعمال الصالحة ” وفي الآخرة ” أي حسنة أيضا، وهي الرفعة والمغفرة والرحمة والجنة ” فسأكتبها ” أي فساوجب رحمتي، وهذه بشارة ببعثة نبينا صلى الله عليه وآله (1) ” وإذ نتقنا الجبل ” أي قلعناه من أصله فرفعناه فوق بني إسرائيل، وكان عسكر موسى فرسخا في فرسخ فرفع الله الجبل فوق جميعهم ” كأنه ظلة ” أي غمامة أو سقيفة ” وظنوا أنه واقع بهم ” أي علموا أو الظن بمعناه ” خذوا ” أي وقلنا لهم: خذوا. (2) ” وواعدناكم جانب الطور الايمن ” هو أن الله وعد موسى بعد أن أغرق فرعون ليأتي جانب الطور الايمن فيؤتيه التوراة ” ولا تطغوا فيه ” أي ولا تتعدوا فيه فتأكلوه


(1) مجمع البيان 4: 484 و 485 و 486 وفيه: فساوجب رحمتى للذين يتقون الشرك أي يجتنبونه، وقيل يجتنبون الكبائر والمعاصي. وقوله: هذه بشارة اه‍ لم نجده في المصدر. م (2) مجمع البيان 4: 496.

[ 207 ]

على الوجه المحرم عليكم ” فقد هوى ” أي هلك، أو هوى إلى النار ” لمن تاب ” من الشرك ” ثم اهتدى ” أي لزم الايمان حتى يموت، وقيل: لم يشك في إيمانه، وقال الباقر عليه السلام: ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت. (1) ” وما أعجلك ” قال ابن إسحاق: كانت المواعدة أن يوافي الميعاد هو وقومه، وقيل: مع جماعة من وجوه قومه وهو متصل بقوله: ” وواعدناكم جانب الطور الايمن ” فتعجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه، وخلفهم ليلحقوا به فقيل له: ما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ أي بأي سبب خلفت قومك وسبقتهم ؟ ” على أثري ” أي من ورائي يدركونني عن قريب، أو هم على ديني ومنهاجي، أو هم ينتظرون من بعدي ما الذي آتيهم به ” وعجلت إليك رب لترضى ” أي سبقتهم إليك حرصا على تعجيل رضاك ” فإنا قد فتنا قومك ” أي امتحناهم ” بملكنا ” أي ونحن نملك من أمر ناشيئا، والمعنى إنا لم نطق رد عبدة العجل عن عظيم ما ارتكبوه للرهبة لكثرتهم وقلتنا ” وإن لك موعدا ” أي وعدا لعذابك يوم القيامة لن تخلف ذلك الوعد ولن يتأخر عنك ” ظلت عليه عاكفا ” أي ظللت على عبادته مقيما ” لنحرقنه ” أي بالنار، وقرأ أبو جعفر عليه السلام بسكون الحاء وتخفيف الراء وهو قراءة علي عليه السلام وابن عباس، أي لنبردنه بالمبرد، (2) فعلى الاول يدل على كونه حيوانا لحما ودما، وعلى الثاني على أنه كان ذهبا وفضة ولم يصر حيوانا. (3) وقال البيضاوي: ” لنحرقنه ” أي بالنار ويؤيده قراءة لنحرقنه، أو بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد، ويعضده قراءة لنحرقنه ” ثم لننسفنه ” لنذرينه رمادا أو مبرودا ” في اليم نسفا ” فلا يصادف منه شئ، والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر. (4)


(1) تمام الخبر على ما في المصدر: فو الله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثم مات ولم يجئ بولايتنا لاكبه الله في النار على وجهه. رواه الحاكم ابو القاسم الحسكاني باسناده وأورده العياشي في تفسيره من عدة طرق. (2) برد الحديد الحديد: أخذ منه بالمبرد. (3) مجمع البيان 7: 23 و 24 و 25 و 27 و 29. (4) انوار التنزيل 2: 26. وفيه: أو مبردا.

[ 208 ]

وقال الطبرسي: قال الصادق عليه السلام: إن موسى عليه السلام هم بقتل السامري فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى فإنه سخي. ثم أقبل موسى على قومه فقال: ” إنما إلهكم ” الآية. (1) أقول: وفي بعض التفاسير: روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم ثم حرقه بالنار ثم ذرأه في اليم. ” القرون الاولى ” مثل قوم نوح وعاد وثمود ” بصائر ” أي حججا وبراهين للناس وعبرا يبصرون بها أمر دينهم. (2) ” والطور ” أقسم سبحانه بالجبل الذي كلم عليه موسى بالارض المقدسة ” وكتاب مسطور ” أي مكتوب ” في رق منشور ” الرق: جلد يكتب فيه، والمنشور: المبسوط، قيل: هو التوراة كتبها الله لموسى، وقيل: هو القرآن، وقيل: صحائف الاعمال، وقيل: هو الكتاب الذي كتبها الله لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. (3) 1 – فس: قوله: ” ورفعنا فوقكم الطور ” فإن موسى عليه السلام لما رجع إلى بني إسرائيل ومعه التوراة لم يقبلوا منه، فرفع الله جبل طور سيناء عليهم وقال لهم موسى: لئن لم تقبلوا ليقعن الجبل عليكم وليقتلنكم فنكسوا رؤوسهم وقالوا: نقبله. (4) قوله: ” واشربوا في قلوبهم العجل ” أي أحبوا العجل حتى عبدوه. (5) 2 – ن، ع: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن الثور ما باله غاض طرفه لا يرفع رأسه إلى السماء ؟ قال: حياء من الله عزوجل لما عبد قوم موسى العجل نكس رأسه. (6) 3 – ع: محمد بن عمر بن علي البصري، عن إبراهيم بن حماد النهاوندي، عن أحمد بن


(1) مجمع البيان 7: 29. (2) مجمع البيان 7: 256. (3) مجمع البيان 9: 163. (4) تفسير القمى: 41. (5) تفسير القمى: 46. (6) عيون الاخبار: 134، علل الشرائع: 198 والحديث طويل أخرجه بتمامه في كتاب الاحتجاجات، راجع ج 10: 75 – 83.

[ 209 ]

محمد (بن خ) المستثنى، عن موسى بن الحسن، عن إبراهيم بن شريح، عن ابن وهب، عن يحيى ابن أيوب، عن جميل بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكرموا البقر فإنه سيد البهائم، ما رفعت طرفها إلى السماء حياء من الله عزوجل منذ عبد العجل. (1) 4 – فس: ” فإنا قد فتنا قومك ” قال: اختبرناهم من بعدك ” وأضلهم السامري ” قال: بالعجل الذي عبدوه، وكان سبب ذلك أن موسى عليه السلام لما وعده الله أن ينزل عليه التوراة والالواح إلى ثلاثين يوما أخبر بني إسرائيل بذلك، وذهب إلى الميقات وخلف هارون على قومه، فلما جاءت الثلاثون يوما ولم يرجع موسى إليهم عصوا (2) وأرادوا أن يقتلوا هارون قالوا: إن موسى كذبنا وهرب منا، فجاءهم إبليس في صورة رجل فقال لهم: إن موسى قد هرب منكم ولا يرجع إليكم أبدا، فاجمعوا إلي حليكم حتى أتخذ لكم إلها تعبدونه، وكان السامري على مقدمة موسى يوم أغرق الله فرعون وأصحابه، فنظر إلى جبرئيل وكان على حيوان في صورة رمكة، وكانت كلما وضعت حافرها على موضع من الارض يتحرك ذلك الموضع، فنظر إليه السامري وكان من خيار أصحاب موسى فأخذ التراب من حافر رمكة جبرئيل، (3) وكان يتحرك فصره في صرة، (4) وكان عنده يفتخر به على بني إسرائيل، فلما جاءهم إبليس واتخذوا العجل قال للسامري: هات التراب الذي معك، فجاء به السامري فألقاء إبليس في جوف العجل، فلما وقع التراب في جوفه تحرك وخار ونبت عليه الوبر والشعر، فسجد له بنو إسرائيل، فكان عدد الذين سجدوا سبعين ألفا من بني إسرائيل، فقال لهم هارون كما حكى الله: ” يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ” فهموا بهارون حتى هرب من بينهم وبقوا في ذلك حتى تم ميقات موسى أربعين ليلة، فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله عليه الالواح فيه التوراة وما يحتاجون إليه


(1) علل الشرائع: 168. (2) في المصدر وفى نسخة: غضبوا. (3) في المصدر: فأخذ التراب من تحت حافر رمكة جبرئيل. (4) أي وضعه في صرة. والصرة: شرج الدراهم ونحوها.

[ 210 ]

من أحكام السير والقصص. (1) ثم أوحى الله إلى موسى ” إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ” وعبدوا العجل وله خوار، فقال موسى عليه السلام: يا رب ! العجل من السامري فالخوار ممن ؟ قال: مني يا موسى، أنا لما رأيتهم قد ولوا عني إلى العجل أحببت أن أزيدهم فتنة، فرجع موسى كما حكى الله إلى قومه غضبان أسفا قال: ” يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ” ثم رمى بالالواح وأخذ بلحية أخيه هارون ورأسه يجره إليه فقال له: ” ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري ” فقال هارون كما حكى الله: ” يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ” فقال له بنو إسرائيل: ” ما أخلفنا موعدك بملكنا ” قال: ما خالفناك ” ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم ” يعني من حليهم ” فقذفناها ” قال: التراب الذي جاء به السامري طرحناه في جوفه، ثم أخرج السامري العجل وله خوار فقال له موسى: ” ما خطبك يا سامري ” قال السامري ” بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول ” يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر ” فنبذتها ” أي أمسكتها (2) ” وكذلك سولت لي نفسي ” أي زينت، فأخرج موسى العجل فأحرقه بالنار وألقاه في البحر، ثم قال موسى للسامري: ” اذهب فإن لك في الحيوة أن تقول لا مساس ” يعني ما دمت حيا وعقبك هذه العلامة فيكم قائمة أن تقول: (3) لا مساس حتى تعرفوا أنكم سامرية فلا يغتروا بكم الناس، فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفين بلا مساس، ثم هم موسى بقتل السامري فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى فإنه سخي، فقال له موسى: ” انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا * إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما “. (4)


(1) هكذا في النسخ، وفى المصدر: من الاحكام والسير والقصص. وهو الصواب. (2) هكذا في النسخ والمصدر، ولم نجد في اللغة النبذ بمعنى الامساك، يل هو بمعنى الطرح و والرمى. (3) في نسخة: أن تقولوا. (4) تفسير القمى: 420 – 422.

[ 211 ]

بيان: قال البيضاوي: ” أسفا ” أي حزينا بما فعلوا ” وعدا حسنا ” بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور ” أفطال عليكم العهد ” أي الزمان، يعني زمان مفارقته لهم ” فأخلفتم موعدي ” وعدكم إياي بالثبات على الايمان بالله، والقيام على ما أمرتكم به، وقيل: هو من أخلفت وعده: إذا وجدت الخلف فيه، أي أفوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعود بعد الاربعين ” بملكنا ” أي بأن ملكنا أمرنا، إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه ” أوزارا من زينة القوم ” أحمالا من حلي القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس، وقيل: استعاروا لعيد كان لهم ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به، وقيل: ما ألقاه البحر (1) على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ” فقذفناها ” أي في النار ” فكذلك ألقى السامري ” أي ما كان معه منها، روي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري: إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلي القوم، وهو حرام عليكم فالرأي أن نحفر له حفيرة ونسجر فيها نارا ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا. انتهى. (2) أقول: يمكن أن يكون قوله: (التراب الذي) (3) تفسيرا لقوله: ” فكذلك ألقى السامري ” وإن لم يذكر، وهكذا فسر في عيون التفاسير. ثم قال البيضاوي: ” فأخرج لهم عجلا جسدا ” من تلك الحلي المذابة ” له خوار ” صوت العجل ” فقالوا ” يعني السامري ومن افتتن به: ” هذا إلهكم وإله موسى فنسي ” أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري، أي ترك ما كان عليه من إظهار الايمان ” إنما فتنتم به ” أي بالعجل ” عليه ” أي على العجل وعبادته ” عاكفين ” مقيمين ” أن لا تتبعن ” أي أن تتبعني في الغضب لله والمقابلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي و تلحقني و ” لا ” مزيدة ” أفعصيت أمري ” بالصلابة في الدين والمحاماة عليه ” قال يبنؤم ” خص الام استعطافا وترقيقا، وقيل: لانه كان أخاه من الام، والجمهور على أنهما من أب وام ” لا تأخذ بليحتي ولا برأسي ” أي بشعر رأسي، قبض عليهما يجره إليه من شدة


(1) في المصدر: قيل: هي ما ألقاه البحر. (2) انوار التنزيل 2: 65 – 66. (3) الواقع في كلام القمى.

[ 212 ]

غضبه لله ” ولم ترقب قولي ” حين قلت: اخلفني في قومي وأصلح ” فما خطبك ” أي ما طلبك له ؟ وما الذي حملك عليه ؟ قال: ” بصرت بما لم يبصروا به ” أي علمت ما لم يعلموه، وفطنت بما لم يفطنوا به، وهو أن الرسول الذي جاءك به روحاني محض لا يمس أثره شيئا إلا أحياه، أو رأيت ما لم يروه وهو أن جبرئيل جاءك على فرس الحياة، قيل: إنما عرفه لان امه ألقته حين ولدته خوفا من فرعون، وكان جبرئيل يغذيه حتى استقل ! ” فقبضت قبضة من أثر الرسول ” من تربة موطئة فنبذتها في الحلي المذابة ” وكذلك سولت لي نفسي ” زينته وحسنته لي. (1) قوله: ” لامساس ” قال الطبرسي رحمه الله: اختلف في معناه فقيل: إنه أمر الناس بأمر الله أن لا يخالطوه ولا يجالسوه ولا يؤاكلوه تضييقا عليه، والمعنى: لك أن تقول: لا أمس ولا امس ما دمت حيا، وقال ابن عباس: لك ولولدك، والماس فعال من المماسة ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحدا ولا يمسه أحد، عاقبه الله تعالى بذلك، وكان إذا لقي أحدا يقول: ” لا مساس ” أي لا تمسني ولا تقربني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإن مس واحد من غيرهم واحدا منهم حم كلاهما في الوقت، وقيل: إن السامري خاف وهرب فجعل يهيم في البرية لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار لبعده عن الناس كالقائل لا مساس، عن الجبائي. (2) 5 – فس: أبي، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بعث الله رسولا إلا وفي وقته شيطانان يؤذيانه ويفتنانه ويضلان الناس بعده، فأما الخمسة اولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم، وأم ا صاحبا نوح ففيطيفوس (3) وخرام، وأما صاحبا إبراهيم فمكيل ورذام، وأما صاحبا موسى فالسامري ومرعقيبا، وأما صاحبا عيسى فمولس ومريسا، (4) وأما صاحبا محمد


(1) انوار التنزيل 2: 66 – 67. وفيه: الحلى المذاب أو في جوف العجل حتى حيى. (2) مجمع البيان 7: 28 و 29. (3) في المصدر: فغنطيغوس. (4) في المصدر: فبولس ومريسون.

[ 213 ]

فحبتر وزريق. (1) بيان: الحبتر: الثعلب، وعبر عن أبي بكر به لكونه يشبهه في المكر والخديعة، والتعبير عن عمر بزريق إما لكونه أزرق أو لكونه شبيها بطائر يسمى زريق في بعض خصاله السيئة، أو لكون الزرقة مما يبغضه العرب ويتشأم به كما قيل في قوله تعالى: ” ونحشر المجرمين يومئذ زرقا “. 6 – ج: عن أبي بصير قال: سأل طاوس اليماني (2) الباقر عليه السلام عن طير طار مرة لم يطر قبلها ولا بعدها ذكره الله عزوجل في القرآن ما هو ؟ فقال: طور سيناء أطاره الله عزوجل على بني إسرائيل حين أظلهم بجناح منه، فيه ألوان العذاب حتى قبلوا التوراة وذلك قوله عزوجل: ” وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ” الخبر. (3) 7 – فس: ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ” فإن الله عزوجل أوحى إلى موسى: إني انزل عليك التوراة التي فيها الاحكام إلى أربعين يوما، وهو ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، فقال موسى عليه السلام لاصحابه: إن الله تبارك وتعالى قد وعدني أن ينزل علي التوراة والالواح إلى ثلاثين يوما، وأمره الله أن لا يقول: إلى أربعين يوما، (4) فتضيق صدورهم، فذهب موسى إلى الميقات، واستخلف هارون على بني إسرائيل، فلما جاوز ثلاثين يوما ولم يرجع موسى غضبوا فأرادوا أن يقتلوا هارون وقالوا: إن موسى كذبنا وهرب منا، واتخذوا العجل وعبدوه، فلما كان يوم عشرة من ذي الحجة أنزل الله على موسى الالواح وما يحتاجون إليه من الاحكام والاخبار والسنن


(1) تفسير القمى: 422. (2) تقدم ترجمته في ج 10: 151. (3) الاحتجاج: 179، والحديث طويل أخرجه المصنف عن المناقب في كتاب الاحتجاجات راجع ج 10: 156. (4) فيه غرابة جدا يخالف ظاهر الكتاب، حيث إن الله تعالى واعده ثلاثين ليلة أولا ثم أتمه بعشر.

[ 214 ]

والقصص، فلما أنزل الله عليه التوراة وكلمه قال: ” رب أرني أنظر إليك ” (1) فأوحى الله إليه: ” لن تراني ” أي لا تقدر على ذلك ” ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ” قال: فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجبل فساخ الجبل (2) في البحر فهو يهوي حتى الساعة، ونزلت الملائكة وفتحت أبواب السماء، فأوحى الله إلى الملائكة: أدركوا موسى لا يهرب، فنزلت الملائكة وأحاطت بموسى وقالوا: اثبت يا ابن عمران فقد سألت عظيما، فلما نزل موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت وقع على وجهه فمات (3) من خشية الله وهول ما رأى فرد الله عليه روحه فرفع رأسه وأفاق وقال: ” سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ” أي أول من صدق أنك لا ترى، فقال الله له: ” يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ” فناداه جبرئيل: يا موسى أنا أخوك جبرئيل. وقوله: ” وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا ” أي كل شئ موعظة أنه مخلوق. وقوله: ” فخذها بقوة ” أي قوة القلب ” وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ” أي بأحسن ما فيها من الاحكام. وقوله: ” ساريكم دار الفاسقين ” أي يجيئكم (4) قوم فساق تكون الدولة لهم. قوله: ” سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق ” يعني أصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الارض بغير الحق ” وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ” قال: إذا رأوا الايمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها. وقوله: ” والذين كذبوا بآياتنا ” الآية، فإنه محكم. قوله: ” هذا إلهكم وإله موسى


(1) الظاهر مما تقدم ويأتى من التفاسير والاخبار بل القرآن العظيم وما تقدم من عصمة الانبياء أنه عليه السلام سأل الله تعالى ذلك لقومه حيث قالوا: ” لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” فما يتراءى من ظاهر كلامه رحمه الله أنه سأله لنفسه غير صحيح أو غير مقصود. (2) أي غاص فيه. (3) الظاهر من الكتاب العزيز أنه غشى عليه ولم يمت حيث قال الله تعالى: وخر موسى صعقا، فلما افاق قال سبحانك. (4) في نسخة: سيجيئكم، وفى المصدر: يحييكم.

[ 215 ]

فنسي ” أي ترك. وقوله: ” أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ” يعني لا يتكلم العجل وليس له منطق. وأما قوله: ” ولما سقط في أيديهم ” يعني لما جاءهم موسى وأحرق العجل (1) ” قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين “. قوله: ” ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ” إلى قوله: ” لغفور رحيم ” فإنه محكم، وقوله: ” واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ” فإن موسى عليه السلام لما قال لبني إسرائيل: إن الله يكلمني ويناجيني لم يصدقوه، فقال لهم: اختاروا منكم من يجئ معي حتى يسمع كلامه، فاختاروا سبعين رجلا من خيارهم وذهبوا مع موسى إلى الميقات، فدنا موسى وناجى ربه وكلمه الله تبارك وتعالى، فقال موسى لاصحابه: اسمعوا واشهدوا عند بني إسرائيل بذلك، فقالوا له: ” لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” فاسأله أن يظهر لنا، فأنزل الله عليهم صاعقة فاحترقوا وهو قوله: ” وإذ فلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنت تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ” فهذه الآية في سورة البقرة وهي مع هذه الآية في سورة الاعراف، قوله: ” واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ” فنصف الآية في سورة البقرة (2) ونصف الآية ههنا، فلما نظر موسى إلى أصحابه قد هلكوا حزن عليهم فقال: ” رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ” وذلك أن موسى ظن أن هؤلاء هلكوا بذنوب بني إسرائيل فقال: ” إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ” فقال الله تبارك وتعالى: ” عذابي اصيب به من أشاء ورحمتي


(1) أي فسقط العجل في ايديهم بعد الاحراق، أو احرق فاشتد ندمهم على ذلك قالوا: لئن لم يرحمنا إه‍. على أي ففيه خلاف ظاهر. (2) وهو قوله تعالى: ” واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” والظاهر أن مراده رحمه الله أن الاية ههنا مجملة وتفصيلها في سورة البقرة، إذ لم يبين ههنا أن الرجفة بم أخذتهم وما كان فعل السفهاء منهم حتى عوقبوا بها.

[ 216 ]

وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذين هم بآياتنا يؤمنون “. (1) بيان: قوله: (أي كل شئ موعظة) لعل المعنى أنه كتب فيها من آثار حكمة الله في خلق كل شئ وآثار صنعه بحيث يظهر لمن تأمل فيها أن له صانعا، ويحتمل أن يكون ” موعظة ” حالا، أي كتب حكما من كل شئ والحال أن ذلك الشئ موعظة من حيث دلالته على الصانع، والمشهور بين المفسرين أن قوله: ” موعظة ” بدل من الجار والمجرور، أي وكتبنا كل شئ من المواعظ وتفصيل الاحكام. قوله تعالى: ” ساريكم دار الفاسقين ” قيل: المراد: ساريكم جهنم على سبيل التهديد، وقيل: ديار فرعون وقومه بمصر، وقيل: معناه: سأدخلكم الشام فاريكم منازل القرون الماضية ممن خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قوله تعالى: ” سأصرف عن آياتي ” قيل: أي سأصرف الآيات المنصوبة في الآفاق والانفس عنهم بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وقيل: سأصرفهم عن إبطالها. قوله: ” أفلا يرون ” أقول: في هذا الموضع من القرآن بعد قوله: خوار: ” ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ” وفي طه: ” فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ” الآية، ولعله اشتبه على المصنف، أو فسر في هذا المقام ما في سورة طه. قوله: ” سقط في أيديهم ” أي اشتد ندامتهم كناية، فإن النادم المتحسر يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها. قوله: (فهذه الآية) لعل المراد أن الآيتين متعلقتان بواقعة واحدة وإلا فارتباط إحداهما بالاخرى بحسب اللفظ مشكل إلا أن يقال: وقع التغيير في اللفظ أيضا فقوله: (قوله: واختار) تفسير لقوله: (هذه الآية). قوله: ” إنا هدنا إليك ” أي تبنا إليك من هاد يهود: إذا رجع. 8 – ل: أبي، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن علي بن معبد، عن الحسين ابن خالد، عن أبي الحسن عليه السلام قال. إن الذين أمروا قوم موسى بعبادة العجل كانوا خمسة أنفس وكانوا أهل بيت يأكلون على خوان واحد وهم: أذينوه، وأخوه ميذويه، وابن أخيه وابنته وامرأته وهم الذين ذبحوا البقرة التي أمر الله عزوجل بذبحها. الخبر. (2)


(1) تفسير القمى 1: 222 – 225. (2) الخصال ج 1: 140.

[ 217 ]

ن: أبي، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد مثله. (1) 9 – ل: محمد بن أحمد السراج، (2) عن علي بن الحسن البزاز، عن حميد بن زنجويه، (3) عن عبد الله بن يوسف، عن خالد بن يزيد، عن طلحة بن عمرو، عن عطا، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من الجبال التي تطايرت يوم موسى عليه السلام سبعة أجبل فلحقت بالحجاز واليمن، منها بالمدينة احد وورقان، (4) وبمكة ثور وثبير وحراء، وباليمن صبر وحضور. (5) 10 – ج: في أسئلة الزنديق، عن الصادق عليه السلام قال: إن الله أمات قوما خرجوا مع موسى عليه السلام حين توجه إلى الله فقالوا: ” أرنا الله جهرة ” فاماتهم الله ثم أحياهم، (6) 11 – ج، يد، ن: في خبر ابن الجهم أنه سأل المأمون الرضا عليه السلام عن معنى قوله عز وجل: ” ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ” الآية،


(1) عيون الاخبار: 237، وفيه: أذنبوية وأخوه مبذوية. (2) في المصدر: حدثنا أبو أحمد القاسم بن محمد بن أحمد بن عبدويه السراج بهمدان. (3) في المصدر: سعيد بن زنجويه وهو وهم، والصواب ما في المتن وهو حميد بن مخلد بن قتيبة ابن عبد الله الازدي أبو أحمد زنجويه، ترجمه ابن حجر في التقريب: 129 قال: مات سنة 148 وقيل 151. (4) ورقان قال ياقوت في معجم البلدان بالفتح ثم الكسر ويروى بسكون الراء، جبل أسود بين العرج والرويثة على يمين المصعد من المدينة إلى مكة. ولمن صدر من المدينة مصعدا هو أول جبل يلقاه عن يساره. وثبير وزان شريف: جبل بمكة بينها وبين عرفة. وثور: جبل بمكة فيه الغار الذى اختفى فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبل مكة على ثلاثة أميال، وقال بعضهم: للناس فيه ثلاث لغات: يفتحونه وهى مكسورة، ويقصرون ألفه وهى ممدودة، ويميلونها وهى لا تسوغ فيها الامالة. وقال: حضور بالفتح ثم الضم وسكون الواو: بلدة من أعمال زبيد، قلت: هناك جبل يسمى بها، وقال: صبر بفتح أوله وكسر ثانيه: اسم الجبل الشامخ العظيم المطل على قرية تعز فيه عدة حصون وقرى باليمن. وقال: روى مالك بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما تجلى الله تعالى للجبل يوم موسى عليه السلام تشظى فصارت منه ثلاثة اجبل فوقعت بمكة، وثلاثة أجبل وقعت بالمدينة، فالتى بمكة حراء وثبير وثور، والتى بالمدينة احد وورقان ورضوى. (5) الخصال ج 2: 3، والحديث مروى من طرق العامة. (6) الاحتجاج: 188.

[ 218 ]

كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران عليه السلام لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟ فقال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم الله أن تعالى عز عن أن يرى (1) بالابصار، ولكنه لما كلمه الله عزوجل وقربه نجيا رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عزوجل كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفا، ثم اختار منهم سبعة آلاف، (2) ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه، فخرج بهم إلى طور سيناء فأقامهم في سفح البجل وصعد موسى إلى الطور، وسأل الله عزوجل أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لان الله عزوجل أحدثه في الشجرة وجعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزوجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى عليه السلام: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجات الله عزوجل إياك ؟ فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لاجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إن الله لا يرى بالابصار ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله عزوجل: يا موسى اسألني ما سألوك فلن اؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى عليه السلام: ” رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ” وهو يهوي ” فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ” بآية من آياته ” جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك ” يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي ” وأنا أول


(1) في الاحتجاج: جل عن أن يرى. وفى العيون: منزه، وفى نسخة منه: أعز. (2) في المصادر هنا زيادة وهى هذه: ثم اختار منهم سبعمائة.

[ 219 ]

المؤمنين ” منهم بأنك لا ترى. (1) أقول: قد مضى الكلام في ذلك مفصلا في كتاب التوحيد. 12 – يب: بإسناده عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أن اخرجوني إلى الظهر، فإذا تصوبت (2) أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني وهو أول طور سيناء. (3) 13 – ارشاد القلوب: روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الغري قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما. (4) 14 – ع: الدقاق والسناني والمكتب جميعا، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أخبرني عن هارون لم قال لموسى عليه السلام: ” يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ” ولم يقل: يا ابن أبي ؟ فقال: إن العداوات بين الاخوة أكثرها تكون إذا كانوا بني علات، ومتى كانوا بني ام قلت العداوة بينهم إلا أن ينزغ الشيطان بينهم فيطيعوه، فقال هارون لاخيه موسى: يا أخي الذي ولدته امي ولم تلدني غير امه لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولم يقل: يا ابن أبي لان بني الاب إذا كانت امهاتهم شتى لم تستبعد (5) العداوة بينهم إلا من عصمه الله منهم، وإنما تستبعد (6) العداوة بين بني ام واحدة. قال: قلت له: فلم اخذ برأسه يجره إليه وبلحيته ولم يكن له في اتخاذهم الجعل وعبادتهم له ذنب ؟ فقال: إنما فعل ذلك


(1) الاحتجاج: 235، توحيد الصدوق: 109 – 111، عيون الاخبار: 111 – 112 أخرجه المصنف مسندا في باب نفى الرؤية، وهناك بيان من الصدوق رحمه الله ومن المصنف. راجع ج 4: 45 وما بعده. (2) تصوب: تسفل ضد تصعد. (3) التهذيب: 2: 12. (4) ارشاد القلوب 2: 254 والحديث فيه هكذا: روى عن ابن عباس انه قال: الغرى قطعة من الجبل الذى كلم الله موسى تكليما، وقدس عليه تقديسا، واتخذ عليه ابراهيم خليلا، واتخذ محمدا حبيبا، وجعله للنبيين مسكنا. (5 و 6) في نسخة: تستبدع.

[ 220 ]

به لانه لم يفارقهم لما فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى، وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب، ألا ترى أنه قال له موسى: يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري ؟ قال هارون: لو فعلت ذلك لتفرقوا، وإني خشيت أن تقول لي: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. قال الصدوق رحمه الله: أخذ موسى برأس أخيه ولحيته أخذه برأس نفسه ولحية نفسه على العادة المتعاطاة للناس إذا اغتم أحدهم أو أصابته مصيبة عظيمة وضع يده على رأسه، وإذا دهته داهية عظيمة قبض على لحيته، فكأنه أراد بما فعل أن يعلم هارون أنه وجب عليه الاغتمام والجزع بما أتاه قومه، ووجب أن يكون في مصيبته بما تعاطوه، لان الامة من النبي والحجة بمنزلة الاغنام من راعيها، ومن أحق بالاغتمام بتفريق الاغنام وهلاكها من راعيها وقد وكل بحفظها واستعبد بإصلاحها، وقد وعد الثواب على ما يأتيه من إرشادها وحسن رعيها، واوعد العقاب على ضد ذلك من تضييعها ؟ وهكذا فعل الحسين بن علي عليهما السلام لما ذكر القوم المحاربين له بحرماته فلم يرعوها قبض على لحيته وتكلم بما تكلم به، وفي العادة أيضا أن يخاطب الاقرب ويعاتب على ما يأتيه البعيد ليكون ذلك أزجر للبعيد عن إتيان ما يوجب العقاب، وقد قال الله عزوجل لخير خلقه وأقربهم منه صلى الله عليه وآله: ” لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (1) ” وقد علم عزوجل أن نبيه صلى الله عليه وآله لا يشرك به أبدا، وإنما خاطبه بذلك وأراد به امته، وهكذا موسى عاتب أخاه هارون وأراد بذلك امته اقتداء بالله تعالى ذكره، واستعمالا لعادات الصالحين قبله وفي وقتة. (2) بيان: قال الجوهري: بنو العلات: هم أولاد الرجل من نسوة شتى. وقال السيد رضي الله عنه: إن قيل: ما الوجه في قوله تعالى: ” وأخذ برأس أخيه ” الآية ؟ أو ليس ظاهر الآية يدل على أن هارون أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل به ؟ وبعد فما الاعتذار لموسى عليه السلام من ذلك وهو فعل السخفاء والمتسرعين، وليس من عادة


(1) الزمر: 65. (2) علل الشرائع: 34 – 35.

[ 221 ]

الحكماء والمتماسكين ؟ قلنا: ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى بأخيه ما يقتضي صدور معصية ولا قبيح من واحد منهما، وذلك أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم، مفكرا فيما كان منهم، فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر، أما ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفته ويقبض على لحيته، فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه لانه كان أخاه وشريكه ومن يمسه من الخير والشر ما يمسه، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر والضب، وهذه الامور تختلف أحكامها بالعادات فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها وبالعكس. وأما قوله: ” لا تأخذ بلحيتي ” (1) فلا يمتنع أن يكون هارون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل بسوء ظنهم أنه منكر عليه، معاتب له، ثم ابتدأ بشرح قصته فقال في موضع: ” إني خشيت ” الآية، وفي موضع آخر: ” يا ابن ام إن القوم استضعفوني ” ويمكأن يكون قوله: ” لا تأخذ بلحيتي ” ليس على سبيل الانفة، (2) بل معنى كلامه: لا تغضب ولا يشتد جزعك وأسفك. وقال قوم: إن موسى عليه السلام لما رأى من أخيه مثل ما كان عليه من الجزع والقلق أخذ برأسه (3) متوجعا له مسكتا كما يفعل أحدنا بمن يناله المصيبة، (4) وعلى هذا يكون قوله: ” لا تشمت بي الاعداء ” كلاما مستأنفا، وأما قوله: ” لا تأخذ بلحيتي ” فيحتمل أن يريد: لا تفعل ذلك وغرضك التسكين مني، ويظن القوم أنك منكر علي. وقال قوم: (5) أخذ برأس أخيه


(1) في المصدر: وأما قوله: ” لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ” فليس يدل على انه وقع على سبيل الاستخفاف، بل لا يمتنع اه‍. (2) في المصدر: على سبيل الامتعاظ والانفة. وهو غلط من الناسخ، والصحيح: الامتعاض من امتعض من الامر أي غضب منه وشق عليه. (3) في المصدر: اخذ برأسه يجره إليه. (4) هذا وما بعده يخالف قوله ” يجره إليه “. (5) في المصدر: قال قوم في هذه الاية: إن بنى إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السلام، حتى أن هارون عليه السلام كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السلام: أنت قتلته، فلما وعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة وأتمها له بعشر وكتب له في الالواح من كل شئ وخصه بامور شريفة جليلة الخطر بما أراه من الاية في الجبل ومن كلام الله تعالى له وغير ذلك من شريف الامور ثم رجع إلى أخيه أخذ برأسه ليدنيه إليه ويعلمه ما جدده الله تعالى من ذلك ويبشره فخاف هارون اه‍.

[ 222 ]

ليدنيه إليه ويعلمه ما أوحى الله إليه، فخاف هارون أن يسبق إلى قلوبهم لسوء ظنهم مالا أصل له من عداوته، فقال إشفاقا على موسى عليه السلام: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي لتسر ما تريده بين أيدي هؤلاء فيظنوا بك ما لا يجوز عليك. انتهى. (1) اقول: لعل الاظهر ما ذكره الصدوق رحمه الله أخيرا من كون ذلك بينهما على جهة المصلحة لتخفيف الامة، وليعلموا شدة إنكار موسى عليهم، على أنه لو كان ذلك مما لا ينبغي من واحد منهما فهو ترك أولى، لما مر من الادلة القاطعة على عصمتهم عليهم السلام، وعليه يحمل ما في الخبر. 15 – فس: ” وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ” فإن موسى عليه السلام لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، فقالوا: فكيف نقتل أنفسنا ؟ فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا أنتم متلثمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا، فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممن كانوا عبدوا العجل إلى بيت المقدس، فلما صلى بهم موسى عليه السلام وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرئيل فقال: قل لهم يا موسى: ارفعوا القتل فقد تاب الله عليكم، فقتل منهم عشرة آلاف، وأنزل الله: ” ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ” وقوله: ” وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” الآية، فهم السبعون الذين اختارهم موسى ليسمعوا كلام الله، فلما سمعوا الكلام قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فبعث الله عليهم صاعقة فاحترقوا ثم أحياهم الله بعد ذلك، وبعثهم أنبياء. (2)


(1) تنزيه الانبياء: 79 – 81. (2) تفسير القمى: 39 – 40 وقد تقدم منا قبلا اشكال في قوله: بعثهم انبياء راجع تفسير الايات.

[ 223 ]

[ بيان: قال الطبرسي رحمه الله: ” لن نؤمن لك ” أي لن نصدقك في قولك إنك نبي مبعوث ” حتى نرى الله جهرة ” أي علانية فيخبرنا بأنك نبي مبعوث، وقيل: معناه: إنا لا نصدقك فيما تخبر به من صفات الله تعالى وما يجوز عليه حتى نرى الله جهرة وعيانا فيخبرنا بذلك، وقيل: إنه لما جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا: لن نؤمن بأن هذا من عند الله حتى نراه عيانا، وقال بعضهم: إن قوله: ” جهرة ” صفة لخطابهم لموسى إنهم جهروا به وأعلنوه. ] (1) 16 – يد: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن مروان، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله عزوجل: ” فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ” قال: يقول: سبحانك تبت إليك من أن أسألك الرؤية وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى. (2) 17 – يد: أبي، عن سعد، عن الاصفهاني، عن المنقري، عن حفص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: ” فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ” قال: ساخ الجبل في البحر يهوي حتى الساعة. (3) بيان: قال الطبرسي رحمه الله: ” فلما تجلى ربه للجبل ” أي ظهر أمر ربه لاهل الجبل فحذف، والمعنى أنه سبحانه أظهر من الآيات ما استدل به من كان عند الجبل على أن رؤيته غير جائزة، وقيل: معناه: ظهر ربه بآياته التي أحدثها في الجبل لاهل الجبل كما يقال: الحمد لله الذي تجلى لنا بقدرته، فلما أظهر الآية العجيبة في الجبل صار كأنه ظهر لاهله، وقيل: أن ” تجلى ” بمعنى ” جلى ” كقولهم: حدث وتحدث، وتقديره: جلى ربه أمره للجبل، أي أبرز في ملكوته للجبل ما تدكدك به، ويؤيده ما جاء في الخبر: إن الله تعالى أبرز من العرش مقدار الخنصر فتدكدك به الجبل، وقال ابن عباس: معناه:


(1) مجمع البيان 1: 114 و 115. والطبعة السابقة خلت عن هذا البيان، وهو موجود في نسختين وقد خط عليه في نسخة اخرى، وتقدم مختصره قبلا في تفسير الايات راجعه. (2) توحيد الصدوق: 106. (3) توحيد الصدوق: 109. (*)

[ 224 ]

ظهر نور ربه للجبل، وقال الحسن: لما ظهر وحي ربه للجبل جعله دكا، أي مستويا بالارض، وقيل: ترابا، عن ابن عباس، وقيل: ساخ في الارض حتى فنى، عن الحسن، وقيل: تقطع أربع قطع: قطعة ذهبت نحو المشرق، وقطعة ذهبت نحو المغرب، وقطعة سقطت في البحر، وقطعة صارت رملا، وقيل: صار الجبل ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة، وثلاثة بمكة، فالتي بالمدينة احد وورقان ورضوى، والتي بمكة ثور وثبير وحراء، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله. (1) 18 – ير: أحمد بن محمد السياري، عن عبيد بن أبي عبد الله الفارسي وغيره رفعوه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الكروبيين (2) قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش، لو قسم نور واحد منهم على أهل الارض لكفاهم، ثم قال: إن موسى عليه السلام لما أن سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا. (3) 19 – ير: علي بن خالد، عن ابن يزيد، عن عباس الوراق، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن ليث المرادي، عن سدير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فمر بنا رجل من أهل اليمن فسأله أبو جعفر عليه السلام عن اليمن فأقبل يحدث فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل تعرف دار كذا وكذا ؟ قال: نعم ورأيتها، قال: فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل تعرف صخرة عندها في موضع كذا وكذا ؟ قال: نعم ورأيتها، فقال الرجل: ما رأيت رجلا أعرف بالبلاد منك، فلما قام الرجل قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا الفضل تلك الصخرة التي غضب موسى فألقى الالواح، فما ذهب من التوراة التقمته الصخرة، فلما بعث الله رسوله أدته إليه وهي عندنا. (4) أقول: ستأتي الاخبار الكثيرة في كتاب الامامة في أن عندهم التوراة والالواح والانجيل وسائر كتب الانبياء.


(1) مجمع البيان 4: 475. (2) الكروبيون: سادة الملائكة وهم المقربون، قيل: عبرانيتها كربيم. (3) بصائر الدرجات: 21. (4) بصائر الدرجات: 37 و 38.

[ 225 ]

20 – كا: محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا محمد إن الله لم يعط الانبياء شيئا إلا وقد أعطاه محمدا، وعندنا الصحف التي قال الله عزوجل: ” صحف إبراهيم وموسى ” قلت: جعلت فداك هي الالواح ؟ قال: نعم. (1) 21 – ير: أبو محمد، عن عمران بن موسى البغدادي، عن ابن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في الجفر: إن الله تبارك وتعالى لما أنزل ألواح موسى عليه السلام أنزلها عليه وفيها تبيان كل شئ وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فلما انقضت أيام موسى أوحى الله إليه أن استودع الالواح – وهي زبرجدة من الجنة – الجبل فأتى موسى الجبل فانشق له الجبل فجعل فيه الالواح ملفوفة، فلما جعلها فيه انطبق الجبل عليها، فلم تزل في الجبل حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وآله، فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي صلى الله عليه وآله فلما انتهوا إلى الجبل انفرج الجبل وخرجت الالواح ملفوفة كما وضعها موسى عليه السلام، فأخذها القوم فدفعوها إلى النبي صلى الله عليه وآله. (2) أقول: تمامه في باب أن كتب الانبياء وآثارهم عند الائمة عليهم السلام، وسيأتي فيه أيضا عن حبة العرني، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن يوشع بن نون كان وصي موسى عليه السلام وكانت ألواح موسى من زمرد أخضر، فلما غضب موسى عليه السلام ألقى الالواح من يده فمنها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع، فلما ذهب عن موسى الغضب قال يوشع: أعندك تبيان ما في الالواح ؟ قال: نعم فلم يزل يتوارثها رهط من بعد رهط حتى وصلت إلى النبي صلى الله عليه وآله ودفعها إلي. (3)


(1) اصول الكافي 1: 225. (2) بصائر الدرجات: 38. (3) ظاهر الرواية أن الالواح النازلة من السماء التى كانت من زمرد أخضر تكسرت فبقى بعضها وارتفع بعضها الاخر، وأما ما كانت يتوارثها رهط بعد رهط هو ما أملاه موسى عن ظهر قلبه دون الاصل، فلا ينافى ما تقدم من أن الالواح التقمته الصخرة أو استودعها موسى الجبل، حيث يمكن ان يقال ان بعضها المتكسر التقمته الصخرة وبعضها الباقي استودعه موسى الجبل، وأما ما كان يتوارث فهو ما أملاه موسى عن ظهر قلبه، والاصل والبدل كلاهما عند الائمة عليهم السلام.

[ 226 ]

22 – ج، يد، ن: عن الحسن بن محمد النوفلي، في احتجاج الرضا عليه السلام على أرباب الملل قال عليه السلام: إن موسى بن عمران وأصحابه السبعين الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيدا فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما اخبرهم به ؟ فلو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فأحياهم الله عزوجل من بعد موتهم. (1) 23 – شى: عن أبي إسحاق، عمن ذكره ” وقولوا حطة ” مغفرة، حط عنا أي اغفر لنا. (2) 24 – شى: عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: ” خذوا ما آتيناكم بقوة ” أقوة في الابدان أم قوة في القلوب ؟ قال: فيهما جميعا. (3) 25 – شى: عن عبيدالله الحلبي قال: قال: ” واذكروا ما فيه ” واذكروا ما في تركه من العقوبة. (4) 26 – شى: عن محمد بن أبي حمزة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: ” خذوا ما آتيناكم بقوة ” قال: اسجدوا وضع اليدين (5) على الركبتين في الصلاة وأنت راكع. (6) 27 – شى: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” وإذ واعدنا موسى أربعين


(1) الاحتجاج: 229، توحيد الصدوق: 436، عيون الاخبار: 91 والحديث طويل أخرجه المصنف مسندا في كتاب الاحتجاجات، راجع ج 10: 299 – 318 والمذكور ههنا في ص 305. (2 و 4 و 6) تفسير العياشي مخطوط. (3) تفسير العياشي مخطوط، وأخرجه وما قبله وما بعده الحبرانى في البرهان: 1040 و 105 وأخرج عنه باسناده عن احمد بن محمد بن خالد البرقى، عن ابن أبى عمير، عن ابى المغرا، عن اسحاق بن عمار ويونس مثله. (5) هكذا في البرهان أيضا، وفى نسخة: قال: السجود ووضع اليدين.

[ 227 ]

ليلة ” قال: كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة، ثم بدا لله فزاد عشرا، فتم ميقات ربه للاول والآخر أربعين ليلة. بيان: لعل المراد بالعلم علم الملائكة، أو سمي ما كتب في لوح المحو والاثبات علما وقد مر تحقيق ذلك في باب البداء. (1) 28 – شى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: ” واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ” قال: لما ناجى موسى عليه السلام ربه أوحى الله إليه: أن يا موسى قد فتنت قومك، قال: وبماذا يا رب ؟ قال: بالسامري، قال: وما فعل السامري ؟ قال: صاغ لهم من حليهم عجلا، قال: يا رب إن حليهم لتحتمل أن يصاغ منه غزال أو تمثال أو عجل، فكيف فتنتهم ؟ قال: إنه صاغ لهم عجلا فخار، قال: يا رب ومن أخاره ؟ قال: أنا، فقال عندها موسى: ” إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ” قال: فلما انتهى موسى إلى قومه ورآهم يعبدون العجل ألقى الالواح من يده فتكسرت، فقال أبو جعفر عليه السلام: كان ينبغي أن يكون ذلك عند إخبار الله إياه. (2) قال: فعمد موسى فبرد العجل من أنفه إلى طرف ذنبه، ثم أحرقه بالنار فذره في اليم، (3) قال: فكان أحدهم ليقع في الماء وما به إليه من حاجة فيتعرض بذلك للرماد (4) فيشربه وهو قول الله: ” واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم “. (5) شى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله: وتهدي من تشاء. (6) بيان: البرد: القطع بالمبرد وهو السوهان. [ * وقال البيضاوي في قوله تعالى: ” واشربوا في قلوبهم العجل ” تداخلهم حبه


(1) راجع ج 4: 92. (2) اشارة إلى ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يرحم الله أخى موسى ليس المخبر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه وقد عرف ان ما أخبره ربه حق، وإنه لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وألقى الالواح ويأتى نحوه ايضا في الحديث 39 وفيه: للرؤية فضل على الخبر. راجعه. (3) في نسخة: فقذفه في اليم. (4) في نسخة: فيتعرض لذلك الرماد. (5) تفسير العياشي مخطوط. (6) تفسير العياشي مخطوط، وأخرجه البحراني في البرهان 1: 131. (5) من هنا إلى آخر كلام البيضاوى موجود في ننسخة مخطوطة، وخلت عنه سائر النسح، وتقدم أيضا في تفسير الايات.

[ 228 ]

ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شعفهم به كما يتداخل الصبغ الثوب والشراب أعماق البدن ” بكفرهم ” أي بسبب كفرهم وذلك لانهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري. 29 – شى: عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ” قال: بعشر ذي الحجة ناقصة حتى انتهى إلى شعبان فقال: ناقص لا يتم. (1) 30 – شى: عن فضيل بن يسار قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك وقت لنا وقتا فيهم ؟ فقال: إن الله خالف علمه علم الموقتين، أما سمعت الله يقول: ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ” إلى ” أربعين ليلة ” أما إن موسى لم يكن يعلم بتلك العشر ولا بنو إسرائيل فلما حدثهم قالوا: كذب موسى، وأخلفنا موسى، فإن حدثتم به فقولوا: صدق الله ورسوله توجروا مرتين. (2) 31 – شى: عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن موسى عليه السلام لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاد الله على الثلاثين عشرا قال قومه: أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا. (3) 32 – شى: عن محمد بن علي بن الحنفية أنه قال مثل ذلك. (4) 33 – شى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: لما سأل موسى عليه السلام ربه تبارك وتعالى قال: ” رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ” قال: فلما صعد موسى عليه السلام على الجبل فتحت أبواب السماء، و أقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد في رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج يقولون: يا ابن عمران أتيت (5) فقد سألت عظيما، قال: فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا، فلما أن رد الله عليه روحه أفاق قال: ” سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ” قال ابن أبي عمير: وحدثني عدة من أصحابنا أن النار أحاطت به حتى لا يهرب لهول ما رأى. (6)


(1 – 4 و 6) تفسير العياشي مخطوط. (5) في البرهان: يا ابن عمران أثبت. وتقدم قبلا مثله. وفيه: حتى لا يهرب من هول ما رأى.

[ 229 ]

34 – شى: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن موسى بن عمران عليه السلام لما سأل ربه النظر إليه وعده الله أن يقعد في موضع، ثم أمر الملائكة أن تمر عليه موكبا موكبا بالبرق والرعد والريح والصواعق، فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرجع رأسه (1) فيقولون له: قد سألت عظيما. (2) 35 – شى: عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قوله: ” فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ” قال: ساخ الجبل في البحر فهو يهوي حتى الساعة. (3) 36 – وفي رواية اخرى: أن النار أحاطت بموسى لئلا يهرب لهول ما رأى، وقال: لما خر موسى صعقا مات، (4) فلما أن رد الله روحه أفاق، فقال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. (5) 37 – شى: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى ” واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ” فقال موسى: يا رب و من أخار الصنم ؟ فقال الله: أنا يا موسى أخرته، (6) فقال موسى: إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. (7) 38 – شى: عن ابن مسكان، عن الوصاف، (8) عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن فيما ناجى موسى أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل فالخوار من صنعه ؟ قال: فأوحى


(1) في نسخة: فيرفع رأسه فيسأل: أفيكم ربى ؟ فيجاب هؤلاء: وقد سألت عظيما. وفى البرهان فيجاب هو آت ! وقد سألت عظيما يا ابن عمران. (2) تفسير العياشي مخطوط، وأخرجه البحراني في البرهان 2: 35. وكذا بعده. (3 و 5) تفسير العياشي مخطوط. (4) في البرهان يعنى مات. (6) في البرهان: ومن أخار العجل ؟ فقال الله: يا موسى أنا أخرته. (7) تفسير العياشي مخطوط، اخرجه وما بعده البحراني في البرهان 2: 39. (8) هكذا في النسخ والبرهان، والظاهر أن الوصاف مصحف الوصافى وهو لقب عبد الله ابن الوليد وأخيه عبيدالله، والمراد هنا الثاني بقرينة رواية ابن مسكان عنه.

[ 230 ]

الله إليه، يا موسى إن تلك فتنتي فلا تفصحني عنها. (1) بيان: لا تفصحني عنها لعله بالصاد المهملة، أي لا تسألني أن اظهر سببها، و الافصاح وإن كان لازما يمكن أن يكون التفصيح متعديا، وفي بعض النسخ بالمعجمة (2) أي لا تبين ذلك للناس فإنهم لا يفهمون. 39 – شى: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أخبر موسى أن قومه اتخذوا عجلا له خوار فلم يقع منه موقع العيان، فلما رآهم اشتد فالقى الالواح من يده، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وللرؤية فضل على الخبر. (3) 40 – كا: علي بن إبراهيم رفعه قال: أوحى الله عزوجل إلى موسى: أن لا تقتل السامري فإنه سخي. (4) 41 – مهج: من كتاب عبد الله بن حماد الانصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر عنده حزيران فقال: هو الشهر الذي دعا فيه موسى على بني إسرائيل فمات في يوم وليلة من بني إسرائيل ثلاثمائة ألف من الناس. (5) 42 – م: قال الله عزوجل: ” وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ” قال: كان موسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل: إذا فرج الله عنكم وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من عند ربكم يشتمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله فلما فرج الله عنهم أمره الله عزوجل أن يأتي للميعاد ويصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل


(1) تفسير العياشي مخطوط. (2) من فضح المعمى أي كشف سر لغزه وأظهره. ويأتى المهملة أيضا بمعنى قريب منه يقال: فصح عن كذا أي كشفه وبينه، ويمكن بعيدا أن يكون ” لا تفصخنى ” بالصاد المهملة والخاء المعجمة من فصخ عن الامر أي تغابى عنه وهو يعلمه، أي تلك اختباري وامتحانى عبادي فلا تجاهل وأنت تعلم أنها منى. ولا يخفى أن الفتنة ههنا بمعنى الابتلاء والاختبار. (3) تفسير العياشي مخطوط. (4) فروع الكافي 1: 173 باب الجود والسخاء. (5) مهج الدعوات: 536.

[ 231 ]

فظن موسى أنه بعد ذلك يعطيه الكتاب فصام ثلاثين يوما، فلما كان آخر اليوم (1) استاك قبل الفطر، فأوحى الله عزوجل إليه: يا موسى أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ؟ صم عشرا آخر ولا تستك عند الافطار، ففعل ذلك موسى عليه السلام وكان وعده الله (2) أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة، فأعطاه إياه، فجاء السامري فشبه على مستضعفي بني إسرائيل، فقال: وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة، وهذه عشرون ليلة وعشرون يوما تمت أربعون، أخطأ موسى ربه وقد أتاكم ربكم، أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى عليه السلام لحاجة منه إليه، فأظهر لهم العجل الذي كان عمله، فقالوا: كيف يكون العجل إلهنا ؟ قال: إنما هذا العجل يكلمكم منه ربكم كما كلم موسى من الشجرة، فلما سمعوا منه كلاما قالوا له: إنه في العجل كما في الشجرة، (3) فضلوا بذلك وأضلوا، فلما رجع موسى إلى قومه قال: يا أيها العجل أكان فيك ربنا (4) كما يزعم هؤلاء ؟ فنطق العجل وقال: غر ربنا من أن يكون العجل حاويا له، أو شئ من الشجرة والامكنة عليه مشتملا، لا والله يا موسى، ولكن السامري نصب عجلا مؤخره إلى حائط وحفر في الجانب الآخر في الارض وأجلس فيه بعض مردته فهو الذي وضع فاه على دبره وتكلم ما تكلم لما قال: ” هذا إلهكم وإله موسى ” يا موسى بن عمران ما خذل هؤلاء بعبادتي واتخاذي إلها إلا لتهاونهم بالصلاة على محمد وآله الطيبين، وجحودهم بموالاتهم وبنبوة النبي ووصية الوصي حتى أداهم إلى أن اتخذوني إلها، قال الله عزوجل: فإذا كان الله تعالى إنما خذل عبدة العجل لتهاونهم بالصلاة على محمد ووصيه علي فما تخافون من الخذلان الاكبر في معاندتكم لمحمد وعلي وقد شاهدتموهما وتبينتم آياتهما ودلائلهما. (5)


(1) في المصدر ونسخة: آخر الايام. (2) في المصدر: فكان وعد الله. (3) في نسخة: قال: الاله في العجل. وفى المصدر بعد قوله: من الشجرة: فالاله في العجل كما كان في الشجرة. (4) في نسخة: اكان فيك ربك ؟. (5) تفسير الامام: 99 – 100.

[ 232 ]

بيان: اعلم أن الاخبار قد اختلفت من الخاصة والعامة في أن موسى عليه السلام هل وعدهم ثلاثين فجاء بعد الاربعين، أو وعدهم أربعين، والاظهر من أكثر الاخبار السالفة أنها كانت من الاخبار البدائية وكان الثلاثون مشروطا بشرط فتم بعد ذلك أربعون، ويظهر من هذا الخبر أن السامري سول لهم شبهة فاسدة ولم يكن الميقات إلا أربعين، ويمكن كون إحداهما محمولة على التقية لكونها أشهر بين المخالفين في زمان صدور الخبر، أو يكون موسى وعدهم الثلاثين مع تجويز الاربعين فجعل لميقاته نهايتين، وبه يمكن الجمع بين الآيتين أيضا. قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: ” وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر “: ولم يقل أربعين ليلة كما قال في سورة البقرة لفائدة زائدة ذكر فيها وجوه: أحدها أن العدة كانت ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة ولو قال: أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر ولا أن الايام كانت متوالية ولا أن الشهر شهر بعينه قاله أكثر المفسرين. وثانيها أنه واعد موسى ثلاثين ليلة ليصوم فيها ويتقرب بالعبادة، ثم أتمها بعشر إلى وقت المناجاة. وقيل: هي العشر التي انزلت التوراة فيها فلذلك افردت بالذكر. وثالثها أن موسى عليه السلام قال لقومه: إني أتأخر عنكم بثلاثين يوما ليتسهل عليهم ثم زاد عليهم عشرا وليس في ذلك خلف لانه إذا تأخر عنهم أربعين ليلة فقد تأخر ثلاثين قبلها، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انتهى. (1) وقال الثعلبي: كان قد وعد قومه ثلاثين ليلة فأتمها الله بعشر حتى صارت أربعين، وعد بنو إسرائيل الثلاثين فلما لم يرجع إليهم موسى افتتنوا، وقال قوم: إنهم عدوا الليلة يوما واليوم يوما فلما مضت عشرون يوما افتتنوا. (2) 43 – م: ثم قال عزوجل: ” ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ” أي عفونا عن أوائلكم عبادتهم العجل لعلكم يا أيها الكائنون في عصر محمد من بني إسرائيل


(1) مجمع البيان 4: 473. (2) عرائس الثعلبي: 117.

[ 233 ]

تشكرون تلك النعمة على أسلافكم وعليكم بعدهم. ثم قال عليه السلام: وإنما عفا الله عزوجل عنهم لانهم دعوا الله بمحمد وآله الطيبين، وجددوا على أنفسهم الولاية لمحمد وعلي وآلهما الطاهرين، فعند ذلك رحمهم الله وعفا عنهم. ثم قال عزوجل: ” وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ” قال: واذكروا إذا آتينا موسى الكتاب وهو التوراة الذي اخذ على بني إسرائيل الايمان به (1) والانقياد لما يوجبه، والفرقان آتيناه أيضا فرق ما بين الحق والباطل وفرق ما بين المحقين والمبطلين، وذلك أنه لما أكرمهم الله (2) بالكتاب والايمان به والانقياد له أوحى الله بعد ذلك إلى موسى: يا موسى هذا الكتاب قد أقروا به وقد بقي الفرقان، فرق ما بين المؤمنين والكافرين والمحقين والمبطلين، فجدد عليهم العهد به، فإني آليت على نفسي قسما حقا لا أتقبل من أحد إيمانا ولا عملا إلا مع الايمان به، قال موسى عليه السلام: ما هو يا رب ؟ قال الله عزوجل: يا موسى تأخذ على بني إسرائيل أن محمدا خير البشر (3) وسيد المرسلين، وأن أخاه ووصيه عليا خير الوصيين، وأن أولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق، وأن شيعته المنقادين له المسلمين له أوامره ونواهيه ولخلفائه نجوم الفردوس الاعلى وملوك جنات عدن، قال: فأخذ موسى عليه السلام عليهم ذلك، فمنهم من اعتقده حقا، ومنهم من أعطاه بلسانه دون قلبه، وكان المعتقد منهم حقا يلوح على جبينه نور مبين، ومن أعطى بلسانه دون قلبه ليس له ذلك النور، فذلك الفرقان الذي أعطاء الله عزوجل موسى عليه السلام وهو فرق ما بين المحقين والمبطلين. ثم قال عز وجل: ” لعلكم تهتدون ” أي لعلكم تعلمون أن الذي به يشرف العبد عند الله عزوجل هو اعتقاد الولاية كما شرف به أسلافكم. ثم قال الله عزوجل: ” وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم


(1) في المصدر: وهو التوراة التى اخذ على بنى اسرائيل الايمان بها. (2) في نسخة: وذلك انهم لما اكرمهم الله. (3) في المصدر: خير النبيين.

[ 234 ]

فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ” قال الامام: قال الله عزوجل: واذكروا يا بني اسرائيل ” إذ قال موسى لقومه ” عبدة العجل: ” يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ” أضررتم بها ” باتخاذكم العجل ” إلها ” فتوبوا إلى بارئكم ” الذي برأكم وصوركم ” فاقتلوا أنفسكم ” يقتل بعضكم بعضا (1) يقتل من لم يعبد العجل من عبده ” ذلكم خير لكم ” ذلك القتل خير لكم ” عند بارئكم ” من أن تعيشوا في الدنيا وهو لا يغفر لكم فيتم في الحياة الدنيا خيراتكم، (2) ويكون إلى النار مصيركم، وإذا قتلتم وأنت تائبون جعل الله عزوجل القتل كفارتكم وجعل الجنة منزلكم ومقيلكم، قال الله عزوجل: ” فتاب عليكم ” قبل توبتكم قبل استيفاء القتل لجماعتكم، وقبل إتيانه على مكافاتكم، (3) وأمهلكم للتوبة واستبقاكم للطاعة ” إنه هو التواب الرحيم “. قال: وذلك أن موسى عليه السلام لما أبطل الله عزوجل على يديه أمر العجل فأنطقه بالخبر عن تمويه السامري وأمر موسى عليه السلام أن يقتل من لم يعبده من عبده تبرأ أكثرهم وقالوا: لم نعبده، فقال الله عزوجل لموسى: ابرد هذا العجل بالحديد بردا، (4) ثم ذره في البحر، فمن شرب منه ماء (5) اسود شفتاه وأنفه وبان ذنبه، ففعل فبان العابدون، فأمر الله الاثني عشر ألفا أن يخرجوا على الباقين شاهرين السيوف (6) يقتلونهم، ونادى مناد: (7) ألا لعن الله أحدا اتقاهم بيد أو رجل، ولعن الله من تأمل المقتول لعله ينسبه حميما قريبا فيتعداه إلى الاجنبي، (8) فاستسلم المقتولون، فقال القاتلون: نحن أعظم مصيبة منهم، نقتل بأيدينا آباءنا وامهاتنا وأبناءنا وإخواننا وقراباتنا ونحن لم نعبد، فقد ساوى بيننا


(1) في نسخة: بقتل بعضكم بعضا. (2) في المصدر: فيتم في الحياة الدنيا حياتكم. (3) في نسخة وفى المصدر: على كافتكم. (4) في نسخة: ابرد هذا العجل بالذهب بردا، وفى المصدر: ابرد هذا العجل الذهب بالحديد بردا (5) في المصدر: من مائه. (6) في نسخة: شاهرى السيوف. (7) في المصدر: ونادى مناديه. (8) في المصدر: يتبينه حميما أو قريبا فيتوقاه ويتعداء إلى الأجنبي.

[ 235 ]

وبينهم في المصيبة، فأوحى الله تعالى إلى موسى: إني إنما امتحنتهم بذلك لانهم ما اعتزلوهم لما عبدوا العجل ولم يهجروهم ولم يعادوهم على ذلك، قل لهم: من دعا الله بمحمد وآله الطيبين أن يسهل عليهم قتل المستحقين للقتل بذنوبهم نفعل، فقالوها (1) فسهل عليهم ولم يجدوا لقتلهم لهم ألما، فلما استمر القتل فيهم (2) وهم ستمائة ألف إلا اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل وفق الله بعضهم، فقال لبعضهم والقتل لم يفض بعد إليهم فقال: أو ليس الله قد جعل التوسل بمحمد وآله الطيبين أمرا لا يخيب معه طلبة، ولا يرد به مسألة ؟ وهكذا توسلت بهم الانبياء والرسل، فما لنا لا نتوسل بهم (3) قال: فاجتمعوا وضجوا: يا ربنا بجاه محمد الاكرم، وبجاه علي الافضل الاعظم، وبجاه فاطمة ذي الفضل والعصمة، وبجاه الحسن والحسين سبطي سيد المرسلين وسيدي شباب أهل الجنان أجمعين، وبجاه الذرية الطيبة الطاهرة من آل طه ويس لما غفرت لنا ذنوبنا، وغفرت لنا هفوتنا، (4) وأزلت هذا القتل عنا، فذلك حين نودي موسى عليه السلام من السماء: أن كف القتل فقد سألني بعضهم مسألة، وأقسم علي قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون للعجل وسألني بعضهم العصمة حتى لا يعبدوه لوفقتهم وعصمتهم، (5) ولو أقسم علي بها إبليس لهديته، ولو أقسم علي بها نمرود أو فرعون لنجيتهم، (6) فرفع عنهم القتل فجعلوا يقولون: يا حسرتنا أين كنا عن هذا الدعاء بمحمد وآله الطيبين حتى كان الله يقينا شر الفتنة ويعصمنا بأفضل العصمة ؟ ثم قال الله عزوجل: ” وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” قال: أسلافكم ” فأخذتكم الصاعقة ” أخذت أسلافكم ” وأنتم تنظرون ” إليهم ” ثم بعثناكم ” بعثنا أسلافكم ” من بعد موتكم ” أي من بعد موت أسلافكم ” لعلكم تشكرون “


(1) في المصدر: من دعا الله بمحمد وآله الطيبين يسهل عليه قتل المستحقين للقتل بذنوبهم فقالوها اه‍ (2) في المصدر: فلما استحر القتل فيهم أي اشتد. (3) ليست في نسخة لفظة ” بهم ” في الموضعين. (4) الهفوة: السقطة والزلة. (5) في المصدر. وسألوني العصمة لعصمتهم حتى لا يعبدوه. (6) في نسخة: لنجيته.

[ 236 ]

أي لعل أسلافكم يشكرون الحياة التي فيها يتوبون ويقلعون وإلى ربهم ينيبون، لم يدم عليهم (1) ذلك الموت فيكون إلى النار مصيرهم وهم فيها خالدون، قال: وذلك أن موسى عليه السلام لما أراد أن يأخذ عليهم عهد الفرقان فرق ما بين المحقين والمبطلين لمحمد صلى الله عليه وآله بنبوته ولعلي عليه السلام بإمامته، وللائمة الطاهرين بإمامتهم، قالوا: ” لن نؤمن لك ” أن هذا أمر ربك ” حتى نرى الله جهرة ” عيانا يخبرنا بذلك ” فأخذتهم الصاعقة ” معاينة ” وأنتم تنظرون ” وهم ينظرون إلى الصاعقة تنزل عليهم. وقال الله عزوجل: يا موسى إني أنا المكرم أوليائي المصدقين بأصفيائي ولا ابالي، وأنا المعذب لاعدائي الدافعين حقوق أصفيائي ولا ابالي، فقال موسى للباقين الذين لم يصعقوا: ماذا تقولون ؟ أتقبلون وتعترفون وإلا فأنتم بهؤلاء لاحقون ؟ قالوا: يا موسى لا ندري ما حل بهم لماذا أصابهم، كانت الصاعقة ما أصابتهم لاجلك إلا أنها نكبة من نكبات الدهر تصيب البر والفاجر، فإن كانت إنما أصابتهم لردهم عليك في أمر محمد وعلي وآلهما فاسأل الله ربك بمحمد وآله هؤلاء الذين تدعونا إليهم أن يحيي هؤلاء المصعوقين لنسألهم لماذا أصابهم ما أصابهم، فدعى الله عزوجل بهم موسى فأحياهم الله عزوجل، فقال لهم موسى عليه السلام: سلوهم لماذا أصابهم، فسألوهم فقالوا: يا بني إسرائيل أصابنا ما أصابنا لابائنا اعتقاد نبوة محمد مع اعتقاد إمامة علي عليه السلام، لقد رأينا بعد موتنا هذا ممالك ربنا من سماواته وحجبه وكرسيه وعرشه وجنانه ونيرانه فما رأينا أنفذ أمرا في جميع تلك الممالك وأعظم سلطانا من محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وإنا لما متنا بهذه الصاعقة ذهب بنا إلى النيران فناداهم محمد وعلي عليهما الصلاة والسلام كفوا عن هؤلاء عذابكم، فهؤلاء يحيون بمسألة سائل ربنا عزوجل بنا (2) وبآلنا الطيبين وذلك حين لم يقذفونا في الهاوية، فأخرونا إلى أن بعثنا بدعائك يا موسى بن عمران بمحمد وآله الطيبين، فقال الله عزوجل لاهل عصر محمد صلى الله عليه وآله: فإذا كان بالدعاء بمحمد وآله الطيبين نشر ظلمة أسلافكم المصعوقين بظلمهم أفلا يجب عليكم أن لا تتعرضوا لمثل


(1) في المصدر: ولم يدم عليهم. (2) في المصدر: سائل يسأل.

[ 237 ]

ما هلكوا به إلى أن أحياهم الله عزوجل ؟ (1) 44 – كا: علي، عن أبيه ومحمد بن القاسم، (2) عن محمد بن سليمان، عن داود بن حفص بن غياث، (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: انزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان. (4) 45 – كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الاهوازي، عن الجوهري، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. (5) 46 – ع: بإسناده عن يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله لم سمي الفرقان فرقانا ؟ قال: لانه متفرق الآيات والسور، انزلت في غير الالواح وغير الصحف، والتوراة والانجيل والزبور انزلت كلها جملة في الالواح والورق. الحديث. (6) 47 – م: قوله تعالى: ” وإذ أخذنا ميثاقكم ” الآية قال الامام عليه السلام: أي فاذكروا إذ أخذنا ميثاقكم وعهودكم أن تعملوا بما في التوراة وبما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمد وعلي والطيبين من آلهما بأنهم سادة الخلق، والقوامون بالحق، وإذ أخذنا ميثاقكم أن تقروا به وأن تؤدوه إلى أخلافكم، وتأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم إلى آخر مقدراتي في الدنيا، ليؤمنن بمحمد نبي الله، وليسلمن له ما يأمرهم في علي ولي الله (7) عن الله، وما يخبرهم به من أحوال خلفائه بعده القوامين بحق الله فأبيتم قبول ذلك واستكبرتموه ” فرفعنا فوقكم الطور ” الجبل، أمرنا جبرئيل أن يقطع من جبل فلسطين قطعة على قدر معسكر أسلافكم فرسخا


(1) تفسير العسكري – 100 – 102. (2) في المصدر: عن محمد بن القاسم (ومحمد بن القاسم خ ل). (3) هكذا في المطبوع ونسخة مخطوطة، وليست الرواية في نسخة مخطوطة اخرى، وفى المصدر: عن داود عن حفص بن غياث، والحديث مقطع يأتي تمامه في محله. (4) الاصول 2: 628 و 629. (5) فروع الكافي 1: 206. (6) علل الشرائع: ص 161. (7) في المصدر. وليسلمن له ما يأمرهم أن يؤدوهم في على والله.

[ 238 ]

في فرسخ، فقطعها وجاء بها فرفعها فوق رؤوسهم، فقال موسى عليه السلام: إما أن تأخذوا بما امرتم به فيه، وإما أن القي عليكم هذا الجبل، فالجئوا إلى قبوله كارهين إلا من عصمه الله من العناد، فإنه قبله طائعا مختارا، ثم لما قبلوه سجدوا وعفروا وكثير منهم عفر خديه لا لارادة الخضوع لله ولكن نظر إلى الجبل هل يقع أم لا، وآخرون سجدوا مختارين طائعين. (1) 48 – م: قوله عزوجل: ” وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ” قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: اذكروا إذ فعلنا ذلك بأسلافكم لما أبوا قبول ما جاءهم به موسى عليه السلام من دين الله وأحكامه، ومن الامر بتفضيل محمد وعلي وخلفائهما على سائر الخلق ” خذوا ما آتيناكم ” قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم من هذه الفرائض بقوة قد جعلناها لكم، ومكناكم بها، وأزحنا (2) عللكم في تركيبها فيكم ” واسمعوا ” ما يقال لكم وتؤمرون به ” قالوا سمعنا ” قولك ” وعصينا ” أمرك، أي أنهم عصوا بعده، وأضمروا في الحال أيضا العصيان ” واشربوا في قلوبهم العجل ” امروا بشرب العجل الذي كان قد ذرئت سحالته (3) في الماء الذي امروا بشربه ليبين لهم من عبده (4) ممن لم يعبده ” بكفرهم ” لاجل كفرهم امروا بذلك ” قل ” يا محمد: ” بئسما يأمركم به إيمانكم ” بموسى كفركم بمحمد وعلي وأولياء الله من أهلهما ” إن كنتم مؤمنين ” بتوراة موسى، ولكن معاذ الله لا يأمركم إيمانكم بالتوراة الكفر بمحمد وعلي عليهما السلام. قال الامام عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تعالى ذكر بني إسرائيل في


(1) تفسير العسكري: 105 – 106. (2) أي أزلنا. (3) السحالة: برادة الذهب والفضة. وهى ما سقط منهما عند البرد. (4) في المصدر: ليبين من عبده.

[ 239 ]

عصر محمد صلى الله عليه وآله أحوال آبائهم الذين كانوا في أيام موسى عليه السلام كيف أخذ عنهم العهد (1) والميثاق لمحمد وعلي وآلهما الطيبين المنتجبين للخلافة على الخلائق ولاصحابهما وشعيتهما وسائر امة محمد عليه الصلاة والسلام. فقال: ” وإذ أخذنا ميثاقكم ” اذكروا إذ أخذنا ميثاق آبائكم ” ورفعنا فوقكم الطور ” الجبل لما أبوا قبول ما اريد منهم والاعتراف به ” خذوا ما آتيناكم ” أعطيناكم (2) ” بقوة ” يعني بالقوة التي أعطيناكم تصلح لذلك ” واسمعوا ” أي أطيعوا فيه ” قالوا سمعنا ” بآذاننا وعصينا بقلوبنا، فأما في الظاهر فأعطوا كلهم الطاعة (3) داخرين صاغرين، ثم قال: ” و اشربوا في قلوبهم العجل ” عرضو الشرب العجل الذي عبدوه حتى وصل ما شربوا من ذلك إلى قلوبهم، وقال: إن بني إسرائيل لما رجع إليهم موسى وقد عبدوا العجل تلقوه بالرجوع عن ذلك، فقال لهم موسى: من الذي عبده منكم حتى انفذ فيه حكم الله ؟ خافوا حكم الله الذي ينفذه فيهم فجحدوا أن يكونوا عبدوه، وجعل كل واحد منهم يقول: أنا لم أعبده وعبده غيري، (4) ووشى بعضهم ببعض، (5) فلذلك ما حكى الله عن موسى من قوله للسامري: ” وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نفسا ” فأمره الله فبرده (6) بالمبارد وأخذ سحالته فذرأها في البحر العذب، ثم قال لهم: اشربوا منه، فشربوا فكل من كان عبده اسود شفتاه وأنفه ممن كان أبيض اللون، ومن كان منهم أسود اللون ابيض شفتاه وأنفه فعند ذلك أنفذ فيهم حكم الله. ثم قال الله تعالى للموجودين من بني إسرائيل في عصر محمد صلى الله عليه وآله على لسانه: ” قل ” يا محمد لهؤلاء المكذبين بك بعد سماعهم ما اخذ على أوائلهم لك ولاخيك علي ولآلكما و


(1) في المصدر: كيف اخذ عليهم. (2) في المصدر: ما اعطيناكم. (3) في المصدر: فاعطوا كلهم الجزية. والظاهر انه مصحف، جاء من قبل النساخ. (4) في نسخة: وانما عبده غيرى. (5) وشى به: نم عليه وسعى به. (6) برد الحديد: اخذ منه بالمبرد، والمبرد: آلة البرد، يقال بالفارسية. سوهان.

[ 240 ]

لشيعتكما ” بئسما يأمركم به إيمانكم ” أن تكفروا بمحمد وتستخفوا بحق علي وآله وشيعته ” إن كنتم مؤمنين ” كما تزعمون بموسى والتوراة. قال عليه السلام: وذلك أن موسى عليه السلام كان وعد بني إسرائيل أنه يأتيهم بكتاب من عند الله يشتمل على أوامره ونواهيه وحدوده وفرائضه بعد أن ينجيهم الله من فرعون وقومه، فلما نجاهم وصاروا بقرب الشام جاءهم بالكتاب من عند الله كما وعدهم، وكان فيه: إني لا أتقبل عملا ممن لا يعظم محمدا وعليا وآلهما الطيبين ولم يكرم أصحابهما (1) ومحبيهما حق تكريمهم، يا عبيدالله (2) ألا فاشهدوا أن محمدا خير خليقتي وأفضل بريتي، وأن عليا أخوه ووصيه (3) ووارث علمه وخليفته في امته وخير من يخلفه بعده، وأن آل محمد أفضل آل النبيين وأصحاب محمد أفضل صحابة المرسلين، وامة محمد خير الامم أجمعين. فقال بنو إسرائيل: لا نقبل هذا يا موسى، هذا عظيم يثقل علينا، بل نقبل من هذه الشرائع ما يخف علينا، وإذا قبلناها قلنا: إن نبينا أفضل نبي، وآله أفضل آل، و صحابته أفضل صحابة، ونحن امته أفضل من امة محمد، ولسنا نعترف بالفضل لقوم لا نراهم ولا نعرفهم، فأمر الله جبرئيل فقطع بجناح من أجنحته من جبل من جبال فلسطين على قدر معسكر موسى عليه السلام وكان طوله في عرضه فرسخا في فرسخ، ثم جاء به فوقفه على رؤوسهم، وقال: إما أن تقبلوا ما أتاكم به موسى وإما وضعت عليكم الجبل فطحطحتكم تحته، فلحقهم من الجزع والهلع (4) ما يلحق أمثالهم ممن قوبل بهذه المقابلة، (5) فقالوا: يا يا موسى كيف نصنع ؟ قال موسى: اسجدوا لله على جباهكم ثم عفروا خدودكم اليمنى ثم اليسرى في التراب، وقولوا: يا ربنا سمعنا وأطعنا وقبلنا واعترفنا وسلمنا ورضينا، قال: ففعلوا هذا الذي قال لهم موسى قولا وفعلا غير أن كثيرا منهم خالف قلبه ظاهر أفعاله


(1) في المصدر: ولم يكرم اصحابهما وشيعتهما. (2) في نسخة: يا عباد الله. (3) في المصدر: وصفيه. (4) الهلع: الفزع والجزع. (5) في المصدر: من عومل بهذه المعاملة خ ل.

[ 241 ]

وقال بقلبه: سمعنا وعصينا مخالفا لما قال بلسانه، وعفروا خدودهم اليمنى (1) وليس قصدهم التذلل لله تعالى والندم على ما كان منهم من الخلاف، ولكنهم فعلوا ذلك ينظرون هل يقع عليهم الجبل أم لا، ثم عفروا خدودهم اليسرى ينظرون كذلك، ولم يفعلوا ذلك كما امروا. فقال جبرئيل لموسى عليه السلام: أما إن أكثرهم لله تعالى عاصون، ولكن الله تعالى أمرني أن ازيل عنهم هذا الجبل عند ظاهر اعترافهم في الدنيا فإن الله إنما يطالبهم في الدنيا بظواهرهم لحقن دمائهم، وإبقاء الذمة لهم، (2) وإنما أمرهم إلى الله في الآخرة يعذبهم على عقودهم وضمائرهم، فنظر القوم إلى الجبل وقد صار قطعتين: قطعة منه صارت لؤلؤة بيضاء فجعلت تصعد وترقى حتى خرقت السماوات وهم ينظرون إليها إلى أن صارت إلى حيث لا يلحقها أبصارهم، وقطعة صارت نارا ووقعت على الارض بحضرتهم فخرقتها و دخلتها وغابت عن عيونهم، فقالوا: ما هذان المفترقان من الجبل ؟ فرق صعد لؤلؤا وفرق انحط نارا ؟ (3) قال لهم موسى: أما القطعة التي صعدت في الهواء فإنها وصلت إلى السماء فخرقتها إلى أن لحقت بالجنة فأضعفت أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله، وأمر الله أن يبنى منها للمؤمنين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومنازل ومساكن مشتملة على أنواع النعمة التي وعدها المتقين من عباده، من الاشجار والبساتين والثمار والحور الحسان والمخلدين من الولدان كاللآلي المنثورة، وسائر نعيم الجنة وخيراتها، وأما القطعة التي انحطت إلى الارض فخرقتها ثم التي تليها إلى أن لحقت بجهنم فأضعفت أضعافا كثيرة، وأمر الله تعالى أن يبنى منها للكافرين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومساكن ومنازل مشتملة على أنواع العذاب التي وعدها الكافرين من عباده، من بحار نيرانها وحياض غسلينها وغساقها وأودية قيحها ودمائها وصديدها وزبانيتها بمرزباتها وأشجار زقومها وضريعها (4) وحياتها


(1) في المصدر: وعفروا خدودهم اليمنى بالتراب. (2) الذمة: الامان والعهد والضمان. (3) في المصدر: فرقة صعدت لؤلؤا وفرقة انحطت نارا ؟. (4) الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار. الغساق: ماء بارد منتن أو ما يسيل من صديد أهل النار الصديد: قيح ودم، وهو ما يسيل من جوف أهل جهنم. أو الحميم اغلى حتى خثر. مرازب جمع المرزبة: عصية من حديد. الزقوم: شجرة في جهنم ومنها طعام أهل النار. ونبات بالبادية له زهر ياسمينى الشكل. الضريع: شئ في جهنم أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار. و نبات منتن يرمى به البحر. ونوع من الشكوك لا تأكله الدواب لخبثه وهو يبيس الشبرق.

[ 242 ]

وعقاربها وأفاعيها وقيودها وأغلالها وسلالها وأنكالها وسائر أنواع البلايا والعذاب المعد فيها. ثم قال محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لبني إسرائيل: أفلا تخافون عقاب ربكم في جحدكم لهذه الفضائل التي اختص بها محمدا وعليا وآلهما الطيبين ؟. (1) بيان: الساحة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما كالبرادة. وطحطحت الشئ: كسرته وفرقته. 49 – ير: اليقطيني، عن محمد بن عمر، عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا عبد الله ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى عليهم السلام ؟ قال: قلت: جعلت فداك ومن أي الحالات تسألني ؟ قال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء، قلت: جعلت فداك فما عسى أقول فيهم ؟ قال: هو والله أعلم منهما، ثم قال: يا عبد الله أليس يقولون (2) لعلي ما للرسول من العلم ؟ قال: قلت: بلى، قال: فخاصمهم فيه إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: ” وكتبنا له في الالواح من كل شئ ” فأعلمنا أنه لم يبين له الامر كله، (3) و قال تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وآله: ” وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (4) ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ “. (5) أقول: ستأتي الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب الامامة. 50 – كش: خلف بن حامد، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي عمير، عن يحيى الحبي، عن أيوب بن الحر، عن بشير، عن أبي عبد الله عليه السلام، وحدثني ابن مسعود، عن الحسن بن علي ابن فضال، (6) عن العباس بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي


(1) تفسير العسكري: 170 – 173. (2) أي العامة، وهم معترفون بذلك لما رووا من حديث مدينة العلم، وقوله: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله الف باب من العلم إه‍ وغير ذلك مما تدل على سعة علمه وان محله محل هارون من موسى. وفى بعض النسخ. أليس تقولون اه‍. (3) لانه تعالى قال: ” من كل شئ موعظة ” ولكن قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ “. (4) ” وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ” النحل: 92. (5) بصائر الدرجات: 62. (6) في نسخة وفى المصدر: على بن الحسن بن فضال.

[ 243 ]

عبد الله عليه السلام قالا: قلنا لابي عبد الله عليه السلام: إن عبد الله بن عجلان مرض مرضه الذي مات فيه، وكان يقول: إني لا أموت من مرضي هذا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أيهات أيهات (1) أنى ذهب ابن عجلان ؟ لاعرفه الله قبيحا من عمله إن موسى بن عمران اختار من قومه سبعين رجلا، فلما أخذتهم الرجفة كان موسى أول من قام منها، فقال: يا رب أصحابي، فقال: يا موسى إني ابدلك منهم خيرا، قال: رب إني وجدت ريحهم وعرفت أسماءهم، قال ذلك ثلاثا، فبعثهم الله أنبياء. (2) شى: محمد بن سالم بياع القصب، عن الحارث بن المغيرة مثله. وفيه: لاعرفه الله شيئا من ذنوبه، (3) وفيه: إني ابدلك بهم من هو خير لك منهم. (4) شى: عن أبان بن عثمان، عن الحارث مثله إلا أنه ذكر: فلما أخذتهم الصاعقة، ولم يذكر الرجفة. (5) بيان: قوله: (لاعرفه الله) دعاء له بالمغفرة إذ بالعذاب وبذكر القبائح له على وجه اللوم يعرفها، ولعل ابن عجلان إنما حكم بعدم موته في ذلك المرض لما سمع منه عليه السلام من كونه من أنصار القائم عجل الله فرجه ونحو ذلك، فأشار عليه السلام إلى أنه لم يعرف معنى كلامنا، بل إنما يحصل ذلك له في الرجعة، كما أن السبعين ماتوا ثم رجعوا بدعاء موسى عليه السلام. ولعل ما صدر عنهم أيضا كان سؤالا من قبل القوم لا اقتراحا منهم لئلا ينافي صيرورتهم أنبياء، أو يكون المراد كونهم تالين للانبياء في الفضل، أو يكون النبي هنا بمعناه اللغوي أي رجعوا مخبرين بما رأوا، أو يقال: إنه يكفي عصمتهم بعد الرجعة وفيه إشكال، ويأبى عن أكثر الوجوه ما سيأتي في باب أحوال سلمان رضي الله عنه أنه قال في خطبة له: فقد ارتد


(1) لغة في هيهات. وفى نسخة من المصدر: هيهات. (2) رجال الكشى: 158 و 159. (3) في تفسير البرهان: لاغفر الله شيئا من ذنوبه. (4 و 5) تفسير العياشي مخطوط، أخرجهما البحراني عنه في تفسير البرهان 2: 38.

[ 244 ]

قوم موسى عن الاسباط ويوشع وشمعون وابني هارون شبر وشبير (1) والسبعين الذين اتهموا موسى على قتل هارون، فأخذتهم الرجفة من بغيهم، ثم بعثهم الله أنبياء مرسلين وغير مرسلين. (2) 51 – فس: ” وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ” قال الصادق عليه السلام: لما أنزل الله التوراة على بني إسرائيل لم يقبلوه، فرفع الله عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل، فقبلوه وطأطؤوا رؤوسهم. (2) تكملة: قال الثعلبي: قال قتادة: كان السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق، وقال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان وقال غيرهما: كان رجلا صائغا من أهل باجرمي (4) واسمه ميخا. (5) وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد أظهر الاسلام، وكان من قوم يعبدون البقر. (6) وقال هارون لبني إسرائيل: إن حلي القبط غنيمة فلا تحل لكم فاجمعوها واحفروا لها حفيرة وادفنوها حتى يرجع موسى عليه السلام فيرى فيها رأيه، ففعلوا وجاء السامري بالقبضة التي أخذها من تحت حافر جبرئيل فقال لهارون: يا نبي الله أقذفها فيها ؟ فظن هارون أنه من الحلي، فقال: اقذف، فقذفها فصار عجلا جسدا له خوار. وقال ابن عباس: أوقد هارون نارا وأمرهم بأن يقذفوها فيها فقذف السامري تلك


(1) قال الفيروزآبادى في القاموس: شبر كبقم وشير كقمير ومشبر كمحدث: أبناء هارون عليه السلام، قيل: وبأسمائهم سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين والمحسن رضى الله عنهم. (2) قد ذكرنا قبلا انه يخالف ما عليه الامامية من عصمة الانبياء. (3) تفسير القمى: 229. (4) بفتح الجيم وسكون الراء قال ياقوت: قرية من اعمال البليخ قرب الرقة من ارض الجزيرة. (5) قال البغدادي في المحبر ص 387: اسمه ميخا بن رعويل بن قاهث بن لاوى. وقال: كان اسم عجله بهيوثا. (6) قال المسعودي في اثبات الوصية: كان السامري صائغا كاهنا يتنجم فرأى في نجومه ان بنى اسرائيل يقطعون البحر فدخل معهم ولم يكن منهم، وكان من قرية من ارض مدينة الموصل من قوم يعبدون البقر.

[ 245 ]

القبضة فيها وقال: كن عجلا جسدا له خوار فكان، ويقال: إن الذي قال لبني إسرائيل: إن الغنيمة لا تحل لكم هو السامري فصدقوه فدفعوها إليه، فصاغ منها عجلا في ثلاثة أيام، فقذف فيه القبضة فحي وخار خورة. وقال السدي: كان يخور ويمشي، فلما أخرج السامري العجل وكان من ذهب مرصع بالجوهر كأحسن ما يكون فقال: ” هذا إلهكم وإله موسى فنسي ” أي أخطأ الطريق وتركه ههنا وخرج يطلبه فلذلك أبطأ عنكم. وفي بعض الروايات: إنه لما قذف القبضة فيها أشعر العجل وعدا وخار وصار له لحم ودم. ويروى أن إبليس ولج وسطه فخار ومشى، ويقال: إن السامري جعل مؤخر العجل إلى حائط وحفر في الجانب الآخر في الارض وأجلس فيه إنسانا فوضع فمه على دبره وخار و تكلم بما تكلم به فشبه على جهالهم حتى أظلهم، وقال: إن موسى قد أخطأ ربه فأتاكم ربكم ليريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه وإنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه وإنه قد أظهر لكم العجل ليكلمكم من وسطه كما كلم موسى من الشجرة، فافتتنوا به إلا اثني عشر ألفا، وكان مع هارون ستمائة ألف، فلما رجع موسى وقرب منهم سمع اللغط (1) حول العجل وكانوا يزفنون ويرقصون حوله، ولم يخبر موسى أصحابه السبعين بما أخبره ربه من حديث العجل، فقالوا: هذا قتال في المحلة ؟ فقال موسى عليه السلام: ولكنه صوت الفتنة افتتن القوم بعدنا بعبادة غير الله، فلما رآهم وما يصنعون ألقى الالواح من يده فتكسرت، فصعد عامة الكلام الذي كان فيها ولم يبق منها إلا سدسها، ثم اعيدت له في لوحين، عن ابن عباس. وعن تميم الداري: قال: قلت يا رسول الله: مررت بمدينة صفتها كيت وكيت قريبة من ساحل البحر، فقال رسول الله: تلك أنطاكية أما إن في غار من غير انها رضاض (2) من ألواح موسى، وما من سحابة شرقية ولا غربية تمر بها إلا ألقت عليها من بركاتها، ولن تذهب الايام والليالي حتى يسكنها رجل من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما


(1) اللغط: الصوت والجبلة، أو أصوات مبهمة لا تفهم. (2) في المصدر: ” رضاضا ” وهو الصحيح.

[ 246 ]

قالوا: فأخذ موسى شعر رأس هارون عليه السلام بيمينه ولحيته بشماله، وكان قد اعتزلهم في الاثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل، وقال يا هارون: ” ما منعك ” الآية. فلما علم بنو إسرائيل خطأهم ندموا واستغفروا فأمرهم موسى أن يقتل البرئ المجرم فتبرأ أكثرهم، فأمر الله موسى أن يبرد العجل بالمبرد ويحرقه ثم يذريه في النيل فمن شرب ماءه ممن عبد العجل اصفر وجهه واسودت شفتاه، وقيل: نبت على شاربه الذهب، فكان ذلك علما لجرمه، فأخذ موسى عليه السلام العجل فذبحه، ثم برده بالمبارد، ثم حرقه وجمع رماده وأمر السامري حتى بال عليه استخفافا به ثم ذرأه في الماء، ثم أمرهم بالشرب من ذلك الماء فاسودت شفاه الذين عبدوه واصفرت وجرههم فأقروا وقالوا: لو أمرنا الله سبحانه أن نقتل أنفسنا ليقبل توبتنا لقتلناها، فقيل لهم: ” فاقتلوا أنفسكم ” فجلسوا في الافنية محتبين (1) وأصلت القوم (2) عليهم خناجر، فكان الرجل يرى ابنه و أباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لامر الله سبحانه، (3) فأرسل الله عليهم ضبابة (4) وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا، وقيل لهم: من حل حبوته (5) أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود توبته، فكانوا يقتلونهم إلى المساء فلما كثر فيهم القتل وبلغ عدة القتلى سبعين ألفا دعا موسى وهارون وبكيا وجزعا وتضرعا وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يرفعوا السلاح ويكفوا عن القتل، فلما انكشفت السحابة عن القتلى اشتد ذلك على موسى عليه السلام فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن يدخل (6) القاتل والمقتول الجنة ؟ فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنبه. ثم إن موسى عليه السلام هم بقتل السامري فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه: لا تقتله


(1) احتبى بالثوب: اشتمل به، جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. (2) هكذا في النسخ، ولعله مصحف ” وأسلت القوم ” من أسل الرمح: حدده. جعله كالاسل. وفى المصدر: وأظلت عليهم القوم بالسيوف والخناجر. (3) في المصدر: فلم يمكنه الا امضاء أمر الله. (4) الضبابة: سحابة يغشى الارض. (5) الحبوة: ما يشتمل به من ثوب أو عمامة. (6) في نسخة: أن أدخل. (*)

[ 247 ]

فإنه سخي، فعلنه موسى وقال: ” اذهب فإن لك في الحيوة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا ” لعذابك في القيامة ” لن تخلفه ” وأمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه، فصار السامري وحشيا لا يألف ولا يؤلف، ولا يدنو من الناس ولا يمس أحدا منهم، فمن مسه قرض ذلك الموضع بالمقراض، فكان كذلك حتى هلك. قالوا: ثم إن الله سبحانه أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من خيار بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة قومهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا فأمر عليه السلام أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ويتطيبوا. ثم خرج موسى عليه السلام بهم إلى طور سيناء فلما دنا موسى عليه السلام الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى عليه السلام ودخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان عليه السلام إذا كلم ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودخل القوم في الغمام فخروا سجدا، فسمعوا الله سبحانه وهو يكلم موسى ويأمره وينهاه، وأسمعهم الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. فلما فرغ موسى من الكلام وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: ” لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ” وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا. وقال وهب: بل أرسل الله إليهم جندا من السماء فلما سمعوا حسهم ماتوا يوما وليلة، فقال موسى: ” رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ” يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ؟ فلم يزل موسى يناشد ربه عزوجل حتى أحياهم الله جميعا رجلا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فذلك قوله تعالى: ” ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون “. (1) قالوا: فلما رجع موسى عليه السلام إلى قومه وقد أتاهم بالتوراة أبوا أن يقبلوها و يعملوا بما فيها للآصار (2) والاثقال والاغلال التي كانت فيها، فأمر الله تعالى جبرئيل فقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل


(1) العرائس 117 – 119. (2) جمع الاصر وهو الثقل. العهد.

[ 248 ]

وعن ابن عباس أمر الله جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، فذلك قوله سبحانه: ” وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ” الآية وقوله: ” وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة “. قال عطا عن ابن عباس: رفع الله تعالى فوق رؤوسهم الطور، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل لهم: ” خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ” فإن قبلتموه وفعلتم ما امرتم به وإلا رضختكم بهذا الجبل، وغرقتكم في هذا البحر (1) وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم منها قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، فلما زال الجبل قالوا: سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك. وروى قتادة عن الحسن قال: مكث موسى عليه السلام بعدما تغشاه نور رب العالمين و انصرف إلى قومه أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات حتى اتخذ لنفسه برنسا وعليه برقع لا يبدي وجهه لاحد مخافة أن يموت. (2)


(1) الصحيح كما في المصدر: اغرقتكم في هذا البحر. (2) العرائس: 117.

[ 249 ]

* (باب 8) * * (قصة قارون) * الايات: القصص ” 28 ” إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنما اوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قدأ ؟ لك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما اوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين اوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون 76 – 82. تفسير: ” لا تفرح ” أي لا تأشر ولا تمرح ولا تتكبر بسبب كنوزك ” ولا تنس نصيبك من الدنيا ” أي لا تترك أن تحصل بها آخرتك أو أن تأخذ منها ما يكفيك. 1 – فس: قال علي بن إبراهيم في قوله: ” إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولي القوة ” والعصبة ما بين العشرة إلى خمسة عشر (1) قال: كان يحمل مفاتيح خزائنه العصبة اولي القوة، فقال قارون كما حكى الله: ” إنما اوتيته على علم عندي ” يعني ماله، وكان يعمل الكيمياء، فقال الله: ” أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ” أي لا يسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء ” فخرج


(1) في نسخة وفى المصدر: إلى تسعة عشر.

[ 250 ]

على قومه في زينته ” قال: في الثياب المصبغات يجرها بالارض (1) ” فقال الذين يريدون الحيوة الدنيا ياليت لنا مثل ما اوتي قارون إنه لذوحظ عظيم ” فقال لهم الخاص من أصحاب موسى عليه السلام: ” ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله ” قال: هي لغة سريانية (2) ” يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون “. وكان سبب هلاك قارون أنه لما أخرج موسى بني إسرائيل من مصر وأنزلهم البادية أنزل الله عليهم المن والسلوى وانفجر لهم من الحجر اثنا عشرة عينا بطروا وقالوا: ” لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال لهم موسى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ” فقالوا كما حكى الله: ” إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ” ثم قالوا لموسى: ” اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ” ففرض الله عليهم دخولها وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الارض، فكانوا يقومون من أول الليل ويأخذون في قراءة التوراة والدعاء والبكاء، وكان قارون منهم، وكان يقرء التوراة ولم يكن فيهم أحسن صوتا منه، وكان يسمى الم‍ ؟ ون لحسن قراءته، وقد كان يعمل الكيمياء، فلما طال الامر علي بني إسرائيل في التيه والتوبة وكان قارون قد امتنع أن يدخل معهم في التوبة وكان موسى يحبه فدخل إليه موسى فقال له: يا قارون قومك في التوبة وأنت قاعد ههنا ادخل معهم وإلا نزل بك العذاب، فاستهان به واستهزأ بقوله، فخرج موسى من عنده مغتما فجلس في فناء قصره وعليه جبة شعر، ونعلان من جلد حمار شراكهما من خيوط شعر، بيده العصا، فأمر قارون أن يصب عليه رماد قد خلط بالماء، فصب عليه، فغضب موسى غضبا شديدا، وكان في كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت


(1) في نسخة: يجرها في الارض. (2) في نسخة وفى المصدر: وهى لفظة سريانية. (*)

[ 251 ]

من ثيابه وقطر منها الدم، فقال موسى: يا رب إن لم تغضب لي فلست لك بنبي ! فأوحى الله إليه قد أمرت السماوات والارض أن تطعك فمرهما بما شئت، (1) وقد كان قارون أمر أن يغلق باب القصر، فأقبل موسى فأومأ إلى الابواب فانفرجت ودخل عليه، فلما نظر إليه قارون علم أنه قد اوتي بالعذاب، (2) فقال: يا موسى أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فقال له موسى: يا ابن لاوي لا تردني من كلامك، يا أرض خذيه، فدخل القصر بما فيه في الارض، ودخل قارون في الارض إلى الركبة (3) فبكى وحلفه بالرحم، فقال له موسى: يا ابن لاوي لا تردني من كلامك، (4) يا أرض خذيه، فابتلعته بقصره وخزائنه، وهذا ما قال موسى لقارون يوم أهلكه الله، فعيره الله بما قاله لقارون، فعلم موسى أن الله قد عيره بذلك، فقال: يا رب إن قارون دعاني بغيرك، ولو دعاني بك لاجبته، فقال الله: يا ابن لاوي لا تردني من كلامك، فقال موسى: يا رب لو علمت أن ذلك لك رضى لاجبته، فقال الله تعالى: يا موسى وعزتي وجلالي وجودي (5) ومجدي وعلو مكاني لو أن قارون كما دعاك دعاني لاجبته، ولكنه لما دعاك وكلته إليك، يا ابن عمران لا تجزع من الموت فإني كتبت الموت على كل نفس، وقد مهدت لك مهادا لو قد وردت عليه لقرت (6) عيناك، فخرج موسى إلى جبل طور سيناء مع وصيه، فصعد موسى الجبل فنظر إلى رجل قد أقبل ومعه مكتل ومسحاة، (7) فقال له موسى: ما تريد ؟ قال: إن رجلا من أولياء الله قد توفي فأنا أحفر له قبرا، فقال له موسى: أفلا اعينك ؟ عليه ؟ قال: بلى، قال: فحفرا القبر فلما فرغا أراد الرجل أن ينزل إلى القبر، فقال له موسى: ما


(1) في نسخة: قد امرت الارض ان تطيعك فمرها بما شئت. وكذا في المصدر الا ان فيه: الارضين. (2) في المصدر: قد اتى بالعذاب. (3) في نسخة وفى المصدر: إلى ركبتيه. (4) في نسخة لا يردنى كلامك. (5) في نسخة وفى المصدر: وحق جودى. (6) في نسخة: لقرت عينك. (7) المكتل والمكتلة: زنبيل من خوص. والمسحاة: ما يسحى به كالمجرفة

[ 252 ]

تريد ؟ قال: أدخل القبر فأنظر كيف مضجعه ؟ فقال موسى: أنا أكفيك، فدخله موسى فاضطجع فيه فقبض ملك الموت روحه وانضم عليه الجبل. (1) بيان: قوله تعالى: ” كان من قوم موسى ” قيل: كان ابن عمه يصهر بن قاهث، وموسى ابن عمران بن قاهث، وقيل: كان ابن خالته، قال الطبرسي: وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: كان عم موسى. (2) وقال الطبرسي رحمه الله: ناء بحمله ينوء نوءا: إذا نهض به مع ثقله عليه. (3) والمفاتح هنا: الخزائن في قول أكثر المفسرين، وقيل: هي المفاتيح التي تفتح بها الابواب، وروى الاعمش عن خثيمة قال: كانت من جل‍ ؟ د كل مفتاح مثل الاصبع. واختلف في معنى العصبة فقيل: ما بين عشرة إلى خمسة عشر وقيل: ما بين عشرة إلى أربعين، وقيل: أربعون رجلا، وقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إنهم الجماعة يتعصب بعضهم لبعض. قوله: ” إنما اوتيته على علم ” قال البيضاوي: أي فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق عليهم بالجاه والمال، و ” على علم ” في موضع الحال، وهو علم التوراة وكان أعلمهم، وقيل هو علم الكيمياء، وقيل: علم التجارة والدهقنة وسائر المكاسب، وقيل: علمه بكنوز يوسف. (4) ” ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون ” سؤال استعلام فإنه تعالى مطلع عليها، أو معاتبة فإنهم يعذبون بها بغتة. قوله: ” ويكأن الله ” قال البغوي: قال الفراء: ويكأن كلمة تقرير، وعن الحسن أنه كلمة ابتداء، وقيل هو تنبيه بمنزلة ألا، وقال قطرب: ويك بمعنى ويلك وأن منصوب بإضمار اعلم، وقال البيضاوي عند البصريين مركب من ” وي ” للتعجب و ” كأن ” للتشبيه، والمعنى: ما أشبه الامر إن الله يبسط (5) قوله: (لا تردني من كلامك) أي لا تقصدني بسبب كلامك، أي لا تكلمني، وفي


(1) تفسير القمى: 491 – 493. (2) مجمع البيان 7: 266. وفيه: وقيل كان ابن عم موسى عليه السلام لحا انتهى. ولحا بالتشديد أي لاصق النسب. (3) مجمع البيان 7: 265. (4) انوار التنزيل 2: 89. (5) انوار التنزيل 2: 89. وفيه: ان الله يبسط الرزق.

[ 253 ]

بعض النسخ بالزاي المعجمة، وفي بعضها (لا يردني كلامك). 2 – فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر يونس قال: فدخل الحوت في بحر القلزم، ثم خرج إلى بحر مصر، ثم دخل إلى بحر طبرستان، ثم خرج في دجلة الغوراء. (1) قال: ثم مرت به تحت الارض حتى لحقت بقارون، وكان قارون هلك في أيام موسى ووكل الله به ملكا يدخله في الارض كل يوم قامة رجل، وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره، فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به: أنظرني فإني أسمع كلام آدمي، فأوحى الله إلى الملك الموكل به: أنظره، فأنظره، ثم قال قارون: من أنت ؟ قال يونس: أنا المذنب الخاطئ يونس بن متى، قال: فما فعل شديد الغضب لله موسى بن عمران ؟ قال: هيهات هلك، قال: فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هارون بن عمران ؟ قال هلك، قال: فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سميت لي ؟ قال: هيهات ما بقي من آل عمران أحد ؟ فقال قارون: واأسفاه على آل عمران، فشكر الله له ذلك، فأمر الله الملك الموكل به أن يرفع عنه العذاب أيام الدنيا فرفع عنه الخبر. (2) 3 – ص: أمر موسى عليه السلام قارون أن يعلق في ردائه خيوطا خضرا فلم يطعه و استكبر، وقال: إنما يفعل ذلك الارباب بعبيدهم كيما يتميزوا، وخرج على موسى في زينته على بغلة شهباء، ومعه أربعة آلاف مقاتل، وثلاث مائة وصيفة عليهن الحلي، وقال لموسى: أنا خير منك، فلما رأى ذلك موسى عليه السلام قال لقارون: ابرز بنا فادع علي وأدعو عليك، وكان ابن عم لموسى عليه السلام فأمر الارض فأخذت قارون إلى ركبتيه، فقال: انشدك الله والرحم يا موسى، فابتلعته الارض وخسف به وبداره. (3) 4 – ص: عن محمد بن السائب، (4) عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه قال:


(1) في المصدر: دجلة الغور. وفى معجم البلدان: دجلة العوراء بالعين المهملة: اسم لدجلة البصرة علم لها. (2) تفسير القمى: 294. (3) القصص مخطوط. (4) في بعض النسخ ” الصائب ” وهو وهم.

[ 254 ]

كان قارون ابن عم موسى عليه السلام وكانت في زمان موسى امرأة بغي لها جمال وهيئة، فقال لها قارون: اعطيك مائة ألف درهم وتجيئين غدا إلى موسى وهو جالس عند بني إسرائيل يتلو عليهم التوراة فتقولين: يا معشر بني إسرائيل إن موسى دعاني إلى نفسه فأخذت منه مائة ألف درهم فلما أصبحت جاءت المراة البغي فقامت على رؤوسهم وكان قارون حضر في زينته، فقالت المرأة: يا موسى إن قارون أعطاني مائة ألف درهم على أن أقول بين بني إسرائيل على رؤوس الاشهاد: إنك دعوتني إلى نفسك ومعاذ الله أن تكون دعوتني لقد أكرمك الله عن ذلك، فقال موسى للارض: خذيه، فأخذته وابتلعته، وإنه ليتجلجل ما بلغ ولله الحمد. بيان: التجلجل: السووخ في الارض. قال الثعلبي: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأفضلهم وأجملهم، ولم يكن فيهم اقرء للتوراة منه، ولكنه نافق كما نافق السامري فبغى على قومه، واختلف في معنى هذا البغي فقال ابن عباس: كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل حين كان بمصر، وعن المسيب بن شريك أنه كان عاملا على بني إسرائيل وكان يظلمهم، وقيل: زاد عليهم في الثياب شبرا، وقيل: بغى عليهم بالكبر، وقيل: بكثرة ماله وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم. واختلف في مبلغ عدة العصبة في هذا الموضع فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، وقال عكرمة: منهم من يقول أربعون ومنهم من يقول سبعون، وقال الضحاك ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: هم ستون، وروي عن خثيمة قال: وجدت في الانجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقرستين بغلا غراء محجلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز، ويقال: كان أينما يذهب تحمل معه، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على طول الاصابع، فكانت تحمل معه على أربعين بغلا، وكان أول طغيانه أنه تكبر واستطال على الناس بكثرة الاموال، فكان يخرج في زينته ويختال كما قال تعالى: ” فخرج على قومه في زينته ” قال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الارجوان، وعليهم المعصفرات. وقال عبد الرحمن: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات


[ 255 ]

وقال مقاتل: على بغلة شهباء عليها سرج من الذهب عليها الارجوان ومعه أربعة آلاف فارس (1) عليهم وعلى دوابهم الارجوان، ومعه ثلاثة آلاف جارية بيض (2) عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب، فتمنى أهل الجهالة مثل الذي اوتيه، كما حكى الله، فوعظهم أهل العلم بالله أن اتقوا الله (3) فإن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا. قال: ثم إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أخضر، لونه لون السماء. فدعا موسى بني إسرائيل وقال لهم: إن الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضراء كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها وإنه تعالى ينزل من السماء كلامه عليكم. (4) فاستكبر قارون وقال: إنما تفعل هذه الارباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم، ولما قطع موسى عليه السلام ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة (5) وهي رئاسة المذبح وبيت القربان لهارون، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديتهم ويدفعونه إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله فوجد قارون في نفسه من ذلك، وأتى موسى وقال: يا موسى لك الرسالة، ولهارون الحبورة ولست في شئ من ذلك وأنا أقرء للتوراة منكما لا صبر لي على هذا، فقال موسى: والله ما أنا جعلتها في هارون بل الله تعالى جعلها له: فقال قارون: والله لا اصدقك في ذلك حتى تريني بيانه، قال: فجمع موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل وقال: هاتوا عصيكم، فجاؤوا بها فحزمها (6) وألقاها في قبته التي كان يعبد الله تعالى فيها، وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون عليه السلام قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من ورق شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا ؟ (7) فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر،


(1) في المصدر: ومعه ألف فارس. (2) في المصدر: ومعه ستمائة جارية بيض. (3) في نسخة: ان تتقوا الله. (4) المصدر خلى عن تلك الجملة. (5) في المصدر: ” الحبارة ” وكذا فيما يأتي. (6) فحزمها بالحاء المهملة والزاى المعجمة: شد بعضها ببعض، أو بالخاء المعجمة أيضا أي جعل في كل منها علامة. منه رحمه الله. (7) في المصدر: يا قارون ترى هذا من فعلى.

[ 256 ]

فذهب قارون مغاضبا، واعتزل موسى بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه في كل وقت، ولا يزيد كل يوم إلا كبرا ومخالفة ومعاداة لموسى عليه السلام حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب وكان الملا من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه. قال ابن عباس: ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل الزكاة على موسى عليه السلام فلما أوجب الله سبحانه الزكاة عليهم أبى قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شئ شيئا، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شئ فاطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيؤوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا على أن تقذفه بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه، فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل طستا من ذهب، وقيل: حكمها وقال لها: إني امولك (1) واخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما أن كان الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى، فقال له: إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ينتظرون خروجك لتأمرهم و تنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكام شريعتهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح (2) من الارض، فقام فيهم خطيبا ووعظهم فيما قال: (3) يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، و من افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امراة جلدناه مائة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت ؟ قال: وإن كنت أنا، قال قارون: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، قال: أنا ؟ ! قال: نعم، قال: ادعوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة إنما أنا فعلت لك (4) ما


(1) في المصدر: أنا أمؤنك. (2) البراح بفتح الراء: المتسع من الارض لا شجر فيه ولا بناء. (3) في المصدر: وقال فيما قال. (4) في المصدر: يا فلانة أنا فعلت بك.

[ 257 ]

يقول هؤلاء ؟ وعظم عليها، (1) وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت، فلما ناشدها تداركها الله بالتوفيق وقالت في نفسها: لئن احدث اليوم توبة أفضل من أن اوذي رسول الله، فقالت: لا، كذبوا، (2) ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فلما تكلمت بهذا الكلام سقط في يده قارون (3) ونكس رأسه وسكت الملا وعرف أنه وقع في مهلكة، وخر موسى ساجدا يبكي ويقول: يا رب إن عدوك قد آذاني وأراد فضيحتي وشيني، اللهم فإن كنت رسولك فاغضب لي وسلطني عليه، فأوحى الله سبحانه أن ارفع رأسك ومر الارض بما شئت تطعك، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله تعالى قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا قارون ولم يبق معه إلا رجلان، ثم قال موسى عليه السلام: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى كعابهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى حقوهم، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم، وقارون وأصحابه (4) في كل ذلك يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشده قارون الله والرحم، (5) حتى روي في بعض الاخبار أنه ناشده سبعين مرة، وموسى في جميع ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم الارض، فأوحى الله سبحانه إلى موسى: يا موسى ما أفظك ! استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتي وجلالي لو إياي دعوني مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا. قال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها ولا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة، فلما خسف الله تعالى بقارون وصاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا


(1) هكذا في النسخ والمصدر، ولعل الصواب: ” عزم عليها ” أي أقسم عليها. (2) في المصدر: لا بل كذبوا. (3) أي ندم على ما فعل وعض يده غما. (4) في المصدر: وصاحباه. (5) في المصدر: يناشده قارون بالله والرحم، وهو الصحيح. وتقدم عن القمى أنه لم ينشده بالله بل أنشده بالرحم، ولما عير الله موسى قال موسى: يا رب انه دعاني بغيرك ولو دعاني بك لاجبته.

[ 258 ]

الله تعالى موسى عليه السلام حتى خسف بداره وأمواله الارض، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إني لا اعبد الارض (1) لاحد بعدك أبدا، فذلك قوله تعالى: ” فخسفنا به وبداره الارض فما كان من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين “. (2) 5 – عدة: روى محمد بن خالد في كتابه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لما صار يونس إلى البحر الذي فيه قارون قال قارون للملك الموكل به: ما هذا الدوي والهول الذي أسمعه ؟ قال له الملك: هذا يونس الذي حبسه الله في بطن الحوت، فجالت به البحار السبعة حتى صارت به إلى هذا البحر، فهذا الدوي والهول لمكانه، قال: أفتأذن لي في كلامه ؟ (3) فقال: قد أذنت لك، فقال له قارون: يا يونس ألا تبت إلى ربك ؟ فقال له يونس: ألا تبت أنت إلى ربك ؟ فقال له قارون: إن توبتي جعلت إلى موسى وقد تبت إلى موسى ولم يقبل مني، وأنت لو تبت إلى الله لوجدته عند أول قدم ترجع بها إليه. (4)


(1) من عبدالطريق: ذلله ومهده، أو من أعبده الغلام: ملكه إياه. وفى المصدر: لا اعيد الارض. (2) عرائس الثعلبي: 119 – 122. (3) في المصدر: أفتأذن لى في مكالمته. (4) عدة الداعي: 104 – 105.

[ 259 ]

* (باب 9) * * (قصة ذبح البقرة) * الايات، البقرة ” 2 ” وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ماهي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون * وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون 67 – 73. تفسير: ” فادارأتم ” أي اختصمتم في شأنها إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضا، أو تدافعتم بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه. وأصله ” تدارأتم ” فادغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوسل ” فقلنا اضربوه ” الضمير للنفس، والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل ” ببعضها ” أي أي بعض كان، وقيل: ضرب بفخذ البقرة وقام حيا وقال: قتلني فلان ثم عاد ميتا، وقيل: ضرب بذنبها، وقيل: بلسانها، وقيل: بعظم من عظامها، وقيل: بالبضعة التي بين الكتفين. 1 – فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديئا فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى عليه السلام، فقال: يا نبي الله هذا ابن عمى فقد قتل، فقال موسى عليه السلام: من قتله ؟ قال: لا أدري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا، فعظم


[ 260 ]

ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا: ما ترى يا نبي الله ؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته، فلما انتبه أبوه قال له: يا بني ماذا صنعت في سلعتك ؟ قال: هي قائمة لم أبعها، لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن انبهك وانغص عليك نومك، قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك، وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل (1) أن يذبحوا تلك البقرة بعينها، فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى: ” إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ” فتعجبوا وقالوا: ” أتتخذنا هزوا ” نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة فقال لهم موسى: ” أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ” فعلموا أنهم قد أخطؤوا فقالوا: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ” والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر التي لم يضربها الفحل، فقالوا: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها ” أي شديدة الصفرة تسر الناظرين ” إليها ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ” أي لم تذلل ” ولا تسقي الحرث ” أي لا تسقي الزرع ” مسلمة لاشية فيها ” أي لا نقطة فيها إلا الصفرة ” قالوا الآن جئت بالحق ” هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فرجعوا إلى موسى عليه السلام فأخبروه فقال لهم موسى: لابد لكم من ذبحها بعينها، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، ثم قالوا: يا نبي الله ما تأمرنا ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه قل لهم: اضربوه ببعضها وقولوا: من قتلك ؟ فأخذوا الذنب فضربوه به وقالوا: من قتلك يا فلان ؟ فقال: فلان ابن فلان ابن عمي الذي جاء به، وهو قوله: ” فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون “. (2)


(1) في المصدر: وأمر بنى إسرائيل. (2) تفسير القمي: 41 – 42.

[ 261 ]

بيان: أنعم له أي قال له: نعم. والغيلة بالكسر: الاغتيال، يقال: قتله غيلة، و هو أن يخدعه ويذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله. ونغص كفرح: لم يتم مراده، والبعير لم يتم شربه، وأنغص الله عليه العيش ونغصه عليه فتنغصت: تكدرت. قال البيضاوي: قصته أنه كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله ” لا فارض ولا بكر ” لا مسنة ولا فتية، يقال: فرضت البقرة فروضا من الفرض وهو القطع كأنها فرضت سنها، وتركيب البكر للاولية ومنه البكرة والباكورة. انتهى. (1) أقول: المعنى الذي ذكره علي بن إبراهيم للفارض لم أعثر عليه، ويمكن أن يكون كناية عن غاية كبرها حيث لا تحمل، والعوان: الوسط بين الصغيرة والكبيرة. قوله: ” فاقع لونها ” أي شديدة صفرة لونها، وقيل: خالص الصفرة، وقيل: حسن الصفرة. وروى الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه بلغ به جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من لبس نعلا صفراء لم يزل ينظر في سرور ما دامت عليه، لان الله عزوجل يقول: ” صفراء فاقع لونها تسر الناظرين “. (2) قوله: ” بقرة لا ذلول ” قال البيضاوي: أي لم تذلل للكراب وسقي الحروث، و (لا) ذلك صفة لبقرة، بمعنى غير ذلول، و (لا) الثانية مزيدة لتأكيد الاولى، والفعلان صفتا ذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية ” مسلمة ” سلمها الله من العيوب، أو أهلها من العمل، أو اخلص لونها، من سلم له كذا: إذا خلص له ” لا شية فيها ” لا لون فيها يخالف لون جلدها، وهي في الاصل مصدر وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لونا آخر ” وما كادوا يفعلون ” لتطويلهم وكثرة مراجعتهم. (3) وقال الطبرسي رحمه الله: أي قرب أن لا يفعلوا ذلك مخافة اشتهار فضيحة القاتل،


(1) انوار التنزيل 1: 88. (2) فروع الكافي 2: 209. (3) انوار التنزيل 1: 89.

[ 262 ]

وقيل: كادوا أن لا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها، فقد حكي عن ابن عباس أنهم اشتروها بملء جلدها ذهبا من مال المقتول، وعن السدي: بوزنها عشر مرات ذهبا، وقال عكرمة: وما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. انتهى. (1) وقال البيضاوي: ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الاولاد، و إن من حق الطالب أن يقدم قربة، ومن حق المتقرب أن يتحرى الاحسن ويغالي بثمنه، وإن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى والاسباب أمارات لا أثر لها، وإن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر، غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها، لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه فيحيى حياد طيبة، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارء والنزاع. (2) 2 – ن: أبي، عن الكميداني ومحمد العطار، عن ابن عيسى، عن البزنطي قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه، فقالوا لموسى عليه السلام: إن سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبرنا من قتله، قال: ائتوني ببقرة، قالوا: ” أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ” ولو أنهم عمدوا إلى بقرة (3) أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ” يعني لا كبيرة ولا صغيرة ” عوان بين ذلك ” ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ” ولو أنهم عمدوا إلى بقرة لاجزأتهم


(1) مجمع البيان 1: 136. (2) انوار التنزيل 1: 90، قلت: التدارء: التدافع في الخصومة. (3) في المصدر: ولو أنهم عمدوا أي بقرة. وهكذا فيما يأتي.

[ 263 ]

ولكن شددوا فشدد الله عليهم ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق ” فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل، فقال: لا أبيعها إلا بملء مسكها (1) ذهبا، فجاؤوا إلى موسى عليه السلام فقالوا له ذلك، فقال: اشتروها، فاشتروها وجاؤوا بها، فأمر بذبحها ثم أمر أن يضرب الميت بذنبها، فلما فعلوا ذلك حيي المقتول، وقال: يا رسول الله إن ابن عمي قتلني دون من يدعي عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله، فقال لرسول الله موسى عليه السلام بعض أصحابه: (2) إن هذه البقرة لها نبأ فقال: وما هو ؟ قال: إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بأبيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه فرأى والاقاليد (3) تحت رأسه، فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره، فقال: أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك عوضا لما فاتك، قال: فقال له رسول الله موسى عليه السلام: انظروا إلى البر ما بلغ بأهله. (4) شى: عن البزنطي مثله. بيان: لا يخفى دلالة هذا الخبر والاخبار الآتية على كون التكليف في الاول غير التكليف بعد السؤال، وقد اختلف علماء الفريقين في ذلك، قال الشيخ الطبرسي رحمه الله: اختلف العلماء في هذه الآيات: فمنهم من ذهب إلى أن التكليف فيها متغاير، ولو أنهم ذبحوا أولا أي بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الامر، فلما لم يفعلوا كانت المصلحة أن شدد عليهم التكليف، ولما راجعوا المرة الثانية تغيرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث. ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر: فمنهم من قال في التكليف الاخير أنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت، فعلى هذا القول يكون التكليف الثاني والثالث ضم تكليف إلى تكليف زيادة في الشتديد عليهم لما فيه من المصلحة، ومنهم من قال: يجب أن


(1) المسك بالفتح فالسكون: الجلد. (2) في المصدر: فقال رسول الله موسى بن عمران لبعض أصحابه. (3) الاقاليد: المفاتيح. وفى المصدر: فرأى أن المقاليد تحت رأسه. (4) عيون الاخبار 186 – 187.

[ 264 ]

يكون بالصفة الاخيرة فقط دون ما تقدم، (1) وعلى هذا القول يكون التكليف الثاني نسخا للاول، والثالث للثاني، وقد يجوز نسخ الشئ قبل الفعل لان المصلحة يجوز أن تتغير بعد فوات وقتها، وإنما لا يجوز نسخ الشئ قبل وقت الفعل لان ذلك يؤدي إلى البداء. وذهب آخرون إلى أن التكليف واحد وأن الاوصاف المتأخرة إنما هي للبقرة المتقدمه، وإنما تأخر البيان (2) وهو مذهب المرتضى قدس الله روحه، واستدل بهذه الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، قال: إنه تعالى لما كلفهم ذبح بقرة قالوا لموسى عليه السلام: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ” فلا يخلو قولهم: ” ما هي ” من أن يكون كناية عن البقرة المتقدمة ذكرها، أو عن التي امروا بها ثانيا، والظاهر من قولهم: ” ما هي ” يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها، لانه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة اخرى ليستفهموا عنها، وإذا صح ذلك فليس يخلو قوله: ” إنها بقرة لا فارض ولا بكر ” من أن يكون الهاء فيه كناية عن البقرة الاولى أو غيرها، وليس يجوز أن يكون كناية عن بقرة ثانية إذ الظاهر تعلقها بما تضمنه سؤالهم، ولانه لو لم يكن الامر على ذلك لم يكن جوابا لهم، وقول القائل في جواب من سأله ما كذا وكذا ؟: إنه بالصفة الفلانية، صريح في أن الهاء كناية عما وقع السؤال عنه، هذا مع قولهم: ” إن البقر تشابه علينا ” فإنهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، ولو كان على ما ذهب إليه القوم فلم لم يقل لهم: وأي تشابه عليكم وإنما امرتم بذبح أي بقرة كانت ؟ وأما قوله: ” وما كادوا يفعلون ” فالظاهر أن ذمهم مصروف إلى تقصيرهم، أو تأخيرهم امتثال الامر بعد البيان التام لا على ترك المبادرة في الاول إلى ذبح بقرة. انتهى. (3)


(1) بما ان التكليف الاول كان مطلقا، فلا محالة يكون التكليف الثاني متصفا بصفاته أيضا، لان المقيد يشتمل على ما في المطلق من الصفات. (2) يدل على ذلك ما سيأتي من تفسير العسكري عليه السلام تحت رقم 7، بل يدل على أن موسى عليه السلام قال لهم انكم ستؤمرون بذلك راجعه. (3) مجمع البيان 1: 136. فيه: أو تأخيرهم امتثال الامر بعد البيان التام وهو غير مقتض ذمهم على ترك المبادرة في الاول إلى ذبح البقرة، فلا دلالة في الاية على ذلك.

[ 265 ]

أقول: غاية ما أفاده رحمه الله هو أن الظاهر من الآيات ذلك، وبعد تسليمه فقد يعدل عن الظاهر لورود النصوص المعتبرة، وأما النسخ قبل الفعل فقد مر الكلام فيه في باب الذبيح عليه السلام، وتفصيل القوم في ذلك موكول إلى مظانه من الكتب الاصولية. 3 – ص: بإسناده إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان في مدينة اثنا عشر سبطا امة أبرار، وكان فيهم شيخ له ابنة وله ابن أخ خطبها إليه فأبى أن يزوجها فزوجها من غير. فقعد له في الطريق إلى المسجد فقتله وطرحه على طريق أفضل سبط لهم، ثم غدا يخاصمهم فيه، فانتهوا إلى موسى صلوات الله عليه فأخبروه فأمرهم أن يذبحوا بقرة، قالوا: أتتخذنا هزوا ؟ نسألك من قتل هذا تقول: اذبحوا بقرة ! قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولو انطلقوا إلى بقرة لاجيزت، ولكن شددوا فشدد الله عليهم، قالوا: ” ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ” فرجعوا إلى موسى وقالوا: لم نجد هذا النعت إلا عند غلام من بني إسرائيل وقد أبى أن يبيعها إلا بملء مسكها دنانير، قال: فاشتروها، فابتاعوها فذبحت، قال: فأخذ جذوة من لحمها فضربه فجلس، فقال موسى: من قتلك ؟ فقال: قتلني ابن أخي الذي يخاصم في قتلى، قال: فقتل. فقالوا: يا رسول الله إن لهذه البقرة لنبأ، فقال صلوات الله عليه: وما هو ؟ قالوا: إنها كانت لشيخ من بني إسرائيل وله ابن بار به، فاشترى الابن بيعا فجاء لينقدهم الثمن فوجد أباه نائما، فكره أن (1) يوقظه والمفتاح تحت رأسه، فأخذ القوم متاعهم فانطلقوا، فلما استيقظ قال له: يا أبت إني اشتريت بيعا كان لي فيه من الفضل كذا وكذا. وإني جئت لانقدهم (2) الثمن فوجدتك نائما، وإذا المفتاح تحت رأسك، فكرهت أن اوقظك، وإن القوم أخذوا متاعهم ورجعوا، فقال الشيخ: أحسنت يا بني، فهذه البقرة لك بما صنعت، وكانت بقية كانت لهم، فقال رسول الله عليه السلام: (3) انظروا ماذا صنع به البر. (4)


(1) في نسخة: فكده أن يوقظه. أي أتعبه. (2) نقد الثمن: أعطاه اياه معجلا. (3) أي موسى بن عمران عليه السلام. (4) قصص الانبياء مخطوط. (*)

[ 266 ]

4 – ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحجال، عن مقاتل بن مقاتل، (1) عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وكان يجزيهم ما ذبحوا وما تيسر من البقر، فعنتوا وشددوا فشدد عليهم. (2) 5 – ص: بهذا الاسناد عن ابن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيدة، عن الرضا عليه السلام قال: إن بني إسرائيل شد دوا فشدد الله عليهم، قال لهم موسى عليه السلام: اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها ؟ فلم يزالوا شددوا حتى ذبحوا بقرة بملء جلدها ذهبا. (3) 6 – شى: عن ابن محبوب، عن علي بن بقطين، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم. (4) 7 – م: قوله عزوجل: ” وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ” إلى قوله: ” لعلكم تعقلون ” قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل ليهود المدينة: واذكروا إذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم ليقوم حيا سويا (5) بإذن الله تعالى ويخبركم بقاتله، وذلك حين القي القتيل بين أظهرهم، فألزم موسى عليه السلام أهل القبيلة بأمر الله أن يحلف خمسون من أماثلهم بالله القوي الشديد إله بني إسرائيل، (6) مفضل محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، فإن حلفوا بذلك غرموا دية المقتول، وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد منه، فإن لم يفعلوا حبسوا في مجلس ضنك (7) إلى أن يحلفوا أو يقروا


(1) هو مقاتل بن مقاتل بن قياما يروى عن ابى الحسن الرضا عليه السلام. (2 و 3) قصص الانبياء مخطوط، وأخرج البحراني الاخير في البرهان وفيه: العياشي عن الحسن بن على بن فضال قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام. (4) تفسير العياشي مخطوط. (5) في المصدر: حيا صويا. (سويا خ ل) قلت: صويا أي قويا. (6) في المصدر: إله موسى وبنى اسرائيل. (7) في نسخة: في محبس ضنك. قلت: الضنك: الضيق.

[ 267 ]

أو يشهدوا على القاتل، فقالوا: يا نبي الله أما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا أيماننا ؟ قال: لا، هكذا حكم الله. وكان السبب أن امرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل وفضل بارع ونسب شريف وستر ثخين (1) كثر خطابها، وكان لها بنو أعمام ثلاثة فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم سترا، وأرادت التزويج به، فاشتد حسد ابني عمه الآخرين له وغبطاه عليها لايثارها إياه، فعمدا إلى ابن عمها المرضي فأخذاه إلى دعوتهما ثم قتلاه وحملاه إلى محلة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل فألقياه بين أظهرهم ليلا، فلما أصبحوا وجدوا القتيل هناك فعرف حاله، فجاء ابنا عمه القاتلان له فمزقا على أنفسهما، وحثيا التراب على رؤوسهما، واستعديا عليهم، فأحضرهم موسى عليه السلام وسألهم فأنكروا أن يكونوا قتلوه أو علموا قاتله، قال: فحكم الله عزوجل على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه (2) فقالوا: يا موسى أي نفع في أيماننا لنا إذا لم تدرء عنا الغرامة الثقيلة ؟ أم أي نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرء عنا الايمان ؟ فقال موسى عليه السلام: كل النفع في طاعة الله تعالى والايتمار لامره (3) والانتهاء عما نهى عنه، فقالوا: يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا، وأيمان غليظة ولا حق في رقابنا، لو أن الله عزوجل عرفنا قاتله بعينه وكفانا مؤونته فادع لنا ربك أن يبين لنا هذا القاتل لينزل به ما يستحقه من العقاب (4) وينكشف أمره لذوي الالباب. فقال موسى عليه السلام: إن الله عزوجل قد بين ما أحكم به في هذا، فليس لي أن أقترح عليه غير ما حكم ولا أعترض عليه فيما أمر، ألا ترون أنه لما حرم العمل في السبت وحرم لحم الجمل لم يكن لنا أن نقترح عليه (5) أن يغير ما حكم به علينا من ذلك، بل علينا أن نسلم له حكمه، ونلتزم ما الزمناه، وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثتهم، فأوحى


(1) الثخين: الغليظ، كناية عن شدة عفتها وحجبها. (2) في نسخة: مما عرفتموه. وفى اخرى والمصدر: ما عرفتموه فالتزموه. (3) في نسخة: والايتمار بأمره. (4) في نسخة: ما يستحقه من العذاب. (5) اقترح عليه كذا أو بكذا: تحكم وسأله اياه بالعنف ومن غير روية. اقترح عليه كذا: اشتهى أن يصنعه له.

[ 268 ]

الله عزوجل إليه: يا موسى أجبهم إلى ما اقترحوا، وسلني أن ابين لهم القاتل ليقتل ويسلم غيره من التهمة والغرامة، فإني إنما اريد بإجابتهم إلى ما اقترحا توسعة الرزق على رجل من خيار امتك، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين، والتفضيل لمحمد وعلي بعده على سائر البرايا، اغنيه في هذه الدنيا في هذه القضية ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمد وآله. فقال موسى: يا رب بين لنا قاتله، فأوحى الله تعالى إليه: قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى فتسلمون لرب العالمين ذلك، وإلا فكفوا عن المسألة والتزموا ظاهر حكمي، فذلك ما حكى الله عزوجل. ” وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم ” أي سيأمركم أن تذبحوا بقرة إن أردتم الوقوف على القاتل وتضربوا المقتول ببعضها ليحيى ويخبر بالقاتل، فقالوا: يا موسى أتتخذنا هزوا وسخرية ؟ تزعم أن الله يأمر أن نذبح بقرة ونأخذ قطعة من ميت ونضرب بها ميتا فيحيى أحد الميتين بملاقاة بعض الميت الآخر له ؟ كيف يكون هذا ؟ قال موسى: ” أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ” أنسب إلى الله عزوجل ما لم يقل لي، وأن أكون من الجاهلين، اعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول الله تعالى وأمره. ثم قال موسى عليه السلام: أو ليس ماء الرجل نطفة ميت وماء المرأة ميت يلتقيان (1) فيحدث الله من التقاء الميتين بشرا حيا سويا ؟ أو ليس بذوركم التي تزرعونها في أرضكم تتفسخ في أرضيكم وتعفن (2) وهي ميتة، ثم يخرج الله منها هذه السنابل الحسنة البهجة وهذه الاشجار الباسقة المؤنقة ؟ (3) فلما بهرهم (4) موسى عليه السلام قالوا له: ” يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ” أي ما صفتها لنقف عليها، فسأل موسى ربه عزوجل فقال:


(1) في نسخة وفى المصدر: أو ليس ماء الرجل نطفة ميتة وماء المرأة كذلك ميتان يلتقيان ؟. (2) في المصدر: تتعفن. (3) بسق النخل: ارتفعت أغصانه وطال فهو باسق. مؤنقة أي حسنة معجبة. (4) أي غلبهم.

[ 269 ]

” إنها بقرة لا فارض ” كبيرة ” ولا بكر ” صغيرة ” عوان ” وسط ” بين ذلك ” بين الفارض والبكر ” فافعلوا ما تؤمرون ” إذا امرتم به ” قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ” أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها، قال موسى عن الله تعالى بعد السؤال والجواب ” إنها بقرة صفراء فاقع ” حسنة لون الصفرة (1) ليس بناقص تضرب إلى بياض، ولا بمشبع تضرب إلى السواد ” لونها ” هكذا فاقع ” تسر ” البقرة ” الناظرين ” إليها لبهجتها وحسنها وبريقها ” قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ” صفتها (2) قال عن الله تعالى: ” إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ” لم تذلل لاثارة الارض ولم ترض بها ولا تسقي الارض (3) ولا هي ممن تجر الدوالي (4) ولا تدير النواعير، (5) قد اعفيت من ذلك أجمع ” مسلمة ” من العيوب كلها لا عيب فيها ” لا شيقة فيها ” لا لون فيها من غيرها. فلما سمعوا هذه الصفات قالوا: يا موسى أفقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه صفتها ؟ قال: بلى، ولم يقل موسى في الابتداء بذلك، لانه لو قال: إن الله يأمركم لكانوا إذا قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها وما هي كان لا يحتاج أن يسأله ذلك عزوجل، ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول: أمركم ببقرة فأي شئ وقع عليه اسم البقر فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها، قال: فلما استقر الامر عليهم طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني إسرائيل أراه الله في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما، فقالا له: أما إنك كنت لنا محبا مفضلا، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا، فإذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر امك، فإن الله عزوجل يلقنها ما يغنيك به وعقبك، ففرح الغلام، وجاءه القوم يطلبون بقرته فقالوا: بكم تبيع بقرتك ؟ قال: بدينارين والخيار


(1) في المصدر والبرهان: ” فاقع لونها ” حسنة الصفرة. (2) في نسخة: ما صفتها يريد ؟ وفى المصدر وتفسير البرهان: ما صفتها ؟ يزيد في صفتها. قلت: والمعنى أن ما امرنا به هذا فقط أو يزيد الله في صفتها بعد ؟ (3) الصحيح كما في المصحف الشريف والمصدر: ولا تسقى الحرث. (4) في نسخة وفى المصدر: الدلاء. (5) جمع الناءورة: آلة لرفع الماء، قوامها دولاب كبير وقواديس مركبة على دائرة.

[ 270 ]

لامي، قالوا: قد رضينا بدينار، فسألها فقالت: بل بأربعة، فأخبرهم فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر امه فقالت: بمائة، (1) فمازالوا يطلبون على النصف مما تقول امه ويرجع إلى امه فتضعف الثمن حتى بلغ (2) ثمنها ملء مسك ثور أكبر ما يكون، ملؤه دنانير، فأوجب لهم البيع، ثم ذبحوها فأخذوا قطعة وهي عجب الذنب (3) الذي منه خلق ابن آدم وعليه يركب إذا اعيد (4) خلقا جديدا فضربوه بها وقالوا: اللهم بجاه محمد وآله الطيبين الطاهرين لما أحييت هذا الميت وأنطقته ليخبر عن قاتله، فقام سالما سويا وقال: يا نبي الله قتلني هذان ابنا عمي، حسداني على ابنة عمي فقتلاني وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذوا ديتي، فأخذ موسى الرجلين فقتلهما، وكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من البقرة فلم يحي، فقالوا: يا نبي الله أين ما وعدتنا عن الله ؟ قال موسى: قد صدقت وذلك إلى الله عزوجل، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إني لا اخلف وعدي ولكن ليقدموا (5) للفتى من ثمن بقرته فيملؤوا مسكها دنانير ثم احيي هذا، فجمعوا أموالهم ووسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة آلاف ألف دينار، (6) فقال بعض بنى إسرائيل لموسى عليه السلام وذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة: لا ندري أيهما أعجب: إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم ؟ فأوحى الله إليه: يا موسى قل لبني إسرائيل من أحب منكم أن اطيب في الدنيا عيشه واعظم في جناني محله وأجعل بمحمد (7) وآله الطيبين فيها منادمته ليفعل كما فعل هذا الفتى، إنه كان قد سمع من موسى بن عمران ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين وكان عليهم مصليا ولهم على جميع الخلائق


(1) في المصدر والبرهان: فقالت: بثمانية. (2) في نسخة: فتضاعف حتى بلغ. (3) العجب بالفتح فالسكون: مؤخر كل شئ أصل الذنب عند رأس العصعص وفى المصدر: عجز الذنب. (4) في نسخة وفى المصدر: إذا اريد. (5) في نسخة: لم يقدموا، وفى المصدر: ثمن بقرته. (6) في نسخة: خمسة آلاف آلاف. والصواب ما في المتن لما يأتي بعد ذلك. (7) في نسخة: واجعل لمحمد.

[ 271 ]

من الجن والانس والملائكة مفضلا، فلذلك صرفت إليه المال العظيم ليتنعم بالطيبات، ويتكرم بالهبات والصلات، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات، ويكبت بنفقاته ذوي العداوات. قال الفتى: يا نبي الله كيف أحفظ هذه الاموال ؟ أم كيف أحذر من عداوة من يعاديني فيها، وحسد من يحسدني لاجلها ؟ قال: قل عليها من الصلاة على محمد وآله الطيبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها، فإن الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا بهذا القول مع صحة الاعتقاد، فقالها الفتى فما رامها حاسد له ليفسدها أو لص ليسرقها أو غاصب ليغصبها إلا دفعه الله عزوجل عنها بلطيفة من لطائفه حتى يمتنع من ظلمه اختيارا أو منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه كف اضطرار. (1) قال عليه السلام: فلما قال موسى للفتى ذلك وصار الله عزوجل له بمقالته حافظا قال هذا المنظور: ” اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا (2) بابنة عمي وتخزي (3) عني أعدائي و حسادي وترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا ” فأوحى الله إليه: يا موسى إن لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستين سنة، وقد وهبت له لمسألته وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة تمام مائة وثلاثين سنة، صحيحة حواسه، ثابت فيها جنانه، قوية فيها شهواته، يتمتع بحلال هذه الدنيا، ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه، فإذا حان حينه حان حينها وماتا جميعا معا فصارا إلى جناني، فكانا زوجين فيها ناعمين، ولو سألني يا موسى هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد واقنعه بما رزقته و ذلك هو الملك العظيم لفعلت، ولو سألني بذلك مع التوبة (4) أن لا افضحه لما فضحته، و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل، ولاغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا


(1) في المصدر: فكيف اضطرارا. (2) في نسخة: أن تبقيني في الدنيا ممتعا. (3) في المصدر: وتجزى عنى اعدائي. (4) في نسخة: ولو سألني بذلك مع التوبة من صنيعه. (*)

[ 272 ]

المال، (1) ولو سألني بعدما افتضح وتاب إلي وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسي الناس فعله بعدما ألطف لاوليائه فيعفون عن القصاص لفعلت، وكان لا يعيره بفعله أحد، ولا يذكره فيهم ذاكر، ولكن ذلك فضل اوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم، وأعدل بالمنع على من أشاء وأنا العزيز الحكيم، (2) فلما ذبحوها قال الله تعالى: ” فذبحوها وما كادوا يفعلون ” وأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة، ولكن اللجاج حملهم على ذلك واتهامهم لموسى عليه السلام حداهم، (3) قال فضجوا إلى موسى عليه السلام وقالوا: افتقرت القبيلة ودفعت إلى التكفف، وانسلخنا (4) بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا، فادع الله لنا بسعة الرزق، فقال لهم موسى عليه السلام: ويحكم ما أعمى قلوبكم ؟ أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة وما أورثه الله تعالى من الغنى ؟ أوما سمعتم دعاء الفتى المقتول المنشور وما أثمر له من العمر الطويل والسعادة والتنعم بحواسه (5) وسائر بدنه وعقله ؟ لم لا تدعون الله تعالى بمثل دعائهما وتتوسلون إلى الله بمثل وسيلتهما ليسد فاقتكم، ويجبر كسركم، ويسد خلتكم ؟ (6) فقالوا: ” اللهم إليك التجأنا، وعلى فضلك اعتمدنا، فأزل فقرنا وسد خلتنا بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم ” فأوحى الله إليه: يا موسى قل لهم ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ويكشفوا في موضع كذا لموضع عينه وحه أرضها قليلا ويستخرجوا ما هناك، فإنه عشرة آلاف ألف دينار، ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود أحوالهم، (7) ثم ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة، ليتضاعف أموالهم جزاء على توسلهم بمحمد وآله الطيبين، واعتقادهم لتفضيلهم، فذلك ما قال الله عزوجل: ” و


(1) في نسخة: بقدر هذا المال أوجده، وفى المصدر: الذى أوجده. (2) في المصدر: وأنا العدل الحكيم. (3) في المصدر: جرهم عليه. حداهم عليه خ ل. (4) في نسخة: ووقعت إلى التكفف. وفى البرهان: ورفعت. وفى المصدر: وانسلختها. (5) في نسخة: والتمتع بحواسه. وفى المصدر: والتنعم والتمتع بحواسه. (6) الخلة بالفتح: الفقر والحاجة. (7) في المصدر: لتعود أحوالهم إلى ما كانت عليه.

[ 273 ]

إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ” اختلفتم فيها (وتدار أتم خ ل) ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض، ودرأه عن نفسه وذويه ” والله مخرج ” مظهر ” ما كنتم تكتمون ” ما كان من خبر القاتل وما كنتم تكتمون من إرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيبه إليه ” فقلنا اضربوه ببعضها ” ببعض البقرة ” كذلك يحيي الله الموتى ” في الدنيا والآخرة كما أحيا الميت بملاقاة ميت آخر له، أما في الدنيا فيتلاقى ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الاصلاب والارحام حيا، وأما في الآخرة فإن الله تعالى ينزل بين نفختي الصور بعدما ينفخ النفخة الاولى من دوين السماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله فيه: ” والبحر المسجور ” وهي من مني كمني الرجل، فيمطر ذلك على الارض فيلقى الماء المني مع الاموات البالية فينبتون من الارض ويحيون، ثم قال الله عزوجل: ” ويريكم آياته ” سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده ونبوة موسى عليه السلام نبيه وفضل محمد على الخلائق سيد عبيده وإمائه، وتبيينه فضله (1) وفضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين ” لعلكم تعقلون ” تعتبرون وتتفكرون أن الذي فعل هذه العجائب لا يأمر الخلق إلا بالحكمة، ولا يختار محمدا وآله إلا لانهم أفضل ذوي الالباب. (2) بيان: (أما وقت أيماننا أموالنا) استبعاد منهم للحكم عليهم بالدية بعد حلفهم، أي أليس أيماننا وقاية لاموالنا وبالعكس حتى جمعت بينهما ؟ والباسقة: الطويلة. وراض الدابة: ذللها. والنواعير جمع الناعورة وهي الدولاب والدلو يستقى بها، ونادمه منادمة ونداما: جالسه على الشراب. قوله عليه السلام: (ولم يقل موسى) حاصله أنه عليه السلام حمل قوله تعالى: ” إن الله يأمركم ” على حقيقة الاستقبال، ولذا فسره بقوله: سيأمركم، فوعدهم أولا بالامر، ثم بعد سؤالهم وتعيين البقرة أمرهم ولو قال موسى أولا بصيغة الماضي (أمركم أن تذبحوا) لتعلق الامر بالحقيقة، وكان يكفي أي بقرة كانت، وهذا وجه ثالث غير ما ذهب إليه الفريقان في تأويل الآية، لكن بقول السيد وأصحابه أنسب، وجمعه مع الاخبار السابقة لا يخلو من إشكال، ويمكن أن تحمل الاخبار السابقة على أنه تعالى لما علم أنه إن أمرهم ببقرة مطلقة لم يكتفوا بذلك فلذا لم يأمرهم بها أولا، أو على أنه بعد


(1) في نسخة: وتثبيت فضله. (2) تفسير الامام: 108 – 113.

[ 274 ]

الوعد بالامر لو لم يسألوا عن خصوص البقرة لامرهم ببقرة مطلقة، فلما بادروا بالسؤال شدد عليهم، وهما بعيدان وارتكاب مثلهما فيها لهذا الخبر مع كونها أقوى وأكثر مشكل والله يعلم حقيقة الامر. (1) وقال الثعلبي: قال المفسرون: وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا قاتله، واختلفوا في قاتله وسبب قتله، فقال عطا والسدي: كان في بني إسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما طال عليه حياته قتله ليرثه، وقال بعضهم: كان تحت عاميل بنت عم له، كانت مثلا في بني إسرائيل بالحسن والجمال، فقتله ابن عمه لينكحها، فلما قتله حمله من قريته إلى قرية اخرى فألقاه هناك، وقال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا، لكل سبط منهم باب فوجد قتيل على باب سبط قتل وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه السبطان، وقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم ثم أصبح يطلب بدمه، وقيل: ألقاه بين قريتين فاختصم فيه أهلهما فاشتبه أمر القتيل على موسى وكان ذلك قبل نزول القسامة، فأمرهم الله بذبح البقرة فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وإنما كان تشديدهم تقديرا من الله به وحكمة. وكان السبب فيه على ما ذكره السدي وغيره أن رجلا من بني إسرائيل كان بارا بأبيه، وبلغ من بره أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا، وكان فيها فضل وربح، فقال للبائع: (2) إن أبي نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتى يستيقظ فاعطيك الثمن، قال: فأيقظ أباك وأعطني المال، قال: ما كنت لافعل، ولكن أزيدك عشرة آلاف فأنظرني حتى ينتبه أبي، فقال الرجل: فأنا أحط عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد، فقال: وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباهة أبي، ففعل ولم


(1) في نسخة مخطوطة هنا زيادة لا تخلو عن تكرار وهى هكذا: ثم اعلم أن هذا الخبر يدل صريحا على ما ذهب إليه السيد المرتضى رضى الله عنه وأتباعه من أن المكلف به أولا كان ما بينه تعالى لهم أخيرا فينافى الاخبار السابقة، ويمكن حمله على أن المراد به أنه تعالى لو لم يكن يعلم سؤالهم بعد أمرهم بذبح البقرة لم يكلفهم الا بذبح بقرة غير معينة، ولما علم سؤالهم كلفهم أولا بما بين لهم أخيرا فالباعث على ذلك هو سؤالهم لعلمه به قبل وقوعه. (2) في المصدر: فقال البائع: اعطني ثمن اللؤلؤة فقال: إن ابى نائم.

[ 275 ]

يوقظ أباه، (1) فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك فدعا له وجزاه خيرا، وقال: هذه البقرة لك بما صنعت، فقال رسول الله: انظروا ماذا صنع به البر. وقال ابن عباس ووهب وغيرهما من أهل الكتب: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجل، فأتى بالعجل إلى غيضة (2) وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل فشبت العجلة في الغيضة وصارت عوانا، وكانت تهرب من كل من رامها، فلما كبر الصبي كان بارا بوالدته، وكان يقسم الليلة ثلاثة أثلاث: يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس امه ثلثا، فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهر، ويأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثا، فقالت له امه يوما: إن أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها، فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك، وإن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفوتها وصفاء لونها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، (3) فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن امي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، قالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بوالدتك، فصار الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راع فقال: أيها الفتى إني رجل من رعاة البقر، اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لاقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وما قدرت عليه، وإني أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجيني من الموت واعطيك أجرها


(1) في المصدر: فقال قبلت فقعد ولم يوقظ أباه. (2) الغيضة: الاجمة. مجتمع الشجر في مغيض الماء. (3) في المصدر: ويعقوب أن تردى على.

[ 276 ]

بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى، وقال: اذهب فتوكل على الله، ولو علم الله تعالى منك اليقين لبلغك بلا زاد ولا راحلة، فقال إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها واعطيك عشرة مثلها، (1) فقال الفتى: إن امي لم تأمرني بهذا، فبين الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت البقرة هاربة في الفلاة، وغاب الراعي، فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، فقالت: أيها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار، فإنه إبليس عدو الله اختلسني، أما إنه لو ركبني لما قدرت علي أبدا، فلما دعوت إله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردني إليك لبرك بامك وطاعتك لها، فجاء بها الفتى إلى امه فقالت له: إنك فقير لا مال لك، ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها، قال لامه: بكم أبيعها ؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي، وكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق فعقبه الله (2) سبحانه ملكا ليري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره بوالدته، وكان الله به خبيرا، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة ؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضى امي، فقال له الملك: ستة دنانير ولا تستأمر امك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى امي، فردها إلى امه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق فأتى الملك فقال: استأمرت والدتك ؟ فقال الفتى: نعم إنها أمرتني أن لا انقصها من ستة دنانير على أن أستأمرها، قال الملك: فإني اعطيك اثني عشر (3) على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى امه وأخبرها بذلك، فقالت: إن ذاك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجربك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا ؟ ففعل ذلك فقال له الملك: اذهب إلى امك وقل لها: امسكي هذه البقرة فإن موسى يشتريها منكم لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكا البقرة وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافاة على بره بوالدته،


(1) في المصدر: عشرة أمثالها. (2) في المصدر: فبعث الله. (3) في المصدر: اثنى عشر دينارا.

[ 277 ]

فضلا منه ورحمة، فطلبوها فوجدوها عند الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا، وقال السدي اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا. واختلفوا في البعض المضروب به: فقال ابن عباس: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل، وقال الضحاك: بلسانها، وقال الحسين بن الفضل هذا أولى الاقاويل، لان المراد كان من إحياء القتيل كلامه واللسان آلته، وقال سعيد بن جبير: بعجب ذنبها، وقال يمان (1) بن رئاب وهو أولى التأويلات بالصواب: (2) العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق، وإنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، وقال مجاهد: بذنبها، وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الايمن، وقال السدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها. (3) ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما، وقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه. (4) أقول: وقال السيد بن طاوس رحمه الله في كتاب سعد السعود: وجدت في تفسير منسوب إلى أبي جعفر الباقر عليه السلام وأما قول الله تعالى: ” إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ” فذلك أن رجلين من بني إسرائيل وهما أخوان وكان لهما ابن عم أخ أبيهما وكان غنيا مكثرا، وكانت لهما ابنة عم حسناء شابة كانت مثلا في بني إسرائيل بحسنها وجمالها خافا أن ينكحها ابن عمها ذلك الغني فعمدا فقتلاه فاحتملاه فألقياه إلى جنب قرية ليبرؤوا منه، وأصبح القتيل بين ظهرانيهم، فلما غم عليهم شأنه ومن قتله قال أصحاب القرية الذين وجد عندهم: يا موسى ادع الله لنا أن يطلع على قاتل هذا الرجل، ففعل موسى ثم ذكر ما ذكره الله جل جلاله في كتابه، وقال ما معناه: إنهم شددوا فشدد الله عليهم، ولو ذبحوا في الاول أي بقرة كانت كافية، فوجدوا البقرة لامرأة فلم تبعها لهم إلا بملء جلدها ذهبا، وضربوا المقتول ببعضها، فعاش فأخبرهم بقاتله فاخذا فقتلا فاهلكا في الدنيا، وهكذا يقتلهما ربنا في الآخرة. (5)


(1) في المصدر: وقال غياث. (2) في المصدر: وهو أولى التأويلات بالصواب، لان عجب الذنب أساس البدن. (3) في نسخة: باذنيها. (4) عرائس الثعلبي: 130 – 132. (5) سعد السعود: 121 – 122، فيه وفى نسخة: يقتله دنيا وآخرة.

[ 278 ]

* (باب 10) * * (قصة موسى عليه السلام حين لقى الخضر) * * (وسائر قصص الخضر عليه السلام وأحواله) * الايات، الكهف: ” 18 ” وإذ قال موسى لفتاه ” إلى قوله تعالى “: صبرا 60 – 82. 1 – فس: لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا بخبر أصحاب الكهف قالوا: أخبرنا عن العالم الذي أمر الله موسى أن يتبعه وما قصته، فأنزل الله عزوجل: ” وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ” قال: وكان سبب ذلك أنه لما كلم الله موسى تكليما وأنزل الله عليه الالواح وفيها كما قال الله: ” وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ ” ورجع موسى إلى بني إسرائيل فصعد المنبر فأخبرهم أن الله قد أنزل عليه التوراة وكلمه، قال في نفسه: ما خلق الله خلقا أعلم مني، فأوحى الله إلى جبرئيل: أدرك موسى فقد هلك، وأعلمه أن عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجل أعلم منك فصر إليه وتعلم من علمه، فنزل جبرئيل على موسى عليه السلام وأخبره فذل موسى في نفسه وعلم أنه أخطأ ودخله الرعب، وقال لوصيه يوشع: إن الله قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين وأتعلم منه، فتزود يوشع حوتا مملوحا وخرجا، فلما خرجا وبلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستقليا على قفاه فلم يعرفاه، فأخرج وصي موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه على الصخرة ومضيا ونسيا الحوت، وكان ذلك الماء ماء الحيوان فحيي الحوت ودخل في الماء، فمضى موسى عليه السلام ويوشع معه حتى عييا، فقال لوصيه: ” آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ” أي عناء، فذكر وصيه السمكة فقال لموسى: إني نسيت الحوت على الصخرة، فقال موسى: ذلك الرجل الذي رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده، فرجعا على آثارهما قصصا إلى عند الرجل وهو في الصلاة، فقعد موسى حتى فرغ من الصلاة فسلم عليهما. فحدثني محمد بن علي بن بلال، عن يونس، قال: اختلف يونس وهشام بن إبراهيم


[ 279 ]

في العالم الذي أتاه موسى عليه السلام أيهما كان أعلم ؟ وهل يجوز أن يكون على موسى حجة في وقته وهو حجة الله على خلقه ؟ فقال قاسم الصيقل: فكتبوا إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام يسألونه عن ذلك، فكتب في الجواب: أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إما جالسا وإما متكئا، فسلم عليه موسى فأنكر السلام إذ كان بأرض ليس بها سلام، فقال: من أنت ؟ قال: أنا موسى بن عمران، قال: أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما ؟ قال: نعم، قال: فما حاجتك ؟ قال: جئت (1) لتعلمني مما علمت رشدا، قال: إني وكلت بأمر لا تطيقه، ووكلت بأمر لا اطيقه، ثم حدثه العالم بما يصيب آل محمد من البلاء حتى اشتد بكاؤهما، ثم حدثه عن فضل آل محمد حتى جعل موسى يقول: يا ليتني كنت من آل محمد، وحتى ذكر فلانا وفلانا (2) ومبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قومه، وما يلقى منهم ومن تكذيبهم إياه، وذكر له تأويل هذه الآية: ” ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ” حين أخذ الميثاق عليهم فقال موسى: ” هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ” فقال الخضر: ” إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ” فقال موسى: ” ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ” قال الخضر: ” فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى احدث لك منه ذكرا ” يقول: لا تسألني عن شئ أفعله ولا تنكره علي حتى اخبرك أنا بخبره، قال: نعم، فمروا ثلاثتهم حتى انتهوا إلى ساحل البحر، وقد شحنت سفينة (3) وهي تريد أن تعبر، فقال أرباب السفينة: نحمل هؤلاء الثلاثة نفر فإنهم قوم صالحون، فحملوهم فلما جنحت السفينة (4) في البحر قام الخضر إلى جوانب السفينة فكسرها وحشاها بالخرق والطين، فغضب موسى عليه السلام غضبا شديدا، وقال للخضر: ” أخرفتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ” (5) فقال له الخضر: ” ألم أقل


(1) في المصدر: جئتك. (2) زاد في المصدر: وفلانا. (3) أي ملئت. (4) جنحت السفينة: بلغت ماء رقيقا فلصقت بالارض. (5) الامر: العجيب. المنكر.

[ 280 ]

إنك لن تستطيع معي صبرا ” قال موسى: ” لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا “. فخرجوا من السفينة فنظر الخضر إلى غلام يلعب بين الصبيان حسن الوجه كأنه قطعة قمر، وفي اذنيه درتان، فتأمله الخضر ثم أخذه وقتله، فوثب موسى إلى الخضر (1) وجلد به الارض (2) فقال: ” أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ” فقال الخضر له: ” ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ” قال موسى: ” لئن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ” فانطلقا حتى إذا أتيا بالعشي قرية تسمى الناصرة (3) وإليها تنسب النصارى ولم يضيفوا أحدا قط ولم يطعموا غريبا، فاستطعموهم فلم يطعموهم ولم يضيفوهم، فنظر الخضر عليه السلام إلى حائط قد زال لينهدم، فوضع الخضر يده عليه، وقال: قم بإذن الله فقام، فقال موسى عليه السلام: لم ينبغ أن تقيم الجدار حتى يطعمونا ويؤوونا وهو قوله: ” لو شئت لتخذت عليه أجرا ” فقال له الخضر عليه السلام: ” هذا فراق بيني وبينك سانبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ” أما السفينة التي فعلت بها ما فعلت فإنها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراء السفينة ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، كذا نزلت، (4) وإذا كانت السفينة معيوبة لم يأخذ منها شيئا. ” وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ” وطبع كافرا، كذا نزلت، فنظرت إلى جبينه و عليه مكتوب: طبع كافرا ” فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما ” فأبدل الله والديه بنتا ولدت سبعين نبيا. (5) ” وأما الجدار ” الذي أقمته ” فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما


(1) في المصدر: فقتله فوثب موسى على الخضر. (2) جلد به الارض: صرعه. (3) في نسخة وفى المصدر: ” فانطلقا حتى أتيا أهل قرية ” بالعشى تسمى الناصرة. (4) فيه غرابة وكذا فيما بعده، حيث انهما يدلان على التحريف وهو خلاف ما عليه معظم الامامية، ولعله أراد بذلك أن ذلك اريد مما نزلت. (5) في هامش المطبوع ونسخة مخطوطة: (كان منها ومن نسلهما سبعون نبيا من انبياء بنى اسرائيل، خ) ولكن سائر النسخ والمصدر خالية عنه.

[ 281 ]

وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ” إلى قوله: ” ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا “. (1) بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: ” وإذ قال موسى لفتاه “: أكثر المفسرين على أنه موسى بن عمران، وفتاه يوشع بن نون، وسماه فتاه لانه صحبه ولازمه سفرا و حضرا للتعلم منه، وقيل: لانه كان يخدمه. وقال محمد بن إسحاق: يقول أهل الكتاب: إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف، وكان نبيا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، إلا أن الذي عليه الجمهور أنه موسى بن عمران ” لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ” معناه: لا أزال أمضي وأمشي فلا أسلك طريقا آخر حتى أبلغ ملتقى البحرين: بحر فارس وبحر الروم، وقال محمد بن كعب: هو طنجة، (2) وروي عنه، إفريقية. (3) أقول: قال البيضاوي: وقيل: البحران موسى وخضر عليهما السلام: فإن موسى كان بحر علم الظاهر وخضر كان بحر علم الباطن، وقال في قوله: ” أو أمضي حقبا “: أو أسير زمانا طويلا، والمعنى: حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلى أن أمضي زمانا أتيقن معه فوات المجمع، والحقب: الدهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سبعون. وروي أن موسى خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله المصر خطبة بليغة (4) فأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ فقال: لا، فأوحى الله إليه بلى عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيام إفريدون، وكان على مقدمة ذي القرنين الاكبر، وبقي إلى أيام موسى، وقيل: إن موسى سأل ربه: أي عبادك أحب إليك ؟ فقال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى ؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا


(1) تفسير القمى: 398 – 401. (2) بفتح أوله وسكون النون ثم الجيم: بلد على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء وهو من البر الاعظم وبلاد البربر. (3) مجمع البيان 6: 480. (4) في نسخة: خطبة طويلة.

[ 282 ]

يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم ؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، (1) قال: إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه ؟ قال: على الساحل عند الصخرة قال: كيف لي به ؟ قال: تأخذ حوتا في مكتلك، (2) فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان ” فلما بلغا مجمع بينهما ” أي مجمع البحرين و ” بينهما ” ظرف اضيف إليه على الاتساع، أو بمعنى الوصل ” نسيا حوتهما ” نسي موسى أن يطلبه ويتعرف حاله، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. وروي أن موسى رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر، وقيل: توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء، وقيل: نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب ” فاتخذ سبيله في البحر سربا ” فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكا من قوله: ” وسارب بالنهار (3) ” وقيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه (4) ” فلما جاوزوا ” مجمع البحرين ” قال لفتاه آتنا غداءنا ” ما نتغدى به ” لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ” قيل: لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر القي عليه الجوع والنصب، وقيل: لم يعي (5) موسى في سفر غيره، ويؤيده التقييد باسم الاشارة ” قال أرأيت ” ما دهاني ” إذ أوينا إلى الصخرة ” يعني الصخرة التي رقد عندها موسى، وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت ” فإني نسيت الحوت ” فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه ” وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ” أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان، ولعله نسي ذلك لانجذاب شراشره إلى جناب القدس، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه، أو لان عدم احتمال القوة للجانبين


(1) الردى: الهلاك. (2) المكتل بالكسر: زنبيل من خوص. (3) الرعد: 10. (4) هكذا في المطبوع والمخطوط، والصواب ” كالطافى عليه ” كما في المصدر، من طفا يطفو: علا فوق الماء ولم يرسب، ومنه السمك الطافى وهو الذى يموت في الماء فيعلو ويظهر. (5) أي لم يتعب ولم يكل.

[ 283 ]

واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان (1) ” واتخذ سبيله في البحر عجبا ” سبيلا عجبا وهو كونه كالسرب، أو اتخاذا عجبا، والمفعول الثاني هو الشرف، وقيل: هو مصدر فعله المضمر، أي قال يوشع في آخر كلامه أو موسى في جوابه: عجبا، تعجبا في تلك الحال وقيل: الفعل لموسى، أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا ” قال ذلك ” أي أمر الحوت ” ما كنا نبغ ” نطلب لانه أمارة المطلوب ” فارتدا على آثارهما ” فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه ” قصصا ” أي يتبعان آثارهما اتباعا، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة ” فوجدا عبدا من عبادنا ” الجمهور على أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان، (2) وقيل: اليسع وقيل: إلياس ” آتيناه رحمة من عندنا ” هي الوحي والنبوة ” وعلمناه من لدنا علما ” مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب (3) ” مما علمت رشدا ” علما ذا رشد، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن ارسل إليه فيما بعث به من اصول الدين وفروعه لا مطلقا ” وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ” أي كيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من امور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك ” حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ” أخذ الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها ” لقد جئت شيئا إمرا ” أتيت أمرا عظيما (4) من أمر الامر: إذا عظم ” قال لا تؤاخذني بما نسيت ” بالذي نسيته أو بشئ نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه، أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، وقيل: أراد بالنسيان الترك. أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة، وقيل: إنه من معاريض الكلام، والمراد شئ آخر نسيه ” ولا ترهقني من أمري عسرا ” ولا تغشني عسرا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي فإن ذلك يعسر على متابعتك ” فانطلقا ” أي بعدما خرجا من السفينة ” حتى إذا لقيا غلاما


(1) في المصدر: يعد من نقصان صاحبها. (2) سيأتي عن العلل والمعاني أنه تاليا بن ملكان، وفى المحبر: والخضر هو خضرون بن عميايل ابن فلان بن العيص، ويأتى في الحديث 26 غير ذلك. (3) أي علم ما يعيب عن غيره ولا يعلم الا بوساطة الوحى. (4) أو أمرا منكرا أو عجبا. (*)

[ 284 ]

فقتله ” قيل: فتل عنقه، (1) وقيل: ضرب برأسه الحائط، وقيل: أضجعه فذبحه، والفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال ولذلك قال: ” أقتلت نفسا زكية بغير نفس ” أي طاهرة من الذنوب ” شيئا نكرا ” أي منكرا ” قد بلغت من لدني عذرا ” أي قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك، لو لبث (2) مع صاحبه لابصر أعجب الاعاجيب. قوله: ” أهل قرية ” قرية أنطاكية، وقيل: ابلة بصرة، وقيل: باجروان إرمينة (3) وأضافه وضيفه: أنزله (4) ” يريد أن ينقض ” يداني أن يسقط، فاستعيرت الارادة للمشارفة ” فأقامه ” بعمارته، أو بعمود عمده به، وقيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه، قال: ” لو شئت لتخذت عليه أجرا ” تحريصا علي أخذ الجعل لينتعشا به، (5) أو تعريف بأنه فضول لما في (لو) من النفي، كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه ” فكانت لمساكين ” لمحاويج وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئا إذا لم يكفه، وقيل: سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنها كانت لعشرة إخوة: خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر ” فأردت أن أعيبها ” أجعلها ذات عيب


(1) أي لواه، وفى المصدر: قتل بقلع عنقه. ولعله مصحف. (2) في نسخة: لو سكت، وفى اخرى: لو ثبت. (3) ابلة: بضم الاول والثانى وتشديد اللام المفتوحة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذى يدخل إلى مدينة البصرة. وباجروان قال ياقوت: مدينة من نواحى باب الابواب قرب شروان، عندها عين الحياة التى وجدها الخضر عليه السلام، وقيل: هي القرية التى استطعم موسى والخضر عليهما السلام أهلها. وإرمينة صوابها ” ارمينية ” بكسر أوله وقد يفتح و سكون الراء فالكسر وكسر النون وياء خفيفة مفتوحة: اسم لصقع عظيم واسع في جهة الشمال. (4) في المصدر: وقرئ يضيفونهما من أضافه، يقال: ضافه: إذا نزل به ضيفا، وأضافه و ضيفه: أنزله. (5) انتعش: نشط بعد فتور. وفى المصدر: أو تعريضا بانه فضول.

[ 285 ]

” وكان وراءهم ملك (1) ” قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه، وقرئ: ” كل سفينة صالحة غصبا “. ” أن يرهقهما ” أن يغشاهما ” طغيانا وكفرا ” لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شرا، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعديهما بعلته فيرتدا بإضلاله أو بممالاته على طغيانه وكفره حبا ” أن يبدلهما ربهما ” أن يرزقهما بدله ولدا ” خيرا منه زكوة ” طهارة من الذنوب والاخلاق الرديئة ” وأقرب رحما ” رحمة و عطفا على والديه، قيل: ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبيا هدى الله به امة من الامم ” لغلامين يتيمين ” قيل: اسمهما أصرم وصريم ” وكان تحته كنز لهما ” من ذهب أو فضة، روي ذلك مرفوعا، وقيل: من كتب العلم، وقيل: كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجب لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ؟ ! وعجب لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ؟ ! وعجب لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ؟ ! وعجب لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ؟ ! وعجب لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلهما كيف يطمئن إليهما ؟ ! لا إله إلا الله محمد رسول الله. انتهى. (2) قوله عليه السلام: (3) (إما جالسا وإما متكئا) أي قد وقد، أو إشارة إلى اختلاف الرواية بين المخالفين، وكون الترديد من الراوي بعيد، قوله: (حين أخذ الميثاق) تأويل لقوله: (أول مرة). قوله: (وطبع كافرا) قال الطبرسي رحمه الله: روي عن ابي وابن عباس أنهما كانا يقرءان: وأما الغلام فكان كافرا وأبواه مؤمنين، روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) 2 – فس: أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) قال البغدادي في المحبر: كان اسمه هدد بن بدد. وقال البيضاوى: اسمه جلندى بن كركر وقيل: منوار بن جلندى الازدي. وقال البغدادي: واسم الذى قتله الخضر حيسور أو جيسور. وقال ابن الكلبى: هو خشنوذ. (2) انوار التنزيل 2: 19 – 24. (3) أي قول أبى الحسن الرضا عليه السلام المتقدم في تفسير القمى. (4) مجمع البيان 6: 487.

[ 286 ]

أنه قال: كان ذلك الكنز لوحا من ذهب فيه مكتوب: بسم الله لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله عجبت (1) لم يعلم أن الموت حق كيف يفرح ؟ ! عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يفرق ؟ ! (2) عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك ؟ ! عجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها ؟ ! 3 – وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ” وإذ قال موسى لفتاه ” وهو يوشع بن نون، وقوله: ” لا أبرح ” يقول: لا أزال ” حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ” والحقب: ثمانون سنة. وقوله: ” لقد جئت شيئا إمرا ” هو المنكر، وكان موسى ينكر الظلم، فأعظم ما رأى (3) 4 – ع: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إن الخضر كان نبيا مرسلا بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه، فدعاهم إلى توحيده والاقرار بأنبيائه ورسله وكتبه، وكانت آيته أنه كان لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا أزهرت خضراء، وإنما سمي خضرا لذلك، وكان اسمه تاليا بن ملكان بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام وإن موسى لما كلمه الله تكليما وأنزل عليه التوراة وكتب له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ وجعل آيته في يده وعصاه وفي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وغرق الله عزوجل فرعون وجنوده عملت البشرية فيه حتى قال في نفسه: ما أرى أن الله عزوجل خلق خلقا أعلم مني، فأوحى الله عزوجل إلى جبرئيل: يا جبرئيل أدرك عبدي موسى قبل أن يهلك وقل له: إن عند ملتقى البحرين رجلا عابدا فاتبعه وتعلم منه، فهبط جبرئيل على موسى بما أمره به ربه عزوجل، فعلم موسى عليه السلام أن ذلك لما حدثت به نفسه، فمضى هو وفتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى ملتقى البحرين فوجدا هناك الخضر عليه السلام يتعبد الله عزوجل كما قال الله عزوجل: ” فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا و


(1) في نسخة ” عجب ” في جميع المواضع. (2) أي كيف يفزع. (3) تفسير القمى: 401.

[ 287 ]

علمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني (1) مما علمت رشدا ” قال له الخضر: ” إنك لن تستطيع معي صبرا ” لاني وكلت بعلم لا تطيقه، ووكلت أنت بعلم لا اطيقه، قال موسى: بل أستطيع معك صبرا، فقال له الخضر: إن القياس لا مجال له في علم الله وأمره ” وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ” قال موسى: ” ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ” فلما استثنى المشية قبله، قال: ” فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى احدث لك منه ذكرا ” فقال موسى عليه السلام: لك ذلك علي ” فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ” الخضر عليه السلام فقال له موسى عليه السلام: ” أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل ” لك ” إنك لن تستطيع معي صبرا ” قال موسى: ” لا تؤاخذني بما نسيت ” أي بما تركت من أمرك ” ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ” الخضر عليه السلام، فغضب موسى وأخذ بتلبيبه وقال له: ” أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ” قال له الخضر: إن العقول لا تحكم على أمر الله تعالى ذكره، بل أمر الله يحكم عليها فسلم لما ترى مني واصبر عليه، فقد كنت علمت أنك لن تستطيع معي صبرا، قال موسى: ” إن سألتك بعدها عن شئ (2) فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ” وهي الناصرة وإليها تنسب النصارى ” استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ” فوضع الخضر عليه السلام يده عليه ” فأقامه ” فقال له موسى: ” لو شئت لتخذت عليه أجرا ” قال له الخضر: ” هذا فراق بيني وبينك سانبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ” فقال: ” أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ” صالحة (3) ” غصبا ” فأردت بما فعلت أن تبقى لهم ولا يغصبهم الملك عليها، فنسب الابانة في هذا الفعل إلى نفسه لعلة ذكر التعييب، لانه أراد أن يعيبها عند الملك إذا شاهدها، فلا يغصب المساكين عليها، و أراد الله عزوجل صلاحهم بما أمره به من ذلك.


(1) اثبات الياء في (تعلمني) قرائة نافع وابى عمرو وصلا، وابن كثير في الحالتين. (2) هكذا في النسخ والصحيح كما في المصحف الشريف: ” إن سألتك عن شئ بعدها ” وفى المصدر: ” إن سألت بعدها عن شئ ” ولعله اقتباس من الاية من غير ارادة حكايتها بألفاظها. (3) المصدر يخلو عن لفظة (صالحة).

[ 288 ]

ثم قال: ” وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ” وطلع كافرا، (1) وعلم الله تعالى ذكره أنه إن بقي كفر أبواه وافتتنا به وضلا بإضلاله إياهما، فأمرني الله تعالى ذكره بقتله وأراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة، فاشترك بالابانة بقوله: ” فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما ” وإنما اشترك في الابانة لانه خشي والله لا يخشى لانه لا يفوته شئ ولا يمتنع عليه أحد أراده (2) وإنما خشي الخضر من أن يحال بينه وبين ما امر فيه فلا يدرك ثواب الامضاء فيه، ووقع في نفسه أن الله تعالى ذكره جعله سببا لرحمة أبوي الغلام، فعمل فيه وسط الامر من البشرية مثل ما كان عمل في موسى عليه السلام لانه صار في الوقت مخبرا وكليم الله موسى عليه السلام مخبرا، ولم يكن ذلك باستحقاق للخضر عليه السلام للرتبة على موسى عليه السلام وهو أفضل من الخضر، بل كان لاستحقاق موسى للتبيين. ثم قال: ” وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ” ولم يكن ذلك الكنز بذهب ولا فضة، ولكن كان لوحا من ذهب فيه مكتوب: عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ ! عجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ ! عجب لمن أيقن أن البعث حق كيف يظلم ؟ ! عجب لمن ؟ رى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف


(1) في نسخة: وطبع كافرا. (2) أقول: على بعض ما ذكرنا من الوجوه يمكن أن يكون حاصل الكلام أن اشتراكه مع الرب تعالى في الابانة واظهار الفعل لم يكن الا لانه صار في الوقت مخبرا ومعلما لموسى عليه السلام مع كونه أفضل، ولهذا الوجه أيضا عمل فيه البشرية فصار سببا للاشتراك في الابانة، فقوله: (لانه خشى) تعليل لاسناد الاشتراك في الابانة في قوله: ” فخشينا ” إلى البشرية كما أومأنا إليه. وتفطن بعض الازكياء من أصحابنا عند عرضه على بوجه آخر: وهو أن يكون الابانة في المواضع هي الارادة فقط أو اريد بها الارادة لانه نسب الارادة في أول الكلام إلى نفسه وفى آخره إلى الرب، و شركها في وسط الكلام بين نفسه وبين الرب تعالى بقوله: ” فاردنا “. وقوله: وإنما اشترك في الابانة بيان لانه لم خصصنا الاشتراك بالابانة أي الارادة لان في الخشية لا يتعقل ارادة الاشتراك لان الخوف لا يناسب جنابه سبحانه بوجه من الوجوه، فلا يمكن أن ينسب إلى الخضر عليه السلام أن ينسبه إليه تعالى، فلابد أن يكون أراد بقوله: ” خشينا ” نفسه فقط وقوله: (ووقع في نفسه) بيان لان الاشتراك في الارادة كان من عمل البشرية، ولم يكن على ما ينبغى، وهذا ايضا وجه حسن وإن كان ما ذكرنا أتم وأكمل. والله يعلم. منه قدس سره الشريف.

[ 289 ]

يطمئن إليها ؟ ! ” وكان أبوهما صالحا ” كان بينهما وبين هذا الاب الصالح سبعون أبا، فحفظهما الله بصلاحه، ثم قال: ” فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ” فتبرأ من الابانة في آخر القصص ونسب الارادة كلها إلى الله تعالى ذكره في ذلك، لانه لم يكن بقي شئ مما فعله فيخبر به بعد ويصير موسى عليه السلام به مخبرا ومصغيا إلى كلامه تابعا له فتجرد من الابانة والارادة تجرد العبد المخلص، ثم صار متصلا (1) مما أتاه من نسبة الابانة في أول القصة ومن ادعاء الاشتراك في ثاني القصة فقال: ” رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا “. ثم قال جعفر بن محمد عليه السلام: إن أمر الله تعالى ذكره لا يحمل على المقائيس، ومن حمل أمر الله على المقائيس هلك وأهلك، إن أول معصية ظهرت الابانة من إبليس اللعين حين أمر الله تعالى ذكره ملائكته بالسجود لآدم، فسجدوا وأبي إبليس اللعين أن يسجد، فقال عزوجل: ” ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ” فكان أول كفره قوله: ” أنا خير منه ” ثم قياسه بقوله: ” خلقتني من نار وخلقته من طين ” فرده الله عزوجل عن جواره ولعنه وسماه رجيما، وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار. قال الصدوق رحمه الله: إن موسى عليه السلام مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى ذكره لم يستدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر عليه السلام حتى اشتبه عليه وجه الامر فيه، وسخط جميع ما كان يشاهده حتى اخبر بتأويله فرضي، ولو لم يخبر بتأويله لما أدركه ولو بقي في الفكر عمره، فإذا لم يجز لانبياء الله ورسله صلوات الله عليهم القياس والاستنباط والاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك. (2) بيان: التلبيب: ما في موضع اللبب من الثياب. (3) واللبب: هو موضع القلادة من


(1) هكذا في النسخ وفى المصدر، وفى هامش المصدر: ” متنصلا ” وهو الصحيح، وهو من تنصل إلى فلان من الجناية أي خرج وتبرأ عنده منها. (2) علل الشرائع: 31 و 32. (3) ويعرف بالطوق. (*)

[ 290 ]

الصدر. والمراد بالابانة في المواضع إما طلب الامتياز وإظهار الفضل أو إظهار أصل الفعل، وربما يقرء الانانية في المواضع. (1) قوله: (لعلة ذكر التعييب) أي إنما لم ينسب الفعل إليه تعالى رعاية للادب، لان نسبة التعييب إليه تعالى غير مناسب، وأما ما يناسب أن ينسب إليه تعالى فهو إرادة صلاحهم بهذا التعييب. قوله: (وإنما اشترك في الابانة) الغرض بيان أنه لم قال: ” فخشينا وأردنا ” مع أنه كان الانسب نسبة الخشية إلى نفسه والارادة إليه تعالى، أو كان المناسب نسبة المصالح جميعا إليه تعالى ؟ ويمكن تقريره بوجهين: الاول: أنه لما أمره تعالى بقتل الغلام وأخبره بأنه سيقع منه كفر ولم يأمن البداء فيما اخبر به فلذا عبر عنه بالخشية، ولما كان ذلك بإخباره تعالى فقد راعى الجهتين، ونسب إلى نفسه لكون الخشية من جهته، ونسب إلى الرب تعالى أيضا ليعلم أنه إنما علم ذلك بإخباره تعالى، فخشية الحيلوله كناية عن احتمال البداء، أو يقال: إنه لما لم يأمن النسخ في الامر بالقتل وعلى تقديره كان يتحقق طغيانه بوالديه ويحرم الخضر عن امتثال هذا الامر فكأنه قال: إنما بادرت إلى ذلك أو فعلت ذلك مبادرا لاني خشيت أن ينسخ هذا الامر فيرهقهما طغيانا ولم أفز بثواب هذه الطاعة، أو خشيت أن يحول مانع بيني وبينه وإن لم ينسخ فلم يتأت مني فعله وأكون محروما من ثوابه، وأما نسبته إلى الرب فالوجه فيه ما ذكرنا أولا. وأما قوله: ” فأردنا ” فلما لم يكن فيه هذه النكتة نسبه إلى البشرية، أي إنما عبر عن الارادة كذلك لانه عمل فيه البشرية في وسط الكلام، إذ التعبير عن الخشية لم يكن من البشرية، وفي آخر الكلام نسب الابدال إلى الرب، وإنما كان عمل البشرية في التعبير عن الارادة في وسط الكلام. الثاني: أن يكون الاشتراك في الخشية والارادة كلتيهما منسوبا إلى البشرية، فيكون قوله: (لانه خشي) تعليلا لاحد جزئي الاشتراك، أعني نسبة الخشية إلى نفسه. وقوله: (فعمل فيه) تعليل لنسبة الخشية إلى الرب ونسبة الارادة إلى نفسه


(1) وهو بعيد في الغاية.

[ 291 ]

معا، فالمراد بوسط الامر حينئذ مجموع هذا الكلام، إذ في أول الكلام نسب التعييب إلى نفسه رعاية للادب، وفي آخر الكلام خص الارادة به تعالى، وفي هذا الكلام اشترك معه تعالى في الامرين، مع أنه كان الانسب تخصيص الاول بنفسه والثاني به تعالى، وعلى الوجهين يكون وسط الامر منصوبا على الظرفية بتقدير (في) ويحتمل أن يكون فاعلا لقوله: (عمل) أي عمل فيه أمر وسط من البشرية لانه لم ينسب الارادة إلى نفسه بل جعلها مشتركة بين الرب تعالى وبينه، ولكنه بيعد. (1) قوله عليه السلام: (للتبيين) أي لان يتبين له أنه لا يعلم كل شئ، وأنه جاهل لا يعلم شيئا إلا بتعليم الله تعالى، وأنه يمكن أن يكون في البشر من هو أعلم منه، أو المعنى أنه كان الغرض تعليم موسى لا كون الخضر حجة عليه وأفضل منه وكون موسى عليه السلام رعية له بل كان واسطة كالملك. قوله عليه السلام: (بذهب ولا فضة) أي لم يكن المقصود كونه ذهبا وفضة، بل كان الغرض إيصال العلم المنقوش فيه إليهما، فلا ينافي كون اللوح من ذهب. قوله: (وتصرف أهلها) أي تغيرهم. قوله: (متصلا) لعله ضمن معنى الاعراض أو الانفصال، أي صار متصلا به تعالى، معرضا أو منفصلا مما أتاه أولا، والظاهر أنه كان ” متنصلا ” من قولهم: تنصل إليه، أي انتفى من ذنبه واعتذر، فصحف. ثم اعلم أنه يظهر من هذا الكلام أنه كان منه عليه السلام غفلة في أول الامر أيضا، مع أنه قد سبق في أول الكلام عذر ذلك، وأنه إنما نسب إلى نفسه لمكان التعييب، ويمكن توجيهه بأن الغفلة ليست من جهة نسبة التعييب إلى نفسه، بل لعدم التصريح بأن هذا من أمره تعالى، لانه كان يظهر من كلامه عليه السلام أنه كان مستبدا بذلك، فلذا اعتذر ورجع عنه. 5 – ع: سمعت أبا جعفر محمد بن عبد الله بن طيفور الدامغاني الواعظ بفرغانة يقول في خرق الخضر عليه السلام السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدران: تلك إشارات من الله تعالى


(1) وقال البيضاوى في آخر كلامه: ويجوز أن يكون قوله: (فخشينا) حكاية قول الله عزوجل بعد أن نسب الخشية إلى موسى عليه السلام. منه رحمه الله. قلت: في انوار التنزيل هكذا: حكاية قول الله عزوجل: ” فأردنا “.

[ 292 ]

لموسى عليه السلام وتعريضات إلى ما يريده من تذكيره لمنن سابقة لله عز وجل (1) نبهه عليها وعلى مقدارها من الفضل، ذكره بخرق السفينة أنه حفظه في الماء حين ألقته امه في التابوت وألقت التابوت في اليم وهو طفل ضعيف لا قوة له، فأراد بذلك أن الذي حفظك في التابوت الملقى في اليم هو الذي يحفظهم في السفينة، وأما قتل الغلام فإنه كان قد قتل رجلا في الله عزوجل، وكانت تلك زلة عظيمة عند من لم يعلم أن موسى عليه السلام نبي، فذكره بذلك منة عليه حين دفع عنه كيد من أراد قتله به، وأما إقامة الجدار من غير أجر فإن الله عزوجل ذكره بذلك فضله فيما أتاه في ابنتي شعيب حين سقى لهما وهو جائع ولم يبتغ على ذلك أجرا مع حاجته إلى الطعام، فنبهه الله عزوجل على ذلك ليكون شاكرا مسرورا، (2) وأما قول الخضر لموسى عليه السلام: ” هذا فراق بيني وبينك ” فإن ذلك كان جهة موسى عليه السلام حيث قال: ” إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني ” فموسى عليه السلام هو الذي حكم بالمفارقة لما قال له: ” فلا تصاحبني ” وإن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلا من قومه لميقات ربه فلم يصبروا بعد سماع كلام الله عزوجل حتى تجاوزوا الحد بقولهم: ” لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ” فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، ولو اختارهم الله عزوجل لعصمهم، ولما اختار من يعلم منه تجاوز الحد، فإذا لم يصلح موسى عليه السلام للاختيار مع فضله ومحله فكيف تصلح الامة لاختيار الامام بآرائها ؟ وكيف يصلحون لاستنباط الاحكام واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة وهممهم المتباينة وإراداتهم المختلفة ؟ ! تعالى الله عن الرضى باختيارهم علوا كبيرا، وأفعال أمير المؤمنين عليه السلام مثلها مثل أفاعيل الخضر وهي حكمة وصواب وإن جهل الناس وجه الحكمة والصواب فيها. (3) 6 – ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين ابن علوان، عن الاعمش، عن عباية الاسدي قال: كان عبد الله بن العباس جالسا على شفير


(1) في المصدر: لمنن سابقة لله عزوجل عليه. (2) لم يسند محمد بن عبد الله هذه الامور والاشارات إلى رواية ولا حديث، بل هي نتيجة ذوقه واستفادته، فلا يصح الجزء بأنها اريدت من الايات وأن الله تعالى أراد تذكير موسى بها. (3) علل الشرائع: 32 و 33.

[ 293 ]

زمزم يحدث الناس، فلما فرغ من حديثه أتاه رجل فسلم عليه، ثم