الأمالي ج ٣ – علي بن الحسين الشريف المرتضى

الأمالي

السيد المرتضى ج 3


[ 1 ]

(الجزء الثالث من كتاب) امالي السيد المرتضى (الشريف أبى القاسم على بن الطاهر أبى أحمد الحسين المتوفى سنة 436 رضي الله عنه) (في التفسير والحديث والأدب) (الطبعة الأولى) (سنة 1325 ه‍ و 1907 م) (على نفقة أحمد الجمالى ومحمد أمين الخانجى وأخيه) (حقوق الطبع محفوظة) (صححه وضبط ألفاظه وعلق حواشيه) حضرة الشيخ أحمد بن الامين الشنقيطي نزيل القاهرة حالا منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم – ايران 1403 ه‍ ق


[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (مجلس آخر 41) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين) إلى آخر الآية. فقال ما تأويل هذه الاية أو ليس ظاهرها يقتضى أنا لانشاء شيئا الا والله تعالى شاءه ولم يخص إيمانا من كفر ولا طاعة من معصية. الجواب قلنا الوجه المذكور في هذه الاية ان الكلام متعلق بما تقدمه من ذكر الاستقامة لانه تعالى قال (لمن شاء منكم أن يستقيم) ثم قال (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين) أي ما تشاؤن الاستقامة إلا والله تعالى مريد لها ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات وانما أنكرنا ارادته المعاصي وليس لهم أن يقولوا تقدم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها ولا يمنع من عمومه كما ان السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعداه وذلك ان الذي ذكروه انما يجب فيما يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقل. وقوله تعالى (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) لا ذكر للمراد فيه فهو غير مستقل بنفسه وإذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل على انه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه وليس لها ذلك لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة على انه تعالى لا يريد المعاصي ولا القبائح على ان مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم لأن العباد قد يشاؤن عندهم ما لا يشاء الله تعالى بان يريدوا الشئ ويعزموا عليه فلا يقع مانع ممتنع أو غيره وكذلك قد يريد النبي عليه الصلاة والسلام من الكفار الايمان وقد تعبدنا بان يريد من المقدم على القبيح تركه وان كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم انه لا يقع فلا بد لهم من تخصيص الآية فإذا جاز لهم ذلك بالشبهة


[ 3 ]

جاز لنا مثله بالحجة وتجرى هذه الآية مجري قوله تعالى (ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وقوله تعالى (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) في تعلق الكلام بما قبله. فان قالوا فالآية تدل على مذهبنا وبطلان مذهبكم من وجه آخر وهو انه عز و جل قال (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وذلك يقتضي انه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها لأن أن الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال وهذا يوجب انه يشاء أفعال العباد في كل حال ويبطل ما تذهبون إليه من انه انما يريد الطاعات في حال الامر. قلنا ليس في ظاهر الآية إنا لا نشاء إلا ما شاءه الله تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم وانما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر ويجري ذلك مجري قول القائل ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو ونحن نعلم انه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حالة واحدة بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمر ويتلوه دخول زيد وان الخفيفة وان كانت للاستقبال على ما ذكر فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها لأن تقدير الكلام وما تشاؤن الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال وقد ذهب أبو على الجبائى إلى انه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال وان كان قد أرادها في حال الامر كما يصح أن يأمر بها أمرا بعد أمر قال لانه قد يصح أن يتعلق بارادته ذلك منا بعد الامر وفي حال الفعل مصلحة ويعلم تعالى انا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه. والجواب الاول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبي علي في هذا الباب على ان اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة وأبطل استقبالها بل قول من قال منهم انه مريد لنفسه أو مريد بارادة قديمة وصح ما نقوله من ان ارادته محدثة مجددة. ويمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم من غير أن نخصها بما تقدم ذكره من الاستقامة ويكون المعنى وما تشاؤن شيئا من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئتكم واقداركم عليها والتخلية بينكم وبينها وتكون الفائدة في ذلك الاخبار عن الافتقار إلى الله تعالى وانه لا قدرة


[ 4 ]

للعبد على ما لم يقدره الله تعالى عز وجل وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه لأن ما تتعلق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور وليس لهم أن يعلقوا قوله تعالى (إلا أن يشاء الله) بالأفعال دون تعلقه بالقدرة لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور وكل هذا واضح بحمد الله. ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان فمما يختار قوله من قصيدة أولها طرقتك زائرة فحي خيالها * بيضاء تخلط بالحياء دلا لها يقول فيها مالت بقلبك فاستقاد ومثلها * قاد القلوب إلى الصبا فأمالها فكأنما طرقت بنفحة روضة * سحت بها ديم الربيع طلالها باتت تسائل في المنام معرسا * بالبيد أشعث لا يمل سؤالها في فتية هجعوا غرارا بعدما * سئموا مر اعشة السرى ومطالها [ قال المرتضى ] رضى الله عنه – المراعشة – هي تحريك الرأس في السير من النوم فكأن حشو ثيابهم هندية * نحلت وأغفلت العيون صقالها أما ذكره في أول القصيدة طروق الطيف فانه لم يأت فيه بمعنى غريب ولا لفظ مستعذب (1) وقد قال الناس في طيف الخيال فأكثروا. وقد سبق في ذلك قيس بن الخطيم إلى معني كل الناس فيه عيال عليه وهو قوله


(1) قوله فانه لم يأت فيه بمعنى غريب ولا لفظ مستعذب الخ. قلت أما العلماء المتقدمون فانهم استحسنوها روى ان مروان بن أبى حفصة جاء إلى حلقة يونس فسلم ثم قال أيكم يونس فأومؤا له إليه فقال له أصلحك الله إني أرى قوما يقولون الشعر لان يكشف أحدهم سوأته ثم يمشى كذلك في الطريق أحسن له من أن يظهر مثل ذلك الشعر وقد قلت شعرا أعرضه عليك فان كان جيدا أظهرته وان كان رديئا سترته

[ 5 ]

أني سربت وكنت غير سروب * وتقرب الاحلام غير قريب (1) ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه * في النوم غير مصرد محسوب كان المنى بلقائها فلقيتها * فلهوت من لهو امرئ مكذوب وقد أحسن جرير في قوله أتنسى إذ تود عنا سليمى * بفرع بشامة سقي البشام بنفسي من تجنبه عزيز * علي ومن زيارته لمام ومن أمسى وأصبح لا أراه * ويطرقني إذا هجع النيام وهذه الابيات وان خلت من معنى في ذكر الطيف غريب فلم تخل من لفظ مستعذب. ولأبي عبادة البحتري في وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر فانه تغلغل


فأنشده * طرقتك زائرة فحي خيالها * الخ فقال له يونس يا هذا اذهب فاظهر هذا الشعر فأنت والله فيه أشعر من الأعشى في قوله * رحلت سمية غدوة أجمالها * فقال له مروان سررتني وسؤتني فأما الذي سررتني به فارتضاؤك الشعر وأما الذي ساءني فتقديمك إياى على الاعشى وأنت تعرف محله فقال انما قدمتك عليه في تلك القصيدة لا في شعره كله لانه قال فيها * فأصاب حبة قلبه وطحالها * والطحال لا يدخل في شى إلا أفسده وقصيدتك سليمة من هذا وشبهه. وقصيدة مروان هذه مدح بها المهدي ولما أنشده إياها زحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع ثم قال كم هي قال مائة بيت فأمر له بمائة ألف درهم فكانت أول مائة ألف درهم اعطيها شاعر في أيام بني العباس وهذا دليل على حسنتها (1) قوله سربت – السارب – الذاهب على وجهه في الارض ورواه ابن دريد سربت بباء موحدة لقوله وكنت غير سروب ومن رواه سريت بالياء باثنتين فمعناه كيف سريت ليلا و أنت لا تسربين نهارا

[ 6 ]

في أوصافه واهتدي من معانيه الي ما لا يوجد لغيره وكان مشغوفا بتكرار القول فيه لهجا بابدائه وإعادته وان لأبي تمام في ذلك مواضع لا يجهل فضلها ومحاسن لا يبلغ شأوها فمما لأبي تمام قوله زار الخيال لها لا بل أزاركه * فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم ظبي تقنصته لما نصبت له * من آخر الليل أشراكا من الحلم ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم * باق وإن كان مشغولا من السقم وقوله عادك الزور ليلة الرمل من رملة * بين الحمى وبين المطال ثم ما زارك الخيال ولكنك * بالفكر زرت طيف الخيال وقوله الليالي أحفي بقلبي إذا ما * جرحته النوى من الايام يا لها ليلة تنزهت الار * و اح فيها سرا من الاجسام مجلس لم يكن لنا فيه عيب * غير أنا في دعوة الأحلام فأما البحترى فقوله في هذا المعنى أكثر من أن يذكر جميعه ههنا غير أنا نشير إلى نادره فمن ذلك قوله فلا وصل إلا أن يطيف خيالها * بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع ألمت بنا بعد الهدو فسامحت * بوصل متى نطلبه في الجد تمنع وما برحت حتى مضى الليل وانقضى * وأعجلها داعى الصباح الملمع فولت كأن البين يخلج شخصها * أو ان تولت من حشاى واضلعى ورب لقاء لم يؤمل وفرقة * لأسماء لم تحذر ولم تتوقع


[ 7 ]

أراني لا أنفك في كل ليلة * تعاود فيها المالكية مضجعي اسر بقرب من ملم مسلم * وأشجى ببين من حبيب مودع فكان لنا بعد النوى من تفرق * ترجيه أحلام الكرى باتجمع وكقوله وإني وإن ضنت علي بودها * لارتاح منها للخيال المؤرق يعز على الواشين لو يعلمونها * ليال لنا نزدار فيها ونلتقى فكم غلة للشوق أطفأت حرها * بطيف متى ما يطرق الليل يطرق أضم عليه جفن عينى تعلقا * به عند اجلاء النعاس المرنق وقوله بلى وخيال من أثيلة كلما * تأوهت من وجد تعرض يطمع إذا زورة منه تقضت مع الكرى * تنبهت من وجد له أتفزع ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه * وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع ويكفيك من حق تخيل باطل * ترد به نفس اللهيف فترجع وقوله إذا ما الكرى أهدى إلي خياله * شفى قربه التبريح أو نقع الصدى إذا انتزعته من يدى انتباهة * عددت حبيبا راح مني واعتدا ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا * تعذب أيقاظا وتنعم هجدا وقوله فما نلتقي الا على حلم هاجد * تحل لنا جدواك وهي حرام


[ 8 ]

إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا * من الجد أيقاظا ونحن نيام وقوله وليلة هو منا على العيس أرسلت * بطيف خيال يشبه الحق باطله فلولا بياض الصبح طال تشبثي * بعطفي غزال بت وهنا أغازله وقوله أمنك تأوب الطيف الطروب * حبيب جاء يهدى من حبيب تخطي رقبة الواشين كرها * وبعد مسافة الخرق المجوب يكاذبنى وأصدقه رداء * ومن كلف مصادقة الكذوب وقوله ما تقضى لبانة عند لبنى * والمعني بالغانيات معني هجرتنا يقظى وكادت على مذ * هبها في الصدود تهجر وسني بعد لاى وقد تعرض منها * طائف عرجت على الركب وهنا [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي مع ميله إلى البحترى وانحطاطه في شعبه واجتهاده في تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم ان البحتري أخطأ في قوله هجرتنا يقظى وكادت على مذ * هبها في الصدود تهجر وسني قال لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها يقظي كانت أو وسني قال ولكن الجيد في هذا المعني قوله ارد دونك يقظانا ويأذن لي * عليك سكر الهوى إن جئت وسنانا قال والذي أوقع البحتري في هذا الغلط قول قيس بن الخطيم


[ 9 ]

ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه * في النوم غير مصرد محسوب وكان الاجود أن يقول ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي حتى يكون النوم واليقظة منسوبين إليه لأن خيال المحبوب يتمثل في حال نومه ويقظته جميعا قال إلا أنه يتسع من التأويل في هذا لقيس ما لا يتسع للبحتري لأن قيسا قال فقد تؤتينه في النوم ولم يقل نائمة وقد يجوز أن يحمل على انه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم أي في نومي ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري لأنه قال وسنى ولم يقل في الوسن. [ قال الشريف ] رضى الله عنه وقد يمكن من التأويل للبحتري ما أمكن مثله لقيس لكن الآمدي قد ذهب عن ذلك لأن البحتري لما قال وسني دل على حال الوسن والحال المعهودة للوسن حال يشترك الناس فيها في النوم بالعادة كما ان الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة بالعادة فقوله وسنى ينبى عن كونه هو أيضا نائما وانما أراد المقابلة في زنة اللفظ بين يقظي ووسنى. وقوله يقظي متى لم تحمل أيضا على هذا المعنى لم يصح لأنه لا بد أن يريد بذلك هجرتنا في أحوال اليقظة ويكون معنى يقظي يتعدي إليه ألا ترى ان الآمدي حمل قول قيس يقظي على معنى وأنا يقظان وان لم يبين الوجه فيه فكيف ذهب عليه مثل ذلك في قول البحتري. وقوله وسنى ويقظى مثل قول قيس يقظي ولو أمكن قيسا وزن الشعر من أن يقول وسنى في مقابلة يقظي لقاله وما عدل عنه إلى النوم لانه لم يكن عليه في وسنى إلا ما عليه في يقظي وما يتأول له في أحد الامرين يتأول له في الآخر. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ولى في الخيال وطروقه معنى ما علمت انه سبق إليه من جملة قصيدة وزور تخطي جنوب الملا * فناديت أهلا بذا الزائر أتاني هدوا وعين الرقيب * مطروفة بالكرى العامري فأعجب به يسعف الهاجعين * وتحرمه مقلة الساهر وعهدي بتمويه عين المحب * ينم على قلبه الطائر (2 – أمالى لث)


[ 10 ]

فما التقينا برغم الرقا * موه قلبي على ناظري ومعني البيت الآخر أن الأحلام انما هي اعتقادات تخيل في القلب لا حقيقة لأكثرها لأن الانسان يعتقد أنه رأى لما لا يراه على الحقيقة ويدرك لما ليس مدركه على الحقيقة فالقلب يخيل في النوم للعين ما لا حقيقة له كما ان العين تخيل في كثير من الاحوال للقلب ما لاحقيقة له. فأما قول مروان * فكأنما طرقت بنفحة روضة * البيت فيشبه أن يكون مأخوذا من قول نهشل بن جرى قال طرقت أسيماء الرحال ودونها * بيتان من ليل التمام الأسود ومفاوز وصل الفلاة جنوبها * بجنوب أخرى غير أن لم تعقد رمل إذا أيدى الركاب قطعنه * قرعت منا سمها بقف قردد فكأن ريح لطيمة هندية * وذكى جادي بنصع مجسد وندى خزامى الجو جو سويقة * طرق الخيال به بعيد المرقد أو من قول الآخر طرقتك زينب والمزار بعيد * بمنى ونحن معرسون هجود وكأن طرقت بريا روضة * انف يسجسح مزنها ويجود وهذا المعنى كثير في الشعر المتقدم والمتأخر جدا. فأما قوله – باتت تسائل في المنام معرسا – البيت والبيتان اللذان بعده فقد قال الناس في وصف قلة النوم ومواصلة السري والادلاج وشعث السارين فأكثروا. فمن أحسن ما قيل في ذلك قول لبيد ومجود من صبابات الكرى * عاطف النمرق صدق المبتذل (1)


(1) قوله – ومجود من صبابات الكرى – الخ الواو واورب والمجود الذى جاده النعاس وألح عليه حتى أخذ فنام من الجود بالفتح وهو المطر الغزير يقال أرض مجودة أي مغيثة وجيدت الارض إذا أمطرت جودا. وقال اعرابي المجود الذى قد جاده العطش أي

[ 11 ]

قال هجدنا فقد طال السري * قدرنا إن خنى الدهر غفل (1) قلما عرس حتى هجته * بالتباشير من الصبح الاول (2)


غلبه كذا في شرح أبى الحسن الطوسي وهذا لا يناسب لقوله صبابات الكرى فان الكرى النوم وصبابته بقيته كذا في شرح الشواهد للبغدادي. وقال في اللسان ويقال للذي غلبه النوم مجود كأن النوم جاده أي مطره قال والمجود الذى يجهد من النعاس وغيره عن اللحيانى وبه فسر قول لبيد وألشد البيت قال أي هو صابر على الفراش الممهد وعن الوطء يعني انه عطف نمرقة ووضعها تحت رأسه وقيل معنى قوله ومجود من صبابات الكرى قيل معناه شيق وقال الأصمعى معناه صب عليه من جود المطر وهو الكثير منه والجود النعاس وجاده النعاس غلبه. وقوله – عاطف النمرق – صفة مجود والاضافة لفظية والنمرقة مثلثة النون الوسادة والطنفة فوق الرحل وهي المراد هنا. وقوله – صدق المتبذل – بفتح الصاد أي جلد قوي لا يغير عند ابتذاله نفسه ولا يسقط ولا يجوز أن يقال صدق المبتذل الا إذا امتهن ووجد صادق المهنة يوجد عنده ما يحب ويراد (1) – قوله – هجدنا – الخ هو متعلق رب والتهجيد من الاضداد يقال هجده إذا نومه أي دعنا ننام وهو المراد هنا وجده إذا أيقضه والفاء للتعليل – والسرى – بالضم سير عامة الليل. وقوله – وقدرنا – أي قدرنا على ورود الماء وذلك إذا قربوا منه وفي القاموس وبتنا ليلة قادرة هينة السير لا تعب فيها – والخنى – بفتح المعجمة والقصر الآفة والفساد أي ان غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا وقيل قدرنا أي على التهجيد ويقيل على السير (2) قوله – قلما عرس – الخ ما المتصلة بقل كافة لها عن طلب الفاعل وجاعلة إياها بمنزلة ما النافية في الأغلب وهنا لاثبات القلة وما تتصل بأفعال ثلاثة فتكفها عن طلب الفاعل وهي قلما وطالما وكثر ما وينبغي ان تتصل بالأولين كتابة والتعريس النزول في آخر الليل للاستراحة والنوم ومثله الاعراس – وهجته – أيقظته من النوم وهاج يهيج يجئ لازما ومتعديا يقال هاج إذا ثار وهجته إذا أثرته – وحتى – هنا حرف جر بمعنى الا الاستثنائية أي ما عرس إلا أيقظته أي نام قليلا ثم أيقظته وأكثر دخولها على

[ 12 ]

يلمس الاحلاس في منزله * بيديه كاليهودي المصل (1) يتمارى في الذي قلت له * ولقد يسمع قولي حيهل (2) أو من قول ذي الرمة


المضارع كقوله ليس العطاء من الفضول سماحة * حتى تجود وما لديك قليل وقوله – بالتباشير – أي بظهورها والتباشير أوائل الصبح وهو جمع تبشير ولا يستعمل الا جمعا كذا عبر البغدادي ولفظ شارح القاموس لا واحد له – والاول – صفة التباشير وهو بضم الهمزة وفتح الواو جمع أولى مؤنث الأول كالكبر جمع كبري وقد جاء هذا المصراع الثاني في شعر النابغة الجعدي وهو وشمول قهوه باكرتها * في التباشير من الصبح الأول (1) – قوله – يلمس الأحلاس – فاعل يلمس ضمير المجود واللمس الطلب وفعله من بابى قتل وضرب والأحلاس جمع حلس بالكسر وهو كساء رقيق يكون على ظاهر البعير تحت رحله أي يطلبها بيديه وهو لا يعقل من غلبة النعاس. وقوله – كاليهودي المصل – أي كأنه يهودى يصلي في جانب يسجد على جبينه واليهودى يسجد على شق وجهه وأصل ذلك انهم لما نتق الجبل فوقهم قيل لهم إما أن تسجدوا وإما ان يلقى عليكم فسجدوا على شق واحد مخافة أن يسقط عليهم الجبل فصار عندهم سنة إلى اليوم (2) قوله – يتمارى في الذى قلت له – الخ التمارى في الشئ والامتراء فيه المجادلة والشك فيه يقال ما ريت الرجل أماريه مراء ومماراة إذا جادلته والمرية الشك. قال الطوسى يقول قال له الصبح النجاء النجاء قد أصبحت ونحو هذا من الكلام – وحيهل – أي أسرع وأعجل وحيهل اسم فعل قال زكريا الاحمر في حيهل ثلاث لغات يقال حيهل بفلان بجزم اللام وحيهل بفلان بحركة اللام وحيهلا بفلان بالتنوين وقد يقولون من غير هل من ذلك حى على الصلاة وقال ابن عصفور ان حيهلا مركبة من حى وهلا الا ان ألف هلا تحذف في بعض اللغات تخفيفا

[ 13 ]

وليل كأثناء الزويزي جبته * بأربعة والشخص في العين واحد – والزويزي – هو الطيلسان. وقد روى أيضا كجلباب العروس أدرعته وكل ذلك وصف له بالسواد لان الطيلسان أسود. وجلبات العروس أخضر والعرب تجمع بين الخضرة والسواد أحم علافي وأبيض صارم * وأعيس مهري وأشعث ماجد أخو شقة جاب الفلاة بنفسه * على الهول حتى طوحته المطارد وأشعث مثل السيف قد لاح جسمه * وجيف المهارى والهموم الاباعد سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه * لدين الكرى من آخر الليل ساجد أقمت له صدر المطي فما درى * أجائرة أعناقها أم قواصد ترى الناشئ الغرير يضحى كأنه * على الرحل مما منه السير عاصد ومن ذلك قول أبي حية النميري وأغيد من طول السرى برحت به * أفانين نهاض على الاين مرجم سريت به حتى إذا ما تمزقت * تو الى الدجى عن واضح اللون معلم أنخنا فلما أن جرت في دماغه * وعينيه كأس النوم قلت له قم فما قام الا بين أيد تقيمه * كما عطفت ريح الصبا خوط سأسم خطا الكره مغلوبا كأن لسانه * لما رد من رجع لسان المبلسم وود بوسطي الخمس منه لو اننا * رحلنا وقلنا في المناخ له نم


[ 14 ]

(مجلس آخر 42) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) إلى آخر الآية. فقال ما معنى اختصاص الأرض بالذكر وهم لا يفوتون الله ولا يعجزونه ولا يخرجون عن قبضته على كل حال وفي كل مكان ولم نفى الأولياء عنهم وقد نجد أهل الكفر يتولى بعضهم بعضا وينصرونهم ويحمونهم من المكاره وكيف نفى استطاعتهم للسمع والابصار وأكثرهم قد كان يسمع باذنه ويرى بعينه. الجواب قلنا أما الوجه في اختصاص الأرض بالذكر فلأن عادة العرب جارية بقولهم للمتوعد لا مهرب لك منى ولا وزر ولا نفق والوزر الجبل والنفق السرب وكل ذلك مما يلجأ إليه الخائف المطلوب فكأنه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه ومانع من عذابه وان جبال الارض وسهولها لا تحجز بينهم وبين ما يريد إيقاعه بهم كما انها تحجز عن كثير من أحوال البشر من المكاره لأن معاقل الارض هي التي يهرب إليها البشر من المكاره ويلجؤن بها إلى الاعتصام بها عند المخاوف فإذا نفى تعالى أن يكون لهم في الأرض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه. وأما قوله تعالى (وما كان لهم من دون الله من أولياء) فمعناه انه لا ولي لهم ولا ناصر من عذاب الله تعالى وعقابه لهم في الآخرة ولا مما يريد أيضا إيقاعه بهم في الدنيا وان كان لهم من يحميهم من مكروه البشر وينصرهم ممن أرادهم بسوء وقد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الأمر وان كان مخرجه مخرج الخبر ويكون التقدير وليس لهم أن يتخذوا أولياء من دون الله بل الواجب أن يرجعوا إليه في معونتهم ونصرهم ولا يعولوا على غيره. فأما قوله عز وجل (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) ففيه وجوه. أحدها أن يكون المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون عنادا للحق وذهابا عن سبيله فأسقط الباء من كلامه وذلك جائز كما جاز في قولهم لاجزينك بما عملت ولأجزينك بما عملت ولأحدثنك بما عملت ولأحدثنك ما عملت وكما قال الشاعر


[ 15 ]

نغالى اللحم للاضياف نيا * ونبذله إذا نضج القدور أراد نغالي باللحم. والوجه الثاني انهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى وكراهيتهم تذكرها وتفهمها جرى مجرى من لا يستطيع السمع كما يقول القائل ما يستطيع فلان أن ينظر لشدة عداوته إلى فلان وما يقدر على أن يكلمه وكما نقول لمن عهدنا منه للعناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات ما تستطيع أن يسمع الحق وما يطيق أن يذكر له ذلك وكما قال الاعشى ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ونحن نعلم انه قادر على الوداع وانما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال. ومعنى وما كانوا يبصرون أي ان إبصارهم لم يكن نافعا لهم ولا مجديا عليهم مع الاعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها فلما انتفعت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه كما يقال للمعرض عن الحق العادل عن تأمله مالك لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل وما أشبه ذلك. والوجه الثالث أن يكون معنى نفى السمع والبصر راجعا إلي آلهتهم لا إليهم وتقدير الكلام أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الارض يضاعف لهم العذاب ثم قال مخبرا عن الآلهة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون وهذا الوجه مروي عن ابن عباس رضى الله عنه وفيه أدنى بعد. ويمكن في الآية وجه رابع وهو أن يكون ما في قوله (ما كانوا يستطيعون السمع) ليست للنفي بل تجري مجرى قولهم لأواصلنك مالاح نجم ولأقيمن على مودتك ما طلعت شمس ويكون المعنى ان العذاب يضاعف لهم في الآخرة ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أي انهم معذبون ما كانوا أحياء. فان قيل كيف يعبر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والإبصار وقد يكون حيا من لا يكون كذلك. قلنا للعرف في مثل هذا عادة لأنهم يقولون والله لا كلمت فلانا ما نظرت عيني ومشت قدمي وهم يريدون ما بقيت وحييت لان الأغلب من أحوال الحى أن تنظر عينه وتمشي قدمه فجعلوا الاغلب كالواجب ومن ذلك قول الشاعر


[ 16 ]

وما أنس من شئ تقادم عهده * فلست بناس ما هدت قدمي نعلي عشية قالت والدموع بعينها * هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي وانما أراد أني لا أنسي ذلك ما حييت وكذلك لا يمتنع أن يعلق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعن للسمع والابصار ويعود المعني إلى تعلقه ببقائهم وكونهم أحياء والمرجع في ذلك إلى التأييد لانه إذا علق العذاب ببقائهم واحيائهم علمنا ان الآخرة لا موت فيها ولا خروج عن الحياة وعلمنا تأييد العذاب. ونعود إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام على شعر مروان فمما يختار له قوله من القصيدة التي قد مضى أولها وتكلمنا عليها وضعوا الخدود لدى سواهم جنح * تشكو كلوم صفاحها وكلالها طلبت أمير المؤمنين فواصلت * بعد السرى بغدوها آصالها نزعت اليك صواديا فتقاذفت * تطوى الفلاة حزونها ورمالها يتبعن ناجية تهز مراحها * بعد النحول تليلها وقذالها هو جاء تدرع الربا وتشقها * شق الشموس إذا تراع جلالها تنجو إذا رفع القطيع كما نجت * خر جاء بادرت الظلام رئالها كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى * كالبرج تملا رحلها وحبالها وهذه الأبيات في وصف الرواحل بالسرعة والتحول جيدة الألفاظ مطردة النسج وقد سبق الناس في هذا المعنى إلى ضروب من الاحسان فمن ذلك قول الأخطل بخوص كإعطال القسي تقلقلت * أجنتها من شقة ودؤب


(1) – اعطال القسى – التي لا أوتار عليها – وتقلقلت – تحركت في بطونها من الدأب والسير – وأجنتها – جمع جنين

[ 17 ]

إذا معجل غادرنه عند منزل * اتيح لجواب الفلاة كسوب (1) وهن بنا عوج كأن عيونها * بقايا قلات قلصت لنضوب (2) مسانيف يطويها مع القيظ والسرى * تكاليف طلاع النجاد ركوب قديم ترى الاصواء فيه كأنها * رجال قيام عصبوا بسبوب (3) يعمن بنا عوم السفين إذا انجلت * سحابة وضاح السراب خبوب وقال مسلم بن الوليد الانصاري إلى الامام تها دينا بأرحلنا * خلق من الريح في أشباح ظلمان كأن إفلاتها والفجر يأخذها * إفلاة صادرة عن قوس حسان. وقال بشار وإذا المطي سبحن في أعطافه * فات المطي بكاهل وتليل فكأنه والناعجات يردنه * قدح يطلع من قداح مجيل ولبعض الحارثيين نهش الهجائر والظهائر لحمها * حتى تخدد لحمها المتضاهر


(1) – المعجل – الجنين الذي يولد لغير تمام – وأتيح – قدر – وجواب – الفلاة – الذئب. يقول ذا رمت بالمعجل صادفه الذئب (2) – القلاة – جمع قلت وهى النقرة في الجبل تمسك الماء – وقلصت – أي غارت – والنضوب – ذهاب الماء. شبه عظم العين بالصخرة في الصلابة وبقية العين بما بقى من الماء في القلت (3) – الأصواء – جمع صوى وصوى جمع صوة وهي حجارة تنصب ليهتدي بها. شبه الصوى وقد جللها السراب برجال قيام عصبوا بالسبوب جمع سب وهي شقة كتان رقيقة(3 – أمالى لث)

[ 18 ]

حرف تناهبها النجاء قلائص * مما تنجل شدقم أو ذاعر صبر إذا عطفت سوالفها البرى * سمعت لهن كشاكش وجراجر ويخلن من عز النفوس وجدها * جنا وهن إذا اختبرن أبا عر أما إذا ما قبلت فكأنها * ذعر تهادتها الفلاة نوافر أما إذا ما أعرضت فكأنها * كذر توردن النطاف صوادر إما إذا ما أبركت فكأنها * صرح مشيدة وهن ضوامر [ قال الشريف ] رضى الله عنه. وإني لأستحسن قول بشامة بن الغدير في وصف الناقة بالسرعة كأن يديها إذا أرقلت * وقد جرن ثم اهتدين السبيلا يدا سابح خر في غمرة * وقد شارف الموت إلا قليلا (1) إذا أقبلت قلت مشحونة * أطاعت لها الريح قلعا جفولا (2) وإن أدبرت قلت مذعورة * من الربد تتبع هيقا ذمولا (3)


(1) قوله – يدا سابح – الخ يروى يدا عائم خر في غمرة * قد ادركه الموت إلا قليلا يقول كأن يدي هذه الناقة وقت كلال غيرها من الابل ولزومهن المحجة يدا سابح فهو أشد لتحريكه يديه مخافة على نفسه (2) المشحونة – المملوأة -. شبهها بسفينة مملوأة لانه أقوم لسيرها وأعدل – والقلع – الشراع – والجفول – التى تجفل أي تسرع (3) قوله وان أدبرت الخ يروي إذا أقبلت قلت مذعورة * من الرمد تلحق هيقا ذمولا

[ 19 ]

ومعني قوله – وقد جرن ثم اهتدين السبيلا – يعني المطايا يقول كن نشيطات يمرحن فلا يلزمن لقم الطريق بل يأخذن يمينا وشمالا فلما عضهن الكلال استقمن على المحجة فكأنه وصف ناقته ببقاء النشاط مع كلال المطي وكني عن الكلال بلزوم جادة الطريق حتى تنكبها. وهذه كناية فصيحة مليحة ومثله قول الآخر كأن يديها حين جد نجاؤها * يدا سابح في غمرة يتذرع ومما يشاكل هذا المعنى ويقاربه قول الشماخ كأن ذراعيها ذراعا مدلة * بعيد السباب حاولت أن تعذرا ممجدة الأعراق قال ابن ضرة * عليها كلاما جار فيه وأهجرا


ويروي من الربد كما في الاصل وهو جمع ربداء وجعلها مذعورة لانه أشد لسيرها – والرمد – النعام وهى الربد أيضا – والهيق – ذكر النعام وهي المنكسفة اللون تعلو سوادها كدرة والربدة سواد يكسف الوجه ويغيره يقال لأربدن وجه والهيق الطويل والانثي هيقة وهذه الرواية التى في الأصل منكسة فقدم آخرها على أولها وحذف من بينها أربعة أبيات وهي من قصيدة مشهورة أولها هجرت امامة هجرا طويلا * وحملك النأى عبا ثقيلا إلى ان قال إذا أقبلت قلت مذعورة * من الرمد تلحق هيقا ذمولا وان أدبرت قلت مشحونة * أطاع لها الريح قلعا جفولا وان أعرضت حار فيها البصير * ما لا يكلفة أن يقيلا يدا سرحا مائرا ضبعها * تسوم وتقدم رجلا زجولا وعوجا تناطحن تحت المطا * وتهدى بهن مشاشا كهولا تعز المطى جماع الطريق * إذا أدلج القوم ليلا طويلا كأن يديها إذا أرقلت * وقد جرن ثم اهتدين السبيلا يدا عائم خر في غمرة * الي آخر القصيدة

[ 20 ]

شبه ذراعيها وهي شبه ذراعيها وهي تتذرع في سيرها بذراعي امرأة مدلة على أهلها ببراءة ساحتها وقد حكى عنها ابن ضرتها كلاما أهجر فيه أي أفحش فهي ترفع يديها وتضعهما تعتذر وتحلف وتنضح عن نفسها. وقد قيل ان معنى مدلة انها تدل بحسن ذراعيها فهى تدمن اظهار هما لترى حسنهما. وقوله – بعيد السباب – أي في عقب المسابة قامت تعتذر إلى الناس وقوم يروونه بعيد الشباب ومعنى هذه الرواية انها نصف من النساء فهي أقوم بحجتها من الحدثة الغرة ويشهد لهذه الرواية قول الآخر كأن يديها حين يقلق ضفرها * يدا نصف غيرى تعذر من جرم وقوله – حين يقلق ضفرها – سر وفائدة لأن الضفر هو الاتساع وانما تقلق إذا جهدها السير فضمرت فكأنه وصفها بالتذرع والنشاط مع الجهد والكلال. ومثله كأن ذراعيها ذراعا بدية * مفجعة لاقت ضرائر عن عفر سمعن لها واستعجلت بكلامها * فلا شئ يفرى باليدين كما تفرى ويقاربه قول الآخر ألا هل تبلغنيهم * على اللأواء والظنه وآة الحصى المعزا * في أخفافها رنه إذا ما عسفت قلت * حماة فاضحت كنه وممن شبه سرعة أيدي الابل بأيدي النوائح كعب بن زهير فقال كأن أوب ذراعيها إذا عرقت * وقد تلفع بالقور العساقيل وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصى قيلوا شد النهار ذراعا عيطل نصف * قامت فجاوبها نكد مثاكيل نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعي بكرها الناعون معقول – العسا قيل – أول السراب ولا واحد لها من لفظها. وأخبر ان ناقته في شدة الحر واتقاد


[ 21 ]

الظهيرة تمرح في سيرها وتذرع بيديها وشبه ذراعيها بذراعي امرأة نصف تنوح على ابنها وقد نعي إليها فهي تشير بيديها وتوالي تحريكهما – والعيطل – الطويلة العنق وجعلها نصفا لأنها قد كادت تيأس من الولد فهي أشد لحزنها على ابنها وتفجعها عليه – والقور – جمع قارة وهي ما ارتفع واستدار من الرمل وأراد أن يقول كما تلفعت القور بالعساقيل فلم يمكنه فقلب. ومثله وكأنما رفعت يدى نواحة * شمطاء قامت غير ذات خمار وانما خص الشمطاء لما ذكرناه من اليأس من الولد كما قال عمرو بن كلثوم ولا شمطاء لم يترك شقاها * لها من تسعة إلا جننا وقد قيل في بيت عمرو بانه شبه الناقة بشمطاء لما على رأسها من اللغام. ومثل ما تقدم من المعاني قول الشاعر ياليت شعري والمني لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع وتحت رحلى زفيان ميلع * كأنها نائحة تفجع تبكي لميت وسواها الموجع – الزفيان – الناقة الخفيفة – والميلع – السريعة. وشبه رجع يديها في السير ونشاطها بيدي نائحة تنوح لقوم على ميتهم بأجرة فهي تزيد في الاشارة بيديها ليري مكانها. ومثله بعينه قول ذي الرمة مجانيق تضحي وهي عوج كأنها * بجوز الفلا مستاجرات نوائح – المجانيق – اللواتي ضمرن بعد سمن وخص المستأجرات من النوائح للمعنى الذي ذكرناه. وقال الشماخ فيما يقارب هذا المعنى كأن أوب يديها حين أعجلها * أوب المراح وقد نادوا بترحال مقط الكرين على منكوسة زلق * في ظهر حنانة النيرين مغوال


[ 22 ]

معنى – أوب ذراعيها – أي رجعهما – وأوب المراح – إذا راح القوم عازب أموالهم ليرحلوا. وقد روى أوب المراح بالكسر ومعناه رجع المراح – والنشاط. والمقط – اللعب بالكرة – والكرين – جمع كرة – والمنكوسة – الارض البراح التي لا شئ فيها – والزلق – المستوية من الارض – والحنانة – الريح – والنيران – جانبا هذه الارض – ومغوال – قيل انه من صفات الريح وقيل من صفات الارض وان كان من صفات الريح فمعناه ان الريح تغول الارض بأسرها أي يملاها وإذا كان للارض فالمعنى انها تغول من سلكها أي تهلكه. وتلخيص معني البيت انه شبه يدي ناقته بيدي ضارب بكرة في الارض الواسعة في يوم ريح عاصف وهذا من دقيق المعاني وحسن التشبيه والمبالغة. ومثل بيتي الشماخ قول المسيب بن علس مرحت يداها للنجاء كأنما * تكرو بكفي مأقط في قاع (1)


(1) قوله – تكرو بكفى مأقط – الخ. رواية المفضل مرحت يداها للنجاء كأنما * تكروا بكفى لاعب في صاع قال ابن الانباري – النجاء – السرعة يمد ويقصر – وتكرو – كأنما تلعب بالكرة يقال قد كري يكرو إذا ضرب بالكرة – والصاع – منهبط من الأرض له ما يحفه كهيئة الجفنة. ويروى – بكفى مأقط في صاع – الصاع موضع تكلسه وتلعب فيه بالكرة – والمأقط – الذي يكرو بالكرة يضرب بها الأرض ترتفع إليه. قال أحمد قوله في صاع أراد بصاع وهو الصولجان الذى يلعب به الغلمان أراد بصاع صائع لانه يعطف للضرب به لتصاع الكرة به فكان الصولجان هو يصوعها. وهذان البيتان من قصيدة مفضلية روى ان أبا جعفر المنصور مر بالمهدي ابنه وهو ينشد المفضل هذه القصيدة فلم يزل واقفا من حيث لا يشعر به حتى استوفى سماعها ثم صار وأمر باحضارهما فحدث المفضل بوقوفه واستماعه لقصيدة المسيب واستحسانه إياها وقال له لو عمدت إلى أشعار الشعراء المقلين واخترت لفتاك لكل شاعر أجود ما قال لكان ذلك صوابا ففعل المفضل وعدد القصيدة 26 بيتا وأولها أرحلت من سلمى بغير متاع * قبل العطاس ورعتها بوداع عن غير مقلية وإن حبالها * ليس بأرمام ولا أقطاع

[ 23 ]

فعل السريعة بادرت جدادها * قبل المساء تهم بالاسراع معنى – تكرو – أي كأنها لاعب بكرة – والسريعة – يعني نساجة – والجداد – الغزل الضعيف (1) فأراد انها تسرع الضرب بالحف والنسج قبل المساء وما دامت تبصر فشبه يدى ناقته في تذرعها بيدى هذه النساجة. وقال الأصمعي الجداد هدب الثوب فيعني ان هذه النساجة قد قاربت الفراغ من الثوب وبلغت إلى هدبه فهى تبادر لتفرغ منه قبل المساء. وقريب منه قول الآخر كأن أيديهن بالقاع الفرق * أيدي جوار يتعاطين الورق فالفرق الخشن الذي فيه الحصى وشبه خذف مناسمهن له بحذف جوار يلعبن بدراهم وخص الجواري لانهن أخف يدا من النساء. وقال آخرون الفرق ههنا المستوي من الأرض الواسع وانما خص بالوصف لان أيدى الابل إذا أسرعت في المستوى فهو أحمد لها وإذا أبطأت في غيره فهو أجهد لها. ومن أحسن ما قيل في الاسراع قول المرار بن سعيد فتناولوا شعب الرحال فقلصت * سود البطون كفضلة المتنمس


إذ تستبيك باصلتي ناعم * قامت لتفتله بغير قناع ومهي يرف كأنه إذ ذقته * عانية شجت بماء يراع أو صوب سارية أدرته الصبا * ببزيل أزهر مدمج بسياع فرأيت ان الحلم مجتنب الصبا * فصحوت بعد تشوق ورواع فتسل حاجتها إذا هي أعرضت * بخميصة سرح اليدين وساع صكاء ذعلبة إذا استدبرتها * حرج إذا استقبلتها هلواع وكأن قنطرة بموضع كورها * ملساء بين غوامض الانساع وإذا تعاورت الحصى أخفافها * دوت نواديه بظهر القاع (1) وقيل الجداد ما بقى من خيوط الثوب وقيل هي خيوط الثوب إذا قطعه

[ 24 ]

ذكر قوما سفرا هبوا من رقدتهم إلى رحالهم ليسروا. ويعني بسود البطون الابل – والمتنمس – الصائد الذي اخذ ناموسا وهو ما يستتر به ليختل الصيد فشبه المطايا في سرعتها بقطا قد صاد الصائد بعضها وأفلت بعضها فهن يطرن طيرانا شديدا. ومثل هذا وان كان في صفة الخيل قول النابغة كالطير تنجو الشؤبوب ذي الرد (1) فأما قول مروان يهز مراحها بعد النحول تليلها وقذالها فقد مضي من وصف المطايا بالنشاط بعد السآمة والجهد ما مضى. وأحسن من قول مروان وأشد فصاحا بالمعني وإعرابا عنه قول الهذلي ومن سيرها العنق المسبط * والعجر فيه بعد الكلال وانما كان هذا أحسن لانه صريح بنشاطها بعد كلالها وقول مروان بعد النحول لا يجري هذا المجرى لأن النحول قد يكون عن جهد السفر والتعب ويكون عن غيره. وأما قوله – كالقوس ساهمة أتتك – البيت فقد أكثرت العرب في وصف المطايا بالنحول وتشبيهها بالقسى. وغيرها وقد أحسن كثير في قوله نفى السير عنها كل داء إقامة * فهن رذايا بالطريق ترائك وحملت الحاجات خوصا كأنها * وقد ضمرت صفر القسى العواتك وقال سلم بن عمر الخاسر وكأنهن من الكلال أهلة * أو مثلهن عطائف الاقواس قود طواها ما طوت من مهمه * نائى الصوى ومناهج أدراس


(1) وصدر البيت * والخيل تمزع غربا في أعنتها * وهو من قصيدته التى أولها يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأبد

[ 25 ]

وقال أبو تمام يصف ناقة أتينا القادسية وهى ترنو * إلي بعين شيطان رجيم فما بلغت بنا عسفان حتى * رنت بلحاظ لقمان الحكيم وبدلها السرى بالجهل حلما * وقد أديمها قد الاديم أذاب سنامها قطع الفيافي * ففلق جلدها نضح العصيم بدت كالبدر وافا ليل سعد * وآبت مثل عرجون قديم وقال البحتري وخدان القلاص حولا إذا فا * بلن حولا من أنجم الاسحار يتر قرقن كالسراب وقد خضن * غمارا من السراب الجاري كالقسى المعطلات بل الأسهم * مبرية بل الأوتار وله أيضا وهى العيس دهرها في ارتحال * من حلول أو فرقة من جميع رب مرت مرت تجاذب قطريه * سرابا كالمنهل المشروع وسرى تنتحيه بالوخد حتى * تصدع الليل عن بياض الصديع كالبرى في البرى ويحسبن أحيا * نا نسوعا مجدولة في نسوع (مجلس آخر 43) [ تأويل آية ]. إن سال سائل عن قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى) الآية. فقال كيف أضاف إلى نفسه اليد وهو ممن يتعالى عن الجوارح. الجواب قلنا (4 – أمالى)


[ 26 ]

في هذه الآية وجوة. أولها أن يكون قوله تعالى (لما خلقت بيدى) جاريا مجري قوله لما خلقت أنا وذلك مشهور في لغة العرب يقول أحدهم هذا ما كسبت يداك وما جرت عليك يداك فإذا أرادوا نفى الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون فلان لا تمشي قدمه ولا ينطق لسانه ولا تكتب يده وكذلك في الأثبات ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفى عن الفاعل. وثانيها أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة ولا إشكال في ان أحد محتملات لفظة اليد النعمة. فأما الوجه في تثنيتها فقد قيل فيه ان المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة فكأنه تعالى قال ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتي وأراد بالباء اللام. وثالثها أن يكون معنى اليد ههنا القدرة وذلك أيضا معروف من محتملات هذه اللفظة بقول القائل ما لي بهذا الأمر من يد ولا يدان وما يجري مجرى ذلك والمعنى إنني لا أقدر عليه ولا أطيقه وليس المراد بذلك اثبات قدرة على الحقيقة بل اثبات كون القادر قادر ونفى كونه قادر فكأنه تعالى قال ما منعك أن تسجد لما خلقت وأنا قادر على خلقه فعبر عن كونه قادر بلفظ اليد الذي هو عبارة عن القدرة وكل ذلك واضح في تأويل الآية ونعود إلى ما كنا ابتدأنا به من الكلام على شعر مروان. فمن قصيدته التي تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله أحيا أمير المؤمنين محمد * سنن النبي حرامها وحلالها ملك تفرع نبعة من هاشم * مد الإله على الانام ظلالها جبل لأمته تلوذ بركنه * رادى جبال عدوها فازالها لم يغشها مما يخاف عظيمه * الا أجال لها الامور مجالها حتى يفرجها أغر مهذب * ألفى أباه مفرجا أمثالها ثبت على زلل الحوادث راكب * من صرفهن لكل حال حالها كلتا يديك جعلت فضل نوالها * للمسلمين وفي العدو وبالها وقعت مواقعها بعفوك أنفس * أذهبت بعد مخافة أو جالها


[ 27 ]

أمنت غير معاقب طرادها * وفككت عن اسرائها أغلالها ونصبت نفسك خير نفس دونها * وجعلت مالك واقيا أموالها أما قوله أحيا أمير المؤمنين محمد * سنن النبي حرامها وحلالها فقد طعن عليه وعابه من لا معرفة له بنقد الشعر فقال كيف يكون في سنن النبي عليه الصلاة والسلام حرام وما ذلك بعيب وانما أراد بقوله حلالها وحرامها التحريم والتحليل ومن سنن النبي عليه الصلاة والسلام تحريم الحرام وتحليل الحلال. وانما المعيب من هذا المعنى قول ابن الرقاع العاملي ولقد أراد الله إذ ولأكها * من أمة إصلاحها وفسادها (1) ومثل قول مروان قول سلم الخاسر * ولما وليت ذكرت النبي بتحليله وبتحريمه * فأما قوله – حتى يفرجها أغر مهذب – البيت فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين والأصل فيه قول زهير وما كان من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي الأ وشيجه * وتغرس إلا في منابتها النخل ومثله قول الآخر وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود من حيث يعصر ومثله للربيع بن أبي الحقيق اليهودي إذ مات منا سيد قام بعده * له خلف يكفى السيادة بارع


(1) البيت من قصيدة يمدح بها الوليد بن عبد الملك. ومطلعها عرف الديار توهما فاعتادها * من بعد ما شمل البلى أبلادها إلا رواسي كلهن قد اصطلى * حمراء أشعل أهلها إيقادها كانت رواحل للقدور فعريت * منهن واستلب الزمان رمادها

[ 28 ]

من أبنائه والعرق ينصر فرعه * على أصله والعرق للعرق نازع ومثله له ترجو الغلام وقد أعياك والده * وفي أرومته ما ينبت العود وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال تجري أصاغرهم مجرى أكابرهم * وفي أرومته با ينبت الشجر ومن هذا المعنى قول عبيد الله بن قيس الرقيات يخلفك البيض من بنيك كما * يخلف عود النضار في شعبه ومنه قول نهشل بن جرى أرى كل عود نابتا في أرومة * أبى منبت العيدان أن يتغيرا بنو الصالحين الصالحون ومن يكن * لوالد سوء يلقة حيث سيرا (1) ومثله لمسلم بن الوليد الأنصاري ألح على الأيام يفرى خطوبها على نهج الفى أباه به قبل ولبشار على أعراقها تجرى الجياد والبحتري


(1) هذا البيت الثاني من جملة ثلاثة أبيات في الحماسة منسوبة الي جميل بن عبد الله بن معمر وقبله أبوك حباب سارق الضيف برده * وجدي يا حجاج فارس شمرا بنو الصالحين الصالحون ومن يكن لوالد صدق يلقه حيث سيرا فان تغضبوا من قسمة الله حظكم فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا

[ 29 ]

وما بى من خير وشر فإنها * سجية آبائي وفعل جدودي هم القوم فزعي منهم متفرع * وعودهم عند الحوادث وللبحتري أيضا وإذا أبو الفضل استعار سجية * للمكرمات فمن أبي يعقوب شرف تتابع كابرا عن كابر * كالرمح أنبوب على أنبوب وأرى النجابة لا يكون تمامها * لنجيب قوم ليس بابن نجيب وله أيضا ما سعوا يخلفون غير أبيهم * كل ساع منا يريد نصابه . وله وما تابع في المجد نهج عدوه * كمتبع في المجد نهج أبيه وفي هذه القصيدة يقول مروان هل تعلمون خليفة من قبله * أجرى لغايته التي أجرى لها طلع الدروب مشمرا عن ساقه * بالخيل منصلتا يجد نعالها قودا تريع إلى أغر لوجهه * نور يضئ أمامها وخلالها قصرت حمائله عليه فقلصت * ولقد تحفظ قينها فأطالها حتى إذا وردت أوائل خيله * جيحان بث على العدو رعالها أحمى بلاد المسلمين عليهم * وأباح سهل بلادهم وجبالها أدمت دو ابر خيله وشكيمها * غاراتهن والحقت آطالها لم يبق بعد مقادها وطرادها * الا نحائزها وإلا آلها


[ 30 ]

رفع الخليفة ناظري وأراشني * بيد مباركة شكرت نوالها وحسدت حتى قيل أصبح باغيا * في المشي مترف شيمة مختالها ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى * نعلا ورثت عن النبي مثالها أما قوله – قصرت حمائله – البيت. فالأصل فيه قول عنترة بطل كأن ثيابه في سرحة * يحذى نعال السبت ليس بتوأم أو قول الأعشي إلى ماجد كهلال السما * ءأزكى وفاء ومجدا وخيرا طويل النجاد رفيع العما * د يحمى المضاف ويغني الفقيرا ومثله طويل نجاد السيف عار جبينه * كنصل اليماني أخلصته صياقله إذا هم بالمعروف لم تجر طيره * نحوسا ولم تسبق نداه عوا ذله ومثله قول طريح بن اسمعيل الثقفي وأشعث طلاع الثنايا مبارك * يطول نجاد السيف وهو طويل ولأبي جويرية العبدي يمد نجاد السيف حتى كأنه * بأعلى سنامى فالج يتطوح إذا اعتم في البرد اليماني خلته * هلالا بدا في جانب الأفق يلمح ولأبي عطاء السندي وأزهر من بني عمر وبن عمرو * حمائله وإن طالت قصار ولبعضهم في آل المهلب رأيتكم أعز الناس جارا * وامنعهم إذا عدوا ذمارا


[ 31 ]

حمائلكم وإن كانت طوالا * نراها عن شمائلكم قصارا ولبعض بنى العنبر في معنى الطول فجاءت به عبل العظام كأنما * عمامته بين الرحال لواء (1) ولآخر أشم طويل الساعدين كأنما * تناط إلى جذع طويل حمائله ولابن هرمة تناط حمائل الهندي منه * بعاتق لا ألف ولا ضئيل ولكن يستقل به قواه * على ماض بقائمه ثقيل ولسلم الخاسر يقوم مع الرمح الرديني قائما * ويقصر عنه طول كل نجاد وللخثعمي يوازى الرديني في طوله * ويقصر عنه نجاد الحسام وللوالبي طول وطول فترى كفه * ينهل بالطول انهلال الغمام وطوله يغتال يوم الوغى * وغيره فضل نجاد الحسام فأما قوله – ولقد حذوت لمن أطاع – البيت. فقد ردد معناه مروان في مواضع من شعره فقال


(1) وقبله فلا تعذلي في حندج ان حندجا * وليث عفرين لدي سواء حميت عن العهار أطهار أمه * وبعض الرجال المدعين جفاء

[ 32 ]

شبيه أبيه منظرا وخليقة * كما حذيت يوما على أختها النعل وقال في موضع آخر أحيا لنا سنن النبي محمد * قد الشراك به قرنت شراكا وقال أيضا صحيح الضمير سره مثل جهره * قياس الشراك بالشراك تقابله وقال أيضا تشابهتما حلما وعدلا ونائلا * وحزما إذا أمر أقام وأقعدا تنازعتما نفسين هذي كهذه * على أصل عرق كان أفخر متلدا كما قاس نعلا حضرمي فقدها * على أختها لم يأل أن يتجردا وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال تنازع الأحمدان الشبه فاتفقا * خلقا وخلقا كما قد الشراكان والاصل في هذا قول ابن أبي ربيعة فلما تواقفنا اعترفت الذي بها * كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل (1)


(1) البيت من قصيدة مطلعها جرى ناصح بالود بينى وبينها * فقر بني يوم الحصاب الي القتل فما أنس ملأ شياء لا أنس موقفي * وموقفها يوما بقارعة النخل فلما تواقفنا اعترفت الذى بها * كمثل الذي بى حذوك النعل بالنعل روي ان ابن أبى ربيعة اجتمع هو وجميل بالأبطح فأنشده جميل لاميته التى أولها لقد فرح الواشوان أن صرمت حبلى * بثينة أو أبدت لنا جانب البخل فأنشده عمر لامينه فقال جميل هيهات يا أبا الخطاب لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي وما خاطب النساء مخاطبتك أحد وقام مشمرا

[ 33 ]

ومثله للسيد الحميري رحمه الله تعالى يتلون أخلاق النبي وفعله * فالنعل تشبه في المثال طراقها وقد تقدم إلى هذا المعنى يزيد بن المكسر بن ثعلبة بن سيار العجلى بقوله في يوم ذي قار يحرض قومه على القتال من فر منكم فر عن حريمه * وجاره وفر عن نديمه أنا ابن سيار على شكيمه * مثل الشراك قد من أديمه * و كلهم يجري على قديمه * فأما قوله * وحسدت حتى قيل أصبح باغيا * البيت ففى معناه قول البحتري ألنت لي الأيام من بعد قسوة * وعاتبت لي دهري المسئ فاعتبا والبستني النعمي التي غيرت أخي * على فامسى نازح الود أجنبا ومما يختار لمروان قوله موفق لسبيل الرشد متبع * يزينه كل ما يأتي ويجتنب تسمو العيون إليه كلما انفرجت * للناس عن وجهه الأبواب والحجب له خلائق بيض لا يغيرها * صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب ووجدت بعض من ينقد الشعر يقول ليس في شعر مروان بيت يتمثل به غير هذا البيت الأخير من الثلاثة. وكأن ابن مناذر إياه أراد بقوله وقد سأل وهو مجاور بمكة عمن ببغداد من الشعراء فقيل له العباس بن الأحنف فقال أنشدوني له فأنشدوه لو كنت عاتبة لسكن عبرتي * أملى رضاك وزرت غير مراقب لكن صددت فلم تكن لي حيلة * صد الملول خلاف صد العاتب فقال ابن مناذر أخلق بمن أدام بحث التراب أن يصيب خرزة. [ قال الشريف (5 – امالي)


[ 34 ]

المرتضى ] رضى الله عنه ولا شك في قلة الأمثال في شعر مروان ولكن ليس إلى هذا الحد وهذا المعني الذي قد تضمنه البيت قد سبق إليه ايضا. قال طريح بن اسماعيل جواد إذا جئته راجيا * كفاك السؤال وان عدت عادا خلائقه كسبيك النضا * ر لا يعمل الدهر فيها فسادا ومثله قول الخريمى رأيتك يا زيد زيد الندى * وزيد الفخار وزيد الكرم تزيد على نائبات الخطو * ب بذلا وفي سابغات النعم كذا الخمر والذهب المعدني * يجود هذا وذاك القدم وفي قوله – الذهب المعدني – فائدة لانه إذا خلص الذهب وصفا لم يفسد وإذا امتزج بغيره لم يكن هذا حكمه. وللأموي نأوى إلى خلق لم يصده طبع * كان جوهره من جوهر الذهب ولبعضهم ملك له خلق خليق بالعلا * كسبيكة الذهب التي لا تكلف وقد أخذ الخبزارزى هذا المعنى في قوله فلا تعن لتحريف تكلمه * لصورة حسنها الأصلي يكفيها إن الدنا نير لا تجلى وإن عتقت * ولا تزاد على النقش الذي فيها ولجحظة صديق لي له أدب * صداقة مثله حسب رعى لي فوق ما يرعى * وأوجب فوق ما يجب ولو نقدت خلائقه * لبهرج عندها الذهب


[ 35 ]

(مجلس آخر 44) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون اليك وإذ هم نجوى) الآية. فقال لم وحد نجوى وهو خبر عن جمع ما معنى مسحورا وما جرت عادة مشركي العرب بوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك بل عادتهم جارية بقرفه بانه ساحر. الجواب أما قوله تعالى (وإذ هم نجوى) فان نجوى مصدر يوصف به الواحد والأثنان والجمع والمذكر والمؤنث وهو مقر على لفظه ويجري ذلك مجري قولهم الرجال صوم والمناهل حمد يعني بصوم صائمون وبحمد محمودون. وقد قال قوم ان معناه وإذ هم أصحاب نجوى فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ويقال القوم نجي والقوم أنجية فمن وحد بني على مذهب المصدر ومن جمع جعله منقولا عن المصادر ملحقا برغيف وأرغفة وما أشبه ذلك. قال الشاعر في التوحيد أتانى نجيي بعد هدء ورقدة * ولم أك فيما قد بلوت بكاذب (1)


(1) قوله – أتاني نجي – الخ. هو لسواد بن قارب الدوسي رضى الله عنه وقيل انه سدوسي وهو صحابي وبعده ثلاث ليال قوله كل ليلة * اتاك رسول من لؤي بن غالب فرفعت أذيال الازرار وشمرت * بي العرمس الوجناء هول السباسب فأشهد أن الله لا رب غيره * وانك مأمون على كل غائب وانك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يابن اللأكرمين الأطايب فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا * وان كان فيما جئت شيب الذوائب وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب روى ان سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال له وهو خليفة كيف كهانتك اليوم فغضب سواد وقال يا أمير المؤمنين ما قالها لي أحد قبلك فاستحيى عمر ثم قال له يا سواد ما كنا عليه من الشرك أعظم من كهانتك ثم سأله عن حديثه في بدء الاسلام وما أتاه

[ 36 ]

وأنشد الفراء في الجمع ظلت نساؤهم والقوم انجية * يعدي عليها كما يعدى على الغنم فأما قوله تعالى (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) ففيه وجوه. أولها أن يكون المراد ان تتبعون إلا رجلا متغير العقل لأن المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلى الله عليه وسلم وتضعيف أمره وتوهين رأيه وكانوا في وقت ينسبونه إلى أنه ساحر وفي آخر يرمونه بالجنون وانه مسحور متغير العقل وربما قذفوه بانه شاعر حوشى من ذلك كله وقد جرت عادة الناس بان يصفوا من يضيفونه إلى البله والغفلة وقلة التحصيل بانه محسور. وثانيها أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلل لان ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة. قال امرؤ القيس أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب (1)


به رئيه من ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره انه أتاه رئيه ثلاث ليال متواليات وهو فيها كلها بين النائم واليقظان فقال له قم يا سواد فاسمع مقالتي واعقل ان كنت تعقل قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله والى عبادته وأنشد في كل ليلة من الثلاث ليال ثلاثة أبيات معناها واحد وقافيتها مختلفة أولها عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها تهوي إلى مكة تبغى الهدى * ما صادق الجن ككذا بها فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس قداماها كأذنا بها وذكر تمام الخبر وانه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأنشده الأبيات السابقة (1) وبعده عصافير وذبان ودود * وأجرأ من مجلحة الذئاب ويروى وأجر. وبعده وكل مكارم الأخلاق صارت * إليه همتي وبه اكتسابي فبعض اللوم عاذلتي فإنى * ستكفيني التجارب وانتسابي

[ 37 ]

وقال أمية بن أبي الصلت فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر. وثالثها أن السحر في اللغة العربية الرئة وما تعلق بها وفيه ثلاث لغات سحر وسحر وسحر. وقيل السحر ما لصق بالحلقوم والمرئ من أعلى الجوف وقيل انه الكبد فكان المعنى على هذا إن يتبعون إلا رجلا مسحورا ذا سحر خلقه الله بشرا كخلقتكم. ورابعها أن يكون معنى مسحورا أي ساحرا وقد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل قال الله تعالى (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) أي ساترا والعرب تقول للمعسر ملقح (1) ومعناه ملقح لان ماضيه ألقح فجاؤا بلفظ المفعول وهو للفاعل ومن ذلك قولهم فلان مشئوم على فلان وميمون ويريدون شائم ويا من لانه من شامهم ويمنهم. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ورأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الأخير فيقول العرب لا تعرف فلان مشئوم على فلان وانما هذا من كلام أهل الأمصار وانما تسمي العرب من لحقه الشؤم مشؤما. قال علقمة بن عبدة ومن تعرض للغربان يزجرها * على سلامته لا بد مشؤم (2)


إلى عرق الثرى وشجت عروقي * وهذا الموت يسلبني شبابى إلى آخر الأبيات (1) قوله ملقح هكذا في الاصل ووردت كذلك في بعض الكتب. والصحيح ملفج بالفاء والجيم وهو من الأوصاف التى وردت على أفعل فهو مفعل أي استغنى بصيغة اسم الفعول فيها عن اسم الفاعل وهي الفج الرجل فهو ملفج أي ذهب ماله وأسهب فهو مسهب أي كثر كلامه وأحصن فهو محصن وأهتر فهو مهتر وزاد بعضهم اجرأشت الابل فمى مجرأشة (2) قال الضبى هذا لايمانه بالطيرة يقول من يزجر الطير وان سلم فلا بد أن يصيبه شؤم وألحد

[ 38 ]

والوجوه الثلاثة الأول أوضح وأشبه. ومما يختار لمروان بن أبي حفصة قوله من قصيدة يمدح بها معن بن زائدة الشيباني أولها أرى القلب أمسى بالأوانس مولعا * وإن كان من عهد الصبا قد تمتعا يقول فيها ولما سرى الهم الغريب قريته * قرى من أزال الشك عنه وأزمعا عزمت فعجلت الرحيل ولم أكن * كذى لوثة لا يطلع الهم مطلعا فأمت ركابي أزض معن ولم تزل * إلى أرض معن حيث ما كان نزعا نجائب لولا أنها سخرت لنا * أبت عزة من جهلها أن تورعا كسونا رحال الميس منها غواربا * تدارك فيها الني صيفا ومربعا فما بلغت صنعاء حتى تواضعت * ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا يقول فيها وما الغيث إذ عم البلاد بصوبه * على الناس من معروف معن باوسعا تدارك معن قبة الدين بعدما * خشينا على أوتادها أن تنزعا أقام على الثغر المخوف وهاشم * تساقي سماما بالأسنة منقعا


إمام كان لقمان بن عاد * أشار له بحكمته مشير تعلم انه لا طير إلا * على متطير وهو الثبور بلى شئ يوافق بعض شئ * أحايينا وباطله كثير قال الرستمى يقول الغربان يتشاءم بها فمن تعرض لها يزجرها ويطردها خوفا أن يصيبه الشؤم فلا بد أن يقع بما خاف ويحذر وبيت علقمة من قصيدته المشهورة التى مطلعها هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم

[ 39 ]

مقام امرئ يأبى سوى الخطة التي * تكون لدى غب الأحاديث أنفعا وما أحجم الاعداء عنك بقية * عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا رأوا مخدرا قد جربوه وعاينوا * لدى غيله منهم مجرا ومصرعا وليس بثانيه إذا شد أن يرى * لدى نحره زرق الأسنة شرعا له راحتان الحتف والغيث فيهما * أبى الله إلا إن تضرا وتنفعا لقد دوخ الأعداء معن فاصبحوا * وامنعهم لا يدفع الذل مدفعا نجيب مناجيب وسيد سادة * ذرا المجد من فزعي نزار تفرعا لبانت خصال الخير فيه وأكملت * وما كملت خمس سنوه وأربعا لقد أصبحت في كل شرق ومغرب * بسيفك أعناق المريبين خضعا وطئت خدود الحضر ميين وطأة * لها هد ركن منهم فتضعضعا فأقعوا على الأذناب إقعاء معشر * يرون لزوم السلم ابقى وأودعا فلو مدت الأيدى إلى الحرب كلها * لكفوا وما مدوا إلى الحرب إصبعا أما قوله – فما بلغت صنعاء حتى تواضعت – البيت. فقد ردده في موضع آخر فقال فما بلغت حتى حماها كلالها * إذا عريت أصلابها أن تقيدا وهذا كثير في الشعر القديم والمحدث. فمنه قول جرير إذا بلغوا المنازل لم تقيد * وفي طول الكلال لها قيود وروى انه قيل لنصيب لك بيت نازعك فيه جرير أيكما فيه أشعر فقال ما هو فقيل قولك أضر بها التهجير حتى كأنها * بقايا سلال لم يدعها سلالها وأنشد بيت جرير الذي تقدم فقال قاتل الله ابن الخطفي فقيل له قد فضلته عليك فقال


[ 40 ]

هو ذاك. وأخذ هذا المعنى المؤمل بن أميل المحاربي فقال كانت تقيد حين تنزل منزلا * فاليوم صار لها الكلال قيودا ولأبي نخلية قيدها الجهد ولم يقيد * فهى سوام كالقنا المسند ومالها معلل من مزود * منها ولا من شاحط مستبعد ومعنى قوله – سوام – أي هي رافعة رؤسها وشبهها بالقنا لأن القنا إذا ركز مال قليلا مع الريح فيقول في أعناقها ميل من الضعف كما قال الشماخ فأضحت تفالى بالستار كأنها * رماح نحاها وجهة الريح راكز وكما قال حميد بن ثور الهلالي بمثوى حرام والمطى كأنها * قنا مسند هبت لهن خريق – الخريق – ريح شديدة تنخرق من كل جهة. ومعنى قول أبي نخيلة – من مزود – أي من ثميلة تجترها من الاجترار انه لا شئ في أجوافها تعلل به – والمستبعد – ما بعد من المرعى. وأنشد أبو العباس ثعلب إذا بلغوا المنازل لم تقيد * ولم تشدد ركائبهم بعقل فهن مقيدات مطلقات * تقضم ما تشذب في المحل والأصل في هذا قول امرئ القيس مطوت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان ولعباد بن أنف الكلبى الصيداوي فتمسى لا أقيدها بحبل * بها طول الضراوة والكلال ومن جيد هذا المعنى قول الفرزدق يصف الابل بدأنا بها من سيف رمل كهيلة * وفيها نشاط من مراح وعجرف


[ 41 ]

فما بلغت حتى تقارب خطوها * وبادت ذراها والمناسم رعف وحتى قتلنا الجهل عنها وغودرت * إذا ما أنيخت والمدامع ذرف وحتى مشى الحادى البطئ يسوقها * لها بخص دام ودئي مجلف – البخص – لحم الخف الذي (1) يطأ عليه – والدئي – فقار الظهر – والمجلف – المنشور وحتى تخشاها وما في يد لها * إذا حل عنها رمة وهي رشف – الرمة – الحبل. وأراد انها تزيف كما يزيف المقيد وان لم يكن في يدها قيد إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها * حر اجيج أمثال الأهلة شسف – الحراجيج – الطوال من الابل – والشسف – اليابسة من الجهد والكلال. ومعنى قتالها للغربان انها إذا عريت ظهورها تقع الغربان عليها لتأكل دبرها فالابل تدفع الغربان بأفواهها عن ظهورها فذلك قتالها إذا ما أريناها الأزمة أقبلت * الينا بحرات الخدود تصدف فأفني مراح الداهرية خوضها * بنا الليل إذ نام الدثور الملفف ويروى أرقلة. ومن أحسن ما قيل في وصف الابل بالنحول من الكلال والجهد بعد السمن قول الشاعر وذات مائين قد غيضت جمتها * بحيث يستمسك الأرواح بالحجر ردت عوارى غيطان الفلا ونحت * بمثل إيبالة من حائل العشر قوله – ذات مائين – يعني سمنا على سمن وقيل بل عنى أنها رعت كلا عامين. وقوله


(1) وقيل البخص ما ولى الأرض من تحت أصابع الرجلين وتحت مناسم البعير والنعام و قيل هو لحم يخالطه بياض من فساد يحل فيه والدئى بكسر الدال والهمزة جمع دأيه وهى فقر الكاهل والظهر أو غير ضيف الصدر أو ضلوعه في ملتقاه وملتقى الجنب(6 – أمالى)

[ 42 ]

– قد غيضت جمتها – يعنى انه أتعبها بالسير حتى ردها هزلى بعد سمن فكأنه غيض بذلك ماءها. ومعنى – بحيث تستمك الأرواح بالحجر – يعني الفلاة حيث لا يكون فيها الماء فيقتسم الركب الماء الذي يكون معهم بالحجر الذي يقال له المقلة فتمسك أرماقهم. وقوله – ردت عوارى غيطان الفلا – أي ما رعت من كلأ هذه الأماكن وسمنت عنه كان كعارية عندها فردته حيث جهدها السير وأهزلها – وا لإيبالة – الحزمة من الحطب اليابس. واخذ هذا المعني بعينه أبو تمام فقال رعته الفيا في بعد أن كان حقبة * رعاها وماء المزن ينهل ساكبه (1) فكم جزع وادجب ذروة غارب * ومن قبل كانت أنهكته مذاهبه فأما قوله – فما أحجم الأعداء عنك بقية – البيت فمأخوذ من قول الأول فما بقيا على تركتماني * ولكن خفتما صرد النبالى (2)


(1) هذان البتان من قصيدته المشهورة التي مدح بها عبد الله بن طاهر لما قدم خراسان حكى انه لما أنشده إياها وبلغ إلى قوله وقلقل نأي من خراسان جأشها * فقلت أطمأني انضر الروض عاز به وركب كأطراف الأسنة عرجوا * على مثلها والليل تسطو غياهبه لأمر عليهم أن تتم صدوره * وليس عليهم أن تتم عواقبه صاح الشعراء بالأمير ما يستحق هذا الشعر غير الأمير أعزه الله. وقال شاعر منهم يعرف بالرياحى لي عند الأمير أعزه الله جائزة وعدني بها وقد جعلتها لهذا الرجل جزاء عن قوله للأمير فقال له بل نضعفها لك ونقوم له بما يجب له علينا فلما فرغ من القصيدة نثر عليه ألف دينار فلقطها الغلمان ولم يمس منها شيئا فوجد عليه عبد الله وقال يترفع عن برى ويتهاون بما أكرمته به فلم يبلغ ما أراده منه بعد ذلك (2) قوله – فما بقيا على – الخ. البقيا بالضم الرحمة والشفقة – وصرد – السهم من باب فرح من الاضداد إذا نفذ وإذا نكل فيكون المعنى على النفوذ انكما خفتما نفوذ سهامي فيكما أي هجائي وعلى معنى النكول أي خفتما أن لا تنفذ سهامكما في فعجزتما عني وهو

[ 43 ]

وقريب منه قول الآخر لعمرك ما الناس أثنوا عليك * ولا قرظوك ولا عظموا ولو أنهم وجدوا مطعنا * إلى أن يعيبوك ما أحجموا فانت بفضلك الجأتهم * إلى أن يجلوا وأن يعظموا ومثله أما لو رأى فيك العدو نقيصة * لخب بتصريف العيوب وأوضعا ولكنه لما رأك مبرءا * من العيب غطى رأسه وتقنعا ومثله قد طلب العاذل عيبا فما * أصاب عيبا فانثنى عاذرا وللبحتري في معني قول مروان * فما أحجم الأعداء عنك بقية * من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان ويصف لقاءه الأسد غداة لقيت الليث والليث خادر * يحددنا باللقاء ومخلبا شهدت لقد أنصفته يوم تنبري * له مصلتا عضبا من البيض مغضبا


أول أبيات للعين المنقري يهجو بهما جريرا والفرزدق وبعده فدونكما انظر أهجوت أم لا * فذوقا في المواطن من تبالي وما كان الفرزدق غير قين * لئيم خاله للؤم تالي ويترك جده الخطفى جرير * ويندب حاجبا وبني عقال وكان اللعين تعرض لجرير والفرزدق فقال سأقضى بين كلب بني كليب * وبين القين قين بني عقال بأن الكلب مرتعه وخيم * وأن القين يعمل في سفال فلم يجبه أحد منهما فقال الأبيات المتقدمة

[ 44 ]

فلم أر ضرغامين أصدق منكما * عرا كا إذا الهيابة النكس كذبا هزبر مشي يبغي هزبرا وأغلب * من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا أدل بشغب ثم هالته صوله * رأك لها امضى جنانا وأشغبا فاحجم لما لم يجد فيك مطمعا * واقدم لما لم يجد عنك مهربا فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا * ولم ينجه أن حاد عنك منكبا حملت عليه السيف لا عزمك انثنى * ولا يدك ارتدت ولا حده نبا وكنت متى تجمع يمينك تهتك ال‍ * ضريبة * أو لا تبق للسيف مضربا ومن صافي كلام مروان ورائقه وما اجتمع له فيه جودة المعنى واللفظ واطراد النسج قوله بنو مطر يوم اللقاء كأنهم * أسود لها في غيل خفان أشبل هم يمنعون الجار حتي كأنما * لجارهم بين السماكين منزل لها ميم في الإسلام سادوا ولم يكن * كأولهم في الجاهلية أول هم القوم إن قالوا اصابوا وإن دعوا * اجابوا وإن اعطوا أطابوا وأجز لوا وما يستطيع الفاعلون فعالهم * وإن احسنوا في النائبات واجملوا ثلاث بأمثال الجبال حباهم * وأحلامهم منها لدى الوزن اثقل ومن جيد قوله في قصيدة يمدح بها معنا ما من عدو يرى معنا بساحته * إلا يظن المنايا تسبق القدرا يلقى إذا الخيل لم تقدم فوارسها * كالليث يزداد إقداما إذا زجرا أغر يحسب يوم الروع ذا لبد * وردا ويحسب فوق المنبر القمرا وله من قصيدة يصف يوما حارا


[ 45 ]

ويوم عسول الآل حام كأنما * لظى شمسه مشبوب نار تلهب نصبنا له منا الوجوه وكنها * عصائب أسمال بها يتعصب ويشبه أن يكون أخذ ذلك من قول الشنفري ويوم من الشعرى يذوب لعابه * أفاعيه في رمضائه تتململ (1) نصبت له وجهى ولكن دونه * ولا ستر الا الأتحمى المرعبل (2) ولمروان من أبيات يصف فيها حديقة وهبها له المهدى ويذكر فيها نخلها وشجرها أجاد فيها نو اضر غليا قد تدانت رؤسها * من النبت حتى ما يطير غرابها ترى الباسقات العم فيها كأنها * ظعائن مضروب عليها قبابها ترى بابها سهلا لكل مدفع * إذا أينعت نخل فاغلق بابها يكون لنا ما نجتنى من ثمارها * ربيعا إذا الآفاق قل سحابها


(1) البيتان من قصيدته المشهورة المسماة الشنفرية ولامية العرب – الشعرى – هي الكوكب الذى يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر – وذاب – الشئ نقيض جمد – ولعابه – ولوابه واحد. ولعابه هنا ما تراه من شدة الحر مثل نسج العنكبوت – والأفاعي – جمع أفعى وهي الحية – والرمض – شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والأرض رمضاء أي أصابها الرمض – والتململ – التحرك على الفراش إذا لم تستقر عليه من الوجع كأنه على ملة والملة الرماد الحار. والواو في ويوم واو رب ومن لبيان الجنس والتقدير ويوم من الأيام التى تطلع فيها الشعرى ومن الشعرى صفة يوم ويذوب نعت ليوم أيضا أي ذائب لعابه وأفاعيه مبتدا وتتململ خبره وفي رمضائه متعلق بتتململ (2) – النصب – الاقامة تقول نصبت وجهي للحر أقمته – والكن – الستر والجمع أكنان – والأنحمي – برد معروف – والمرعبل – الممزق فقوله نصبت هو جواب رب

[ 46 ]

حظائر لم يخلط باثمانها الربي * ولم يك من أخذ الديات اكتسابها ولكن عطاء الله من كل مدحة * جزيل من المستخلفين ثوابها ومن ركضنا للخيل في كل غارة حلال بأرض المشركين نهابها حوت غنمها آباؤنا وجدودنا * بصم العوالي والدماء خضابها فأما قوله حظائر لم يخلط بأثمانها الربي * ولم يك من أخذ الديات اكتسابها فكأن ابن المعتز نظر إليه في قوله لنا إبل ما وفرتها دياتنا * ولا ذعرتها في الصباح الصوائح وفي ضد هذا قول أبي تمام كثرت فيهم المسارح إلا * أنها من مناكح وديات ومثل الأول قول حسان يهجو قوما من قريش وما لكم لا من طراد فوارس * ولكن من الترقيح يا شر مالك (مجلس آخر 45) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن معني قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه). وقوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله). وقوله (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) وما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمنة لذكر الوجه. الجواب قلنا الوجه ينقسم في اللغة العربية إلى أقسام. فالوجه المعروف المركب فيه العينان من كل حيوان. والوجه أيضا أول الشئ وصدره ومن ذلك قوله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره) أي


[ 47 ]

أول النهار. ومنه قول الربيع بن زياد من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار أي غداة كل يوم. وقال قوم وجه نهار اسم موضع. والوجه القصد بالفعل من ذلك قوله تعالي (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله). وقال الفرزدق واسملت وجهى حين شدت ركائبى * إلي آل مروان بنات المكارم أي جعلت قصدي وإرادتي لهم. وأنشد الفراء أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل أي القصد. ومنه قولهم في الصلاة وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض أي قصدت قصدي بصلاتي وعملي وكذلك قوله تعالى (فأقم وجهك للدين القيم). والوجه الاحتيال في الأمرين من قولهم كيف الوجه لهذا الأمر وما الوجه فيه أي ما الحيلة. والوجه الذهاب والجهة والناحية. قال حمزة بن بيض الحنفي أي الوجوه انتجعت قلت لهم * لأي وجه إلا إلى الحكم متى يقل صاحبا سرادقه * هذا ابن بيض بالباب يبتسم. والوجه القدر والمنزلة ومنه قولهم لفلان وجه عريض وفلان أوجه من فلان أي أعظم قدرا وجاها ويقال أوجهه السلطان إذا جعل له جاها. قال امرؤ القيس ونادمت قيصر في ملكه * فأوجهني وركبت البريدا (1)


(1) وقبله أأذكرت نفسك ما لن يعودا * لهاج التذكر قلبا عميدا تذكرت هند وأترا بها * فأصبحت أزمعت منها صدودا ونادمت قيصر في ملكه * فأوجهنى وركبت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكة * سبقت الفرانق سبقا شديدا

[ 48 ]

يقال حمل فلان فلانا على البريد إذا هيأ له في كل مرحلة مركوبا ليركبه فإذا وصل الى المرحلة الاخرى نزل عن المعيي وركب المرفه وهكذا إلى ان يصل إلى مقعده. والوجه الرئيس المنظور إليه يقال فلان وجه القوم وهو وجه عشيرته ووجه الشئ نفسه وذاته. قال أحمد بن جندل ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * فأفلت منها وجهه عتد نهد (1)


(1) هكذا بالاصل وفسرهها بهامش النسخة أي ضخم. وقوله قال أحمد بن جندل الخ المعروف ان البيت لسوار بن حبان المنقري قاله يوم جدود والرواية المشهورة ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا وروى ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * تمج نجيعا من الجوف أشكلا وبعده وحمران أدته الينا رماحنا * ينازع غلافى ذراعيه مقفلا ونسب ابن قتيبة البيتين لجرير وسمي الحوفزان حوفزانا لأن قيس بن عاصم التميمي حفزه. قال الجوهري وأما قول من قال انما حفزه بسطام بن قيس فغلط لانه شيباني فكيف يفتخر به جرير وأما قول الآخر ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة * سقته نجيعا من دم الجوف آنيا فهو الأهتم بن مسى المنقري وأول الشعر لما دعتني للسيادة منقر * لدى موطن أضحى له النجم باديا شددت لها أزري وقد كنت قبلها * أشد لاحناء الأمور إزاريا ولنعد إلى حديث يوم جدود روى عن أبي عبيدة قال قيس بن عاصم هو الذى حفز الحوفزان بن شريك الشيباني طعنه في استه يوم جدود وكان من حديث ذلك اليوم ان الحارث بن شريك بن عمرو الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام كانت بينه وبين بنى يربوع موادعة ثم هم بالغدر بهم فجمع بنى شيبان وبنى ذهل واللهازم وقيس بن ثعلبة وتيم الله بن ثعلبة وغيرهم ثم غزا بنى يربوع فنذر به عتيبة بن الحارث ابن شهاب بن شريك فنادي في قومه بنى جعفر بن ثعلبة من بنى يربوع فوادعه وأغار الحارث بن شريك على بنى مقاعس واخوتهم بنى ربيع فلم يجيبوهم فاستصرخوا بنى منقر فركبوا حتى لحقوا بالحارث بن شريك وبكر بن وائل وهم قائلون في يوم شديد

[ 49 ]

أراد أفلته ونجاه ومنه قولهم انما أفعل ذلك لوجهك. ويدل أيضا على ان الوجه يعبر به عن الذات قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة). وقوله تعالى (وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية) لان جميع ما اضيف إلى الوجوه في ظاهر الآى من النظر والظن والرضا لا يصح اضافته على الحقيقة إليها وانما يضاف إلى الجملة فمعنى قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه) أي كل شئ هالك إلا إياه فكذلك قوله تعالى (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل ذي كما قال (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام) لما كان اسمه غيره. ويمكن في قوله تعالى (كل شئ هالك إلا وجهه)


الحر فما شعر الحوفزان إلا بالأهتم بن سمى بن سنان بن خالد بن منقر واسم الأهتم سنان وهو واقف على رأسه فوثب الحوفزان إلى فرسه فركبه وقال للأهتم من أنت فانتسب له وقال هذه منقر قد أتتك فقال الحوفزان فأنا الحارث بن شريك فنادى الأهتم يا آل سعد ونادى الحوفزان يا آل وائل وحمل كل واحد منها على صاحبه ولحقت بنو منقر فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه ونادت نساء بنى ربيع يا آل سعد فاشتد قتال بنى منقر لصياحهن فهزمت بكر بن وائل وخلوا ما كان في أيديهم من بنى مقاعس وما كان في أيديهم من أموال وتبعتهم بنو منقر بين قتل وأسر فأسر الأهتم حمران بن عمرو وقصد قيس بن عاصم الحوفزان ولم يكن له همة غيره والحارث على فرس له قارح يدعى الزبد وقيس على مهر فخاف قيس أن يسبقه الحارث فحفزه بالرمح في استه فتحفز به الفرس فنجا فسمى الحوفزان وأطلق قيس أموال بني مقاعس وبنى ربيع وسباياهم وأخذ أموال بكر بن وائل وأساراهم و انتقضت طعنة قيس على الحوافزان بعد سنة فمات وفي هذا اليوم يقول قيس بن عاصم جزا الله يربوعا بأسوء فعلها * إذا ذكرت في النائبات امورها ويوم جدود قد فضحتم ذماركم * وسالمتموا والخيل تدمى نحورها ستخطم سعد والرباب أنوفكم * كما حز في أنف القضيب جريرها(7 – أمالى)

[ 50 ]

وجه آخر وقد روى عن بعض المتقدمين وهو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجه نحو القربة إليه جلت عظمته فيقول لا تشرك بالله ولا تدع إلها غيره فان كل فعل يتقرب به إلى غيره ويقصد به سواه فهو هالك باطل وكيف يسوغ للمشبهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر أو ليس ذلك يوجب انه تعالى يفني ويبقى وجهه وهذا كفر وجهل من قائله. فأما قوله تعالى (انما نطعمكم لوجه الله) وقوله (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) وقوله (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) فمحمول على ان هذه الأفعال مفعولة له ومقصود بها ثوابه والقربة إليه والزلفة عنده قوله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) فيحتمل أن يراد به فثم الله لا على معنى الحلول ولكن على معنى التدبير. والعلم ويحتمل أيضا أن به فثم رضا الله وثوابه والقربة إليه ويحتمل أن يكون المراد بالوجه الجهة ويكون الاضافة بمعنى الملك والخلق والانشاء والاحداث لانه عزوجل قال (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) أي ان الجهات كلها لله تعالى وتحت ملكه وكل هذا واضح بين بحمد الله. أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال انحدرنا مع المكتفى بالله في آخر سفرة سافرها للصيد من الموضع المعروف بجبة إلى تكريت في خراقه (1) فكانت تجنح كثيرا فيشتد فزع من معه من الجلساء لذلك وكنت أشدهم فزعا وكان في الخراقة سواي من الجلساء يحيى بن على المنجم ومتوج بن محمد بن مروان والقاسم المعروف بابن حبابة وكان يضحك لفزعنا ويقول لقد قسم الله لكم حظا من الشجاعة جزيلا فقلت له ان البحتري يقول شعرا يصف فيه مثل حالنا ويمدح فيه أحمد بن دينار بن عبد الله وقد غزا الروم في مراكب أوله ألم تر تغليس الربيع المبكر * وما حاك من وشى الرياض المنشر فقال له أنشدني الموضع الذي قال هذا فيه منها وكان جيد العلم بالأشعار حافظا للأخبار


(1) – الخراقة – سفينة صغيرة فيها الشموع والنار. و قيل انها من الخرق لانها تخرق الماء. كذا بهامش الأصل

[ 51 ]

فأنشده غدوت على الميمون صبحا وإنما * غدا المركب الميمون تحت المظفر إذا زمجر النوبي فوق علاته * رأيت خطيبا في ذؤابة منبر يغضون دون الإشتيام عيونهم * و فوق السماط للعظيم المؤمر إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له * جناح عقاب في السماء مهجر إذا ما انكفا في هبوة الماء خلته * تلفع في اثناء برد محبر و حولك ركابون للهول عاقروا * كؤوس الردى من دار عين ومحسر تميل المنايا حيث مالت اكفهم * إذا اصلتوا حد الحديد المذ كر إذا أرشقوا بالنار لم يك رشقهم * ليقلع إلا عن شواء مقتر صدمت بهم صهب العثانين دونهم * ضراب كإيقاد اللظي المتسعر يسوقون إسطولا كأن سفينه * سحائب صيف من جهام وممطر كأن ضجيج البحر بين رماحهم * إذا إختلفت ترجيع عود مجرجر تقارب من زحفيهم فكأنما * تألف من أعنان وحش منفر على حين لا نقع تطوحه الصبا * ولا أرض تلقى للصريع المقطر (1) فما رمت حتى اجلت الحرب عن طلى * مقصصة فيهم وهام مطير وكنت ابن كسري قبل ذاك وبعده * مليا بان توهى صفاة ابن قيصر جدحت له الموت الذعاف فعافه * وطار على ألواح شطب مسمر


(1) – المقطر – الملقى على أحد جانبيه. كذا في هامش الأصل

[ 52 ]

سعى وهو مولي الريح يشكر فضلها * عليه ومن يولي الصنيعة يشكر قال فاستجاد المكتفى بالله قوله – على حين لا نقع تطوحه الصبا فقال له يحيي بن على أنشدني ابن الرومي شعرا له في هذا المعنى ولم أتعلم قط من ذي سباحة * سوى الغوص والمضعوف غير مغالب ولم لا ولو ألقيت فيها وصخرة * لو افيت منها القعر أول راسب وأيسر إشفاقي من الماء أنني * أمر به في الكوز مر الأجانب وأخشى الردى منه على كل شارب * فكيف بأمنية على نفس راكب فقلت له انما أخذ ابن الرومي بيته الثالث من قول أبي نواس فقال المكتفى بالله فما قال قلت حدثني على بن سراج المصرى قال حدثني أبو وائل اللخمى قال حدثنى ابراهيم بن الخصيب قال وقف أبو نواس بمصر على النيل فرأي رجلا قد أخذه التمساح فقال أضمرت للنيل هجرانا ومقلية * مذ قيل لى إنما التمساح في النيل فمن رأي النيل رأى العين من كثب * فما أرى النيل إلا في البواقيل قال الصولي – والبواقيل – سفن صغار. ثم أجري المكتفي بعد ذلك ذكر الشيب فقال العرب تقول أظلم من شيب وقد شبت وظلمني المشيب وشبت يا صولي فقلت جواب عبدك في هذا جواب معن بن زائدة الشيباني لجدك المنصور وقد قال له كبرت يا معن فقال في طاعتك يا أمير المؤمنين قال وانك لتتجلد قال على أعدائك قال وفيك بحمد الله بقية قال لخدمتك فنزع المكتفى عمامته فإذا شيبتان في مقدم رأسه فقال لقد غمني لطوع هاتين الشيبتين فقلت له انما يعيش الناس في الشيب فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين وقد يعاش في البياض الذي لا سواد فيه ثمانون سنة فأنشده يحيي بن على في معني طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس


[ 53 ]

ألا إن بعد العدم للمرء قنوة * وبعد المشيب طول عمر وملبسا (1) وأنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها اسحاق بن ابراهيم الموصلي لبعض القيسيين لم ينتقص مني المشيب قلامة * الآن حين ابدأ لب واكيس والشيب إن يظهر فإن وراءه * عمرا يكون خلاله متنفس. [ قال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه أما قول البحترى – مضى وهو مولى الريح – فقد كرر معناه في قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغرى أشلى على منويل أطراف القنا * فنجى عتيق عتيقة جرداء فلو انه ابطالهن هنيئة * لصدرن عنه وهن غير ظماء ولئن تبقاه القضاء لوقته * فلقد عممت جنوده بفناء


(1) هو من قطعته التى أولها تأوبني دائي القديم فغلسا * أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا. ومنها فإما تريني لا أغمض ساعة * من الليل إلا أن أكب فأنعسا فيارب مكروب كررت وراءه * وطاعنت عنه الخيل حتي تنفسا وما خفت تبريح الحياة كما أرى * تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا وبدلت قرحا داميا بعد صحة * لعل منايانا تحولن أبؤسا لقد طمح الطماح من بعد أرضه * ليلبسني من دائه ما تلبسا وسبب هذه القطعة ان امرأ القيس استنجد قيصر ملك الروم في حربه لبنى أسد المشهورة فأمده بجيش عظيم فلما انفصل عنه وشى به رجل من بني أسد يقال له الطماح إلى قيصر فبعث إليه بحلة وشي مسمومة منسوجة بالذهب فلما وصلت إليه لبسها واشتد سروره بها فأسرع فيه السم وسقط جلده فلذلك سمي ذا القروح فقال هذه القطعة

[ 54 ]

وأظنه أخذ هذا المعني من قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها المعتصم ويذكر فتح الحرمية لو لا الظلام وقلة علقوا بها * باتت رقابهم بغير قلال فليشكروا جنح الظلام ودروزا * فهم لدروز والظلام موالي وقد أخطأ الصولى في تفسير بيت أبي نواس بأن البواقيل سفن صغار لأن البواقيل جمع بوقال وهو آلة على هيئة الكوز معروفة تعمل من الزجاج وغيره. وهذا مثل قول ابن الرومي أمر به في الكوز مر المجانب وانما أراد أنني لا أمر بماء النيل إلا إذا أردت شربه في كوز أو بوقال وما أشبه ذلك واظن انه استمر عليه الوهم من جهة قوله فما أري النيل وصرف ذلك إلى أنه أراد النيل على الحقيقة وانما أراد ماء النيل وما علمت ان السفن الصغار يقال لها بواقيل إلا من قول الصولى هذا ولو كان ما ذكره صحيحا من ان ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت أبي نواس بما ذكرناه أشبه وأليق وأدخل في معني الشعر وكيف يدخل الشبهة في ذلك مع قوله – فمن رأي النيل رأى العين من كثب – ومن رأى النيل في السفن فقد رآه من كثب ومن رأى ماءه في الآنية على بعد فلا يكون رائيا له من كثب. فأما مدح الشيب وتفضيله على الشباب فقد قال فيه الناس وأكثروا فمما تقدم من ذلك قول رؤبة بن العجاج ويقال ان رؤبة لم يقل من القصيدة إلا هذين البيتين أيها الشامت المعير بالشيب * أقلن بالشباب افتخارا قد لبست الشباب غضا جديدا * فوجدت الشباب ثوبا معارا ولعلي بن جبلة جفى طرب الفتيان وهو طروب * واعقبه قرب الشباب مشيب تجافت عيون البيض عنه وربما * مددن إليه الوصل وهو حبيب


[ 55 ]

لعمري لنعم الصاحب الشيب واعظا * وإن كان منه للعيون نكوب خليط نهى منباة حلم وإنه * على ذاك مكروه الخلاط مريب ولآخر وتنكرت شيبي فقلت لها * ليس الشباب بنا قص عمري سيان شيبي والشباب إذا * ما كنت من عمري على قدر ولآخر إن أكن قدر زئت أسود كالفحم * واعقبت مثل لون النعامة فلقد اسعف الكريم واحبو * أهله بالندي وآبى الظلامة غير أن الشباب كان رداء * خاننا فيؤه كفئ الغمامه ولآخر إن المشيب رداء الحلم والأدب * كما الشباب رداء الجهل واللعب تعجبت أن رأت شيبي فقلت لها * لا تعجبي من يطل عمر به يشب ولا بن الجهم حسرت عني القناع ظلوم * وتولت ودمعها مسجوم أنكرت ما رأت براسي فقالت * أمشيب أم لؤلؤ منظوم قلت شيب وليس عيبا فأنت * أنة يستثيرها المهموم شد ما أنكرت تصرم عهد * لم تدم لى وأي حال يدوم ولابي هفان تعجبت در من شيبي فقلت لها * لا تعجبي فطلوع الشيب في السدف


[ 56 ]

وزادها عجبا لما رأت سملي * وما درت دران الدر في الصدف (1) وقد أحسن أبو تمام غاية الاحسان في قوله أبدت أسى إذ رأتنى مخلس القصب * فآل ما كان من عجب إلى عجب ست وعشرون تدعوني فاتبها * إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب فلا يؤرقك إيماض القتير به * فإن ذاك أبتسام الرأي والأدب وللبحتري عيرتني المشيب وهى بدته * في عذارى بالصد و الإجتناب لا تريه عارا فما هو بالشيب * ولكنه جلاء الشباب وبياض البازي اصدق حسنا * إن تأملت من سواد الغراب (2)


(1) – السمل – محركة الثوب الخلق ويقال أيضا ثوب أسمال فمن النحويين من جعل أسما لا مفردا لانه صفة ثوب والصحيح انه على التأويل بالجمع أي أنواع الثوب اسمال ومثل ذلك برمة أعشار لان أفعالا لم يثبت في المفرد وانما هو جمع (2) الابيات من قصيدة يمدح بها اسماعيل بن شهاب مطلعها ما على الركب من وقوف الركاب * في مغاني الصبا ورسم التصابى أين أهل القباب بالاجرع الفرد * تولوا لا أين أهل القباب سقم دون أعين ذات سقم * وعذاب دون الثنايا العذاب وكمثل الاحباب لو يعلم العا * ذل عندي منازل الاحباب فإذا ما السحاب كان ركاما * فسقى بالرباب دار الرباب وإذا هبت الجنوب بسقيا * فعلى رسم دارها والجناب عيرتني المشيب. الابيات الثلاثة. وبعده عذ لتنى في قومه واسترابت * جيئتى في سواهم وذهابي ورأت عند غيرهم من مديحي * مثل ما كان عندهم من عتابي

[ 57 ]

وله ها هو الشيب لا ئمافأ فيقى * واتركيه إن كان غير مفيق فلقد كف من عناء المعنى * وتلأفي من إشتياق المشوق عذلتنا في عشقها أم عمر و * هل سمعتم بالعاذل المعشوق ورأت لمة ألم بها الشيب * فريعت من ظلمة في شروق ولعمري لولا الأقاحى لأبصر * ت أنيق الرياض غير أنيق وسواد العيون لو لم يكمل * ببياض ما كان بالمو موق ومزاج الصهباء بالماء أولي * بصبوح مستحسن وغبوق أي ليل يبهى بغير نجوم * أو سماء تندى بغير بروق ويشبه ان يكون أخذ قوله – أي ليل يبهى بغير نجوم – من قول الشاعر أشيب ولم أقض الشباب حقوقه * ولم يمض من عهد الشباب قديم رأت وضحافي مفرق الرأس راعها * وشتان مبيض به وبهم


ليس من غضبة عليهم ولكن * هو نجم يعلو مع الكتاب شيعة السؤدد القريب واخوا * ن التصافي واخوة الآداب هم أولو المجد إن سالت فان كا * ثرت كانوا هم أولى الالباب ومتي كنت صاحبا لذوى السؤد * د يوما فانهم أصحابي وكفاني إذ الحوادث أظلمن * شهابا بغرة بن شهاب سبب أول على جود اسما * عيل أغنى عن سائر الاتباب لاستهلت سماؤه فمطرنا * ذهبا في انهلال ذاك الذهاب لا يزور الوفاء غبا ولا يعشق * غدر الفعال عشق الكعاب مستعيد على اختلاف الليالى * نسقا من خلائق أتراب(8 – أمالى ثالث)

[ 58 ]

تفاريق شيب في الشباب لوامع * وما حسن ليل ليس فيه نجوم ولمحمود الوراق في مثل هذا المعني قوله ما الدر منظوما بأحسن من * شيب يخلل هامة الكهل فكأنه فيها النجوم إذا * جد المسير بها على مهل لا تبكين على الشباب إذا * بكى الجهول عليه للجهل واشكر لشيبك حسن صحبته * فلقد كساك جلالة الفضل ولآخر في مدح الشيب لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله * فالشيب حلية ووقار إنما تحسن الرياض إذا ما * ضحكت في خلالها الأنوار. [ قال الشريف رحمه الله ] ولى في هذا المعني من قصيدة جزعت لو خطات المشيب وإنما * بلغ الشباب مدي الكمال فنورا والشيب إن فكرت فيه مورد * لا بد يورده الفتى إن عمرا يبيض بعد سواده الشعر الذى * إن لم يزره الشيب واراه الثرى وممن عدل بين الشباب والشيب ومدح كل واحد منهما طريح بن اسمعيل الثقفى فقال والشيب للحكماء من سفه الصبا * بدل يكون لذى الفضيلة مقنع والشيب غاية من تأخر حينه * لا يستطيع دفاعه من يجزع إن الشباب له لذادة جدة * والشيب منه في المغبة أنفع لا يبعد الله الشباب فمرحبا * بالشيب حين أوى إليه المضجع ومثله لآخر وكان الشباب الغض لى فيه لذة * فز حزحني عنه المشيب وأدبا


[ 59 ]

فسقيا ورعيا للشباب الذى مضى * وأهلا و سهلا بالمشيب ومرحبا (مجلس آخر 46) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) الآية. فقال كيف ضمن الاجابة وتكفل بها وقد نرى من يدعو فلا يجاب. الجواب قلنا في ذلك وجوه. أولها أن يكون المراد بقوله تعالى (أجيب دعوة الداعي) أي أسمع دعوته ولهذا يقال للرجل دعوت من لا يجيب أي من لا يسمع وقد يكون أيضا يسمع بمعني يجيب كما كان يجيب بمعني يسمع يقال سمع الله لمن حمده يراد به أجاب الله من حمده. وأنشد ابن الاعرابي دعوت الله حتي خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول أراد يجيب ما أقول. وثانيها أنه تعالى لم يرد بقوله تعالى قريب من قرب المسافة بل أراد انني قريب باجابتي ومعونتي ونعمتي أو لعلمي بما يأتي العبد ويذر وما يسر ويجهر تشبيها بقرب المسافة لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم يخفف عليه ويكون قوله تعالى أجيب على هذا تأكيد للقرب فكأنه أراد إنني قريب قربا شديد وإنني بحيث لا يخفى على أحوال العباد كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله أنا بحيث أسمع كلامك وأجيب نداءك أو ما جرى هذا المجرى وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية. وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أنني أجيب دعوة الداعي إذا دعاني على الوجه الصحيح وبالشرط الذي يجب أن يقارن الدعاء وهو أن يدعو باشتراط المصلحة ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال لانه ان كان صلاحا فعل ما دعا به وان لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه فهو أيضا مجاب إلي دعائه. ورابعها أن يكون معنى دعاني أي عبدني وتكون


[ 60 ]

الاجابة هي الثواب والجزاء على ذلك فكأنه قال إنني أثيب العباد على دعائهم لي وهذا مما لا اختصاص فيه. وخامسها ما قاله قوم من أن معنى الآية أن العبد إذا سأل الله تعالى شيئا في إعطائه صلاح فعل به وأجابه إليه وان لم يكن في إعطائه إياه في الدنيا صلاح وخير لم يعطه ذلك في الدنيا وأعطاه إياه في الآخرة فهو مجيب لدعائه على كل حال. وسادسها انه تعالى إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين إما أن يجاب دعاؤه وإما أن يخاب له بصرفه عما سأل ودعا فحسن اختيار الله له يقوم مقام الاجابة فكأنه يجاب على كل حال وهذا الجواب يضعف لأن العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له في الدنيا وان كان فيه فساد في الدين لغيره فلا يعطى ذلك لأمر يرجع إليه لكن لما فيه من فساد غيره فكيف يكون مجابا مع المنع الذي لا يرجع إليه منه شئ من الصلاح اللهم إلا أن يقال انه دعاء مشروط بأن يكون صلاحا ولا يكون فسادا وهذا مما تقدم ومعنى قول تعالى (فليستجيبوا لي) أي فليجيبوني وليصدقوا رسلي. قال الشاعر وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقلت ادع اخرى وارفع الصوت ثانيا * لعل أبي المغوار منك قريب (1)


قوله – لعل أبى المغوار – بجر ابى على لغة عقيل فان لعل عندهم تجر في أربع لغات من لغاتها أي ثابتة الأول ومحذوفته مفتوحة الآخر ومكسورته وأما بقية لغات لعل فلا يجر بها عندهم وأبو المغوار بكسر الميم وسكون الغين المعجمة اسمه شبيب وروى * فقلت ادع اخرى وارفع الصوت دعوة * بالنصب على التعليل وروى أبو المغوار بالنصب على أصله وهذان البيتان من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه شبيبا أو لها تقول سليمي ما لجسمك شاحبا * كأنك يحميك الطعام طبيب فقلت ولم أعى الجواب لقولها * وللدهر في صم السلام نصيب تتابع احداث تخر من اخوتى * وشيبن رأسي والخطوب تشيب لعمري لئن كانت أصابت مصيبة * أخى والمنايا للرجال شعوب لقد كان أما حلمه فمروح * علينا وأما جهله فعزيب

[ 61 ]

أي لم يجبه. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وإذ كنا قد ذكرنا في المجالس المتقدمة لهذا المجلس طرفا من الشعر في تفضيل الشيب وتقديمه والتعزي عنه والتسلي عن نزوله فنحن متبعوه بطرف مما قيل في ذمه والتألم به والجزع منه. فمن ذلك قول أبي حية النميري ترحل بالشباب الشيب عنا * فليت الشيب كان به الرحيل وقد كان الشباب لنا خليلا * فقد قضى مآ ربه الخليل لعمر أبي الشباب لقد تولى * حميدا ما يراد به بديل إذ الأيام مقبلة علينا * وظل أراكة الدنيا ظليل قال الفرزدق أرى الدهر أيام المشيب أمره * علينا وأيام الشباب أطايبه وفي الشيب لذات وقرة أعين * ومن قبله عيش تعلل جاذبه إذا نازل الشيب الشباب فاصلتا * بسيفيهما فالشيب لا شك غالبه


. ومنها فان تكن الأيام أحسن مرة * إلى فقد عادت لهن ذنوب إلى ان قال وداع دعا يا من يجيب الى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقلت ادع اخرى وارفع الصوت جهرة * لعل أبى المغوار منك قريب يجبك كما قد كان يفعل إنه * نجيب لأبواب العلاء طلوب قال أبو على القالي في الأمالي بعض الناس يروى هذه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي هو من قومه وليس بأخيه والمرثى بهذه القصيدة يكنى أبا المغوار واسمه هرم وبعضهم يقول اسمه شبيب ويحتج ببيت روى في هذه القصيده * أقام وخلى الظاعنين شبيب

[ 62 ]

فياخير مهزوم وياشر هازم * إذا الشيب وافت للشباب كتائبه وليس شباب بعد شيب براجع * مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه وما المرء منفوعا بتجريب واعظ * إذا لم تعظه نفسه وتجاربه وأنشد اسحاق الموصلي لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا * لقد كنت وراد المشربه العذب ليالى أمشى بين بردى لاهيا * أميس كغصن البانة الناعم الرطب سلام على سير القلاص مع الركب * ووصل الغواني والمدامة والشرب سلام امرئ لم تبق منه بقية * سوي نظر العينين أو شهوة القلب ولمنصور النمري ما تنقضي حسرة مني ولا جزع * إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع بان الشباب ففاتتني بشرته * صروف دهر وأيام لها خدع ما كنت أو في شبابي كنه عرته * حتي انقضى فإذا الدنيا له تبع (1)


(1) هذه الأبيات من قصيدة يمدح بها الرشيد روى انه دخل عليه وكان عنده الكسائي فقال له الرشيد أنشدني فأنشده قوله * ما تنقضي حسرة * البيت فتحرك الرشيد ثم أنشده حتى اتنهي إلى قوله ما كنت أو في شبابي كنه غرته * حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع فطرب الرشيد وقال أحسنت والله وصدقت لا والله لا يتهنى أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب وأمر له بجائزة سنية ومن أبياتها الحسان قوله أي امرئ بات من هارون في سخط * فليس بالصلوات الخمس ينتفع ان المكارم والمعروف أو دية * أحلك الله منها حيث يتسع

[ 63 ]

ولمحمد بن أبي حازم عهد الشباب لقد أبقيت لى حزنا * ماجد ذكرك الا جدلى ثكل سقيا ورعيا لايام الشباب وإن * لم يبق منك له رسم ولا طلل جر الزمان ذيولا في مفارقه * وللزمان على إحسانه علل وربما جر اذيال الصبا مرحا * وبين برديه غصن ناعم خضل لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها * من الشباب بيوم واحد بدل كفاك بالشيب عيبا عند غانية * وبالشباب شفيعا أيها الرجل


إذا رفعت امرأ فالله يرفعه * ومن وضعت من الأقوام متضع نفسي فداؤك والأبطال معلمة * يوم الوغى والمنايا صابها فزع روى ان البيدق دخل على الرشيد وعنده الفضل بن الربيع ويزيد بن مزيد وبين يديه خوان لطيف عليه جرمان ورغيفان سميد ودجاجتان فقال لى أنشدني قال البيدق فأنشدته قصيدة النميري العيلية فلما بلغت إلى قوله * أي امرئ بات من هارون سخط * الأبيات الأربعة قال فرمي بالخوان بين يديه وصاح و قال هذا والله أطيب من كل طعام وكل شئ وبعث إليه بسبعة آلاف دينار قال البيدق فلم يعطنى منها ما يرضينى وشخص إلى رأس العين فأغضبني وأحفظنى فأنشدت هرون قوله ساد من الناس راتع هامل * يعللون النفوس بالباطل فلما بلغت إلى قوله ألا مساعير يغضبون لها * بسلة البيض والقنا الزابل قال أراه يحرض علي ابعثوا إليه من يجژء برأسه فكلمه فيه الفضل بن الربيع فلم يغن كلامه شيئا وتوجه إليه الرسول فوافاه في اليوم الذى مات فيه ودفن وروى من غير هذا الوجه ان العتابي سئل عن سبب غضب الرشيد عليه فقال استقبلت منصور

[ 64 ]

ولأبي نواس كان الشباب مطية الجهل * ومحسن الضحكات والهزل كان الجميل إذا ارتديت به * ومشيت اخطر صيت النعل كان البليغ إذا نطقت به * وأصاخت الآذان للمملى كان المشفع في مآربه * عند الحسان ومدرك التبل والباعثي والناس قد هجعوا * حتي أتيت حليلة البعل


النمري يوما من الأيام فرأيته مغموما واجما كئيبا فقلت له ما خبرك فقال تركت امرأتي تطلق وقد عسر عليها ولادها وهي يدى ورجلي والقيمة بأمرى وأمر منزلي فقلت له لم لا تكتب على فرجها هرون الرشيد قال ليكون ماذا قال لتلد على المكان قال وكيف ذاك قلت لقولك ان أخلف الغيث لم تخلف مخائله * أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع فقال لى يا كشخان والله لئن تخلصت امرأتي لأذكر قولك هذا للرشيد فلما ولدت امرأته خبر الرشيد بما كان بينى وبينه فغضب لذلك وأمر بطلبي فاستترت عند الفضل بن الربيع فلم يزل يسئل في حتى أذن لى في الظهور فلما دخلت عليه قال لي قد بلغني ما قلته للنمري فاعتذرت إليه حتى قبل ثم قلت والله يا أمير المؤمنين ما حمله على التكذب على إلا وقوفي على ميله للعلوية فان أراد أمير المؤمنين ان أنشده شعره في مديحهم فعلت فقال أنشدني فأنشدته قوله ساد من الناس راتع هامل * يعللون النفوس بالباطل حتى بلغت إلى قوله الا مساعير يغضبون لهم * بسلة البيض والقنا الزابل فغضب من ذلك غضبا شديدا وقال للفضل بن الربيع احضره الساعة فبعث الفضل في ذلك فوجده قد توفى فأمر بنبشه ليحرقه فلم يزل الفضل يلطف له حتى كف عنه

[ 65 ]

والآمري حتي إذا عزمت * نفسي أعان على بالفعل فالآن صرت إلى مقاربة * وحططت عن ظهر الصبا رحلى [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وعلى هذا الكلام حسن طلاوة ومسحة من اعرابي ليستا لغيره. ولبشار الشيب كره وكره أن يفارقني * أعجب بشئ على البغضاء مودود يمضى الشباب ويأتى بعده خلف * والشيب يذهب مفقودا بمفقود وهذا البيت الأخير يروى لمسلم بن الوليد الأنصاري ومما أحسن فيه مسلم في هذا المعنى قوله طرفت عيون الغانيات وربما * أملن إلي الطرف كل مميل وما الشيب إلا شعرة غير أنه * قليل قذاة العين غير قليل ولآخره أهلا بوافدة للشيب واحدة * وإن تراءت بشخص غير مودود لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت * نفسي إلى الماء عن ماء العنا قيد لم ينهني كبر عنها ولا فند * لكن صحوت بغصن غير ممدود أو في بى الحلم واقتاد النهي طلقا * شأوى وعفت الصبا من غير تفنيد ولقد أحسن دعبل في قوله يصف الشباب والشيب كان كحلا لمآقيها فقد * صار بالشيب لعينيها قذا ولغيره رأت طالعا للشيب أغفلت أمره * فلم تتعهده أكف الخواضب فقالت أشيب ما أرى قلت شامة * فقالت لقد شامتك عند الحبائب (9 – امالي ثالث)


[ 66 ]

ولمحمود الوراق ويروي لمحمد بن حازم أليس عجيبا بأن الفتى * يصاب ببعض الذي في يديه فمن بين باك له موجع * و بين معز مغز إليه ويسلبه الشيب شرخ الشباب * فليس يعزيه خلق عليه ولأبي دلف في كل يوم أرى بيضاء طالعة * كأنما طلعت في أسود البصر لئن قصصتك بالمقراض عن بصرى * – لما قصصتك عن همي وعن فكرى وليحيي بن خالد بن برمك ويروى لغيره الليل شيب والنهار كلاهما * رأسي بكثرة ما تدور رحاهما يتناهبان نفوسنا ودماءنا * ولحومنا عمدا ونحن نراهما والشيب إحدي الميتتين تقدمت * أولاهما وتأخرت أخراهما وقد أتى الفحلان المبرزان أبو تمام وأبو عبادة في هذا المعني بكل غريب عجيب. فمن ذلك قول أبي تمام لئن جزع الوحشى منها لرؤيتي * لإنسيها من شيب رأسي أجزع غدا العمر مختطا بفودى خطة * طريق الردى منها إلى الموت مهيع هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى * وذو الإلف يقلى والجديد يرقع له منظر في العين أبيض ناصع * ولكنه في القلب أسود اسفع ونحن نرجيه على السخط والرضي * وأنف الفتي من ونفسه وهو أجدع. وله


[ 67 ]

أصبحت روضة الوصال هشيما * وغدت ريحه البليل سموما شعلة في المفارق استودعتني * في صميم الفؤاد ثكلا صميما تستثير الهموم ما اكتن منها * صعدا وهى تستثير الهموما غرة غرة ألا إنما كنت * أغرا أيام كنت بهيما دقة في الحياة تدعى جلالا * مثل ما سمي اللديغ سليما حلمتنى زعمتم وأراني * قبل هذا التحلم كنت حليما. وله لعب الشيب بالمفارق بل * جد فأبكي تماضرا ولعوبا خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد * دما أن رأت شواتي خضيبا كل داء يرجى الدواء له إلا * الافظيعين منية ومشيبا يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * حسناتي عند الحسان ذنوبا ولئن عبن ما رأين لقد أنكزن * مستنكرا وعبن معيبا أو تصدعن عن قلي لكفي بالشيب * بينى وبينهن حسيبا لو رأى الله أن الشيب فضلا * جاورته الأبرار في الخلد شيبا [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. وجدت الآمدي يذكر أن قوما ادعوا المناقضة على أبي تمام في هذه الابيات بقوله * فأبكا تماضرا ولعوبا * وقوله خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد * دما أن رأت شواتي خضيبا يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * حسناتي عند الحسان ذنوبا وقوله * ولئن عبن ما رأين لقد * قالوا كيف يبكين دما على شيبه ثم يعبنه. قال الآمدي وليس ههنا تناقض لأن الشيب انما أبكى تماضر ولعوب أسفا على شبابه والحسان


[ 68 ]

اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى كما قال الأخطل لما رأت بدل الشباب بكت له * إن المشيب لأرذل الأبدال ولم يكن هذه حال من عابه قال وهذا مستقيم صحيح. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وليس يحتاج في العذر لأبي تمام إلى ما تكلفه الآمدي بل المناقضة زائلة عنه على كل حال. وان كان من قد بكي شبابه وتلهف عليه من النساء هن اللواتي أنكرن مشيبه وعبنه به وما المنكر من ذلك وكيف يتناقض أن يبكي على شبابه ونزول شيبه منهن من رأى الشيب ذنبا وعيبا منكرا وفي هذا غاية المطابقة لانه لا يبكى الشيب ويجزع من حلوله وفراق الشباب إلا من رآه منكرا ومعيبا. وقال أبو تمام راحت غواني الحي عنك غوانيا * يلبسن نأيا تارة وصدودا من كل سابغة الشباب إذا بدت * تركت عميد القريتين عميدا أربين بالمرد الغظارف بدنا * غيدا ألفنهم لدانا غيدا أحلى الرجال من النساء مواقعا * من كان أشبههم بهن خدودا أو قوله – أربين بالمرد – من أرب بالشئ إذا لزمه وأقام عليه يقال أرب وألب بالمكان إذا أقام فيه ولزمه يريد انهن لزمن هوى المرد وأقمن عليه. ورواه قوم أربين بالمرد من الربا الذي معناه الزيادة يقال قد أربا الرجل إذا ازداد فيقول أربين بالمرد أي ازددن علينا بهم وجعلن المرد زيادة اخترنها علينا. ويقال انه أخذ قوله – أحلى الرجال من النساء – البيت من قول الأعشى وأرى الغواني لايوا صلن امرأ * فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (1)


وقبله أثوى وقصر ليله ليزودا * فمضى وأخلف من قتيلة موعدا

[ 69 ]

ولمنصور النمري قوله كرهن من الشيب الذي لو رأينه * بهن رأيت الطرف عنهن أزورا وقول الآخر أرى شيب الرجال من الغواني * كموقع شيبهن من الرجال. وقال أبو تمام شاب رأسي وما رأيت مشيب الرأس * إلا من فضل شيب الفؤاد وكذاك القلوب في كل بؤس * ونعيم طلائع الأجساد طال إنكاري البياض وإن عمرت * شيبا أنكرت لون السواد زادني شخصه بطلعة ضيم * عمرت مجلسي من العواد نال رأسي من ثغرة الهم داء * لم ينله من ثغرة الميلاد ومعنى هذا البيت الأخير ان – الثغرة – وهى الفرجة والثلمة تكون في الشئ ولذلك سمى كل بلد جاور عدوا ثغرا كأن معناه مكشوف للعدو ويجوز أن يكون أصله من ثغر الانسان لأنه أول ما يقابلك من اسنانه وأول ما يظهر عند الكلام وأول ما يسقط فيرى مثلوما فيشبه الثغر الذي هو البلدة به ويقال أثغر الصبي وأتغر وتسمي تلك الفرجة في موضع


يجحدن ديني بالنهار واقتضى * دينى إذا وقذ النعاس الرقدا وأرى الغواني الخ. روي عن اسحاق الموصلي قال حدثنى أبي قال غنيت بين يدى الرشيد وستارته منصوبة وأرى الغوانى لا يواصلن امرأ * فقد الشباب وقد يصلن الأمردا فطرب واستعاده وأمر لي بمال فلما أردت ان أنصرف قال لي يا عياض كذا وكذا أتغنى بهذا الصوت وجواري من وراء ستارة يسمعنه لولا حرمتك لضربت عنقك فتركته والله حتى نسيته

[ 70 ]

السن ثغرة وفي كل موضع منفرج ومنه ثغرة النحر وأراد بقوله * نال رأسي من ثغرة الهم * أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها لأن الهم يشيب لا محالة. وقوله * ما لم ينله من ثغرة الميلاد * أراد بثغرة الميلاد الوقت الذي يهجم عليه فيه الشيب من عمره لانه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه فجعله ثغرة من هذا الوجه فأراد ان الشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه ما لم يبلغ السن التي توجب حلوله به من حيث كبره. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه ورأيت الآمدي يطعن على قوله * عمرت مجلسي من العواد * ويقول لاحقيقة لهذا ولا معنى لإنا ما رأينا ولا سمعنا أحدا جاءه عواده يعودونه من المشيب ولا أن أحدا أمرضه الشيب ولا عزاه المعزون عن الشباب وهذا من الآمدي قلة بصر في نقد الشعر وضعف بصره بدقيق معانيه التي يغوص عليها حذاق الشعراء ولم يرد أبو تمام بقوله * عمرت مجلسي من العواد * العيادة الحقيقة التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى وذوى الأوجاع وانما هذه استعارة وتشبيه واشارة إلى الغرض خفية فكأنه أراد أن شخص الشيب لما زارني كثر المتوجعون لى والمتأسفون على شبابي والمتفجعون من مفارقته فكأنهم في مجلسي عواد لى لان من شأن العائد للمريض أن يتوجع ويتفجع وكنى بقوله * عمرت مجلسي من العواد * عن كثرة من تفجع وتوجع من مشيبه وهذا من أبي تمام كلام في نهاية البلاغة والحسن وما المعيب إلا من عابه وطعن عليه ونحن نذكر في المجلس الآتى ما للبحتري في هذا المعنى بمشيئة الله وعونه إن شاء الله (مجلس آخر 47) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون). فقال إذا كان الشجر ليس ببعض للماء كان كما الشراب بعضا له فكيف جاز أن يقول تعالى ومنه شجر بعد قوله منه شراب وما معني تسيمون وهل الفائدة في هذه اللفظة هي الفائدة في قوله (والخيل المسومة)


[ 71 ]

وقوله تعالى (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك). الجواب قلنا في قوله تعالى (منه شجر) وجهان. أحدهما أن يكون المراد منه سقى شجر وشرب شجر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك كثير في لغة العرب ومثله قوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي حب العجل. والوجه الآخر أن يكون المراد ومن جهة الماء شجر ومن سقيه وإنباته شجر فحذف الأول وخلفه الثاني كما قال عوف بن الخرع أمن آل ليلى عرفت الديارا * بجنب الشقيق خلاء قفارا أي من ناحية آل ليلى. وقال زهير أمن ام أو في دمنة لم تكلم * بحومانة الدراج فالمتثلم أراد من ناحية أم أو في. وقال أبو ذؤيب أمنك البرق أرقته فهاجا * فبت إخاله دهما خلاجا. وقال أيضا أمنك برق أبيت الليل أزقبه * كأنه في اعراص الشام مصباح. وقال الجعدى لمن الديار عفون بالتهطال * بقيت على حجج خلون طوال أراد بقيت على مر حجج وتكرار حجج. فأما قوله تعالى (فيه تسيمون) فمعناه ترعون وترسلون أنعامكم يقال أسام الابل يسيمها اسامة إذا أرعاها وأطلقها فرعت منصرفة حيث شاءت وسومها أيضا يسومها من ذلك وسامت هي إذا رعت فهي تسوم وهي ابل سائمة ويقال سمتها إذا قصرتها على مرعى بعينه وسمتها الخسف إذا تركتها على غير مرعى ومنه قيل لمن أذل وأضيم واهتضم سيم فلان الخسف وسيم خطة الضيم. قال الكميت بن زيد في الاسامة التى هي الاطلاق في الرعي راعيا كان مسيما ففقدناه * وفقد المسيم هلك السوام


[ 72 ]

. وقال آخر وأسكن ما سكنت ببطن واد * وأظعن ما ظعنت فلا أسيم وذهب قوم إلى ان السوم في البيع من هذا لأن كل واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زيادة ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه كما تذهب سوام الابل من المواشي حيث شاءت. وقد جاء في الحديث لاسوم قبل طلوع الشمس فحمله قوم على ان الابل وغيرها لاتسام قبل طلوع الشمس لئلا تنتشر وتفوت الراعى ويخفى عليه مقاصدها وحمله آخرون على ان السوم قبل طلوع الشمس في البيوع مكروه لأن السلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها فيدخل ذلك في بيوع الغرر المنهي عنها. وأما الخيل المسومة فقد قيل انها المعلمة بعلامات مأخوذة من السيماء وهى العلامة. وروى عن الحسن البصري في قوله تعالى (والخيل المسومة) قال سومت نواصيها وأذنابها بالصوف. وقيل أيضا ان المسومة) قال هي الحسان وروى عن مجاهد في قوله تعالى (والخيل المسومة) قال هي المطهمة الحسان. وقال آخرون بل هي الراعية وقد روى ذلك عن سعيد بن جبير وكل يرجع إلى أصل واحد وهو معنى العلامة لأن تحسين الخيل يجري مجرى العلامة فيها التي تعرف بها وتتميز لمكانها وقد قيل ان السوم من الراعى يرجع إلى هذا المعني أيضا لأن الراعى يجعل في المواضع التى يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها ويمحوه من آثارها فكأن الأصل في الكل متفق غير مختلف. وقال لبيد في التوسيم الذي هو التعليم وغداة قاع القريتين أتيتهم * رهوا يلوح خلالها التسويم أراد التعليم. وأما قوله في الملائكة (مسومين) فالمراد به المعلمين. وكذلك قوله تعالى (حجارة من سجيل منضود مسومة) أي معلمة وقيل انها كان عليها كأمثال الخواتيم وقال في الملائكة مسومين أي معلمين. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه ونعود إلى ما كنا وعد نا به من ذكرنا للبحتري في ذم الشيب والتألم من فقد الشباب فمن ذلك قوله وكنت أرجى في الشباب شفاعة * فكيف لباغي حاجة بشفيعه


[ 73 ]

مشيب كنت السر أعيي بحمله * محدثه أو ضاق صدر مذيعه تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه * لحث الليالي قبل آتي سريعه وما أحسن هذا من كلام وأبلغه وأطبعه. وقال أيضا ردى علي الصبا إن كنت فاعلة * إن الصبا ليس من شأني ولا أربى جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا * إلى بنات الصبا يركضن في طلبى والشيب مهرب من جارى منيته * ولا نجاء له من ذلك الهرب والمرء لو كانت الشعرى له وطنا * – صبت عليه صروف الدهر من صبب (1)


(1) الأبيات من قصيدة له يمدح بها اسماعيل بن يليل مطلعها اليك ما أنا من. لهو ولا طرب * منيت منى بقلب غير منقلب ردى على الصبا إن كنت فاعلة * ان الهوى ليس من شأني ولا أربى جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا * إلى بنات الصبا يركضن في طلبي والشيب مهرب من جارى منيته * ولا نجاء له من ذلك الهرب والمرء لو كانت الشعرى له وطنا * حطت عليه صروف الدهر من صبب قد أقذف العيس من ليل كأن له * وشيا من النور أو أرضا من العشب حتى إذا ما أنجلت اخراه عن افق * مضمح بالصباح الورد مختضب أوردت صادية الآمال فانصرفت * بريها وأخذت النجح من كثب هاتيك أخلاق اسماعيل في تعب * من العلى والعلى منهن في تعب أتعبت شكري فأضحي منك في نصب * فاذهب فمالى في جدواك من أرب لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم به * شكرى ولو كان مسديه الي ابي لما سألتك وافاني نداك على * أضعاف ظنى فلم أخفق ولم أخب(10 – امالي ثالث)

[ 74 ]

ويروى – حطت عليه صروف -. وقال البحترى لابس من شبيبة أم ناض * ومليح من شيبة أم راضي وإذا ما امتعضت من ولع الشيب * برأسي لم يغن ذاك امتعاضي ليس يرضى عن الزمان مرو * فيه إلا عن غفلة أو تغاض والبواقي من الليالي وإن خا * لفن شيئا فمشبهات المواض – ناكرت لمتى وناكرت منها * سوء هذى الأبدال والأعواض شعرات أقصهن ويرجعن * رجوع السهام في الأغراض وأبت تركي الغديات والآ * صال حتى خضبت بالمقراض غير نفع إلا التعلل من شخص * عدو لم يعده إبغاضي ورواء المشيب كالبحص في عينى * فقل فيه في العيون المراض طبت نفسا عن الشباب وما سود * من صبغ برده الفضفاض فهل الحادثات يا بن عويف * تاركاتي ولبس هذا البياض وقال أيضا تعيب الغانيات على شيبي * ومن لى أن أمتع بالمعيب


لم يخط مأبض خلسات تعمدها * فشك ذا الشعبة الطولي فلم يصب لأشكرنك إن الشكر نائله * أبقى على حاله من نائل النشب بكل شاهدة اللقوم غائبة * عنهم جميعا ولم تشهد ولم تغب مرصوفة باللآلى من نوادرها * مسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب ولم أحابك في مدح تكذبه * بالفعل منك وبعض المدح من كذب

[ 75 ]

ووجدى بالشباب وإن تولى * حميدا دون وجدى بالمشيب وقال أيضا أرئيته من بعد جثل فاحم * جون المفارق بالنهار خضيبا فعجبت من حالين خالف فيهما * صرف الزمان وما رأيت عجيبا إن الزمان إذا تتابع خطوه * سبق الطلوب وأدرك المطلوبا وقال أيضا رأت فلتات الشيب فابتسمت لها * وقالت نجوم لو طلعن باسعد أعاتك ما كان الشباب مقربي * إليك فالحي الشيب إذ كان مبعدي وقال أيضا غشت كبدي قسوة منك ما إن * تزال تجدد فيها ندوبا وحملت عنك ذنب المشيب * حتى كأني ابتدعت المشيبا ومن يطلع شرف الأربعين * يحي من الشيب زورا غريبا [ قال الشريف المرتضى ] رحمه الله. ولي في هذا المعنى قلن لما رأين وخطا من الشيب * برأسي أعيا علي مجهودي كسنا بارق تعرض وهنا * في حواشي بعض الليالي السود أبياض مجدد من سواد * كان قدما لا مرحبا بالجديد يا لحاكن من رماكن بالحسن * لتقهرننا بغير جنود ليس بيض منى فأجرى عليهن * صدودا أو ليس فيكن سود قل ما ضركن من شعرات * كن يوما على الوقار شهودي


[ 76 ]

وقال البحترى أيضا خلياه وجدة اللهو مادام * رداء الشباب غضا جديدا إن أيامه من البيض بيض * ما رأين المفارق السود سودا وقال أيضا ترك السواد للابسيه وبيضا * ونضامن الستين عنه مانضا وسباه أغيد في تصرف لحظه * مرض أعل به القلوب وأمرضا فكأنه وجد الصبا وجديده * دينا دنا ميقاته أن يقتضى أسيان أثرى من جوى وصبابة * وأساف من وصل الحسان وأنقضا (1) ويروى – اسوان -. وقال أيضا هل أنت صارف شيبة إن غلست * في الوقت أو عجلت عن الميعاد جاءت مقدمة أمام طوالع * هذي ترا وحني وتلك تغادي وأخو الغبينة تاجر في لمة * يشرى جديد بياضها بسواد لا تكذبن فما الصبا بمخلف * لهوا ولا زمن الصبا بمعاد وأرى الشباب علي غضارة حسنه * وجماله عددا من الأعداد وقال أيضا أيثني الشباب أم ما تولى * منه في الدهر دولة ما تعود لا أرى العيش والمفارق بيض * إسوة العيش والمفارق سود وأعد الشقي جد ولو أعطي * غنما حتى يقال سعيد


(1) – أساف – الرجل إذا هلكت ابله

[ 77 ]

من عدته العيون وانصرفت عنه * إلتفاتا الى سواه الخدود وقال أيضا قد منى فما جري السقم إلا * في ضلوع على جوى الحب تحنى لو رأت حادث الخضاب لأنت * وأرنت من احمرار اليرني كلف البيض بالمعر قدرا * حين يكلفن والمصغر سنا يتشاغفن بالغرير المسمي * من تصاب دون الجليل المكني وقال أيضا أخي إن الصبا استمر به * سير الليالى فأنهجت برده تصد عني الحسان مبعدة * إذ أنا لاقربه ولا صدده شيب على المفرقين يارضه * يكثرني أن أبينه عدده تطلب عندي الشباب ظالمة * بعيد خمسين حين لا تجده لا عجب إن ملك خلتنا * فافتقد الوصل منك مفتقده من يتطاول على مطاولة العيش * تقعقع من ملة عمده [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. ورأيت الآمدي وقد أخطأ في معني البيت الأخير لانه قال معني يتقعقع من ملة عمده أي عظامه يجئ لها صوت إذا قام وقعد من كبره وضعفه قال وقوله – من ملة – أي من تملى العيش يريد طوله ودوامه ومنه تمليت حبيبك والأمر بخلاف ما توهمه ومعنى – تقعقع من ملة عمده – أي من تطاول عمره تعجل ترحله وانتقاله من الدنيا وكنى عن ذلك بتقعقع العمد وهذا مثل معروف للعرب يقولون من يتجمع يتقعقع عمده يريدون أن التجمع داعى التفرق وان الاجتماع يعقب ويورث ما يدعو الى الانتقال الذي يتقعقع معه العمد. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والآمدي مع كثرة ما يدعيه من التنقيب و التنقير على علوم العرب ان كان لم


[ 78 ]

يعرف هذا المثل ومعناه فهو طريف وان كان قد سمعه وجهل ان معني بيت البحترى يطابقه فهو أطرف. فأما قوله – من ملة – فانما أراد به من ملل وملة فعلة من الملل وكيف يكون من تملى العيش ولم يسمع في تمليت مله وهذا خطأ على خطأ. وقال البحترى ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا * دمعي بأول دمع في الهوى سفحا ولمة كنت مشغوفا بجدتها * فما عفا الشيب عنها لا ولا صفحا وقال أيضا وما أنس لا أنس عهد الشباب * وعلوة إذ عيرتني الكبر كواكب شيب علقن الصبا * فقللن من حسنه ما كثر وإني وجدت ولا يكذبن * سواد الهوي في بياض الشعر ولا بد من ترك إحدس اثنتين * إما الشباب وإما العمر قال الآمدي وعليه في قوله – ولا بد من ترك إحدى اثنتين – معارضة وهو أن يقال ان من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر فهو تارك لهما معا ومن شاب فقد فارق الشباب وهو مفارق للعمر لا محالة فهو أيضا تارك لهما جميعا. وقوله إما وإما لا توجب الا أحداهما قال والعذر للبحتري أن يقال ان من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر وحده لانه لا يعمر فيكون مفارقا للعمر ألا ترى أنهم يقولو عمر فلان إذا أسن وفلان لم يعمر إذا مات شابا ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب في حال موته لانه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له وانما يكون في حال موته مفارقا للعمر وحده فالى هذا ذهب البحترى وهو صحيح ولم يرد بالعمر المدة القصيرة التي يعمرها الانسان وانما أراد بالعمر ههنا الكبر كما قال زهير رأيت المنايا خبط عشوى فمن تصب * تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. وما رأيت أشد تهافتا في الخطأ منه فيما يفسره ويتكلم عليه من شعر هذين الرجلين ومعنى البيت غير ما تو همه وهو أظهر من


[ 79 ]

أن يخفى حتي يحتاج فيه إلى هذا التعليل والتعسف وانما أراد البحترى ان الانسان بين حالين إما أن يفارق الشباب بالشيب أو العمر بالموت فمن مات شابا وان كان قد خرج من العمر وخرج بخروجه عن سائر أحوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما فانه لم يفارق الشباب وحده وانما فارق العمر الذى فارق بمفارفته الشباب وغيره وقسمة الرجل تناولت أحد الأمرين إما مفارقة الشباب وحده بلا واسطة ولا يكون ذلك إلا بالشيب أو مفارقة العمر بالموت وتلخيص كلامه إنه لا بد للحي من شيب أو موت فكأن الشيب والموت متعاقبان والبحتري انما جعل قوله العمر مقام الحياة والبقاء وانما قال العمر لأجل القافية مع انه مبين عن مراده ولو قال ولا بد من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله العمر. أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني علي بن محمد الكاتب قال حدثنا احمد بن عبيد الله قال من معاني ابن الرومي التي فتقها قوله يذم من جعل مصيبة غيره مصيبته له وعاب من تعلل بالتأسي بما نال غيره وهو يرثي شبابه وأحسن يا شبابي وأين مني شبابي * آذنتني أيامه بانقضاب لهف نفسي علي نعيمي ولهوى * تحت أفنانه اللدان الرطاب ومعز عن الشباب مؤس * بمشيب اللدات والأصحاب قلت لما انتحى بعيد أساة * بمصاب شبابه كمصاب ليس تأسو كلوم غيرى كلومى * ما به ما به وما بي مابي ولابن الرومي لهفي على الدنيا وهل لهفة * تنصف منها إن تلهفتها قبحا لها قبحا علي أنها * أقبح شئ حين كشفتها وقد يعزيني شباب مضى * ولذة للعيش أسلفتها فكرت في خمسين عاما مضت * كانت أمامي ثم خلفتها


[ 80 ]

جهلتها إذ هي موفورة * ثم مضت عنى فعرفتها ففرحة الموهوب أعدمتها * و ترحة المسلوب ألحفتها لو أن عمرى مائة هدني * تذكري أني تنصفتها وله في هذا المعنى وقد تقدمت هذه الأبيات في الأمالي السالفة وقد أحسن فيها كل الإحسان كفى بسراج الشيب في للرأس هاديا * لمن قد أضلته المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي * لرامي المنايا تحسبني ناجيا غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه * لشخصي أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامي الليل يرمى ولا يرى * فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا (مجلس آخر 48) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون). فقال كيف جاءت أو بعد ما لا يجوز أن يعطف عليه وما الناصب لقوله تعالى (أو يتوب عليهم) وليس في ظاهر الكلام ما يقتضى نصبه. الجواب قلنا قد ذكر في ذلك وجوه. أولها أن يكون قوله (أو يتوب عليهم) معطوفا على قوله ليقطع طرفا والمعنى أنه تعالى عجل لكم هذا النصر ومنحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا أي قطعة منهم وطائفة من جمعهم أو يكبتهم ويغلبهم ويهزمهم فيخيب سعيهم وتكذب فيكم ظنونهم أو يغلبهم ما يرون من تظاهر آيات الله تعالى الموجبة لتصديق نبيه عليه الصلاة والسلام فيتوبوا ويؤمنوا فيقبل الله تعالى ذلك منهم ويتوب عليهم أو يكفروا بعد قيام الحجج وتأكيد البينات والدلائل فيموتوا أو يقتلوا كافرين فيعذبهم الله تعالى باستحقاقهم النار ويكون على هذا الجواب قوله


[ 81 ]

تعالى (ليس لك من الأمر شئ) معطوفا علي قوله تعالى (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) أي ليس لك ولا لغيرك من هذا الأمر شئ وانما هو من الله عز وجل. والجواب الثاني أن يكون أو بمعنى حتى وإلا أن والتقدير ليس لك من الأمر شئ حتى يتوب عليهم وإلا أن يتوب عليهم كما قال امرؤ القيس بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه * وأيقن أنا لاحقان بقيصرا (1) فقلت له لا تبك عيناك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا أراد إلا أن نموت فنعذرا وهذا الجواب يضعف من طريق المعني لأن لقائل أن يقول ان أمر الخلق ليس إلى أحد سوى الله تعالى قبل توبة العباد وعقابهم وبعد ذلك فكيف يصح أن يقول ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم حتي كأنه إذا كان أحد الأمرين كان إليه من الأمر شئ. ويمكن أن ينصر ذلك بأن يقال قد يصح الكلام إذا حمل على المعنى وذلك ان قوله (ليس لك من الأمر شئ) معناه ليس يقع ما تريده وتؤثره من ايمانهم وتوبتهم أو ما تريده من استئصالهم وعذابهم على اختلاف الرواية في معنى الآية وسبب نزولها إلا بأن يلطف الله لهم في التوبة فيتوب عليهم أو يعذبهم وتقدير الآية ليس يكون ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك إنما يكون ذلك الله تعالى. والجواب الثالث أن يكون المعنى ليس لك من الأمر شئ أو من أن يتوب الله عليهم فأضمر من اكتفاء بالأول وأضمر أن بعدها لدلالة الكلام عليها أو اقتضائه لها وهي مع الفعل الذى بعدها بمنزلة المصدر وتقدير الكلام ليس لك من الأمر شئ ومن توبتهم وعذابهم. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم


(1) قوله بكى صاحبي الخ. هو من قصيدته المشهورة ومطلعها سمالك شوق بعدما كان أبصرا * وحلت سليمى بطن قو فعرعرا قالها لما ذهب إلى قيصر يستنجده على بنى أسد بعد قتلهم أباه وعنى بقوله – صاحبي – عمرو ابن قميئة من قيس بن ثعلبة بن مالك رهط طرفة وهو قديم جاهلي كان مع حجر أبى امرئ القيس فلما خرج امرؤ القيس إلى الروم صحبه(11 – أمالى ثالث)

[ 82 ]

يطعن على هذا الجواب ويستبعده قال لان الفعل لا يكون محمولا على اعراب الاسم الجامد الذي لا تصرف له على إضمار أن مع الفعل لانه ليس من كلام العرب عجبت من اخيك ويقوم على معنى عجبت من أخيك ومن أن يقوم لأن أخاك اسم جامد محض لا يعطف عليه إلا ماشا كله قال هذا انما يستقيم ويصلح في رد الفعل الى المصدر كقولهم كرهت غضبك ويغضب أبوك على معني كرهت غضبك وان يغضب أبوك فيطرد هذا في المصادر لانها تؤل بأن فيقول النحويون يعجبني قيامك وتأويله يعجبني أن تقوم قال والاسم الجامد لا يمكن مثل هذا فيه. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وليس ما ذكره مستبعدا وان لم يضعف هذا الجواب إلا من حيث ذكر فليس بضعيف وذلك ان فيما امتنع منه مثل الذى أجازه لانه قد أجاز ذلك في المصادر وان لم يجزه في غيرها وقوله تعالى (ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم) فيه دلالة الفعل لان الأمر مصدر أمرت أمرا فكأنه تعالى قال ليس لك من أمرتهم أو تأمرهم شئ ولا من أن يتوبوا وجرى ذلك مجري قولهم كرهت غضبك ويغضب أبوك في رد الفعل الى المصدر والوجه الأول أقوى الوجوه والله أعلم بما أراد [ تأويل خبر ]. إن سأل سائل عن الخبر الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا تناجشوا ولا تدبروا وكل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه. الجواب قيل له أما النجش فهو المدح والاطراء. قال نابغة بني شيبيان يذكر الخمر وترخى بال من يشربها * ونفدى كزمها عند النجش (1)


(1) هو من قصيدة له مشهورة روى ان أبا كامل مولي الوليد بن يزيد غنى يوما بحضرته أمدح الكأس ومن أعملها * واهج قوما قتلونا بالعطش فسأل الوليد عن قائل هذا الشعر فقيل نابغة بنى شيبان فأمر باحضاره فاستنشده القصيدة فأنشده إياها وظن ان فيها مدحا له فإذا هو يفتخر بقومه ويمدحهم فقال له الوليد لو سعد جدك لكانت مديحا فينا لا في بنى شيبان ولسنا نخليك على ذلك من حظ ووصله

[ 83 ]

أي عند مدحها ومنه النجش في البيع وهو مدح السلعة والزيادة في ثمنها من غير إرادة لشرائها بل ليقتدى بالزائه في زيادته غيره وأصل النجش استخراج الشئ والتسعير. عنه قال بعض الفقعسيين أجرش لها يابن أبي كباش * فما لها الليلة من إنفاش غير السرى وسائق نجاش * اسمر مثل الحية الخشخاش ويروى الحشحاش – والنجاش – هو المستثير لسيرها والمستخرج لما عندها منه ومعني – أجرش لها – أي احد لها لتسمع الحداء فتسير وهو مأخوذ من الجرش وهو الصوت ومعنى


وانصرف. وأول هذه القصيدة قوله حل قلبي من سليمى نبلها * إذ رمتني بسهام لم تطش طفلة الأعطاف رؤد دمية * وشواها بختري لم يحش وكأن الدر في أخراصها * بيض كحلاء أقرته بعش ولها عينا مهاة في مهي * ترتعي نبت حزامي وتقش حرة الوجه رخيم صوتها * رطب تجنيه كف المنتقش وهي من الليل إذا ما عونقت * منية البعل وهم الفترس. ومنها أيها الساقي سقته مزنة * من ربيع ذى أهاضيب وطش أمدح الكاس ومن أعملها * وأهج قوما قتلونا بالعطش انما الكاس ربيع باكر * فإذا ما غاب عنا لم نعش وكأن الشرب قوم موتوا * من يقم منهم لأمر يرتعش خرس الألسن مما نالهم * بين مصروع وصاح منتعش من حميا قرقف حصية * قهوة حولية لم تمتحش ينفع المزكوم منها ريحها * ثم تنفي داءه إن لم تنش كل من يشربها يألفها * ينفق الأموال فيها كل هش

[ 84 ]

– الأنفاش – أراد انها لا تترك ترعي ليلا والنفش أن ترعي الابل ليلا وقد أنفشتها إذا أرسلتها ليلا ترعى – والخشخاش – الخفيف الحركة السريع التقلب. والنجش في البيوع يرجع معناه إلى هذا أيضا من الزيادة لان الناجش يستثير بزيادته في الثمن ومدحه السلعة الزيادة في ثمنها فيكون معنى الخبر على هذا لا تناجشوا أي لا يمدح أحدكم السلعة فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيده وقد يجوز أيضا أن يريد بذلك لا يمدح أحدكم صاحبه من غير استحقاق ليستدعى منفعته ويستثير فائدته وهذا المعنى أشبه بأن يكون مراده عليه الصلاة والسلام لأن قوله ولا تدابروا اشد مطابقة له. ومعني – لا تدابروا – أي لا تهاجروا ويولي كل واحد منكم صاحبه دبر وجهه. قال الشاعر وأوصى أبو قيس بأن تتوا صلوا * وأوصى أبوكم ويحكم أن تدابروا فكأنه قال عليه الصلاة والسلام لا تتلو بالمدح الذي ليس بمستحق ولا تهاجروا وتتقاطعوا. فأما قوله عليه الصلاة والسلام – كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه – فقد ذهب قوم إلى أن عرض الرجل انما هو سلفه من آبائه وأمهاته وما جرى مجراهم وذهب ابن قتيبة الى أن عرض الرجل عرض نفسه واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أهل الجنة فقال لا يبولون ولا يتغوطون انما هو عرق يجري من اعراضهم مثل المسك أي من ابدانهم قال ومنه قول أبي الدرداء أقرض من عرضك اليوم من قدفك أراد من شتمك فلا تشتمه ومن ذكرك بسوء فلا تذكره به ودع ذلك قرضا لك عليه ليوم الجزاء والقصاص. واحتج أيضا بحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أيعجز أحدكم أن يكون كأبى ضمضم كان إذا خرج من منزله قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك قال فمعناه قد تصدقت بنفسى وأحللت من يغتابني فلو كان العرض الاسلاف ما جاز أن يحل من سب الموتي لان ذلك إليهم لا إليه. قال ويدل على ذلك أيضا حديث سفيان بن عيينة لو أن رجلا أصاب من عرض رجل شتما ثم تورع من بعده فجاء الى ورثته بعد موته فأحلوه له لم يكن ذلك


[ 85 ]

كفارة له ولو أصاب من ماله شيئا ثم دفعه إلى ورثته لكنا نرى ان ذلك كفارة له قال ويدل على ان عرض الرجل نفسه قول حسان هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء (1) فإن أبي ووالده وعرضى * لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء * فشر كما لخير كما الفداء أراد فان أبي وجدي ونفسي وقاء لنفس محمد صلى الله عليه وسلم وقال آخرون وهو الصحيح لعرض موضع المدح والذم من الرجل فإذا قيل ذكر عرض فلان فمعناه ذكر ما يرتفع به أو ما يسقط بذكره ويمدح أو يذم به وقد يدخل في ذلك ذكر الرجل نفسه وذكر آبائه وأسلافه لان كل ذلك مما يمدح به ويذم والذي يدل على هذا ان أهل اللغة لا يفرقون في قولهم شتم فلان عرض فلان بين أن يكون ذكره في نفسه بقبيح الأفعال أو شتم سلفه واباه ويدل عليه قول المسكين الدرامي رب مهزول سمين عرضه * وسمين الجسم مهزول الحسب (2)


(1) روي انه لما انتهى إلى هذا البيت قال له النبي صلى الله عليه وسلم جزاؤك على الله الجنة يا حسان ولما انتهى إلى قوله * فان أبى ووالده وعرضى * الخ قال صلى الله عليه وسلم وقاك الله يا حسان حر النار ولما انتهى إلى قوله * أتهجوه ولست له بكفء * الخ قال من حضر هذا أنصف بيت قالته العرب. وقوله – فشركما لخيركما الفداء – قال السهيلي في ظاهر هذا اللفظ شناعة لأن المعروف أن لا يقال هو شرهما إلا وفي كلاهما شر وكذلك خير مثله ولكن سيبويه قال تقول مررت برجل شر منك إذا نقص عن أن يكون مثله وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأول ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام شر صفوف الرجال آخرها يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول كما قال سيبويه ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر والله أعلم (2) ذكر أبو على القالي العرض بأنواعه فتركنا كل ما لا يتعلق له بموضع البحث

[ 86 ]

فلو كان العرض نفس الانسان لكان الكلام متناقضا لان السمن والهزل يرجعان الى


فقال والعرض أيضا ما ذم من الانسان أو مدح يقال فلان نقى العرض أي هو برئ من أن يشتم أو يعاب واختلف فيه فقال أبو عبيدة عرضه آباؤه وأسلافه وخالفه ابن قتيبة فقال عرضه جسده واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في صفة أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون انما هو عرق يجرى من اعراضهم مثل المسك يعنى من أبدانهم ونصر شيخنا أبو بكر بن الانباري أبا عبيدة فقال ليس هذا الحديث حجة له لان الاعراض عند العرب المواضع التى تعرق من الجسد قال والدليل على غلط ابن قتيبة في هذا التأويل وصحة تأويل أبي عبيدة قول مسكين الدارمي رب مهزول سمين عرضه * وسمين الجسم مهزول الحسب فمعناه رب مهزول البدن والجسم كريم الآباء قال وأما احتجاجه بيت حسان بن ثابت فان أبى ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء في أن العرض الجسم فليس كما ذكر لان معناه فان أبي و والده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الأب ثم جمع الآباء كما قال الله عز وجل (ولقد آتيناك سبعا من الثاني والقرآن العظيم) فخص السبع ثم أتي بالقرآن العام بعد ذكره إياها والذي قاله ابن قتيبة قد قاله غيره ويمكن أن ينصر ابن قتيبة بيت مسكين ومعناه رب مهزول الجسم سمين الحسب أي عظيم الشرف وسمين الجسم مهزول الحسب أي ضعيف الشرف اه‍ قلت وبعد بيت مسكين المتقدم أكسبته الورق البيض أبا * ولقد كان لا يدعي لأب – الورق – بفتح الواو وكسر الراء وهي الدراهم المضروبة وكذلك الرقة والهاء عوض عن الواو وقوله – ولا يدعى لأب – أي ولا ينتسب من الدعوة بكسر الدال. المعنى انه كان مجهول النسب ولم يكن له أب يدعي إليه فلما أعطي ما لا ظهر له نسب واشتهر له أب يدعى إليه. وقوله – ولقد كان – الواو للحال واللام للتأكيد وقد للتحقيق وكان تامة فلا تحتاج الى خبر. وقوله – ولا يدعى لأب – جملة وقعت حالا أيضا وهى مضارع منفى جاء بالواو وهو قليل والأكثر مجيئه بلا واو

[ 87 ]

شئ واحد وانما أرادت مهزول كريمة أفعاله أو كريم آباؤه وأسلافه وقد قال ابن عبدل الأسدى وإني لأستغني فما أبطر الغنى * وأبذل ميسوري لمن يبتغي قرضي واعسر أحيانا فتشتد عسرتي * وادرك ميسور الغنى ومعي عرضى ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه وجدت أبا بكر ابن الانباري قدرد على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به فقال في الحديث المروى عنه عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الجنة ان المراد بالاعراض مغابن الجسد. وحكى عن الأموي أنه قال الاعراض المغابن التى تعرق من الجسد نحو الابطين وغيرهما وقال في حديث أبي الدرداء معناه من عابك وذكر أسلافك فلا تجازه ليكون الله تعالى هو المثيب لك. وقال في قول أبي ضمضم معناه انه أحل من أوصل إليه أذى بذكره وذكر آبائه فلا يحل إلا من أمره إليه. وقال في قول حسان المراد بعرضه أيضا أسلافه فكأنه قال ان أبي ووالده وجميع أسلافي الذين أمدح وأذم من جهتهم وقاءله عليه الصلاة والسلام فأتى بالعموم بعد الخصوص كما قال الله تعالى (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) فأتي بالعموم بعد الخصوص ولم أجده ذكر في خبر سفيان بن عيينة شيئا وتأويله يقرب من تأويل خبر أبي ضمضم لأن من آذى رجلا بسبه في نفسه أو سب سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الاحلال من ذلك لأن الأذي لم يدخل عليهم ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لم يصح على ان الاحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه وهل يسقط باسقاط مستحقه أم لا فيه كلام ليس هذا موضعه وقد ذكرناه في مواضع. وبعد فلو سلم لابن قتيبة ان المراد بالعرض في كل المواضع التي ذكرناها النفس دون السلف أو سلم له ذلك في بيت حسان خاصة فانه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه لانا لم نقل ان العرض مقصور على سلف الاسلام بل ذكرنا انه موضع الذم والمدح من الانسان ولا فرق


[ 88 ]

بين سلفه ونفسه فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا وانما ينفع ابن قتيبة أن يأتي بما يدل على ان العرض لا يستعمل إلا في النفس دون السلف وكل شئ ورد مما المراد بالعرض فيه النفس أو المراد به السلف فهو مؤكد لقولنا في ان هذه اللفظة مستعملة في موضع الذم والمدح من الانسان وانما يكون ما استشهدنا به وما جرى مجراه مما يدل على استعمال لفظة العرض في السلف حجة على ابن قتيبة لانه قصر معناها على النفس والذات دون السلف وهذا واضح بين بحمد الله. أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانى قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال كان أبو عبيدة معمر بن المثنى صفريا وكان يكتم ذلك فأنشد لعمران بن حطان (1) أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه * ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إما تكن ذقت كأسا دار أولها * على القرون فذاقوا نهلة الكاس قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست * نفسي فما رد عنى عبرتي ياسي وأخبرنا أبو عبيدالله المرزباني قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا الاسناباذاني قال قال الثوري كنت إذا أردت أن أبسط أبا عبيدة ذكرته بأخبار الخوارج فباعج منه ثبج بحر فجئته يوما وهو مطرق ينكث الأرض في صحن المسجد وقد قربت منه الشمس


(1) وهو أحد بني ذهل بن ثعلبة وكان رأس القعدة من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم وهذه الأبيات يرثى بها أبا بلال وهو مرداس بن ادية وهي جدته وأبوه حدير وهو أحد بنى ربيعة بن حنظلة ورواية أبى العباس يا عين بكي لمرداس ومصرعه * يا رب مرداس اجعلني كمرادس تركتني هائما أبكى لمرزأتي * في منزل موحش من بعد إيناس أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه * ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إما شربت بكأس دار أولها * على القرون قذاقوا جرعة الكاس فكل من لم يذقها شارب عجلا * منها بأنفاس ورد بعد أنفاس

[ 89 ]

فسلمت عليه فلم يرد فتمثلت وما للمرء خير في حياة * إذا ماعد من سقط المتاع والبيت لقطري بن الفجاءة فنظر إلى ثم وقال ويحك أتدرى من يقوله قلت قطرى فقال اسكت فض الله فاك فإلا قلت أمير المؤمنين أبو نعامة ثم انتبه فقال اكتمها على يا ثورى فقلت هي ابنة الأرض فأنشدني أقول لها وقد جاشت حياء * من الأبطال ويحك لا تراعي فإنك لو طلبت حياة يوم * على الأجل الذي لك لم تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع وما طول الحياة بثوب مجد * فيطوى عن أخى الخنع اليراع سبيل الموت منهج كل حى * وداعيه لأهل الأرض داع ومن لم يغتبط يسأم ويهرم * ويفض به القضاء إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة * إذا ماعد من سقط المتاع (1)


(1) رواية الحماسة أقول لها وقد طارت شعاعا * من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم * على الأجل الذى لك لم تطاعى فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع وما ثوب الحياة بثوب عز * فيطوى عن أخى الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حى * فداعيه لأهل الأرض داعى ومن لا يغتبط يسأم ويهرم * وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة * إذا ماعد من سقط المتاع(12 – أمالى ثالث)

[ 90 ]

فكتبتها وقمت لأنصرف فقال اقعد ثم أنشدني إلى كم تغازينى السيوف ولا أرى * مغازاتها تدعو إلي حماميا أقارع عن دار الخلود ولا أرى * بقاء على حال لمن ليس باقيا ولو قرب الموت القراع لقد أني * لموتي أن يدنو لطول قراعيا أغادى جلاد العالمين كأنني * على العسل الماذي اصبح غاديا وادعو الكماة للنزال إذا القنا * تحطم فيما بيننا من طعانيا ولست أرى نفسا تموت وإن دنت * من الموت حتي يبعث الله داعيا فقال ابن دريد وهذا الشعر أيضا لقطرى. أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال جئت أبا عبيدة يوما ومعي شعر عروة بن الورد فقال فارغ حمل شعر فقير ليقرأ على فقير فقلت ما معي غيره فأنشدني أنت ما شئت فأنشدني يا رب ظل عقاب قد وقيت به * مهري من الشمس والأبطال تجتلد ورب يوم حمى أرعى عقوته * خيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد ويوم لهو لأهل الخفض ظل به * لهوى اصطلاء الوغا إذ ناره تقد مشهرا موقفي والحرب كاشفة * عنها القناع وبحر الموت يطرد ورب هاجرة تغلى مراجلها * صخرتها بمطايا غارة تخد تجتاب أودية الأفراع آمنة * كأنها أسد يقتادها أسد فإن أمت حتف نفسي لا أمت كمدا * على الطعان وقصر العاجز الكمد ولم أقل لم أساق القتل شاربه * في كأسه والمنايا ترع ورد


[ 91 ]

ثم قال لي هذا الشعر لا ما تعللون به نفوسكم من أشعار المخانثين والشعر لقطري. أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانى قال حدثنا محمد ابن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال كان أبو عبيدة يأنس إلي في أول ما اختلفت إليه ويسألني عن خوارج سجستان لانه كان يظنني على رأيهم وكنت أو همه أننى منهم فنالتني منه لذلك عناية خاصة فكان كثيرا ينشدني أشعارهم ثم يتمثل أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا قال وأنشدني يوما لرجل من طئ من الخوارج لا كابن ملحان من شار أخي ثقة * أو كابن علقمة المستشهد الشارى من صادق كنت أصفيه مخالصتي * فباع داري بأغلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأحذرهم * أشكو إلى الله إخواني وإحذارى فصرت صاحب دنيا لست أملكها * وصار صاحب جنات وأنهار مجلس آخر 49 [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان). فقال ما اليد التى أضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادعوا أنها مغلوة فما نرى ان عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربه يدا مغلولة واليهود تتبرأ من أن يكون منها قائل بذلك وما معنى الدعاء عليهم بغلت أيديهم وهو تعالى ممن لا يصح أن يدعو على غيره لانه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء وإنما يدعو الداعي بما لا يتمكن من فعله طلبا له. الجواب قلنا يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضى تناهي مقدوره فجرى ذلك مجرى أن يقولوا ان يده مغلولة لان عادة الناس جارية بأن يعبروا بهذه العبارة عن هذا المعنى فيقولون يد فلان منقبضة


[ 92 ]

عن كذا، وكذا ويده لا تنبسط إلي كذا إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور ويشهد بذلك قوله تعالى في موضع آخر (لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء) ثم قال تعالى مكذبا لهم (بل يداه مبسوطتان) أي انه لا يعجزه شئ وثنى اليدين تأكيدا للأمر، وتفحيما له ولان ذلك أبلغ في المعني المقصود من أن يقول بل يده مبسوطة. وقد قيل أيضا إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل واستبطئوا فضله ورزقه وقيل انهم قالوا على سبيل الاستهزاء ان إله محمد الذي أرسله، يداه الى عنقه إذ ليس يوسع عليه وعلى أصحابه فرد الله قولهم وكذبهم بقوله: (بل يداه مبسوطتان) واليد ههنا الفضل والنعمة وذلك معروف في اللغة متظاهر في كلام العرب وأشعارهم ويشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) ولا معنى لذلك إلا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة في الحقوق وترك الاسراف إلى القصد والتوسط ويمكن أن يكون الوجه في تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة لان الكل وإن كانت نعما لله فمن حيث اختص كل واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان وقبيلان ويمكن أيضا أن يكون تثنية النعمة أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة. فأما قوله تعالى (غلت أيديهم) ففيه وجوه. أولها أن لا يكون ذلك على سبيل الدعاء بل على وجه الاخبار منه عز وجل عن نزول ذلك بهم، وفي الكلام ضمير وقد قيل قوله (غلت أيديهم) وموضع غلت نصب على الحال كأنه تعالى قال وقالت اليهود كذا وكذا في حال ما غل الله تعالى أيديهم ولعنهم أو حكم بذلك فيهم ويسوغ إضمار قد ههنا كما ساغ في قوله عز وجل (إن كان قمصيه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قيمصه قد من دبر فكذبت) والمعني وقد صدقت وقد كذبت. وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلت أيديهم أو وغلت أيديهم فأضمر تعالى الفاء والواو لان كلامهم ثم واستؤلف بعده كلام آخر ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجري مجرى هذا الموضع من ذلك قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) أراد فقالوا أتتخذنا هزوا، فأضمر تعالى الفاء لتمام كلام موسى عليه الصلاة والسلام


[ 93 ]

ومنه قول الشاعر لما رأيت نبطا أنصارا * شمرت عن ركبتي ألإزارا * كنت لها من النصارى جارا أراد وكنت لها فأضمر الواو. وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب فكأنه تعالى وقفنا على الدعاء عليهم وعلمنا ما ينبغى أن نقول فيهم كما علمنا الاستثناء في غير هذا الموضع بقوله (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وكل ذلك واضح والمنة لله [ تأويل خبر ]. إن سأل سائل عن الخبر الذي روى عنه عليه الصلاة والسلام انه قال لعن الله السارق يسرق البيضه فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. الجواب قلنا قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس فالخوارج تتعلق به وتدعى ان القطع يجب في القليل والكثير ويستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالي (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشكاك ويدعون انه مناقض للرواية المتضمنة انتفاء القطع إلا في ربع دينار ونحن نذكر ما فيه. فأول ما نقوله إن الخبر مطعون فيه عند أصحاب الحديث وعلى اسناده أيضا طعن وقد حكى ابن قتيبة في تأويله وجها عن يحيي بن أكثم طعن عليه وضعفه وذكر عن نفسه وجها آخر نحن نذكرهما وما فيهما ونتبعهما بما نختاره. قال ابن قتيبة كنت حضرت يوما مجلس يحيي بن أكثم بمكة فرأيته يذهب إلى أن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس في الحرب وان الحبل من حبال السفن قال وكل واحد من هذين يبلغ ثمنه دنابير كثيرة. قال ورأيته يعجب بهذا التأويل ويبدى فيه ويعيد ويرى أنه قطع به حجة الخصم. قال ابن قتيبة وهذا انما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنابير وحبل لا يقدر السارق على حمله ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرر في عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك وإنما العادة جارية


[ 94 ]

بان يقال لعنة الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو أداوة خلق أو كبة شعر فكل ما كان من ذلك حقير كان أبلغ. قال والوجه في الحديث ان الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم (والسارق والسارقة) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده على ظاهر ما أنزل عليه في ذلك الوقت ثم أعلمه الله تعالي بعد ان القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه ولم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم من حكم الله تعالي إلا ما أعلمه الله تعالى ولا كان الله يعرفه ذلك جملة بل يبين له شيئا بعد شئ. [ قال المرتضي ] رضى الله عنه ووجدت أبا بكر الانباري يقول ليس الذى ذكر ابن قتيبة على تأويل الخبر بشئ قال لأن البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن ونهاية علو القيمة فتجري مجرى العقد من الجوهر والجراب من المسك الذين يساويا الالوف من الدنابير والبيضة من السلاح ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غناء له به لان البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد والجوهر والمسك في اليسير منهما غناء. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والذى نقوله ان ما طعن به ابن الانباري على كلام ابن قتيبة متوجه وليس في ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظن فيشبه العقد والجراب من المسك غير انه يبقى في ذلك أن يقال أي وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر وليس هما النهاية في التقليل وان كان كما ذكره ابن الانباري من ان المعنى انه ليسرق ما لا يستغنى به فليس ذكر ذلك بأولى من غيره فلابد من ذكر وجه في ذلك. وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالي (والسارق والسارقة) لان الآية مجملة مفتقرة الى بيان ولا يجوز أن يحملها أو يصرفها الي بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة على ان أكثر من قال ان الآية مجملة وان ظاهر القول يقتضي العموم ويذهب إلى ان تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها فكيف يصح ما قاله ابن الانباري ان الآية تقدمت ثم تأخر تخصيص السارق ولو كان ذلك كما ظن لكان المتأخر ناسخا للأول وعلى تأويله هذا يقتضى أن يكون كل الخبر منسوخا وإذا أمكن تأويل أخباره عليه الصلاة والسلام على ما لا يقتضى


[ 95 ]

رفع أحكامها ونسخها كان أولى. والأشبه أن يكون المراد بهذا الخبران السارق يسرق الكثير الجليل قتقطع يده ويسرق الحقير القليل فتقطع يده فكأنه تعجيز له وتضعيف لاختياره من حيث باع يده بقليل الثمن كما باعها بكثيره. وقد حكى أهل اللغة ان بيضة القوم وسطهم وبيضة الدار وسطها وبيضة السنام شحمته وبيضة الصيف معظمة وبيضة البلد الذى لا نظير له وان كان قد يستعمل ذلك في المدح والذم على سبيل الاضداد وإذا استعمل في الذم فمعناه ان الموصوف بذلك حقير مهين كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة ولا تلتفت إليها فمما جاء من ذلك في المدح قول أخت عمرو ابن عبدود ترثيه (1) وتذكر قتل أمير المؤمنين عليه السلام إياه وقيل إن الأبيات لامرأة من العرب غير أخته لو كان قاتل عمرو غير قاتله * لكنت أبكى عليه آخر الأبد لكن قاتله من لا يعاب به * قد كان يدعى قديما بيضة البلد


(1) عمرو بن عبدود هذا من بني عامر بن لؤى خرج في فرسان من قريش منهم عكرمة بن أبي جهل و هبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب في غزوة الخندق فتيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه فجعلت بهم في السبخة بين سلع والخندق وخرج على بن أبي طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين حتي أخذ عليهم الثغرة التى اقتحموا منها خيلهم فقال لعمرو بن عبدود يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش الي خلتين إلا أخذت منه احداهما قال أجل قال له على فإنى أدعوك إلى الله عز وجل والى رسوله والي الاسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإنى أدعوك إلى النزال قال ولم يابن أخى فوالله ما أحب أن أقتلك قال علي ولكني والله أحب أن أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه ثم أقبل على على فتنازلا وتجاولا فقتله على عليه السلام وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان الدارى ونوفل بن عبد الله بن المغيرة

[ 96 ]

وقال آخر في المدح كانت قريشا بيضة فتفلقت * فالمخ خالصة لعبد مناف وقال آخر الذم تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا * وابنا نزار فأنتم بيضة البلد أراد أن تعرف فأسكن. وقال آخر في ذلك لكنه حوض من أودى بإخوته * ريب الزمان فأمسي بيضة البلد (1) فقد صار معنى البيضة كله يعود الى التفخيم والتعظيم. وأما الحبل فيذكر على السبيل المثل والمراد المبالغة في التحقير والتقليل كما يقول القائل ما أعطاني فلان إلا عقالا وما ذهب من فلان عقال ولا تساوى كذا نقيرا كل ذلك على سبيل المثل والتقليل وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة وإذا كان على هذا تأويل الخبر زال عنه المناقضة التى ظنت وبطلت شبهة الخوارج في ان القطع يجب في القليل والكثير. أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني أبو عبيد الله الحكيمي قال حدثنى يموت بن المزرع قال حدثنى أبو وهب على بن ثابث قال قال الأصمعي تصرفت بالأسباب على باب الرشيد مؤملا بالظفر به والوصول إليه حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا فإنى في ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال أما بالحضرة أحد يحسن الشعر فقلت الله أكبر رب قيد مضيقه قد حله التيسير فقال لي الخادم ادخل فلعلها أن تكون ليلة تغرس في صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عنده


(1) وقبله لو كان حوض حمار ما شربت به * إلا باذن حمار آخر الأبد لكنه حوض من أودى باخوته ريب الزمان فأمسى بيضة البلد لو كان يشكي إلى الأموات ما لقى الاحياء * بعدهم من شدة الكمد

[ 97 ]

فدخلت فواجهت الرشيد في بهوة والفضل بن يحيى الى جانبه فوقف بي الخادم بحيث يسمع التسليم فسلمت فرد السلام ثم قال يا غلام أرجه قليلا ليفرخ روعه ان كان قد وجد للروعة حسا فدنيت قليلا ثم قلت يا أمير المؤمنين إضاءة مجدك وبهاء كرمك مجيران لمن نظر اليك من اعتراض أذية فقال ادن فدنوت فقال أشاعر أم رواية فقلت رواية لكل ذى جد وهزل بعد أن يكون محسنا فقال تالله ما رأيت ادعاء أعم فقلت أنا على الميدان فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين فقال قد أنصف القارة من راماها ثم قال ما معنى هذه الكلمة بديا قال قلت فيها قولان القارة هي الحرة من الأرض وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة والملك إذ أبو حسان فواقف عسكره عسكر السعد فخرج فارس من السعد قد وضع سهمه في كبد قوسه فقال أين رماة العرب فقالت العرب أنصف القارة من راماها (1) فقال لي الرشيد أصبت ثم قال


(1) القارة قبيلة وهم عضل والديش أبناء الهون بن خزيمة وانما سموا قارة لالتفاقهم واجتماعهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة وقريش قال شاعرهم دعونا قارة لا تنفرونا * فنجفل مثل إجفال الظليم وهم رماة الحدق في الجاهلية وهم اليوم في اليمن ويزعمون ان رجلين إلتقيا أحدهما قاري والآخر أسدي فقال القاري ان شئت صارعتك وان شئت سابقتك وان شئت راميتك فقال الآخر قد اخترت المراماة فقال الأسدي قد اخترت المراماة فقال القاري قد أنصفتني وأنشد قد أنصفت الفارة من راماها * إنا إذا ما فئة نلفاها * نرد أولاها على أخراها * ثم انتزع له سهما وشك فؤاده. وانما قيل أنصف القارة من راماها في حرب كانت بين قريش وبين بكر بن عبد مناف بن كنانة وكانت كنانة مع قريش وهم قوم رماة فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون فقيل قد أنصفهم هؤلاء إذ ساووهم في العمل الذي هو شأنهم وصناعتهم (13 – أمالى ثالث)

[ 98 ]

أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا فقلت هما شاهدان لك بالقوا في وان غيبا عن بصرك بالأشخاص فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال أنشدني * أرقني طارق هم طرقا * فمضيت فيها مضى الجواد في متن ميدانه تهدر بها أشداقي فلما صرت الى مديحه لبنى أمية ثنيت لساني الي امتداحه للمنصور في قوله * قلت لزير لم تصله مزيمه * فلما أراني قد عدلت من أرجوزة الى غيرها قال أعن حيرة أم عن عمد قلت عن عمد تركت كذبه الى صدقه فيها وصف به المنصور من مجد فقال الفضل أحسنت بارك الله عليك مثلك يؤهل لهذا المجلس فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد أتروي كلمة عدى بن الرقاع * عرف الديار توهما فاعتادها قلت نعم قال هات فمضيت فيها حتى صرت إلى وصف الجمل قال لى الفضل ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به السهر من ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب فقال له الرشيد اسكت فالابل هي التي أخرجتك من دارك واستلبت تاج ملكك ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ثم ضربت بها أنت وقومك فقال الفضل لقد عوقبت على غير ذنب الحمد لله فقال الرشيد أخطأت الحمدلله على النعم ولو قلت أستغفر الله كنت مصيبا ثم قال لي امض في أمرك فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله تزجى أغن كأن إبرة روقه * قلم أصاب من الدواة مدادها استوى جالسا ثم قال لي أتحفظ في هذا ذكرا قلت نعم ذكرت الرواة ان الفرزدق قال كنت في المجلس وجرير إلى جانبى فلما ابتدأ عدي في قصيدته قلت لجرير مسرا إليه هلم نسخر من هذا الشامي فلما ذقنا كلامه يئسنا منه فلما قال تزجى أغن كأن إبرة روقة


[ 99 ]

وعدى كالمستريح فقال جرير إذا تراه يستلب بها مثلا قال الفرزدق يالكع انه يقول قلم أصاب من الدواة مدادها فقال جرير كأن سمعك مخبو في صدره فقال لي اسكت شغلنى سبك عن جيد الكلام (1) فلما بلغ إلى قوله ولقد أراد الله إذ ولا كها * من أمة إصلاحها ورشادها قال الأصمعى قال لي الرشيد ما تراه قال حين أنشده الشاعر هذا البيت فقلت قال كذاك أراد الله فقال الرشيد ما كان في جلالته يقول هذا أحسبه قال ما شاء الله قال وكذا جاءت الرواية فلما أتيت على آخرها قال لى أتروي لذي الرمة شيئا قلت الأكثر قال فماذا أراد بقوله ممر أمرت فتله أسدية * ذراعية حلالة بالمصانع قلت وصف حمار وحش أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله وتشابكت فروعه عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد في الذراع فقال الرشيد أرخ فقد وجدناك ممتعا وعرفناك محسنا ثم قال إنى لأجد ملالة ونهض فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله وكانت عربية فقال الرشيد عقرتني يا غلام فقال الفضل قاتل الله الأعاجم أما انها لو كانت سندية لما احتجت الى هذه الكلفة فقال الرشيد هذه نعلي ونعل آبائي كم تعارض فلا تترك من جواب ممض ثم قال يا غلام تأمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم


(1) وقال أبو العباس يروي ان جريرا دخل إلى الوليد وابن الرقاع العاملي عنده ينشده القصيدة التى يقول فيها غلب المساميح الوليد سماحة * وكفى قريش المعضلات وسادها قال جرير فحسدته على أبيات منها حتى أنشد في صفة الظبية * تزجي أغن كأن إبرة روقه * الخ قال فقلت في نفسي وقع والله ما يقدر أن يقول أو يشبه به قال فقال * قلم أصاب من الدواة مدادها * قال فما قدرت حسدا له أن أقيم حتى الصرفت

[ 100 ]

على هذا الرجل في ليلته هذه ولا يحجب في المستأنف فقال الفضل لو لا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به وقد أمرت به إلا ألف درهم فتلقى الخادم صباحا. قال الأصمعى فما صليت غد إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم (مجلس آخر 50) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ألله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور). فقال أليس ظاهر هذه الآية يقتضى أنه هو الفاعل للايمان فيهم لأن النور ههنا كناية عن الايمان والطاعات والظلمة كناية عن الكفر والمعاصي ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه وإذا كان مضيف الاخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين وهذا خلاف مذهبكم. الجواب قلنا أن النور والظلمة المذكوران في الآية جائز أن يكون المراد بهما الايمان والكفر وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار والثواب والعقاب فقد تصح الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بانه نور وعن العقاب في النار بأنه ظلمة فإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغت اضافة اخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى لانه لا شبهة في انه عز وجل هو المدخل للمؤمن الجنة والعادل به عن طريق النار والظاهر بما ذكرناه أشبه لانه يقتضى أن المؤمن الذى ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور ولو حمل على الايمان والكفر لتناقض المعنى ولصار تقدير الكلام أنه يخرج المؤمن الذى قد تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلى الايمان وذلك لا يصح وإذا كان الكلام يقتضى الاستقبال في اخراج من ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر على أنا لو حملنا الكلام على الايمان والكفر لصح ولم يكن مقتضيا لما توهموه ويكون وجه اضافة الاخراج إليه تعالى وان لم يكن الايمان من فعله من حيث بين ودل وأرشد ولطف وسهل وقد علمنا أنه لو لا هذه الامور لم يخرج المكلف من الكفر إلى الايمان فيصح اضافة الاخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من


[ 101 ]

جهته وعلى هذا يصح من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغبه في ذلك وعرفه ما فيه من الصلاح والنفع أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني وأنا أخرجته من كذا وأنتشته منه ويكون وجه الاضافة ما ذكرناه من الترغيب وتقوية الدواعى ألا ترى انه تعالى قد أضاف اخراجهم من النور إلى الظلمات ومن الايمان الي الطاغوت وان لم يدل ذلك على ان الطاغوت هو الفاعل للكفر في الكفار بل وجه الاضافة ما تقدم لان الشياطين يغوون ويدعون الي الكفر ويزينون فعله فتصح اضافته إليهم من هذا الوجه والطاغوت هو الشيطان وحزبه وكل عدو الله تعالى صد عن طاعته وأغرى بمعصيته يصح إجراء هذه التسمية عليه فكيف اقتضت الاضافة الاولي أن الايمان من فعل الله تعالي في المؤمن ولم تقتض الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشياطين في الكفار لو لا بله المخالفين وغفلتهم. وبعد فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين وناصرا لهم على ما اقتضته الآية والايمان من فعله تعالي لا من فعلهم ولما كان خاذلا للكافرين ومضيفا لولا يتهم الي الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم ولما فصل بين الكافر والمؤمن في باب الولاية وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما ومثل هذا لا يذهب على أحد ولا يعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه. أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانى قال قال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد الله بن البطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال قال عبد الملك بن مسلم كتب عبد الملك بن مروان الى الحجاج انه لم يبق شئ من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه ولم يبق لى من لذة الدنيا إلا مناقلة الاخوان الأحاديث وقبلك عامر الشعبى فابعث به إلى يحدثنى فدعا الحجاج بالشعبي وجهزه وبعث به إليه وأطراه في كتابه فخرج الشعبى حتي إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب استأذن لى قال ومن أنت قال عامر الشعبى قال حياك الله ثم نهض وأجلسه على كرسيه فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال ادخل قال فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسى وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية على كرسي فسلمت فرد السلام ثم أومأ الى بقضيبه فقعدت عن يساره ثم أقبل على الذى بين يديه فقال ويحك من أشعر الناس قال أنا يا أمير المؤمنين


[ 102 ]

فأظلم على ما بينى وبين عبد الملك ولم أصبر أن قلت ومن هذا يا أمير المؤمنين الذى يزعم أنه أشعر الناس فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألنى عن حالى ثم قال هذا الأخطل قلت يا أخطل أشعر منك الذي يقول هذا غلام حسن وجهه * مقتبل الخير سريع التمام للحارث الأكبر والحارث * الأصغر والحارث خير الأنام خمسة آباؤهم ما هم هم * خير من يشرب صوب الغمام (1) فقال عبد الملك ردها على فرددتها حتى حفظها فقال الأخطل من هذا يا أمير المؤمنين فقال هذا الشعبي قال صدق والله النابغة أشعر منى. قال الشعبي ثم أقبل على عبد الملك فقال كيف أنت يا شعبي قلت بخير لا زلت به ثم ذهبت لأصنع معاذيري لما كان من خلافي على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال مه فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منافى قول ولا فعل حتى تفارقنا ثم أقبل على فقال في النابغة قلت يا أمير المؤمنين قد فضله عمر بن الخطاب في غير موطن على جميع الشعراء وذاك أنه خرج يوما وببابه وفد غطفان فقال يا معاشر غطفان أي شعرائكم الذى يقول حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء الله للمرء مذهب ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب لأنك شمس والملوك كواكب * إذا طلعت لم يبد منهن كوكب لئن كنت قد بلغت عني خيانة * لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذب


(1) وروى ان الشعبي لما أنشد هذه الأبيات قال الأخطل ان أمير المؤمنين انما سألني عن أشعر أهل زمانه ولو سألني عن أشعر أهل الجاهلية لكنت حريا أن أقول كما قلت

[ 103 ]

قالوا النابغة قال فأيكم الذي يقول فإنك كالليل الذى هو مدركى * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع خطا طيف جحن في حبال متينة * تمد بها أيد اليك نوازع قالوا النابغة قال أيكم الذي يقول إلى ابن مخرق أعملت رحلى * وراحلتي وقد هدت العيون أتيتك عاريا خلق ثيابي * على خوف تظن بي الظنون فألفيت الأمانة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون قالوا النابغة قال هذا أشعر شعرائكم. ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال أتحب أن لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب أو تحب إنك قلته فقال لا والله إلا أنى وددت أني كنت قلت أبياتا قالها رجل منا كان والله مغدف القناع قليل السماع قصير الذراع قال وما قال فأنشده إنا محيوك فاسلم أيها الطلل * وإن بليت وإن طالت بك الطيل ليس الجديد به تبقى بشاشته * إلا قليلا ولا ذو خلة يصل والعيش لا عيش إلا ما تقر به * عين ولا حال إلا سوف ينتقل إن ترجعي عن أبي عثمان منجحة * فقد يهون على المستنجح العمل (1)


(1) أبو عثمان هو عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاصي بن عبد شمس بن عبد مناف. وقال مصعب الزبيري هو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وكان عبد الواحد واليا في المدينة لمروان بن محمد هكذا في خزانة الأدب وهذا الأخير لا يخفى انه غلط لأن القصة وقعت مع عبد الملك بن مروان بنفسه فكيف يكون عبد الواحد واليا لابن ابنه ومروان بن محمد أيضا هو آخر ملوك بني أمية ومن القصيدة أهل المدينة لا يحزنك شأنهم * إذا تخطأ عبد الواحد الأجل

[ 104 ]

والناس من يلق خيرا قائلون له * ما يشتهى ولام المخطل الهبل قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل قال الشعبي فقلت قد قال القطامى أفضل من هذا قال وما قال قلت قال طرقت جنوب رحالنا من مطرق * ما كنت أحسبه قريب المعنق (1)


أما قريش فلن تلقاهم أبدا * إلا وهم خير من يحفى وينتعل ألا وهم جبل الله الذي قصرت * عنه الجبال فما سوى به جبل قوم هم ثبتوا الاسلام وامتنعوا * رهط الرسول الذى ما بعده رسل من صالحوه رأى في عيشه سعة * ولا يرى من أرادوا ضره يئل كم نالنى منهم فضلا على عدم * إذ لا أكاد من الإقنار أحتمل وكم من الدهر ما قد ثبتوا قدمي * إذ لا يزال مع الأعداء ينتضل فما هم صالحوا من ينتقى عنتي * ولا هم كدروا الخير الذي فعلوا هم الملوك وأبناء الملوك لهم * والآخذون به والساسة الاول (1) وبعده قطعت اليك بمثل جيد جداية * حسن معلق تو متيه مطوق ومصر عين من الكلال كأنما * سمر والغبوق من الرحيق المغبق متوسدين ذراع كل نجيبة * ومفرج عرق المقد منوق وجئت على ركب تهديدها الصفا * وعلى كلا كل كالنقيل المطرق وإذا سمعن الى هما هم رففة * ومن النجوم غوائر لم تلحق جعلت تميل خدودها آذانها * طربا بهن الى حداء السوق كالمنصتات إلى الغناء سمعنه * من رائع لقلوبهن مشوق وإذا نظرن الى الطريق رأينه * كهفا كشاكلة الحصان الأبلق وإذا تخلف بعدهن لحاجة * حاد يشعشع نعله لم يلحق وإذا يصيبك والحوادث جمة * حدث حداك إلى أخيك الأوثق ليت الهموم عن الفؤاد تفرقت * وخلى التكلم للسان المطلق

[ 105 ]

حتى أتيت إلى آخرها فقال عبد الملك بن مروان ثكلت القطامي أمه هذا والله الشعر قال فالتفت الي الأخطل فقال يا شعبى إن لك فنونا في الأحاديث وإن لنا فنا واحد فإن رأيت أن لا تحملني على أكتاف قومك فادعهم حرضا قلت لا أعرض لك في شئ من الشعر أبدا فأقلني هذه المرة فقال من يكفل بك قلت أمير المؤمنين فقال عبد الملك هو على أن لا يعرض لك أبدا. ثم قال يا شعبى أي شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء قلت خلساء قال ولم فضلتها على غيرها قلت لقولها وقائلة والنعش قذفات خطوها * لتذركه يا لهف نفس على صخر ألا ثكلت أم الذين غدوا به * إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر فقال عبد الملك أشعر منها والله ليلى الأخيلية حيث تقول مهفهف الكشح والسربال منخرق * عنه القميص لسير الليل محتقر لا يأمن الناس ممساه ومصبحه * في كل حي وإن لم يغز ينتظر ثم قال يا شعبى لعله شق عليك ما سمعته فقلت أي والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة إني لمحدثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام ثم قال يا شعبى إنما أعلمناك هذا لانه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون ان كانوا غلبونا على الدولة فلن يغلبونا على العلم والرواية وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق ثم ردد على أبيات ليلى حتي حفظتها وإذن لي فانصرفت فكنت أول داخل وآخر خارج. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه والصحيح في الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك ونسبهما الى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة يرثى المنتشر بن وهب الباهلي وهذه القصيدة من المراثي المفضلة المشهورة بالبلاغة و البراعة وهى إنى أتتنى لسان لا أسر بها * من علو لا عجب منها ولا سخر (1)


(1) رواية ثعلب إني أتيت بشئ لا أسر به * من عل ولا عجب فيه ولا سخر (14 – أمالى ثالث)

[ 106 ]

فظلت مكتبئا حران أندبه * وكنت أحذره لو ينفع الحذر فجاشت النفس لما جاء جمعهم * وراكب جاء من تثليث معتمر (1) يأتي على الناس لا يلوى على أحد * حتى التقينا وكانت بيننا مضر (2) إن الذي جئت من تثليث تندبه * منه السماح ومنه النهي والغير (3)


وروى أبو زيد في نوادره إني أتاني شئ لا أسر به * من عل لا عجب فيه ولا سخر وروى المبرد في الكامل إنى أتتنى لسان لا أسر بها * من عل لا عجب منها ولا سخر – اللسان – هنا بمعنى الرسالة وأراد بها نعي المنتشر ولهذا أنت الفعل فانه إذا أريد به الكلمة أو الرسالة يؤنث ويجمع على ألسن وإذا كان بمعنى جارحة الكلام فهو مذكر ويجمع على ألسنة أي أتاني خبر من أعلى نجد وقيل أراد العالية وقيل من أعالي البلاد ويقال من علو بتثليث الواو ومن عل بكسر اللام وضمها ومن علا ومن أعلى ومن معال. وقوله – لا عجب – الخ أي لا عجب منها وان كانت عظيمة لان مصائب الدنيا كثيرة ولا سخر بالموت وقيل معناه لا أقول ذلك سخرية وهو بفتحتين وبضمتين مصدر سخر منه (1) قوله – فجاشت النفس – الخ أي غثت ويقال دارت للغثيان فان أردت انها ارتفعت من جزن أو فزع قلت جشأت بالهمز وروى بدل جمعهم فلهم أي اللذين شهدوا مقتله فلهم بفتح الفاء وتشديد اللام يقال جاء فل القوم أي منهزموهم يستوى فيه الواحد والجمع وربما قالوا فلول وفلال – وتثليث – بكسر اللام وياء ساكنة وثاء اخرى مثلثة موضع بالحجاز قرب مكة – ومعتمر – صفة راكب بمعنى زائر ويقال من عمرة الحج (2) قوله – يأتي على الناس – الخ فاعل يأتي ضمير الراكب – ويلوي – مضارع لوى بمعنى توقف وعرج أي يمر هذا الراكب على الناس ولم يعرج على أحد حتى أتانى لأني كنت صديقه. ويروي دوننا بمعنى قدام بدل بيننا (3) قوله – ان الذي جئت – الخ أي فقلت لهذا الراكب ان الذى جئت الخ (*)

[ 107 ]

تنعى امرأ لا تغب الحى جفنته * إذا الكواكب أخطى نوءها المطر وراحت الشول مغبرا مناكبها * شعثا تغير منها النى والوبر (2) وألجأ الكلب موقوع الصقيع به * وألجا الحي من تنفاحها الحجر (3)


– والندب – مصدر ندب الميت من باب نصر بكى عليه وعدد محاسنه. وجملة منه السماح خبر – والنهي – خلاف الأمر – والغير – بكسر المعجمة وفتح المثناة التحتية اسم من غير الشئ فتغير أقامه مقام الغير (1) قوله – تنعي امرأ – الخ رواية أبى العباس ينعي بالياء المثناة والنعي خبر الموت يقال نعاه ينعاه. قال الأصمعي كانت العرب إذا مات ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس ويقول نعاء فلانا أي أنعه وأظهر خبر وفاته وهي مبنية على الكسر – ولا تغب – هو من قولهم فلان لا يغبنا عطاؤه أي لا يأتينا يوم دون يوم بل يأتينا كل يوم – والجفنة – القصعة – وأخطاه – كتخطاه تجاوزه – والنوء – سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل يوم الى ثلاثة عشر يوما وهكذا كل نجم إلى انقضاء السنة وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد الى الساقط منها. يريد ان جفانه لا تنقطع في القحط والشدة (2) قوله – وراحت – هو معطوف على مدخول إذا – والشول – كما في القاموس الشائلة من الابل وهي ما أتي عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها والجمع شول على غير قياس. وفي النهاية الشول مصدر شال لبن الناقة أي ارتفع وتسمي الناقة الشول أي ذات شول لانه لم يبق في ضرعها إلا شول من لبن أي بقية ويكون ذلك بعد سبعة أشهر من حملها. وروى – مباءتها – أي مراحها بدل منها كبها – ومغبر – يعنى من الرياح والعجاج – والتي – بفتح النون الشحم ومصدر نوت الناقة تنوي نواية ونيا إذا سمنت يريد ان الجدب وقلة المرعى خشن لحمها وغيره (3) قوله – وألجأ – معطوف أيضا على مدخول إذا وألجأ اضطر ويروي أحجر يقال أحجرته أي ألجائة الى ان دخل حجره – والصقيع – الجليد – وتنفاحه – ضربه

[ 108 ]

عليه أول زاد القوم قد علموا * ثم المطي إذا ما أرملوا جزر (1) قد تكظم البزل منه حين تبصره * حتى تقطع في أعناقها الجرر (2) أخور غائب يعطيها ويسألها * يأبى الظلامة منه النوفل الزفر (3) لم ترء أرضا ولم تسمع بساكنها * إلا بها من نوادي وقعه أثر (4)


وهو مصدر نفحت الريح إذا هبت باردة والضمير للصقيع والباء في به بمعنى على والضمير للكلب – والحجر – بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة بالضم الغرفة وحظيرة الابل من شجر. يقول هو في مثل هذه الأيام الشديدة يطعم الناس الطعام (1) قوله – عليه أول – الخ يعنى انه يرتب على نفسه زاد أصحابه أولا وإذا نفد الزاد نحر لهم – وأرمل – الرجل نفد زاده – والمطي – جمع مطية وهي الناقة – والجزر – بضمتين جمع جزور وهي الناقة التى تنحر وروى بفتحتين جمع جزرة وهي الناقة والشاة تذبح (2) يروي * وتفزع الشول منه حين يفجأها * – والكظم – من كظم البعير بالفتح يكظم بالكسر كظوما إذا أمسك عن الجرة وقيل الكظم أن لا تجتر لشدة الفزع إذا رأت السيف – والبزل – جمع بازل وهو الداخل في السنة التاسعة – والجرر – جمع جرة بكسر الجيم فيهما وهى ما يخرجه البعير للاجترار. يقول تعودت الابل انه يعقر منها فإذا رأته كظمت على جرتها – وتقطع – فعل مضارع منصوب بان (3) – الرغائب – الأشياء التى يرغب فيها يريد يعطي ما يرغب الرجال في ادخاره ويحرصون على التمسك به لنفاسته – وأخو – خبر مبتدإ محذوف أي هو أخو رغائب وجملة يعطيها ويسألها مفسرة لوجه الملابسة في قوله أخو رغائب – ويسألها – بالبناء للمجهول من السؤال ويروى موضعه ويسلبها بالبناء للمعلوم من السلب – والظلامة – بالضم ومثله الظليمة والمظلمة بكسر اللام وضمها وهو ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما أخذ منك – والنوفل – البحر والكثير العطاء. وقال ثعلب النوفل العزيز الذى ينفل عنه الضيم أي يدفعه – والزفر – الكثير الناصر والأهل والعدة (4) – نوادي – كل شئ بالنون أوائله وما ندر منه واحده نادية ومنه قولهم لا ينداك

[ 109 ]

وليس فيه إذا استنظرته عجل * وليس فيه إذا ياسرته عسر فإن يصبك عدو في مناوءة * يوما فقد كنت تستعلى وتنتصر (1) من ليس في خيره من يكدره * على الصديق ولا في صفوه كدر (2) أخو شروب ومكساب إذا عدموا * وفي المخافة منه الجد والحذر (3) مزدي حروب ونور يستضاء به * كما أضاء سواد الظلمة القمر (4) مهفهف أهضم الكشحين منخرق * عنه القميص لسير الليل محتقر (5)


منى سوء أبدا أي لا يندر اليك – والوقع – النزول (1) ويروي – فقد كان يستعلى وينتصر – والمناوأة – المعاداة يقال ناوأت الرجل مناوأة وقيل هي المحاربة ناوأته أي حاربته. قال الشاعر إذا أنت ناوأت القرون فلم تنوء * بقرنين عزتك القرون الكوامل (2) قوله – من ليس في خيره من – الخ رواية المبرد من ليس في خيره شر يكدره – كدره – جعله كدرا يقال تكدر الماء نقيض صفا وكدره غيره جعله كدرا (3) – الشروب – جمع شرب وهو جمع شارب كصحب جمع صاحب. ويروى أخو حروب – والمكساب – مبالغة كاسب – والعدم – الفقر وفعله من باب فرح (4) – المردى – بكسر الميم حجر يرمى به ومنه قيل للشجاع انه لمردى حروب ومعناه انه يقذف في الحروب ويرجم فيها ويروي * كما أضاء سواد الطخية القمر * الطخية بضم المهملة وسكون المعجمة الظلمة والطخياء بالمد الليلة المظلمة يريد انه كامل شجاعة وعقلا فشجاعته كونه يرمى في الحروب وعقله كون رأيه نورا يستضاء به وهما وصفان متضادان غالبا (5) – المهفهف – الخميص البطن الدقيق الخصر – والأهضم – المنضم الجنبين – والكشح – ما بين الخاصرة الى الضلع الخلف وهذا مدح عند العرب فانها تمدح الهزال والضمر وتذم السمن. وفي العباب ورجل منخرق السربال إذا طال سفره

[ 110 ]

طاوى المصير على العزاء منجرد * بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر (1) لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه * وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر معنى – لا يصعب الأمر – أي لا يجده صعبا لا يتأري لما في القدر يرقبه * ولا يعض على شرسوفه الصفر (2)


فشققت ثيابه – ولسير الليل – متعلق بما بعده وهذا يدل على الجلادة وتحمل الشدائد (1) – الطوى – الجوع وفعله من باب فرح وطوى بالفتح يطوى بالكسر طيا إذا تعمد الجوع – والمصير – المعا الرقيق وجمعه مصران كرغيف ورغفان وجمع هذا مصارين أراد طاوى البطن – العزاء – بفتح العين المهملة وتشديد الزاى المعجمة الشدة والجهد وقال في الصحاح هي السنة الشديدة – والمتجرد – المتشمر. وقوله – ليلة لا ماء ولا شجر – أي يرعى وزاد عبد القادر البغدادي هنا بيتا وهو لا يهتك الستر عن أنثي يطالعها * ولا يشد إلى جاراته النظر ومعناه انه لا ينظر الى جارته ولا يشد اليهن النظر من غيره احتراما له والله أعلم (2) – يتأرى – لا يتحبس ويتلبث يقال تأري بالمكان إذا أقام فيه أي لا يتلبث لادراك طعام القدر وجملة – يرقبه – حال من المستتر في يتأري. يمدحه بأن همته ليست في المطعم والمشرب وانما همته في طلب المعالى فليس يرقب نضج ما في القدر إذا هم بأمر له شرف بل يتركها ويمضى – والشرسوف – طرف الضلع – والصفر – دويبة مثل الحية تكون في البطن تعترى من به شدة الجوع. قال في النهاية في حديث لا عدوى ولا هامة ولا صفر لان العرب كانت تزعم ان في البطن حية يقال لها الصفر تصيب الانسان إذا جاع وتؤذيه فابطل الاسلام ذلك وقيل أراد به النبي صلى الله عليه وسلم النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وهو تأخير المحرم إلى صفر ويجعلون صفرا هو الشهر الحرام انتهى ولم يرد الشاعر ان في جوفه صفرا لا يعض على شراسيفه وانما أراد انه لا صفر في جوفه فيعضه يصفه بشدة الخلق وصحة البلية

[ 111 ]

لا يغمز الساق من أين ولا وصب * ولا يزال أمام القوم يقتفر (1) لا يأ من الناس ممساه ومصبحه * في كل فج وان لم يغز ينتظر (2) تكفيه حزة فلذان ألم بها * من الشواء ويروى شربه الغمر (3) لا تأمن البازل الكوماء عدوته * ولا الأمون إذا ما اخروط السفر (4) كأنه بعد صدق القوم أنفسهم * باليأس تلمع من قدامه البشر (5)


(1) – لا يغمز الساق – لا يجيبها يصف جلده وتحمله للمشاق – والأين – الاعياء – والوصب – الوجع – والاقتفار – بتقديم القاف على الفاء اتباع الآثار. في الصحاح وقفرت أثره أقفره بالضم أي قفوته واقتفرت مثله وأنشد هذا البيت ورواه أبو العباس في شرح نوادر أبى زيد يقتفر بالبناء للمجهول ومعناه انه يفوت الناس فيتبع ولا يلحق (2) قوله – لا يأ من الناس – أي لا يأمنه الناس على كل حال سواء كان غازيا أم لا فان كان غازيا يخافون أن يغير عليهم وان لم يكن غازيا فانهم في قلق أيضا لانهم يترقبون غزوه وينتظرونه (3) – الحزة – بضم الحاء المهملة وتشديد الزاى المعجمة قطعة من اللحم قطعت طولا – والفلذان – جمع فلذة بكسر الفاء فيهما – وألم بها – أصابها يعنى أكلها – والغمر – بضم الغين المعجمة وفتح الميم قدح صغير لا يروى (4) – البازل – البعير الذى فطرنا به بدخوله في السنة التاسعة ويقال للناقة بازل أيضا يستوي فيه الذكر والانثى – والكوماء – بالفتح الناقة العظيمة السنام – والعدوة – التعدي فانه ينحرها لمن معه سواء كانت المطية مسنة كالبازل أو شابة كالأمون وهي الناقة الموثقة الخلق يؤمن عثارها وضعفها – واخروط – امتد وطال ورواية المبرد لا تنكر البازل الكوماء ضربته * بالمشر في إذا ما اجلوذ السفر ومعنى اجلوذ امتد (5) – لمع – أضاء – والبشر – بضمتين جمع بشير يقول إذا فزع القوم وأيقنوا بالهلاك

[ 112 ]

قال المبرد لا نعلم بيتا في يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا البيت لا يعجل القوم أن تغلي مراجلهم * ويدلج الليل حتى يفسح البصر (1) عشنا به حقبة حبا ففارقنا * كذلك الرمح ذوالنصلين ينكسر (2) أصبت في حرم منا أخا ثقة * هند ابن أسماء لا يهنى الظفر (3)


عند الحروب أو الشدائد فكأنه من ثقته بنفسه قدامه بشير يبشره بالظفر والنجاح فهو منطلق الوجه نشيط غير كسلان (1) يريد انه رابط الجاش عند الفزع لا يستخفه الفزع فيعجل أصحابه عن الاطباخ. وقوله – حتى يفسح البصر – أي يجد متسعا من الصبح وقيل معناه ليس هو شرها يتعجل بما يؤكل – والمراجل – القدور جمع مرجل (2) وروى * عشنا بذلك دهرا ثم ودعنا * و – النصلان – هما السنان وهي الحديدة العليا من الرمح والزج وهي الحديدة السفلى ويقال لهما الزجان أيضا وهذا مثل أي كل شئ يهلك ويذهب (3) خاطب المنتشر هند بن أسماء وأراد بالحرم ذا الخلصة ثم دعا عليه والتهنئة خلاف التعزية وكانت قصة هند بن أسماء ان المنتشر بن وهب الباهلي خرج يريد حج ذي الخلصة ومعه غلمة من قومه والاقيصر بن جابر أخو بني فراص وكان بنو نفيل ابن عمرو بن كلاب أعداء له فلما رأوا مخرجه وعورته وما يطلبه به بنو الحارث بن كعب وطريقه عليهم كان من حج ذا الخلصة أهدى له هديا يتحرم به ممن لقيه فلم يكن مع المنتشر هدي فسار حتي إذا كان بهضب النباع انكسر له بعض غلمته الذين كانوا معه فصعدوا في شعب من النباع فقالوا في غار فيه وكان الاقيصر يتكهن وأنذر بنو نفيل بالمنتشر بني الحارث بن كعب فقال الاقيصر النجاء يا منتشر فقد أتيت فقال لا أبرح حتى أبرد فمضضى الاقيصر فأقام المنتشر وأتاه غلمته بسلاحه وأراد قتالهم فأمنوه وكان قد أسر هند بن أسماء المتقدم فسأله أن يفدي نفسه فأبطأ عليه فقطع أنملة ثم أبطأ فقطع منه اخرى وقد أمنه القوم ووضع سلاحه فقال أتؤمنون مقطعا وإلهي لا أأمنه ثم قتله

[ 113 ]

لو لم تخنه نفيل وهى خائنة * لصبع القوم ورد ما له صدر (1) وأقبل الخيل من تثليث مصغية * وضم أعينها رغوان أو حضر (2) إما سلكت سبيلا كنت سالكها * فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر [ قال الشريف ] رضى الله عنه. وقد رويت هذه القصيدة للدعجاء أخت المنتشر وقيل لليلى أخته ولعل الشبهة الواقعة في نسبهما الى ليلى الأخيلية من ههنا والصحيح ما ذكرناه. أخبرنا أبو القاسم على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة قال وفد الأخطل على معاوية فقال إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها فقال ان كنت شبهتني بالحية أو الأسد أو الصقر فلا حاجة لى فيها وإن كنت قلت في كما قالت الخنساء وما بلغت كف امرء متطاول * به المجد إلا حيث ما نلت أطول وما بلغ المهدون في القول مدحة * وإن صدقوا إلا الذى فيك أفضل فهات فقال الأخطل والله لقد أحسنت وقد قات فيك بيتين ما هما بدون ما سمعته فأنشد إذا مت مات العرف وانقطع الغنى * فلم يبق إلا من قليل مصرد


وقتل غلمته انتهي وزاد عبد القادر البغدادي بين البيتين بيتا وهو فان جز عنا فقد هدت مصابتنا * وإن صبرنا فإنا معشر صبر – المصابة – بضم الميم بمعنى المصيبة يقال جبر الله مصابه وهو فاعل والمفعول محذوف أي قوانا والصبر بضمتين جمع صبور مبالغة صابر وروي مصيبتنا (1) – صبحه – سقاه الصبوح وهو الشرب بالغداة أراد انه كان يقتلهم (2) – أقبل الخيل – جعلها مقبلة ومقبلة مائلة نحوكم – ورغوان وحضر – موضعان أي كانت تأتي خيله عليكم في هذين الموضعين وما كانت تنام في منزل إلا فيهما (15 – أمالى ثالث)

[ 114 ]

وردت أكف الراغبين وأمسكوا * عن الدين والدنيا بخلف مجدد فأحسن صلته. وأخبرنا المرزبانى قال حدثنا إبراهيم بن محمد النحوي قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوي أن ابن الاعرابي أنشدهم مررنا عليه وهو يكعم كلبه * دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح قال قوله – يكعم كلبه – أي يشد فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه. وقال آخر وتكعم كلب الحى من خشية القري * ونارك كالغذراء من دونها ستر وقد قال الأخطل قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم * قالوا لأمهم بولي على النار قال أبو عبد الله وسمعت محمد بن يزيد الأزدي يقول هذا من أهجى ما هجى به جرير لأنه جعل نارهم تطفيها البولة وجعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها مجلس آخر 51 [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) الآية. فقال أو ليس ظاهر الآية يقتضى انه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الايمان حتي تصح مسألته تعالى أن لا يزيغها ويكون هذا الدعاء مفيدا. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه. أولها أن يكون المراد بالآية ربنا لا تشدد علينا المحنة في التكليف ولا تشق علينا فيه فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منا بعد الهداية وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه كما قال عز وجل في السورة (إنها زأدتهم رجسا الى رجسهم) وكما قال مخبرا عن نوح عليه السلام (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا). فإن قيل كيف يشدد المحنة عليهم. قلنا بأن يقوى


[ 115 ]

شهواتهم لما قبحه في عقولهم ونفورهم عن الواجب عليهم فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا والثواب المستحق عليهم عظيما متضاعفا وانما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة. وثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية وامدادهم بالألطاف التى معها يستمرون على الايمان فإن قيل وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بان لا يفعل اللطف. قلنا من حيث المعلوم أنه متي قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرافوا عن الايمان ويجرى هذا مجرى قولهم اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا معناه لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلط علينا ومثله قول الفرزدق أتانى ورحلي بالمدينة وقعة * لآل تميم أقعدت كل قائم أراد قعد لها كل قائم فكأنهم قالوا لا تخل بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك فنزيغ ونضل. وثالثها ما أجاب به أبو على الجبائى محمد بن على لانه قال المراد بالآية ربنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك ومعني هذا السؤال انهم سألوا الله تعالى أن يلطف لهم في فعل الايمان حتي يقيموا عليه ولا يتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الايمان أن يزيغ قلوبهم عن الثواب وان يفعل تعالى بهم بدلا منه العقاب. قال فإن قال قائل فما هذا الثواب الذى هو في قلوب المؤمنين حتي زعمتم أنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عنه وأجاب بأن من الثواب الذي في قلوب المؤمنين ما ذكره الله تعالى من الشرح والسعة بقوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) وقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك) وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحزن اللذان يفعلان بالكفار عقوبة قال ومن ذلك أيضا التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين وهو الذي منعه الكافرين فقال تعالى (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) قال ومن ذلك أيضا كتابته في قلوب المؤمنين كما قال تعالى (أولئك كتب في قلوبهم الايمان) وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التى في قلوب الكافرين فكأنهم سألوا الله تعالى أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب لي ضده من العقاب. ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب


[ 116 ]

عن اليقين والايمان ولا يقتضي ذلك انه تعالي سئل ما كان لا يجب أن يفعله وما لو لا المسألة لجاز فعله لانه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه والافتقار إلى ما عنده بان يفعل تعالى ما نعلم انه لا بد من أن يفعله وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله تعالى إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن ابراهيم عليه الصلاة والسلام (ولا تحزني يوم يبعثون) وكما قال في تعليمنا ما ندعوه به (قال رب احكم بالحق) وكقوله تعالى (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) على أحد الأجوبة وكل ما ذكرناه واضح بحمد الله. [ قال الشريف ] رضى الله عنه وإنى لأستحسن قول الراعى في وصف الاثافي والرماد فلقد طبق وصفه المفصل مع جزالة الكلام وقوته واستوائه واطراده وأورق من عهد ابن عفان حوله * حواضن ألاف على غير مشرب وراد الأعالى أقبلت بنحورها * على راشح ذي شامة متقوب كأن بقايا لونه في متونها * بقايا هناء في قلائص مجرب – الأورق – الرماد جعل الاثافي له كالحواضن لاحتضانها له واستدراتها حوله. وأراد – بوراد الأعالي – أن ألوانها تضرب إلى الحمرة وخص الأعالى لانها مواضع القدر فلا تكاد تسود – والراشح – هو الراضع وإنما شبه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر – المتقوب – الذى قد انحسر أعلاه وشبه ما سودت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى – والمجرب – الذى قد جربت إبله. ونظير هذا المعنى بعينه أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذي الرمة عفى الزرق من أطلال مية فالدحل * فأجماد حوضي حيث زاحمها الحبل (1)


(1) – الزرق – رمال بالدهناء وقيل هي قرية بين النباج وسمينة وهي صعبة المسالك – والدحل – بالفتح ماء نجدي الغطفان – والأطلال – جمع طلل محركة وهو الشاخص من آثار الدار – والاجماد – جمع جمد بالتحريك وهو ما ارتفع من الأرض – وحوضي –

[ 117 ]

سوى أن يرى سوداء من غير خلقه * تخاطأها وارتث جاراتها النقل من الرضمات البيض غير لونها * نبات فراض المرخ واليابس الجزل كجزباء دست بالهناء فأصبحت * بأرض خلاء أن تقاربها الإبل قوله – سوداء من غير خلقة – يعنى أثفية لان السواد ليس بخلقة وانما سودتها النار. وقوله – تخطأها النقل – أي تجاوزها فلم تحمل من مكان الى مكان بل بقيت منفردة – وارتث جاراتها – بمعنى بجارتها – بمعنى بجارتها أي نقلن عنها الاثافي اللواتي كن معها – والمرتث – هو المنقول من مكان الى مكان وأصل ذلك في الجريح والعليل يقال ارتث الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة وبه رمق. قال النضر بن شميل معنى ارتث صرع. وقال أبو زيد مأخوذ من قولهم ارتثينا رثة القوم إذا جمعو اردى مناعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم وكلا المعنيين يليق ببيت ذي الرمة لانه يجوز أن يريد صرعن وبقيت ثانية قائمة – والرضمات – حجارة بيض بعضها على بعض – والفراض – جمع فرش وهو الحز يكون في الزند. وعنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض – والمرخ – شجر تتخذ منه الزندة. ومن أمثالهم في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار وهذا المثل يضرب للرجل الكريم الذي يفضل على القوم ويزيد عليهم فكأن المعنى كل القوم كرام وأكرمهم فلان (1) ومعنى – كجرباء دست بالهناء – انه


بالفتح ثم السكون مقصور بوزن سكرى اسم ماء لبنى طهمان بن عمرو بن سلمة الى جنب جبل في ناحية الرمل – ضايقها – والحبل – الرمل المستطيل (1) وقال الميداني في تفسيره له يقال مجدت الابل تمجد مجودا إذا نالت من الخلي قريبا من الشبع واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا وأخذا من النار ما هو حسبهما شبها بمن يكثر العطاء طلبا للمجد لانهما يسرعان الورى يضرب في تفضيل بعض الشئ على بعض. قال أبو زياد ليس في الشجر كله أورى زنادا من المرخ قال وربما كله ولم نر

[ 118 ]

شبه الاثفية المفردة بناقة جرباء قد أفردت وأبعدت عن الابل حتى لا تجربها ولا تعديها ومعنى دست بالهناء أي طليت به. وفي معني قول الراعي وراد الأعالي شبه من قول الشماخ بن ضرار أقامت على ربعيهما جارتا صفا * كميتا الأعالى جونتا مصطلاهما (1)


ذلك في سائر الشجر. قال الأعشى زنادك خير زناد الملوك * خالط فيهن مرخ عارا ولو بت تقدح في ظلمة * حصاة بنبع لا وريت نارا والزند الأعلى يكون من العفار والأسفل من المرخ. قال الكميت (1) وقبله أمن دمنتين عرج الركب فيهما * بحقل الرخامي قد أني لبلا هما أقامت على جارتا صفا * كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما وإرث رماد كالحمامة ماثل * ونؤيان من مظلومتين كداهما أقاما لليلى والرباب وزالتا * بذات السلام قد عفا طللاهما ففاضت دموعي في الرداء كأنها * عزالي شعيب مخلف وكلاهما ليالي ليلى لم يشب عذب مائها * بملح وحبلانا متين قواهما ولو دين للبيض الهجان وحالك * من اللون غربيب بهيم علاهما إذا اجتهدا الترويح مدا عجاجة * أعاصير مما يستثير خطاهما وسر بين كدر بين قدرعت غدوة * على الماء معروف الي لغاهما إذا غادرا منه قطاتين ظلتا * أديم النهار تطلبان قطاهما وإنى عداني عنكم غير ماقت * نواران مكتوب على بغاهما وعنس كألواح الإران نسأتها * إذا قيل للمشبوبتين هماهما تغالى برجليها اليك ابن مربع * فيانعم نعم المغتلي مغتلاهما

[ 119 ]

يعنى – بربعيهما – منزلتي المرأتين اللتين ذكرهما ويعنى – بجارتا صفا – الاثفيتين لانهما مقطوعتان من الصفا الذي هو الصخر. ويمكن في قوله جارتا وجه آخر هو احسن من هذا وهو أن الاثفيتين توضعان قريبا من الجبل لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما وممسكة للقدر معهما ولهذا تقول العرب رماه بثالثة الاثافي أي بالصخرة أو الجبل وشبه أعلاهما بلون الكميت وهو لون الحجر نفسه لأن النار لم تصل إليه فتسوده – ومصطلاهما جون – أي اسود لان النار قد سفعته وسودته. وقال الراعي في وصف الاثافي أيضا أذاع بأعلاه وأبقى شريده * ذرى مجنحات بينهن فروج كأن بجزع الدار لما تحملوا * سلائب ورقا بينهن خديج – أذاع بأعلاه – يعنى الرماد لأن السافى طير ظاهره وما علا منه – وأبقى شريده – يريد به الذى أبقى لما شرد على السافي فلم يطيره – وذرى مجنحات – يعنى الاثافي وذرى كل شئ جانبه وما استذريت به منه – والمجنحات – المسبلات منه – والسلائب – جمع سلوب وهى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أو نحر فقد عطفت على حوار آخر – والخديج – الذى قد سقط لغير تمام – والورق – اللواتى ألوانهن كلون الرماد. وفي معنى قول الراعي وأبقى شريده ذرى قول المخبل السعدى


إذا ما حصيرا زورها لم يعلقا * لها الضفر إلا من امام رحاهما كست عضديها زورها وانتحت بها * ذراعا لجوج عوهج ملتقا هما فباتت بأبلى ليلة ثم ليلة * بحاذة واجتابت نوي عن نواهما وراحت على الأفواه أفواه غيقة * نجاه تفتلاوين ماض سراهما أجدت هبابا عن هباب وسامحت * قوى نسعتيها بعد طول إذا هما ولولا فتى الأنصار ماسك سمعها * ضمير ولا حورانه فقراهما وإني لأرجو من يزيد بن مربع * حذيته من خيرتين اصطفاهما حذيته من نائل وكرامة * سعى في بغاء المجد حتى احتواهما

[ 120 ]

وأرى لها دارا بأغدرة السيدان * لم يدرس لها رسم (1) إلا رمادا هامدا دفعت * عنه الرياح خوالد سحم (2) – لا – ههنا بمعنى الواو فكأنه قال وأرى رمادا هامدا ولولا ان إلا ههنا بمعنى الواو لفسد الكلام ونقض آخره أوله لانه يقول في آخر البيت ان الخوالد السحم دفعت عنه الرياح فكيف خبر بانه قد درس وإنما أراد أنه باق ثابت لان الاثافي دفعت عنه الرياح فلم تستنه إذ هو من جملة ما لم يدرس بل هو داخل في جملته وللراعى أيضا في الاثافي أنحن وهن أغفال عليها * فقد ترك الصلاء بهن نارا شبه الاثافي بنوق أنخن أغفالا لست عليهن سمة ثم أخبر ان الوقود قد أثر فيهن أثرا كالسمة فالنار السمة تقول العرب ما نار بعيرك أي ما سمته وفي أمثالهم نجارها نارها أي


(1) – الأغذرة – جمع غدير وهو القطعة من الماء يغادرها السيل أي يتركها وهو فعيل في معنى مفعول على اطراح الزائد وقد قيل انه من الغدر لانه يخون وراده فينضب عنهم ويغدر بأهله فينقطع عند شدة الحاجة إليه. وقال اللحياني الغدير اسم ولا يقال هذا ماء غدير وقال الليث الغدير مستنقع الماء ماء المطر صغيرا كان أو كبيرا غير انه لا يبقى الى القيظ إلا ما يتخذه الناس من عد ووجذ ووقط أو صهريج أو حائر قال أبو منصور العد الماء الدائم الذي لا انقطاع له ولا يسمي الماء الذى يجمع في غدير أو صهريج أو صنع عدا لان العد ما يدوم مثل ماء العين والركية (2) – الرماد – دقاق الفحم من حراقة النار وما هبا من الجمر فصار دقاقا والطائفة منه ومادة. وفي حديث أم زرع زوجي عظيم الرماد أي كثير الأضياف لان الرماد بكثرة الطبخ – وهامدا – طافئا. قال الأصمغي طفئت النار إذا سكن لهبها وهمدت همودا إذا طفئت البتة فإذا صارت رمادا قيل هبا يهبو وهو هاب – والخوالد – الصخور. قال الجوهرى قيل لاثافى الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الاطلال – وسحم – جمع سحماء أي سوداء وهو صفة لخوالد

[ 121 ]

سمتها تدل على كرمها يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدل على باطن خبره. وقال عدي بن الرقاع العاملي إلا رواكد كلهن قد اصطلى * حمراء أشعل أهلها إيقادها كانت رواحل للقدور فعريت * منهن واستلب الزمان رمادها وقال مالك الجعفي إلا رواكد بينهن خصاصة * سفع المناكب كلهن قد اصطلى وقال حميد بن ثور فتغيرت إلا ملاعبها * ومعرسا من جونة ظهر عرش الثقاب لها بدار إقامة * للحى بين نظائر وتر – الجونة – القدر ويقال قدر ظهر وقدور ظهور إذا كانت قديمة – وعرش – أي جعل مثل العريش يعنى الوقود – والثقاب – ما أثقبت به النار من الوقود – والنظائر – هي الاثافي – والوتر – الفرد وأراد انها ثلاث. وقال الكميت بن زيد ولن تحييك أظار معطفة * بالقاع لا تمك فيها ولا ميل ليست بعوذ ولم تعطف علي ربع * ولا يهيب بها ذو النية الأبل يعنى الاثافي فشبه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفت على فصيل – والتمك – انتصاب السنام – والميل – من صفة السنام أيضا – والعائذ – من النوق التى يتبعها ولدها – والربع – الذى نتج في الربيع – والاهابة – الدعاء أهاب بابله إذا دعاها – وذو النية – الذي قد نوى الرحيل – الأبل – صاحب الابل. وقال ذو الرمة فلم يبق إلا أن ترى في محله * رمادا نحت عنه الخيول جنادله كأن الحمام الوزق في الدار وقعت * على خرق بين الظوور جواز له شبه الاثافي بالحمام الورق وجعلها ظؤورا لتعطفها على الرماد وشبه الرماد بفرخ خرق (16 – أمالى لث)


[ 122 ]

قد سقط ريشه – والجوازل – الفراخ واحدها جوزل. وقال البعيث ألا حييا الربع القواء وسلما * ورسما كجثمان الحمامة أدهما قيل إن الحمام ههنا القطاة وانه شبه ألوان الرسوم من الرماد وموقد نار ودمنة ومجر طنب وما أشبه الأشياء بألوان ريش القطاة. ومثله لجرير كأن رسوم الدار ريش حمامة * محاها البلى واستعجمت إن تكلما ولقد أحسن كله الاحسان كثير في قوله أمن آل قيلة بالدخول رسوم * وبحومل طلل يلوح قدوم لعب الرياح برسمه فأجده * جون عواكف في الرماد جثوم سفع الخدود كأنهن وقد مضت * حجج عوائد بينهن سقيم وقيل في قوله – فأجده جون عواكف – يعنى الاثافي لأن الريح لما كشفت عنها وظهرت صارت كأنها هي أجدت الرسم. ويحتمل وجه آخر وهو أن يكون معنى أجدت انها حملت الرماد الذى أحاطت به من لعب الرياح فبقى بحالة يستدل بها المترسم فكأن الرياح درست الربع ومحته إلا ما أجدته هذه الاثافي من الرماد ومنعت الريح عنه ويجرى ذلك مجرى قول المخبل * إلا رمادا هامدا * البيت. وقال المرار الفقعسى في الاثافي أثر الوقود على جوانبها * بخدودهن كأنه لطم ويقال ان أبا تمام الطائى أخذ ذلك في قوله قفوا نعط المنازل من عيون * لها في الشوق أحشاء غزار عفت آياتهن وأى ربع * يكون له على الزمن الخيار اثاف كالخدود لطمن حزنا * ونؤي مثل ما أنفصم السوار وقد عاب عليه قوله لطمن حزنا بعض من لا معرفة له وقال لا فائدة في قوله حزبا ولذلك فائدة وذلك أن لطم الحزن أوجع فتأثيره أبلغ وأظهر وأبين وقد يكون اللطم


[ 123 ]

لغير الحزن فأما قوله * ونؤي مثل ما انفصم السوار * فمأخوذ من قول الشاعر نؤي كما انقض الهلال مخافة * أو مثلما فصم السوار المعصم وقد شبه الناس النؤي بالسوار والخلخال كثيرا أو بغير ذلك. قال كثير عرفت لسعدى بعد عشرين حجة * بها درس نؤي في المحلة منحن (1) قديم كوقف العاج ثبت حواؤه * مغادر أوتاد برضم موضن – الوقف – السوار من الذبل ومن العاج – والرضم – صخور عظام – والموضن – الذي بعضه فوق بعض. وقال بشار ونؤي كخلخال الفتاة وصائم * أشج على ريب الزمان رقوب – الصائم الأشج – يعنى الوتد وانما وصفه بانه صائم لقيامة وثباته وجعله رقوبا لانفراده والمرأة الرقوب والشيخ الرقوب الذى لا يعيش له ولد. ومن مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام والنؤي أهمد شطره فكأنه * تحت الحوادث حاجب مقرون (2)


(1) – درس – بسكون الراء أصله درس بفتحها وسكنت وكل ذلك جائز في كل فعل ثلاثي فان كانت عينه حلقية فهو مقيس وإلا فحكمه الضرورة يقال درس الرسم عفا ودرسته الريح محته لازم متعد – ومنحن – دارس (2) البيت من قصيدة يمدح بها الواثق بالله أولها وأبى المنازل إنها لشجون * وعلى العجومة انها لتبين فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم * فرط الصبابة مسعد وحزين لا تمنعني وقفة أشفى بها * داء الفؤاد فانها ماعون واسق الاثافي من شؤونك ريها * ان الضنين بدمعه لضنين والنؤى أهمد شطره فكأنه * تحت الحوادث حاجب مقرون حزن غداة الحزن هاج غليله * في أبرق الحنان منك حنين

[ 124 ]

وقال المتنبي في ذلك قف على الدمنتين بالدو من ريا كخال في وجنة جنب خال بطلول كأنهن نجوم * في عراص كأنهن ليالى ونؤي كأنهن عليهن * خدام خرس بسوق خدال (1) – الخدام – جمع خدمة وهي الخلخال وجعلها خرس لانها غير قلقة وشبه ما أحدق به النؤى من الأرض وامتلائها بامتلاء الخلخال من الساق الخدلة وهي الممتلئة


سمة الصبابة زفرة أو عبرة * متكفل بهما حشا وشؤون لو لا التفجع لادعى هضب الحمى * وصفى المشقر انه محزون (1) الأبيات من قصيدة يمدح بها عبد الرحمن بن المبارك الانطاكي و مطلعها صلة الهجر لي وهجر الوصال * نكسانى في السقم نكس الهلال فغدا الجسم ناقصا والذى ينقص * منه يزيد في بلبال قف على الدمنتين. الأبيات الثلاثة. ومنها ما تريد النوى من الحية الذؤاق حر الفلا وبرد الظلال فهو أمضى في الروع من ملك الموت وأسرى في ظلمة من خيال ولحتف في العز يدنو محب * ولعمر يطول في الذل قال نحن ركب ملجن في زى ناس * فوق طير لها شخوص الجمال من بنات الجديل تمشى بنا في البيد * مشى الايام في الآجال كل هو جاء للدياميم فيها * أثر النار في سليط الذبال عامدات للبدر والبحر والضرغامة * ابن المبارك المفضال من يزره يزر سليمان في الملك * جلالا ويوسفا في الجمال وربيع يضاحك الغيث فيه * زهر الشكر من رياض المعالي نفحتنا منه الصبا بنسيم * ورواحا في ميت الآمال هم عبد الرحمن نفع الموالي * وبوار الأعداء والأموال

[ 125 ]

مجلس آخر 52 [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) إلى قوله (الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادو يفعلون). فقال ما تأويل هذه الآيات وهل البقرة التى نعتت بهذه النعوت هي البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد والمراد مختلف أو التكليف متغاير. الجواب قلنا أهل العلم في تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم فمن جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب الى أن التكليف واحد وان الأوصاف المتأخرة هي للبقرة المتقدمة وانما تأخر البيان عن وقت الخطاب ولما سئل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شئ ومن لم يجوز تأخير البيان يقول إن التكليف متغاير وانهم لما قيل لهم اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أي بقرة شاؤا من غير تعيين بصفة ولو انهم ذبحوا أي بقرة اتفقت كانوا قد امتثلوا الأمر فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر ولو ذبحوا ما اختص بهذه الصفة من أي لون كان لأجزأ عنهم فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح بقرة صفراء فلما لم يفعلوا كلفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة. ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فمنهم من قال في التكليف الأخير انه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع انها غير ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها صفراء فاقع لونها ولا فارض ولا بكر فمنهم من قال انما يجب أن يكون بالصفة الأخيرة فقط دون ما تقدم فظاهرها ما تقدم الكتاب بالقول الأول أشبه وهو المبنى على جواز تأخير البيان وذلك أنه تعالى لما كلفهم ذبح بقرة قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) فلا يخلوا قولهم ما هي من أين يكون كناية عن البقرة المتقدم ذكرها أو عن التي أمروا بها ثانيا على قول من يدعي ذلك وليس يجوز أن يكونوا سألوا عن الصفة التى تقدم ذكرها لان الظاهر من قولهم ما هي بعد قوله لهم اذبحوا بقرة يقتضى أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها لانهم لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها وإذا صح أن السؤال انما كان عن صفة البقرة المنكرة التى أمروا في الابتداء بذبحها فليس يخلو قوله انها بقرة


[ 126 ]

لا فارض ولا بكر من أن يكون كناية عن البقرة الاولى أو عن غيرها وليس بجوز أن يكون ذلك عن بقرة ثانية لان ظاهر قوله تعالى (انها بقرة لا فارض ولا بكر) من أن يكون كناية عن البقرة الاولى أو عن غيرها وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية لان ظاهر قوله تعالى (إنها بقرة) من صفتها كذا وكذا بعد قولهم ما هي يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم وان الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شئ فأجابهم عن غيره وهذا لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام على انه لما أراد أن يكلفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم في الأول على ما يدعيه من يذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم وينكر عليهم الاستفهام في غير موضعه وتفريطهم فما أمروا به لا حاجة بهم الى الاستفهام عنه فيقول في جواب قولهم ما هي انما كلفهم أي بقرة شئتم وما يستحق اسم بقرة وقد فرطتم في ترك الامتثال وأخطأتم في الاستفهام مع وضوح الكلام إلا انكم قد كلفتم ثانيا كذا وكذا لان هذا مما يجب عليه بيانه لازالة الشك والابهام واللبس فلما لم يفعل ذلك وأجاب بالجواب الذى ظاهره يقتضى التعلق بالسؤال علم ان الأمر على ما ذكرناه وهب انه لم يفعل ذلك في أول سؤال كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة والاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها ومع تكرر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلقة بسؤالاتهم لانهم يسألونه عن صفة شئ فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلق الجواب بالسؤال لان قول القائل في جواب من سأله ما كذا وكذا انه بالصفة الفلانية صريح في ان الهاء كناية عن ما وقع السؤال عنه هذا مع قولهم ان البقر تشابه علينا لانهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا ان خطابهم مجمل غير مبين فلم لم يقل أي تشابه عليكم وانما أمرهم في الابتداء بأي بقرة كانت وفي الثاني بما اختص باللون المخصوص من أي البقر كان. فإن قيل كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة الى آخر الكلام ولا يبين ذلك لهم وهذا تكليف ما لا يطاق. قلنا لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة في الثاني من حال الخطاب ولو كانت حال الحاجة الى الفعل حاضرة لما


[ 127 ]

جاز أن يتأخر البيان لان تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الذي لا شبهة في قبحه وانما أراد أن يذبحوها في المستقبل فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد رود عليهم عند الحاجة إليه. فإن قيل إذا كان الخطاب غير متضمن لصفة ما أمروا بذبحه فوجوده كعدمه وهذا يخرجه من باب الفائدة ويوجب كونه عبثا. قلنا ليس يجب ما ظننتم لان القول وان كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة ولو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب فصار مفيدا من حيث ذكرناه وخرج من أن يكون وجوده كعدمه وفوائد الكلام لا يجب أن يدخلها الاقتراح وليس يخرج الخطاب من تعلقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها وبما هو زيادة عليها. فإن قيل ظاهر قوله تعالى (فذبحوها وما كادوا يفعلون) يدل على استبطائهم وذمهم على التقصير في امتثال الأمر. قلنا ليس ذلك صريح ذم لأن كادوا للمقاربة وقد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى تكاملت لها تلك الصفة فقد روي أنهم ابتاعوها بملء جلدها ذهبا على ان الذم يقتضى ظاهره أن يصرف الى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد البيان التام لان قوله تعالى (وما كادوا يفعلون) إنما ورد بعد تقدم البيان التام المتكرر ولا يقتضى ذمهم على ترك المبادرة في الأول الى ذبح بقرة فليس فيه دلالة على ما يخالف ما ذكرناه. فان قيل لو ثبت تقديرا ان التكليف في البقرة متغاير أي القولين اللذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصح وأشبه. قلنا قول من ذهب الي أن البقرة انما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط لان الظاهر به أشبه من حيث انه إذا ثبت تغاير التكليف وليس في قوله إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض الى آخر الأوصاف ذكر لما تقدم من الصفات وهذا التكليف غير الأول فالواجب اعتبار ما تضمنه لفظه والاقتصار عليه. فأما – الفارض – فهى المسنة وقيل هي العظيمة الضخمة يقال غرب فارض أي ضخم والغرب الدلو ويقال أيضا لحية فارضة إذا كانت عظيمة والأشبه بالكلام أن يكون المراد المسنة. فأما – البكر – فهي الصغيرة التي لم تلد فكأنه تعالى قال غير مسنة ولا صغيرة – والعوان – دون المسنة وفوق الصغيرة وهى النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين يقال حرب عوان إذا لم تكن أول حرب وكانت ثانية وانما


[ 128 ]

جاز أن يقول بين ذلك وبين لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر لان لفظة ذلك تنوب عن الجمل تقول ظننت زيدا قائما ويقول القائل قد ظننت ذلك وقد ظن ذاك. ومعنى – فاقع لونها – أي خالصة الصفرة وقيل ان كل ناصع اللون بياضا كان أو غيره فهو فاقع وقيل أنه أراد بصفراء ههنا سوداء. ومعنى قوله تعالى (لا ذلول تثير الأرض) أي تكون صبعة لا يذللها العمل في إثارتها الأرض وسقى الزرع. ومعني مسلمة – مفعلة من السلامة من العيوب. وقال قوم مسلمة من الشية أي لاشية فيها تخالف لونها. وقوله – لاشية فيها – أي لا عيب فيها وقيل لا وضح وقيل لا لون يخالف لون جلدها والله أعلم بما أراد وإياه نسأل التوفيق. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. كنت أظن أن المتنبي قد سبق الى معنى قوله في مرثية أخت سيف الدولة طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لى صدقه أملا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي حتى رأيت هذا المعني لمسلم بن الوليد الأنصاري وللبحتري. أما الذى لمسلم فقوله في قصيدة يرثي بها سهل بن الصباح وقف العفاة عليك من متحير * وله الرجاء وذى غنى يسترجع ومخادع السمع النعي ودونه * خطب ألم بصادق لا يخدع وقال البحتري يرثي وصيفا التركي إذا جد نادعية توهمت أنه * يكرر من أخباره قول مازح وكنت أظن المتنبي سبق الى قوله تحل القنا يوم الطعان بعقوتى * فأحرمه عرضي وأطعمه جلدي (1)


(1) – القنا – جمع قناة وهي الرمح – وعقوتى – ساحتي – والعرض – موضع الذم والمدح من الانسان. والمعنى ان الطعن يقع في ساحته فيجعل جلده طعما له ولا ينهزم خوفا من الطعن في عرضه وهو من قصيدة يودع بها ابن العميد عند مسيره قاصدا سيف

[ 129 ]

حتي رأيت هذا المعنى بعينه واللفظ لحميم بن شبل الكلابي من أهل اليمامة في قوله ثني قومه عن خذرجان وقدحنا * الى الموت دامى الصفحتين كليم أخو الحزب إما جلده فمجرح * كليم وأما عزضه فسليم وكنت أظن البحترى سبق الى معنى قوله في الفتح بن خاقان حملت إليه السيف لا عزمك أنثنى * ولا يدك ارتدت ولا حده نبا حتي وجدت لشاعر متقدم طعنت ابن دهمان بنجران طعنة * شققت بها عنه مضاعفة السرد


لدولة ثم قتله فاتك الأسدى ومطلعها نسيت وما أنسى عتابا على الصد * ولا خفرا زادت به حمرة الخد ولا ليلة قصرتها بقصيرة * أطالت يدى في جيدها صحبة العقد ومن لي بيوم مثل يوم كرهته * قربت به عند الوداع من البعد وإلا يخص الفقد شيئا لانني * فقدت فلم أفقد دموعي ولا وجدى تمن يلذ المستهام بذكره * وان كان لا يغنى فتيلا ولا يجدى وغيظ على الأيام كالنار في الحشى * ولكنه غيظ الأسير على القد فإما ترينى لا أقيم ببلدة * فآفة غمدي في دلوقى وفي حدى يحل القنا يوم الطعان بعقوتي * فأحرمه عرضى وأطعمه جلدي تبدل أيامي وعيشى ومنزلي * نجائب لا يفكرن في النحسن والسعد وأوجه فتيان حياء تلثموا * عليهن لاخوفا من الحر والبرد وليس حياء الوجه في الذئب شيمة * ولكنه من شيمة الأسد الورد إذا لم تجزهم دار قوم مودة * أجاز القنا والخوف خير من الود يحيدون عن هزل الملوك الى الذى * توفر من بين الملوك على الجد (17 – امالي لث)

[ 130 ]

فلا الكف أوهت بي ولا الرمح خانني * ولا الأدهم المنعوت حاد عن القصد قال محمد بن يحيى الصولي وصف الناس صفرة اللون في العلل فكل حكى ذلك وقال بلا فضيلة إلا البحتري فانه أغرق من أبيات قال اعرابي من أينات (1) جعلت وما عاينت عطر كأنما * جرى بين جلدى والعظام خلوق وقال أبو تمام لم يشن وجهه المليح ولكن جعلت ورد وجنتيه بهارا وقال غيره ولم تشن شيئا ولكنها * بدلت التفاح بالياسمين وقال أبو بكر عيسى الزلفى علة زعفرت مورد خد * كاد من رقة ورى يفيض ولأحمد بن يزيد المهلبى وقالوا غزت غراء حمى شديدة * فوجنتها منها شديد صفارها فقلت لهم هيهات هاتيك روضة * مضى وزدها عنا وجاء بهارها ولأبي العتاهية وكأنني مما تطاول بي * منك السقام طليت بالورس وقال ابن المعتز وصفرت علته وجهه * فصار كالدينار من حق وقال البحتري بدت صفرة في لونه إن حمدهم * من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد


(1) هكذا فيما وقفنا عليه من النسخ على انه لم يظهر لنا استقامة المعنى فليحرر

[ 131 ]

وجرت على الأيدى مجسة كفه * كذلك موج البحر ملتهب الوقد وما الكلب محموما وإن طال عمره * ألا إنما الحمي على الأسد الورد (1) [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه. أما تشبيه صفرة اللون بصفرة الدر فهو تشبيه مليح موافق لغرض إلا أنه أخطأ في قوله ان حمدهم * من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد لان ذلك ليس بمحمود بل مذموم ولو شبه وترك التعليل لكان أجود. وروى أبو العباس أحمد بن فارس المنيجي قال حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن يحيى البحتري قال حدثني أبى قال حدثنى جدى البحترى قال كنت عند أبي العباس المبرد يوما فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل فقال أبو العباس لقد أحسن عمارة في قوله لخالد بن يزيد لما وجه إليه بهذين البيتين لم أستطع سيرا لمدحة خالد * فجعلت مدحيه إليه رسولا فليرحلن إلي نائل خالد * وليكفين رواحلي الترحيلا قال البحتري فقلت له لمروان بن أبي حفصة في عبد الله بن طاهر وقد أتاه نائلة من الجزيرة ما هو أحسن من هذا وأنشدته لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا * بغداد من أرض الجزيرة وابله فكنا كحى صبح الغيث أهله * ولم يرتحل أظعانه ورواحله


[ 1 ] هي من أبيات يمدح بها ابراهيم بن المدبر ويذكر علة نالته ومطلعها بأنفسنا لا بالطوارف والنلد * نقيك الذى تخفى من الشكو أو تبدى بنا معشر العافين ما بك من أذى * فان أشفقوا مما أقول فبي وحدي ظللنا نعود المجد من وعكك الذي * وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد ولم ننصف الليث اقتسمنا نواله * ولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردى بدت صفرة من لونه الأبيات الثلاثة. وبعدها ولست ترى عود القتادة خائفا * سموم الرياح الآخذات من الرند

[ 132 ]

فقال نعم هذا أحسن فقلت له ان لي في بنى السمط وقد أتانى برهم من حمص ما لا يتضع عن الجميع وأنشدته جزى الله خيرا والجزاء بكفه * بنى السمط أخدان السماحة والمجد هم وصلوني و المهامه بيننا * كما أرفض غيث من تهامة في نجد فقال هذا والله أرق مما قالا وأحسن. وروي أحمد بن فارس المنيحي عن عبيد الله ابن يحيي بن البحترى قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم والأدب منهم يموت بن المزرع قال قلت لأبى عثمان الجاحظ من أنسب العرب فقال الذى يقول عجلت إلى فضل الخمار فأثرت * عذباته بمواضع التقبيل وقال هذا للبحتري في القصيدة التى أولها صب يخاطب مفحمات طلول (1)


[ 1 ] هو مطلع قصيدة يمدح بها الفضل بن اسماعيل الهاشمي صب يخاطب مفحمات طلول * من سائل باك ومن مسؤول حملت معالمهن أعباء البلى * حتى كأن نحو لهن نحولى يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد * يعطى الأسى من دمعه المبذول أو ما ترى الدمن المحيلة تشتكى * غدرات عهد للزمان محيل إن كنت تنكرها فقد عرف الهوى * قدما معارف رسمها المجهول تلك التي لم يعدها قصد الهوى * مالت مع الواشين كل مميل عجلت الى فضل الخمار فأثرت * عذباته بمواضع التقليل وتبسمت عند الوداع فأشرقت * إشراقه عن عارض مصقول أأخيب عندك والصبا لى شافع * وأرد دونك والشباب رسولي ولقد تأملت الفراق فلم أجد * يوم الفراق على امرء بطويل قصرت مسافته على متزود * منه لدهر صبابة وعويل

[ 133 ]

[ وقال الشريف المرتضي ] رضى الله عنه. وفي نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر في الملاحة الرشاقة وأخذه بمجامع القلوب عن البيت الذي فضله به الجاحظ وهو اأخيب عندك والصبا لى شافع * وأرد دونك والشباب رسولي وفي مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن وهو لا تطلبن له الشبيه فانه * قمر التأمل مزنة التأميل وبهذا الاسناد عن يحيي بن البحتري قال انصرفت يوما من مجلس أبي العباس محمد بن يزيد المبرد فقال لى أبي البحتري ما الذى أفدت يومك هذا من أبي العباس قلت أملى على أخبارا حسنة وأنشدني أبياتا للحسين بن الضحاك فقال أبى أنشدني الأبيات فأنشدته كأنى إذا فارقت شخصك ساعة * لفقدك بين العالمين غريب وقد رمت أسباب السلو فخانني * ضمير عليه من هواك رقيب أغرك صفحي عن ذنوب كثيرة * وغضى على أشياء منك تريب كأن لم يكن في الناس قبلي متيم * ولم يك في الدنيا سواك حبيب إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن * لشكواي من عطف الحبيب نصيب


وإذا الكرام تنازعوا أكرومة * فالفضل للفضل بن اسماعيل قسموا على أخلاقهم فتفاوتوا * فيهن قسمة غرة وحجول في كل مكرمة يد مبسوطة * من فاضل منهم به مفضول لا تطلبن له الشبيه فانه * قمر التأمل مزنة التأميل جاز المدى فرمي بغير مناضل * في سودد وجرى بغير رسيل فمتى سمت عين الحسود لفخره * طرفت بطرف من علاه كليل

[ 134 ]

فقال ما أحسن هذا الكلام وأنشدني لنفسه حبيبي حبيب يكتم الناس إنه * لنا حين تلقانا العيون حبيب يباعدني في الملتقى وفؤاده * وإن هو أبدى لى البعاد قريب ويعرض عين والهوى منه مقبل * إذا خاف عينا أو أشار رقيب فتنطق منا أعين حين نلتقي * وتخرس منا ألسن وقلوب ثم قال يا بنى ارو هذين فانهما من أحسن الشعر وطريقه. روى أحمد بن فارس المنيحي عن أبى نصر محمد بن اسحاق النحوي قال سمعت بعض أهل الأدب يقول للزجاج قد كنت تعرف أبا العباس المبرد وكبره وأنه ما كان يقوم لأحد ولا يتطاول له وينشد إذا أشرف عليه الرجل ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل (1) ولقد رأيته يوما وقد دخل عليه رجل متدرع فقام إليه أبو العباس فاعتنقه وتنحي عن موضعه وأجلسه فجعل الرجل يكفه ويستعفيه من ذلك فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبو العباس أتنكر أن أقوم وقد بدالى * لأكرمه وأعظمه هشام فلا تنكر مبادرتي إليه * فإن لمثله خلق القيام فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترى (مجلس آخر 53) [ تأويل آية اخرى ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى في قصة قابيل وهابيل حاكيا عن هابيل (لئن بسطت الى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى اليك لأقتلك إنى أخاف


(1) صدر البيت * فارفع بكفك ان أردت بقاءنا *

[ 135 ]

الله رب العالمين إني أريد أن تبوء باثمي وإثمك الآية). فقال كيف يجوز أن يخبر تعالى عن هابيل وقد وصفه بالتقوى والطاعة بانه يريد أن يبوء أخوه بالإثم وذلك إرادة القبيح وارادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال ووجه قبحها كونها ارادة لقبيح وليس قبحها مما يتغير وكيف يصح أن يبوء القاتل باثمه وإثم غيره وهل هذا الا ما يأبونه من أخذ البرئ بجرم السقيم. الجواب قلنا جواب أهل الحق عن هذه الآية معروف وهو ان هابيل لم يرد من أخيه قبيحا ولا أراد أن يقتله وانما أراد ما خبر الله تعالى به عنه من قوله (إنى أريد أن تبوء باثمي وإثمك) أي تبوء بجزاء ما قدمت عليه من القبيح وعقابه وليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقه ونظير قوله إثمى مع أن المراد به عقوبة إثمى الذى هو قتلى قول القائل عمن يعاقب على ذنب جناه هذا ما كسبت يداك والمعني هذا جزاء ما كسبته يداك وكذلك قولهم لمن يدعون عليه لقاك الله عملك وستلقى علمك يوم القيامة معناه ما ذكرناه. فان قيل كيف يجوز أن يحسن رادة عقاب غير مستحق لم يقع سببه لان القتل على هذا القول لم يكن واقعا. قلنا ذلك جائز بشرط وقوع الأمر الذى يستحق به العقاب فهابيل لما رأى من أخيه التصميم على قتله والاضمار والعزم على إمضاء القبيح فيه وغلب على ظنه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه بشرط أن يفعل ما هم به وعزم عليه. فأما قوله اثمى واثمك فالمعنى فيه واضح لانه أراد باثمى عقاب قتلك لي وباثمك أي عقاب المعصية التى أقدمت عليها من قبلى فلم يتقبل قربانك لسببها لان الله تعالى أخبر عنهما بانهما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر وان العلة في ان قربان أحدهما لم يتقبل انه غير متق وليس يمتنع أن يريد باثمى ما ذكرناه لأن الأثم مصدر والمصادر قد تضاف الى الفاعل والمعفول جميعا وذلك مستعمل مطرد في القرآن والشعر والكلام فمثال ما أضيف الى الفاعل. قوله تعالى (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض) ومن اضافته الى المفعول. قوله تعالى (لا يسأم الانسان من دعاء الخير وان مسه الشر). وقوله تعالى (لقد ظلمك بسؤال نعجتك


[ 136 ]

الى نعاجه). ومما جاء في الشعر من اضافته الى المفعول ومعه الفاعل قول الشاعر أمن رسم دار مربع ومصيف * لعينيك من ماء الشؤون وكيف (1)


(1) قوله * أمن رسم دار الخ * هو مطلع قصيدة للحطيئة عدتها ثمانية عشر بيتا مدح بها سعيد بن العاص الأموي لما كان واليا بالكوفة لعثمان بن عفان رضى الله عنه قوله * أمن رسم دار الخ * الهمزة للاستفهام التقريري ومن تعليلية متعلقة بوكيف وهو مصدر وكف وكوفا ووكيفا سال شيئا فشيئا وتأويله أمن رسم دارا مربع أي أر فيها آثارا والرسم الأثر بلا شخص – والشؤون – مجاري الدمع من الرأس الى العين واحدها شأن. وقوله – لعينيك – جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم على المبتدا وهو وكيف يروى بالتثنية ويروى بالافراد – ومربع – فاعل المصدر وهو رسم وهو على حذف مضاف والتقدير مطره ونحوه وهو وما بعده اسمان لزمن الربيع والصيف ويأتيان اسمى مكان ومصدرين أيضا وهذه الصيغة تشترك فيها هذه المعاني وهى صيغة قياسية يذكرها الصرفيون والمذكور في كتب اللغة انما هو المربع بمعنى منزل القوم في الربيع خاصة وبعد البيت رشاش كغربي هاجري كلاهما * له داجن بالكسرتين عليف إذا كر غربا بعد غرب أعاده * على رغمه وافى السبال عنيف تذكرت فيها الجهل حتي تبادرت * دموعي وأصحابي على وقوف يقولون هل يبكى من الشوق مسلم * تخلى الى وجه الإ له حنيف فلأيا أزاحت علتي ذات ملسم * نكيب تغالى في الزمام خنوف مقذفة باللحم وجناء عدوها * على الأين إرقال معا ووجيف اليك سعيد الخير جبت مهامها * يقابلني آل بها وتنوف ولو لا الذي العاصي أبوه تعلقت * بحوران مجذام العشى عصوف ولو لا أصيل اللب غض شبابه * كريم الأيام المنون عروف إذا هم بالأعداء لم يثن همه * كعاب عليها لؤلؤ وشنوف حصان لها في البيت زى وبهجة * ومشي كما تمشي القطاة قطوف

[ 137 ]

في الكلام يقول القائل أعجبني ضرب عمرو خالدا إذا كان عمرو فاعلا وضرب عمرو خالد إذا كان عمرو معفولا. وقد ذكر قوم في الآية وجها آخر وهو أن يكون المراد إنى أريد زوال أن تبوء باثمى واثمك لانه لم يرد له إلا الخير والرشد فحذف الزوال وأقام ان وما اتصل بها مقامه كما قال تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل) أراد حب العجل فحذف الحب وأقام العجل مقامه وكما قال تعالى (واسأل القرية) وهذا قول بعيد لانه لا دلالة في الكلام على محذوف وانما تستحسن العرب الحذف في بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه. وذكر أيضا وجه آخر وهو أن يكون المعنى إنى أريد أن لاتبوء باثمى واثمك أي أريد أن لا تقتلني ولا أقتلك فحذف لا واكتفى بما في الكلام كما قال تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) معناه أن تضلوا وكقوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) معناه أن لا تميد بكم وكقول الخنساء فأقسمت آسي على هالك * وأسأل نائحة مالها أرادت لا آسى ولا أسأل. وقال امرؤ القيس فقلت يمين الله ابرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي أراد لا أبرح. وقال عمرو بن كلثوم نزلتم منزل الأضياف منا * فعجلنا القرى أن تشتمونا أراد أن لا تشتمونا والشواهد في هذا كثيرة جدا وهذا الجواب يضعفه كثير من أهل


ولو شاء وارى الشمس من دون وجهه * حجاب ومطوي السراة منيف ولكن إدلاجا بشهباء فخمة * لها لقح في الأعجمين كشوف إذا قادها للموت يوما تتابعت * الوف على آثارهن الوف فصفوا وما ذي الحديد عليهم * وبيض كأولاد النعام كثيف أنابت الى جنات عدن نفوسهم * وما بعدها للصالحين حنوف خفيف المعي لا يملأ الهم صدره * إذا سمته الزاد الخبيث عيوف (18 – أمالى لث)

[ 138 ]

العربية لانهم لا يستحسنون اضمار لا في مثل هذا الموضوع. فأما قوله تعالى حاكيا عنه (لئن بسطت الئ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدى اليك لأقتلك). فقال قوم من المفسرين ان القتل على سبيل الانتصار والمدافعة لم يكن مباحا في ذلك الوقت وان الله تعالى أمره بالصبر عليه وامتحنه بذلك ليكون هو المتولي للانتصاف. وقال آخرون بل المعنى ان بسطت الئ يدك مبتدئا ظالما لتقتلني ما أنا بباسط يدي اليك على وجه الظلم والابتداء فكأنه نفى عن نفسه القتل القبيح وهو الواقع على سبيل الظلم. والظاهر من الكلام بغير ما ذكر من الوجهين أشبه لانه تعالى خبر عنه انه وان بسط أخوه إليه يده ليقتله لا يبسط يده ليقتله أي وهو مريد لقتله ومجر إليه لان هذه اللام بمعنى كى وهي منبئة عن الارادة والغرض ولا شبهة في حظر ذلك وقبحه ولان المدافع انما تحسن منه المدافعة للظالم أو طلب التخلص منه من غير أن يقصد الى قتله والاضرار به ومتي قصد ذلك كان في حكم المبتدى بالقتل في انه فاعل القبيح والعقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأي وجه تمكن منه بعد أن يكن غير قبيح. فإن قيل فكأنكم تمنعون من حسن امتحان الله تعالى بالصبر على ترك الانتصار والمدافعة ووجوبهما على كل حال. قلنا لا يمتنع من ذلك وانما بينا ان الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة والانتصاف على ما ذهب إليه قوم لان قوله لأقتلنك يقتضى أن يكون البسط لهذا الغرض والمدافعة لا يقتضى ذلك ولا يحسن من المدافع أن يجري بها الى ضرب فلا دلالة في الآية على تحريم المدافعة ووجب أن يكون ما ذكرناه أولي بشهادة الظاهر [ تأويل خبر ]. إن سأل عن معنى الخبر الذى رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من انه قال لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتسمه النار الا تحلة القسم. الجواب قلنا أما أبو عبيد القاسم بن سلام فانه قال يعنى بتحلة القسم قوله تعالى (وان منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لا يرد النار إلا بقدر مايبر الله قسمه. وأما ابن قتيبة فانه قال في تأويل أبى عبيد هذا مذهب حسن من الاستخراج ان كان هذا قسما. قال وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم وهو ان العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشئ وتقصير مدته شبهوه بتحلة


[ 139 ]

القسم وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه ان شاء الله فيقولون ما يقيم فلان عندنا الا تحلة القسم وما ينام العليل إلا كتحليل الألية وهو كثير مشهور. قال مزاحم بن أحمر وذكر الريح إذا عصفت رسما فليس بدائم * به وتد إلا تحلة مقسم يقول لا يثبت الوتد الا قليل كتحلة القسم لان هبوب الريح يقلعه. وقال آخر يذكر ثورا يخفى التراب بأظلاف ثمانية * في أربع مسهن الأرض تحليل (1) يقول هو سريع خفيف فقو ائمه لا تثبت في الأرض إلا كتحليل اليمين. وقال ذو الرمه كأنه يصف صاحب سفر أغفى غفاة ثم انتبه سريعا


(1) – يخفى التراب – يستخرجها لشدة عدوه ويقال خفيت الشئ إذا استخرجته وقرأ بعضهم (ان الساعة آتية أكاد أخفيها) أي أظهرها ومن قرأ اخفيها أراد أسرها ومنه الحديث ليس على مختف قطع ومنه قول امرئ القيس خفاهن من أنفاقهن كأنما * خفاهن ودق من عشى محلب ويروي مجلب أي يجلب الماء ومجلبة من الجلبة جلبة الريح والرعد. وقوله – باظلاف ثمانية في أربع – يريد ثمانية اظلاف في أربع قوائم في كل قائمة ظلفان. وقوله – مسهن الأرض تحليل – أي كتحلة اليمين وأهل الحجاز يسمون النباش المختفى وقال مسهن الأرض تحليل قدر تحلة اليمين كأنه أقسم ليمسن الأرض كما قال الراعى حدت السراب وألحقت أعجازها * روح يكون وقوعها تحليلا والبيت من قصيدة لعبدة بن الطبيب وهى مفضلية ومطلعها هل حبل خولة بعد الهجر موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول حلت خويلة في دار مجاورة * أهل المدائن فيها الديك والفيل يقارعون رؤوس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل فخامر القلب من ترجيع ذكرتها * رس لطيف ورهن منك مكبول

[ 140 ]

طوى طيه فوق الكرا جفن عينه * على رهبات من جنان المخادر قليلا كتحليل الألى ثم قلصت * به شيمة روعاء تقليص طائر – والألى – جمع ألوة وهى اليمين قال ومعنى الخبر على هذا التأويل ان النار لا تمسه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجيه الله منها. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري الصواب قول أبى عبيد لحجج ثلاث. ومنها ان جماعة من كبار أهل العلم فسروه على تفسير أبي عبيد. ومنها انه ادعى ان النار تمس الذى وقعت منزلته عند الله جليلة لكن مسا قليلا والقليل من النار لا يقع به الألم العظيم وليس صفة الأبرار في الآخرة صفة من تمسه النار لا قليلا ولا كثيرا. ومنها ان أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمس وانما حكم عليه بالورود والورود لا يوجب أن يكون من الأبرار لان إلا معناه الاستثناء المنقطع فكأنه قال فتمسه النار لا كن تحلة اليمين أي لا كن ورود النار لابد منه فجرى مجرى قول العرب سار الناس الا الاثقالا وارتحل العسكر إلا الخياما وأنشد الفراء وسمحة المشى شملال قطعت بها * أرضا يحار الهادون ديموما (1) مهامها وحزونا لا أنيس بها * إلا الصوائح والأصداء والبوما (2) وأنشد الفراء


(1) – الديموم – والديمومة الفلاة الواسعة يدوم السير فيها لبعدها وقيل هي المفازة لا ماء بها وأنشد ابن برى لذى الرمة * إذا انتخ الدياميم * وقيل الديمومة الأرض المستوية التى لا أعلام بها ولا طريق ولا ماء ولا أنيس. وقال أبو عمرو الدياميم الصحارى الملس المتباعدة الأطراف (2) – الصوائح – جمع صائح وهو ما يصيح أي يصوت والمراد به الأصوات التي تسمع في الخلاء ولا حقيقة لها – والأصداء – جمع صدى وهو ما يرده الجبل على المصوت فيه – والبوم – طائر معروف

[ 141 ]

ليس عليك عطش ولا جوع * إلا الرقاد والرقاد ممنوع فمعنى الحديث لا يموت لمسلم ثلاثة من الأولاد فتمسه النار البتة لا كن تحلة اليمين لا بد منها وتحلة اليمين الورود والورود لا يقع فيه مس. قال أبو بكر وقد سنح لى فيه قول آخر وهو أن تكون إلا زائدة دخلت للتوكيد وتحلة اليمين منصوب على الوقت والزمان ومعنى الخبر فتسمه النار وقت تحلة القسم وإلا زائدة. قال الفرزدق شاهدا لهذا هم القوم إلا حيث سلوا سيوفهم * وضحوا بلحم من محل ومحرم معناه هم القوم حيث سلوا سيوفهم وإلا مؤكدة. وقال الأخطل ويقطعن إلا من فروع يردنها * بمدحة محمود نثاه ونائله (1) معناه يقطعون الابل من فروع يردنها والفروع الواسعة من الأرض. [ قال الشريف


(1) وفي ديوانه اليكم من الأغوار حتى يزرنكم * بمدحة محمود نثاه ونائله – الأغوار – جمع غور بالفتح وهو القعر من كل شئ وهى هنا الأمكنة المطمئنة – والنثا – بالفتح والقصر الخبر. والبيت من قصيدة يمدح بها بشر بن مروان ومطلعها صحا القلب عن أروى وأقصر باطله * وعاد له من حب أروى أخابله أجدك ما نلقاك إلا مريضة * تداوين قلبا ما تنام بلابله عفا واسط منها فالجام حامر * فروض القطا صحراؤه وحمائله. ومنها ومستقبل لفح الحرور بحاجة * اليكم أبا مروان شدت رواحله اليكم من الأغوار حتى يزرنكم * بمدحة محمود نثاه ونائله جزاء وشكرا لامرئ لا يغبنى * إذا جئته نعماؤه وفواضله أخو الحرب ما ينفك يدعي لعصبة * حرورية أو أعجمى يقاتله

[ 142 ]

المرتضى ] رضى الله عنه والوجوه المذكورة في تأويل الخبر متقاربة لان الوجه الذى اختص به ابن الانباري فيه أدنى تعسف وبعد من حيث جعل إلا زائدة وذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العلم بالعربية وقد تبقى في الخبر مسألة التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلفه القوم وهى متوجهة على كل الوجوه التى ذكروها في تأويله. وهو أن يقال كيف يجوز أن يخبر عليه الصلاة والسلام بأن من مات له ثلاثة أولاد لا تسمه النار إما جملة أو مقدار تحلة القسم وهو النهاية في القلة أو ليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله وإذا كان من يموت له بهذا العدد من الأولاد غير خارج عن التكليف فكيف يصح أن يؤمن من العقاب. والجواب عن ذلك إذا قد علمت أولا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن كانت هذه صفته للتمييز ولا مدحة في مجرد موت الأولاد لان ذلك لا يرجع الى فعله ولا بد من أن يكون تقدير الكلام ان النار لا تمس المسلم الذى يموت له ثلاثة من الأولاد إذا حسن صبره واحتسابه وعزاؤه ورضاه بما جرى به القضاء عليه لانه بذلك يستحق الثواب والمدح وإذا كان اضمار الصبر والاحتساب لا بد منه لم يكن في القول اغراء لان كيفية وقوع الصبر والوجه الذى إذا وقع عليه تفضل الله تعالى بغفران ما لعله أن يستحقه من العقاب في المستقبل غير معلوم وإذا لم يكن معلوما متميزا فلا وجه للاغراء وأكثر ما في هذا الكلام أن يكون القول مرغبا في حسن الصبر وحاثا عليه رغبة في الثواب ورجاء لغفران ما لعله أن يستحق في المستقبل من العقاب وهذا واضح لمن تأمله (مجلس آخر 54) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة). فقال: ما معني أو ههنا وظاهرها يفيد الشك الذى لا يجوز عليه تعالى. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه. أولها أن تكون أو ههنا للاباحة كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين والق الفقهاء أو المحدثين ولم يريدوا الشك بل


[ 143 ]

كأنهم قالوا هذان الرجلان أهل للمجالسة وهذا القبيلان من العلماء أهل للقاء فان جالست الحسن فأنت مصيب وان جالست ابن سيرين فأنت مصيب وان جمعت بينهما فكذلك فيكون معنى الآية على هذا ان قلوب هولاء قاسية متجافية عن الرشد والخير فان شبهتم قسوتها بالحجارة أصبتم وان شبهتموها بما هو أشد أصبتم وان شبهتموها بالجميع فكذلك وعلى هذا يتأول قوله تعالى (أو كصيب من السماء) لان أو لم يرد بها الشك بل على نحو الذى ذكرناه من انكم إن شبهتموهم بالذي استوقد نارا فجائز وان شبهتموهم بأصحاب فجائز وان شبهتموهم بالجميع فكذلك. وثانيها أن تكون أو دخلت للتفصيل والتمييز ويكون معنى الآية ان قلوبهم قست فبعضها ما هو كالحجارة في القسوة وبعضها ما هو أشد قسوة منها ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا) ومعناه وقال بعضهم كونوا هودا وهم اليهود وقال بعضم كونوا نصاري وهم النصارى فدخلت أو للتفصيل وكذلك قوله تعالى (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون) معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا وجاء بعض أهلها بأسنافي وقت القيلولة وقد يحتمل قوله تعالى (أو كصيب من السماء) هذا الوجه أيضا ويكون المعني ان بعضهم يشبه الذى استوقد نارا وبعضهم يشبه أصحاب الصيب. وثالثها أن يكون أو دخلت على سبيل الابهام فيما يرجع الى المخاطب وان كان الله تعالى عالما بذلك غير شاك فيه لانه تعالى لم يقصد في إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل بل علم عز وجل ان خطابهم بالاجمال أبلغ في مصلحتهم فأخبر تعالى ان قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمهم كالحجارة أو أشد قسوة والمعنى انها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما ويجري ذلك مجرى قولهم ما أطعمتك إلا حلوا حامضا فيبهمون على المخاطب ما يعلمون انه لا فائدة في تفصيله والمعنى ما أطعمتك إلا أحد هذين الضربين وكذلك يقول أحدهم أكلت بسرة أو ثمرة وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلا انه أبهمه على المخاطب. قال لبيد


[ 144 ]

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر (1) أراد هل أنا إلا من أحد هذين الحيين فسبيلى ان أفنى كما فينا وانما حسن ذلك لان قصده الذى أجرى إليه وغرضه الذي نحاه وهو أن يخبر بكونه ممن يموت ويفنى ولا يخل به اجمال ما اجمل من كلامه فاضرب عن التفصيل لانه لا فائدة فيه ولانه سواء كان من ربيعة أو مضر فموته واجب وكذلك الآية لان الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة قلوبهم وانها مما لا تنثني لوعظ ولا تصغي الى حق فسواء كانت في القسوة كالحجارة أو أشد منها فقد تم ما أجرى إليه من الغرض في وصفها وذمها وصار تفصيل تشبيهها بالحجارة وبما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر في انه غير محتاج إليه ولا يقتضيه الغرض في ى الكلام. ورابعها أن تكون أو بمعنى بل كقوله تعالى (وأرسلناه الى مائة ألف أو يزيدون) معناه بل يزيدون وروى عن ابن عباس في قوله تعالى (وأرسلناه الي مائة ألف أو يزيدون) قال كانوا مائة ألف وبضعا وأربعين


(1) وبعده فقوما وقولا بالذى تعلمانه * ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر وقولا هو المرء الذي لا صديقه * أضاع ولا خان الصديق ولا غدر الى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والبيت الأخير يورده بعض النحاة على ان لفظ اسم مقحم. قال ابن جنى هذا قول أبي عبيدة وكذلك قال في بسم الله ونحن نحمل الكلام على ان فيه محذوفا قال أبو على وانما هو حد حذف المضاف أي ثم اسم معنى السلام عليكما واسم معنى السلام هو السلام وكأنه قال ثم السلام عليكما فالمعنى لعمري ما قاله أبو عبيدة لكنه من غير الطريق التي أتاه هو منها ألاتراه هو اعتقد زيادة شئ واعتقدنا نحن نقصان شئ اه‍. روى ان لبيد رضى الله عنه لما حضرته الوفاة قال لابنتيه هذه الأبيات فكانتا بعد وفاته تلبسان ثيابهما في كل يوم وتأتيان مجلس جعفر بن كلاب قبيلته فترثيانه ولا تعولان فأقامتا على ذلك حولا كاملا ثم انصرفتا

[ 145 ]

ألفا. وأنشد الفراء بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملح وقد تكون أم في الاستفهام أيضا بمعنى بل كقول القائل أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت معناه بل أنت رجل متعنت. وقال الشاعر فوالله ما أدرى أسلمى تغولت * أم النوم أم كل إلي حبيب معناه بل كل. وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال وكيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل وهي تقتضي الاستدراك والنقض للكلام الماضي والاضراب عنه وليس ذلك بشئ أما الاستدارك فان أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح لان أحدنا يقول أعطيته ألفا بل ألفين وقصدته دفعة بل دفعتين وهو عالم في ابتداء كلامه بما أخبر به في الثاني ولم يتجدد به علم وان أراد به الأخذ في كلام غير الماضي واستئناف زيادة عليه فهو صحيح ومثله جائز عليه تعالي فأما النقض للكلام الماضي فليس بواجب في كل موضع تستعمل فيه لفظة بل لان القائل إذا قال اعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الأول وكيف ينقضه والأول داخل في الثاني وانما زاد عليه وانما يكون ناقضا للماضي إذا قال لقيت رجلا بل حمارا واعطيته درهما بل ثوبا لان الأول لم يدخل في الثاني على وجه وقوله تعالى (أو أشد قسوة) غير ناقض للأول لأنها لا تزيد في القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها وانما تزيد عليها بعد المساواة. وخامسها أن تكون أو بمعني الواو كقوله (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) معناه وبيوت آبائكم. قال جرير نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسي على قدر (1)


(1) قوله نال الخلافة الخ. هو من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. ويروى جاء الخلافة وأتى الخلافة وفي ديوانه نا الخلافة. والبيت من شواهد النحاة في باب الفاعل على توسط المفعول بين الفعل والفاعل جوازا ومطلع القصيدة (19 – امالي لث)

[ 146 ]

وقال توبة بن الحمير وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها (1)


لجت امامة في لومي وما علمت * عرض السماوة روحاتى ولا بكري وقال العيني وأولها قوله كم باليمامة من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر وهذا غلط لان البيت قبله اثنا عشر بيتا ومنها إنا لنرجوا إذا ما الغيث أخلفنا * من الخليفة ما نرجو من المطر. ومنها أصبحت للمنبر المعمور مجلسه * زينا وزين قباب الملك والحجر (1) هو من قطعة أولها حمامة بطن الواديين ترنمي * سقاك من الغر الغوادي مطيرها أبينى لنا لا زال و يشك ناعما * ولا زلت في خضراء غض نضيرها وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت * وقد رابنى منها الغداة سفورها وقد رابنى منها صدود رأيته * واعراضها عن حاجتي وبسورها وأشرف بالقور اليفاع لعلنى * أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها يقول رجال لا يضيرك نأيها * بلى كل ماشف النفوس يضيرها بلى قد يضير العين أن تكثر البكى * ويمنع منها نومها وسرورها وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها يروي ان ليلى الأخيلية لما أنشدت الحجاج هذه الأبيات قال لها ما الذى رابه من سفورك فقالت أيها الأمير كان يلم بي كثيرا فأرسل الى يوما إنى آتيك وفطن الحي فأرصدوا له فلما أتانى سفرت عن وجهى فعلم ان ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع فقال لله درك فهل رأيت منه شيئا تكرهينه فقالت لا والذي أسأله أن يصلحك غير انه قال مرة قولا ظننت انه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول

[ 147 ]

وقال جرير أيضا أثعلبة الفوارس أم رياحا * عدلت بهم طهية والخشابا (1) أراد أو رياحا. وقال آخر فلو كان البكاء يرد ميتا * بكيت على بجير أو عفاق على المرأين إذ هلكا جميعا * لشأنهما بشجو واشتياق أراد على بجير وعفاق. وحكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب وطعن عليه بان قال ليس شئ يعلم أشد قسوة عند المخاطبين من الحجارة فيشبه قلوبهم الزيادة عليها وانما يصح ذلك في قولهم أطعمتك تمرا أو أحلا منه لان أحلا منه معلوم واختار


وذى حاجة قلنا له لاتبح بها * فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه * وأنت لاخرى فارغ وخليل فلا والله الذى أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتي فرق الموت بينى وبينه (1) قوله – أثعلبة – أراد بها القبيلة وهي ثعلبة بن سعيد بن ذبيان بن بغيض بن ريث ابن غطفان. وفي أسد بن خزيمة ثعلبة أيضا وهى ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة. وقوله – أم رياحا – بكسر الراء وبالياء آخر الحروف وهى أيضا قبيلة وهى رياح بن يربوع ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وفي قضاعة أيضا رياح بطن وهو ابن عوف ابن عميرة بن الهون بن أعجب بن قدامة بن حزم بن أبان بن حلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وفي سليم أيضا وهى رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف ابن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وقوله – طهية – بضم الطاء وفتح الهاء وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره هاء وهي حى من بنى تميم يقال لهم بنو طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقوله – والخشابا – بكسر الخاء المعجمة وبالشين المعجمة وبعد الألف باء موحدة وهى أيضا قبيلة. وقال الجوهري وبنو رزام بن مالك بن حنظلة يقال لهم الخشاب ثم أنشد البيت المذكور

[ 148 ]

المفضل الوجه الذى يتضمن أن أو بمعنى بل وهذا الذى طعن به المفضل ليس بشئ لانهم وان لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشد قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم ويصح أن يتصوروا ما هو أشد قسوة منها وماله عليها فضل لان قدرا ما إذا عرف جاز أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص لان الزيادة والنقصان انما يضافان الى معلوم معروف على ان الآية خرجت مخرج المثل وأراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة في القسوة على الحجارة انها قد انتهت الى حد لا تلين معه للخير على وجه من الوجوه وان كانت الحجارة ربما لانت وانتفع بها فصارت من هذا الوجه كأنها أشد قسوة منها تمثيلا وتشبيها وقول المفضل ليس يعرفون ما هو أقسى من الحجارة لا معنى له إذا كان القول على طريق المثل. وبعد فان الذى طعن به على هذا الجواب يعرض على الوجه الذى اختاره لانه إذا اختار أن أو في الآية بمعني بل فكيف جاز بان يخبرهم بان قلوبهم أشد قسوة من الحجارة وهم لا يعرفون ما هو أقسى من الحجارة وإذا جاز أن يقول لهم بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول قلوبهم كالحجارة التي يعرفون في القوة وهى مع ذلك تزيد عليها. فان قيل كيف يكون أو في الآية بمعنى الواو والواو للجمع وليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة أو أشد من الحجارة في حالة واحدة لان الشئ إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها. قلنا قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بان قال ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة في حال وأشد من الحجارة في حال أخرى فيصح المعنى ولا يتنافى وهذا قريب ويكون فائدة هذا الجواب ان قلوب هؤلاء في بعض الأحوال مع القسوة والعدول عن تصور الحق والفكرة فيه ربما لانت بعض اللين وفي حال اخرى تكون في نهاية البعد عن الحق وكادت تصغي الى الحق فتكون في هذا الحال كالحجارة التى ربما لانت وفي حال أخرى ربما تكون في نهاية البعد عن الحق والنفور عنه فتكون في هذا الحال أشد قسوة من الحجارة على انه يمكن في الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر وقد تقدم معناه في بعض كلامنا وهو ان قلوبهم لا تكون أشد من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة لأن القائل إذا قال فلان أعلم من فلان فقد أخبر انه زائد عليه في العلم


[ 149 ]

الذي اشتركا فيه فلا بد من الاشتراك ثم الزيادة فليس ههنا تناف على ما ظن المعترض ولا اثبات لصفة ونفيها فكل هذا بين بحمد الله تعالى. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وإنى لأستحسن من الشعر قول الأحوص بن محمد الأنصاري ومولى سخيف الراى رخو تزيده * أناتى وعفوي جهله عنده ذما (1) وصلت ولو عيرته لأصبته * بشنعاء باق عارها يفرأ العظما طوى حسدا ضغنا على كأنما * اداوى به في كل مجمعة كلما ويجهل أحيانا فلا يستخفنى * ولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما يصد وينأى في الرخاء بوده * ويدعو ويدعوني إذا خشي الهضما فيفرج عنه أربة الخصم مشهدي * وأدفع عنه عند عثرته الظلما – الاربة – الدهاء والاربة العقدة وكلا المعنيين يحتمل لفظ البيت وكنت امرأ عود الفعال تهزني * مآثر مجد تالد لم يكن زعما وكنت وشتمي في ارومة مالك * بسبي له كالكلب إذ ينبح النجما ولست بلاق سيدا ساد مالكا * فتنسبه إلا أبا لى أو عما ستعلم إن عاديتني فقع قرقر * امالا أفدت لا أبا لك أو عدما (2)


(1) – المولي – القريب كابن العم ونحوه والواو فيه واو رب أي رب مولى سخيف الرأى أي ضعيفه – والاناة – الحلم والوقار. المعنى أن اناتي وعفوي يزيد انه من ذمى عنده (2) – الفقع – البيضاء من الكمأة وهي منصوبة على الذم – والقرقر – الأرض المطمئنة. وهذا مأخوذ من قولهم أذل من فقع بقرقر لانه لا يمتنع على من اجتناه ويقال بل لانه

[ 150 ]

لقد أبقت الأيام منها وجرسها * لأعدائنا ثكلا وحسادنا رغما وكانت عروق السوء أودت وقصرت * به أن ينال الحمد فالتمس الذما ومن مختار شعره إنى إذا خفى رجال رأيتنى * كالشمس لا تخفى بكل مكان ما من مصيبة نكبة أمنى بها * إلا تشرفني وتعظم شاني وتزول حين تزول عن متخمط * تخشى بوادره على الأقران ومن جيد شعره خليلان باحا بالهوى فتشاحنت * أقاربها في وصلها وأقاربه ألا إن أهوى الناس قربا ورؤية * وريحا إذا ما الليل غارت كواكبه ضجيع دنا منى جذلت بقربه * فبات يمنيني وبت أعاتبه وأخبره بالسر بينى وبينه * بأن ليس شئ عند نفسي يقاربه وقد غبر في وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول


يوطأ بالأرجل والجمع فقعة مثل جبء وجبأة ويقال حمام فقيع إذا كان – أبيض ويشبه الرجل الذليل بالفقع فيقال هو فقع قرقر لان الدواب تنجله بأرجلها. قال النابغة يهجو النعمان بن المنذر حدثوني بنى الشقيقة ما يمنع فقعا بقرقر أن يزولا لأن الفقعة لا أصول لها ولا أغصان ويقال فلان فقعة لقاع كما يقال في مولد الأمثال لمن كان كذلك هو كشوت الشجر لان الكشوت نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر هو الكشوث فلا أصل ولا ورق * ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر

[ 151 ]

تقول وقد جردتها من ثيابها * كما رعت مكحولا من العين أتلعا وجدك لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا فبتنا نذود الوحش عنا كأننا * قتيلان لم تعلم لنا الناس مصرعا إذا أخذتها هزة الروع أمسكت * بمنكب مقدام على الهول أروعا وقال على بن الجهم في وصفه شدة الالتزام سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة * وأدنى فؤادا من فؤاد معذب فبتنا جميعا لو تراق زجاجة * من الراح فيما بيننا لم تسرب ولعبد الصمد بن المعدل في هذا المعني كأننى عانقت ريحانة * تنفست في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدجا * حسبتنا في جسد واحد ولبشار إنني أشتهى لقاءك والله فماذا عليك أن تلقاني قد تلف الرياح غصنا من البان إلى مثله فيلتقيان ومثله للبحتري ولم أنس ليلتنا في العناق لف الصبا بقضيب قضيبا كما اقبلت الريح في مرها * فطورا خفوتا وطورا هبوبا ولآخر في مثل هذا بعينه ولسنا ندري هل سبق البحتري أو تأخر عنه وضم لا ينهنهه اعتناق * كما لف القضيب على القضيب ولعلي بن الجهم وبتنا على رغم الحسود كأننا * خليطان من ماء الغمامة والخمر


[ 152 ]

وهذا وان جعله في العناق فهو مأخوذ من قول بشار وإن نلتقي خلف العيون كأننا * سلاف عقار بالنقاخ مشوب والأصل في هذا قول الأخطل والناس من بعده على أثره من الجاريات الحور مطلب سرها * كبيض الأنوق المستكنة في الوكر وإنى وإياها إذا ما لقيتها * لكالماء من صوب الغمامة والخمر وقد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال ما أنس لا أنس يمناها معطفة * على فؤادى ويسراها على راسى وقولها ليته ثوب على جسدي * أوليتني كنت سربا لا لعباس أوليته كان لى خمرا وكنت له * من ماء مزن فكنا الدهر في كاس ومثل هذا للبحتري وجدت نفسك من نفسي بمنزلة * هي المصافاة بين الماء والراح ولقد أحسن بشار في قوله لقد كان ما بينى زمانا وبينها * كما كان بين المسك والعنبر الورد أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانى قال حدثنا أحمد بن محمد المكي قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنى القتيبى عن أبيه قال سير الوليد بن عبد الملك (1) الأحوص الى دهلك فكتب


(1) قوله سير الوليد بن عبد الملك الأحوص الخ. المشهور ان الذي نفاه سليمان ابن عبد الملك وسبب ذلك ان الأحوص كان ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة ويتغنى في شعره معبد ومالك ويشيع ذلك في الناس فنهي فلم ينته فشكي الى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة وسألوه الكتاب فيه إليه ففعل ذلك فكتب سليمان الي عامله يأمره أن يضربه مائة سوط وبقيمه على البلس للناس ثم يصيره الى دهلك ففعل ذلك به فتوى هناك سلطان سليمان بن عبد الملك ثم ولي عمر بن عبد العزيز فكتب

[ 153 ]

الأحوص الي عمر بن عبد العزيز حين استخلف وكيف ترى للنوم طعما ولذة * وخالك أمسى موثقا في الحبائل فمن يك أمسى سائلا عن شماتة * ليشمت بى أو شامتا غير سائل فقد عجمت مني الحوادث ماجدا * صبورا على غماء تلك البلابل إذا سر لم يفرح وليس لكنبة * ألمت به بالخاشع المتضائل فبعث عمر بن عبد العزيز الى عراك بن مالك الذي كان شهد عليه فقال ما ترى في هذا


إليه يستأذنه في القدوم ويمدحه فأبى أن يأذن له وكتب فيما كتب إليه به أيا راكبا إما عرضت فبلغن * هديت أمير المؤمنين رسائلي وقل لأبى حفص إذا ما لقيته * لقد كنت نفاعا قليل الغوائل وكيف ترى للعيش طيبا ولذة * وخالك أمسى موثقا في الحبائل ثم ان رجالا من الأنصار كلموا فيه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فقال لهم فمن الذى يقول فما هو ألا أن رآها فجاءة * فأبهت حتى ما أكاد يجيب قالوا الأحوص والصحيح ان هذا البيت لعروة بن حزام. قال فمن الذى يقول أدور ولو لا ان أرى أم جعفر * بأبياتكم مادرت حيث أدور وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى * إذا لم يزر لا بد أن سيزور قالوا الأحوص. قال فمن الذى يقول كأن لبنى صبير غادية * أو دمية زينت بها البيع الله بينى وبين قيمها * يفر منى بها وأتبع قال بل الله بين قيمها وبينه. فمن الذى يقول ستبقى لها في مضمر القلب والحشى * سريرة حب يوم تبلي السرائر قالوا الأحوص قال ان الفاسق عنها يومئذ لمشغول والله لا أرده ما كان لي سلطان (20 – أمالى – لث)

[ 154 ]

البائس فقال عراك مكانه خير له فتركه في موضعه فلما ولى يزيد بن عبد الملك جلب الأحوص وسير عراكا. [ قال المرتضى ] رضى الله عنه وانما كان الأحوص خال عمر بن عبد العزيز من جهة ان أم عمر هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وأمها أنصارية. فأما قوله – إذا سر لم يفرح – فمأخوذ من قول لقيط من زرارة لامترفا إن رخاء العيش ساعده * وليس إن عض مكروه به خشعا (1). وللأحوص وببطن مكة لا أبوح به * قرشية غلبت على قلبي لو أنها إذ مر مركبها * يوم الكديد أطاعنى صحبى قلنا لها حييت من شجن * ولركبها حييت من ركب


(1) البيت من قصيدته المشهورة التى أنذر بها قومه غزو كسرى إياهم وكان لقيط كاتبا في ديوان كسرى فلما رآه مجمعا على غزو إياه كتب إليهم بهذا الشعر فوقع الكتاب في يد كسرى فقطع لسان لقيط وغزا إيادا ومطلعها يا دار عمرة من محتلها الجرعا * هاجت لى الهم والاحزان والوجعا تامت فؤادى بذات الجزع خرعبة * مرت تريد بذات العذبة البيعا بمقلتي خاذل أدماء طاع لها * نبت الرياض تزجي وسطه ذرعا. ومنها وقلدوا أمركم لله دركم * رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا لا مترفا ان رخاء العيش ساعده * ولا إذا عض مكروه به خشعا لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه * هم يكاد سناه يقصم الضلعا مسهد النوم تعنيه أموركم * يروم منها الى الأعداء مطلعا ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره * يكون متبعا طورا ومتبعا حتي استمرت على شزر مريرته * مستحكم الرأى لاقحما ولا ضرعا

[ 155 ]

والشوق أقتله برؤيتها * قتل الظما بالبارد العذب والناس إن حلوا جميعهم * شعبا سلام وكنت في شعب لحللت شعبك دون شعبهم * ولكان قربك منهم حسبى قوله – والشوق أقتله – نظير قول جرير فلما التقى الحيان القيت العصا * ومات الهوى لما أصيب مقاتله (مجلس آخر 55) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين). فقال كيف يأمرهم تعالى بان يخبروا بما لا يعلمون وليس أقبح من تكليف ما لا يطاق الذي تأبونة والذي لا يجوز أن يكلف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوزه. الجواب قلنا قد ذكر في هذه الآية وجهان. أولهما ان ظاهر هذه الآية إن كان أمرا يقتضى التعلق بشرط وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا فكأنه قال تعالى خبروا بذلك ان علمتموه ومتى رجعوا الى نفوسهم فلم يعلموا فلا تكليف عليهم وهذا بمنزلة ان يقول القائل لغيره خبرني بكذا وكذا ان كنت تعلمه وان كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه. فان قيل أو ليس قد قال المفسرون في قوله تعالى (ان كنتم صادقين) ان المراد به ان كنتم تعلمون بالعلة التى من أجلها جعلت في الأرض خليفة أو ان كنتم صادقين في اعتقادكم انكم تقومون بما أنصب الخليفة له وتضطلعون به وتصلحون به. قلنا قد قيل كل ذلك وقيل أيضا ما ذكرناه وإذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما وهذا الجواب لايتم لمن يذهب الى ان الله تعالى لا يصح أن يأمر العبد بشرط قد علم انه لا يحصل ولا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا الوجه ومن ذهب الى جواز ذلك صح منه أن يعتمد على هذا الجواب. فإن


[ 156 ]

قيل فأى فائدة في أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين وهو عالم بأنهم لا يتمكنون من ذلك لفقد علمهم به. قلنا لمن ذهب الى الأصل الذى ذكرناه أن يقول لا يمتنع أن يكون الغرض في ذلك هو أن يكشف باقرارهم وامتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب وانفراده بالاطلاع على وجوه المصالح في الدين. فان قيل فهذا يرجع الى الجواب الذي تذكرونه من بعد. قلنا هو وان رجع الى هذا المعنى فبينهما فرق من حيث كان هذا الجواب على تسليم ان الآية تضمنت الأمر والتكليف الحقيقيين والجواب الثاني لا نسلم فيه ان القول أمر على الحقيقة فمن ههنا افترقا. والوجه الثاني أن يكون الأمر وان كان ظاهره أمر فغير أمر على الحقيقة بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة وقد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر والقرآن والشعر وكلام العرب مملوء بذلك وتلخيص هذا الجواب ان الله تعالى قال للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فقال إنى أعلم ما لا تعلمون) أي إنى مطلع من مصالحكم وما هو أنفع لكم في دينكم على ما لا تطلعون عليه ثم أراد التنبيه على انه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة مع أنها تسبح وتقدس وتطيع ولا تعصى أولى بالاستخلاف في الأرض وان كان في ذريته من يفسد ويفسك الدماء فعلم تعالى آدم عليه الصلاة والسلام أسماء جميع الأجناس أو أكثرها وقيل أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله والأئمة من ولده وسلم وفيه أحاديث مروية ثم قال تعالى للملائكة أنبؤوني بأسماء هؤلاء مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه ودالا على اختصاص آدم عليه الصلاة والسلام بما لم يخصوا به فلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الذي لا يعلمونه فقال تعالى (ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) منبها على انه تعالي هو المتفرد بعلم المصالح في الدين وان الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره تعالى ويعلم انه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم علموا وجه ذلك أم جهلوه وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى (ان كنتم صادقين) محمولا على كونهم صادقين في العلم بوجه المصلحة في نصب الخليفة أو في ظنهم انهم يقومون بما يقوم به هذا


[ 157 ]

الخليفة ويكملون له ولو لا ان الأمر على ما ذكرناه وان القول لا يقتضى التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم واقرارهم (ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) معنى لان التكليف الأول يا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم عليه الصلاة والسلام بالأسماء ولا يكون قوله تعالى (إنى أعلم غيب السموات) الى آخر الآية الا مطابقا لما ذكرناه من المعنى دون معنى التكليف فكأنه تعالى قال إذا كنتم تعلمون هذه الأسماء فأنتم عن علم الغيب أعجز وبأن تسلموا الأمر لمن يعلمه ويدبر أمركم بحسبه أولى. فإن قيل كيف علمت الملائكة بأن في ذرية آدم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء وما طريق علمها بذلك وان كانت غير عالمة فكيف يجوز أن تخبر عنه بغير علم. قلنا قد قيل انها لم تخبر وانما استفهمت فكأنها قالت متعرفة أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا وقيل أيضا ان الله تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرية هذا المستخلف من يعصى ويفسد في الأرض فقالت على وجه التعرف لما في هذا التدبير من المصلحة والاستفادة لوجه الحكمة فيه أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا وهذا الجواب الأخير يقتضى أن يكون في أول الكلام حذف ويكون التقدير (وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة) وإنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها ويسفك الدماء فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) لان ذلك دلالة على الأول وانما حذفه اختصارا وفي جملة جميع الكلام اختصار شديد لانه تعالى لما حكى عنهم قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) الآية كان في ضمن هذا الكلام فنحن على ما نظنه ويظهر لنا من الأمر أولى بذلك لانا نطيع وغيرنا يعصى وقوله تعالى (إنى أعلم مالا تعلمون) يتضمن إننى أعلم من مصالح المكلفين ما لا تعلمونه وما يكون مخالفا تظنونه على ظواهر الأمور وفي القرآن من الحذوف العجيبة والاختصارات الفصيحة مالا يوجد في شئ من الكلام فمن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام والناجي من صاحبيه في السجن رؤيا الملك البقر السمان والعجاف أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق افتنا ولو بسط الكلام فأورد محذوفة لقال أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ففعلوا فأتى يوسف فقال له


[ 158 ]

يا يوسف أيها الصديق ومثله قوله في الأنعام (قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين) أي وقيل لي وتكونن من المشركين وكذلك قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام (ولسليمان الريح غدوها شهر وراوحها شهر) الى قوله تعالى (اعملوا آل داود شكرا) أي وقيل لهم (اعملوا آل داود شكرا) . وقال جرير وردتم على قيس بخور مجاشع * فنؤتم على ساق بطئ جبورها أراد فنؤتم على ساق مكسورة بطئ جبورها كأنه لما كان في قوله بطئ جبورها دليل على الكسر اقتصر عليه. وقال عنترة هل تبلغني دارها شدنية * لعنت بمحروم الشراب مصرم يعنى ناقته. ومعنى – لغت – دعاء عليها بانقطاع لبنها وجفاف ضرعها فصارت كذلك والناقة إذا كانت لا تنتج كان أقوى لها على السير. قال تأبط شرا ويروي للشنفرى فلا تدفنوني إن دفني محرم * عليكم ولكن خامرى أم عامري (1)


(1) – خامرى أم عامر – مثل وأم عامر وأم عمرو وأم عويمر الضبع يشبه بها الأحمق ويروي عن على رضى الله عنه انه قال لا أكون مثل الضبع تسمع اللدم فتبرز طمعا في الحية حتى تصاد وهي كما زعموا من أحمق الدواب لانهم إذا أرادوا صيدها رموا في جحرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك ويقال لها ابشرى بجراد عظال وكمر رجال فلا يزال يقال لها حتي يدخل عليها رجل فيربط يديها ورجليها ثم يجرها والجراد العظال الذى ركب بعضها بعضا كثرة وأصل العظال سفاد السباع. وقوله وكمر رجال يزعمون ان الضبع إذا وجدت قتيلا قد انتفخ جردانه ألقته على قفاه ثم ركبته. قال العباس بن مرداس ولو مات منهم من جرحنا لأصبحت * ضباع بأعلى الرقمتين عرائسا وبعد البيت

[ 159 ]

لانه أراد فلا تدفنوني بل دعوني تأكلني التي يقال لها خامري أم عامر وهى الضبع. وقال أوس بن حجر حتى إذا الكلاب قال لها * كاليوم مطلوب ولا طلبا أراد لم أراك اليوم فحذف. وقال أبو داود الايادي إن من شيمتي لبذل تلادى * دون عرضى فإن رضيت فكوني أراد فكوني معى على ما أنا عليه وإن سخطت فبيني فحذف هذا كله.. والآخر إذا قيل سيروا إن ليلى لعلهنا * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب أراد لعلها قربت وهذا يتسع وهو أكثر من أن يحيط به قول. والحذف غير الاختصار وقوم يظنون أنهما واحد وليس كذلك لان الحذف يتعلق بالألفاظ وهو أن يأتي بلفظ يقتضى غيره ويتعلق به ولا يستقل بنفسه ويكون في الموجود دلالة على المحذوف فتقتصر عليه طلبا للاختصار والاختصار يرجع الى المعاني وهو أن يأتي بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبر عنها بغيره لاحتيج الى أكثر من ذلك اللفظ فلا حذف الا وهو اختصار وليس كل اختصار حذفا. فمثال الحذف قوله – ولكن خامرى أم عامر – ونظائره مما أنشدناه لان القول غير مستغن بنفسه بل يقتضى كلاما آخر غير انه لما كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله. ومثال الاختصار الذى ليس بحذف قول الشاعر أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل (1)


إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثرى * وغودر عند الملتقى ثم سائرى هنا لك لاأرجو حياة تسرني * سجيس الليالي مبسلا بالجرائر (1) قوله – قبر ابن مارية – الخ. قال أبو عبيدة هي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة وقال ابن الكلبى مثل قول أبى عبيدة ثم قال وقالت كندة جمعاء هي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة وقال القعنبي بنت ظالم ابن وهب بن الحارث وقال ابن السكيت هي مارية بنت أرقم بن ثعلبة. والبيت من قصيدة

[ 160 ]

أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم لا ينتجعون كالاعراب فاختصر هذا المبسوط كله في قوله حول قبر أبيهم. ومثله قول عدي بن زيد عالم بالذى يريد نقي الصدر عف على حثاه نحور (1) وفي معنى الاختصار قول أوس بن حجر وفتيان صدق لاتخم لحامهم * إذا شبه النجم الصوار النوافرا فقوله – لاتخم لحامهم – لفظ مختصر ولو بسط لقال إنهم لايد خرون اللحم ولا يستبقونه فيخم بل يطعمونه الأضياف والطراق. ومعنى قوله – إذا شبه النجم الصوار النوافرا – يعنى في شدة البرد كلب الشتاء لان الثريا تطلع في هذا الزمان عشاء كأنها صوار متفرق وهذا أيضا أكثر من أن يحصى وانما فضل الكلام الفصيح بعضه على بعض لقوة حظه من افادة المعاني الكثيرة بالألفاظ المختصرة. فأما قوله تعالى (ثم عرضهم على الملائكة) بعد ذكر الأسماء التى لا تليق بها هذا الكناية فالمراد به عرض المسميات لان الكناية لا تليق بالأسماء ولا بد من أن تكون تلك المسميات أو فيها ما يجوز أن يكنى عنه بهذه


حسان رضى الله عنه المشهورة التي مدح بها آل جفنة ومطلعها أسألت رسم الدار أم لم تسأل * بين الجوابي فالبضيع فحومل ومنها لله در عصابة نادمتهم * يوما يجلق في الزمان الأول ومنها يغشون حتي ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الأنوف من الطراز الأول ومنها ولقد شربت الخمر في حانوتها * صهباء صافية كطعم الفلفل يسعي على بكأسها متنطف * فيعلنى منها ولو لم أنهل إن التى ناولتني فرددتها * قتلت قتلت فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطنى * بزجاجة أرخاهما للمفصل (1) – هكذا في الاصول التي بايدينا ولم نقف عليه

[ 161 ]

الكناية لانها لا تستعمل إلا في العقلاء وما يجرى مجراهم. وقيل ان في قراءة ابي ثم عرضها وفي قراءة عبد الله بن مسعود ثم عرضهن وعلى هاتين القراءتين يصلح أن تكون عبارة عن الأسماء. وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممن تكلم في تفسير القرآن ولا في متشابهه ومشكله تعرض له وهو من مهم ما يسأل عنه. وذلك أن يقال من أين علمت الملائكة عليها السلام لما أخبرها آدم عليه الصلاة والسلام بتلك الأسماء صحة قوله ومطابقة الأسماء للمسميات وهى لم تكن عالمة بذلك من قبل إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء ولم تعترف بفقد العلم والكلام يقتضيه لانهم لما أنبأهم آدم عليه الصلاة والسلام علموا صحتها ومطابقتها للمسميات ولو لا ذلك لم يكن لقوله تعالى (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض) معنى ولا كانوا مستفيدين بذلك نبوته وتمييزه واختصاصه بما ليس لهم لان كل ذلك انما يتم مع العلم دون غيره. والجواب انه غير ممتنع أن تكون الملائكة عليها السلام في الأول غير عارفين بتلك الأسماء فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها فعل الله في الحال العلم الضرورى بصحتها ومطابقتها للمسميات لها أما عن طريق أو ابتداء بلا طريق فعلموا بذلك تميزه واختصاصه وليس لأحد أن يقول ان ذلك يؤدى الى انهم علموا نبوته اضطرارا وفي هذا منافاة لطريق التكليف وذلك انه ليس في علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة ما يقتضى العلم بالنبوة ضرورة بل بعده درجات ومراتب لا بد من الاستدلال عليها ويجري هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبي بما فعل على سبيل التفصيل على وجه تجري به العادة وهو وان كان عالما بصدق خبره ضرورة لا بد له من الاستدلال فيما بعد على نبوته لان علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوته لكنه طريق يوصل إليها على ترتيب. ووجه آخر وهو انه لا يمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس فيي لغته دون لغة غيره إلا أن يكون احاطة عالم واحد بأسماء الأجناس في جميع لغاتهم خارقة للعادة فلما أراد تعالى التنبيه على نبوة آدم عليه السلام علمه جميع تلك الأسماء فلما أخبرهم بها علم كل فريق مطابقة ما خبر به من الأسماء للغته وهذا لا يحتاج فيه الي الرجوع الى غيره وعلم مطابقته ذلك لباقي اللغات يخبر كل قبيل ولاشك في ان كل قبيل إذا كانوا كثيرة وخبروا بشئ (21 – امالي لث)


[ 162 ]

يجرى هذا المجرى علم صحة مخبرهم وإذا أخبر كل قبيل صاحبه علم من ذلك في لغة غيره ما علمته من لغته وهذا الجواب يقتضى أن يكون قوله تعالى (أنبؤني بأسماء هؤلاء) أي ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء وهذان الجوابان جميعا مبنيان على ان آدم عليه السلام لم يتقدم لهم العلم بنبوته وأن إخباره بالأسماء كان افتتاح معجزاته لانه لو كان نبيا قبل ذلك وكانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتج الى هذين الجوابين معا لانهم يعلمون إذا كان الحال هذه مطابقة الأسماء للمسميات بعد ان لم يعلموا ذلك بقوله الذى قد أمنوا به فيه غير الصدق وهذا لمن تأمله بين بحمد الله. [ قال الشريف المرتضى ] رضى الله عنه رأيت قوما ممن تكلم على معاني الشعر يذكرون في بيت حسان بن ثابت لم تفتها شمس النهار بشئ * غير أن الشباب ليس يدوم (1) ان المراد به الاعتذار من كبرها وعلو سنها فكأنه قال – لم تفتها شمس النهار بشئ – انها كبيرة طاعنة في السن وعذرها في ذلك ان الشباب ليس يدوم لأمثالها وهذا الذى


(1) البيت من قصيدته التى قالها بعد وقعة احد يروي انه دعا قومه ليلا فقال لهم خشيت أن يدركنى أجلى قبل ان أصبح فلا ترووها عنى ومطلعها منع النوم بالعشاء الهموم * وخيال إذا تغور النجوم من حبيب أصاب قلبك منه * سقم فهو داخل مكتوم يال قومي هل يقتل المرء مثلي * واهن البطش والعظام سؤوم همها العطر والفراش ويعلوها * لجين وحالك منظوم لو يدب الحولي من ولد الذر * عليها لاندبتها الكلوم لم تفتها شمس النهار بشئ * غير أن الشباب ليس يدوم ان خالي خطيب جابية الجو * لان عند النعمان حين يقوم وأبى في سميحة القائل الفاصل * يوم التفت عليه الخصوم وأنا الصقر عند باب اين سلمي * يوم نعمان في الكبول مقيم

[ 163 ]

ذكروه ليس بشئ والاشبه والاولى أن يكون مراد حسان أن شمس النهار لم تفتها بشئ غير أن شبابها مما لا يدوم ولابد من أن يلحقها الهرم الذى لا يلحق الشمس ولم يرد أنها في الحال كذلك وكيف يريد ما توهموه مع قوله يالقومى هل يقتل المرء مثلى * واهن البطش والعظام سؤوم شأنها العطر والفراش ويعلوها * لجين ولؤلؤ منظوم لو يدب الحولى من ولد الذ * ر عليها لا ندبتها الكلوم (1) وهذه الاوصاف لا تليق لمن طعن في السن من النساء ولا يوصف بملثها إلا الصبيان والاحداث.. ومن العجائب أن هذه الاستخراج على ركاكته مسند إلى الاصمعي وما أولى من يكون نتيجة تغلغله وثمرة توصل مثل هذه الثمرة بالاضراب عن استخراج المعاني والبحث عنها.. ومما فسره أصحاب المعاني على وجه وهو بغيره أشبه وأقل الاحوال أن يكون محتملا للامرين ولا يقتصر على أحدهما قول الخنساء يا صخر وراد ماء قد تناذره * أهل الموارد ما في ورده عار


وأبي وواقد أطلقا لى * حين رحنا وكبلهم محطوم ورهنت اليدين عنهم جمعيا * كل كف فيها جز مقسوم وسطت نسبتي الذوائب منهم * كل دار فيها أب لي عظيم رب حلم أضاعه عدم الما * ل وجهل غطا عليه النعيم ما أبالى أنب بالحزن تيس * أم لحاني بظهر غيب لئيم تلك أفعالنا وفعل الزبعرى * خامل في صديقه مذموم ولى البأس منهم إذ حضرتم * أسرة من ذرى قصي صميم تسعة تحمل اللواء وطارت * في رعاع من القنا مخزوم (1) يقول لو يدب الصغير من ولد الذر على جلدها لاثر فيه وجرحه ولم يرد بالحولى ما أتى عليه حول ولكن جعله في صغره كالحولي من ولد الحافر والخف

[ 164 ]

لانهم يقولون مرادها بالبيت ما في ترك ورده عار ويظنون انه متى لم يحمل على ذلك لم يكن له فائدة ولا فيه مدح ويجرونه مجرى قول المرقش ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما يعلم (1) وليس الأمر كما ظنوه لانه يحتمل أن يريد انه لاعار في ورده على ظاهر الكلام والفائدة فيه ظاهرة لان البيت وان تضمن ذكر ورود الماء فهو كناية عن ركوب الامور العظيمة الصعاب التي من جملتها إيراد الماء غلبة وقهرا فكأنها قالت انك تورد ماء قد تناذره الناس وتركب أمرا صعبا قد نكل عنه الخلق ولك بذلك حظ الشجاعة والبسالة ومع ذلك فلا عار عليك في ركوبه لانه ربما فعل الانسان فعلا يجوز به أكثر الحظ من الشجاعة وان لحقه بعض العار من قطيعة رحم أو نكث عهد أو ما جرى ذلك المجرى


(1) قوله – ليس على طول الحياة – الخ. قال الأصمعي أراد ليس على فوت طول الحياة ندم. وقوله – ومن وراء الرء ما يعلم – يقول من عمل شيئا وجده ووراء هنا امام من الاضداد قال الله جل ذكره (ومن ورائه عذاب غليظ) وقال الشاعر أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا أي امامى. قال أبو عبيدة ومنه قول الله عز وجل (وكان وراءهم ملك) أي امامهم هذا قول أبي عكرمة. وقال غيره ومن وراء المرء ما يعلم أي الهرم والكبر والضعف وكثرة العلل. و البيت للمرقش الأكبر واسمه عوف بن سعد وهو عم الأصغر والأصغر عم طرفة بن العبد وهو من قصيدة مطلعها هل بالديار أن تجيب صمم * لو كان رسم ناطقا كلم الدار قفر والرسوم كما * رقش في ظهر الأديم قلم ديار أسماء التى تبلت * قلبى فعينى ماؤها يسجم أضحت خلاء نبتها ثئد * نور فيها زهوها فاعتم بل هل شجتك الظعن باكرة * كأنهن النخل من ملهم النشر مسلك والوجوه دنا * نير وأطراف البنان عنم

[ 165 ]

فكأنها نفت عن فعله وجوه العار وليس يجري هذا مجري قول المرقش – ليس على طول الحياة ندم – لان البيت متى لم يحمل على ان المراد به ليس على فوت طول الحياة ندم لم يفد شيئا وقد بينا فائدة قول الخنساء إذا كان المراد ما ذكرناه (مجلس آخر 56) [ تأويل آية ]. إن سأل سائل عن قوله تعالى (واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن) الآية. الجواب قد ذكر في هذه الآية وجوه. أولها أن يكون المعنى واسأل أتباع من أرسلنا قبلك من رسلنا ويجرى ذلك مجرى قولهم السخاء حاتم والشعر زهير يريدون السخاء حاتم والشعر شعر زهير وأقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه وقوله تعالى (ولكن البر من آمن بالله) ومثله قول شاعر لهم مجلس سهب السال أذلة * سوا سية أحرارها وعبيدها (1) والمأمور بالسؤال في ظاهر الكلام النبي عليه الصلاة والسلام وهو في المعنى لامنه لانه عليه الصلاة والسلام لا يحتاج الى السؤال لكنه خوطب خطاب أمته كما قال تعالى (المص كتاب انزل اليك فلا يكن في صدرك حرج منه) فأفرده الله تعالى بالمخاطبة ثم رجع الى خطاب أمته فقال (اتبعوا ما أنزل اليكم) (فلا يكن في صدرك حرج) وفي موضع آخر (يا أيها النبي اتق الله) الآية فخاطبه عليه الصلاة والسلام والمعنى لأمته لانه بين بقوله تعالى (ان الله كان بما تعملون خبيرا). وقال تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) فوحد وجمع في موضع واحد وذلك للمعني الذى ذكرناه


(1) أي لهم أهل مجلس – وصهب – جمع أصهب أي في سبالهم صهبة وهى حمرة أو شقرة في الشعر – والسبال – بالكسر جمع سبلة بالتحريك وهى الدائرة في وسط الشفة العليا أو ما على الشارب من الشعر أو طرفه أو مجتمع الشاربين أو ما على الذقن الى طرف اللحية كلها أو مقدمها خاصة ويقال للأعداء صهب السهبال – وأذلة – جمع ذليل – وسواسية – مستوون

[ 166 ]

. وقال الكميت إلى السراج المنير أحمد لا تعدلنى رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع الناس * إلي العيون وارتقبوا لو قيل أفرطت بل قصدت ولو * عنفي القائلون أو ثلبوا لج بتفضيلك اللسان ولو * أكثر فيك الضجاج واللجب أنت المصطفى المحض المندب في التشبيه إن نص قومك النسب فظاهر الخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام والمقصود به أهل بيته عليهم الصلاة والسلام لان أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه الصلاة والسلام والاطناب في وصف فضائله ومناقبه ولا يعنف في ذلك أحد وانما أراد الكميت وان أكثر في أهل بيته وذريته عليهم الصلاة والسلام الضجاج واللجب والتقريع والتعنيف فوجه القول إليه عليه الصلاة والسلام والمراد غيره وبه لذلك وجه صحيح وهو ان المراد بموالاتهم الانحياز إليهم والانقطاع الى حبهم لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقصود بجميع ذلك جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج ويضعه هذا الموضع. وقد قيل ان المراد باتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين أمر بمسألتهم أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام ونظرائه ولا يمتنع على هذا الجواب أن يكون هو عليه الصلاة والسلام المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب وان لم يكن شاكا في ذلك ولا مرتابا به ويكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به وإقامة الحجة عليهم باعترافهم أو لان بعض مشركي العرب أنكر أن تكون كتب الله المتقدمة وأنبياؤه الآتون بها دعوا الي التوحيد فأمر عليه الصلاة والسلام بتقرير أهل الكتاب بذلك لنزول الشبهة عمن اعترضته الشبهة. والجواب الثاني أن يكون السؤال متوجها إليه عليه الصلاة والسلام خاصة دون أمته والمعنى إذا لقيت النبيين في السماء فاسألهم عن ذلك لان الرواية قد وردت بانه عليه الصلاة والسلام لقى النبيين في السماء فسلم عليهم وأمهم ولا يكون أمره بالسؤال لانه كان


[ 167 ]

شاكا لان مثل ذلك لا يجوز عليه الشك فيه لكن لبعض المصالح الراجعة الى الدين إما لشئ يخصه عليه الصلاة والسلام أو يتعلق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجري بينه وبين النبيين من سؤال وجواب. والجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة وهو ان المعنى واسأل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا يعنى أهل الكتاب وهذا الجواب وان كان يوافق في المعنى الجواب الأول فبينهما خلاف في تقدير الكلام وكيفية تأويله فلهذا صارا مفترقين وقد رد على ابن قتيبة هذا الجواب وقيل انه خطأ في الاعراب لان لفظه إليه لا يصح اضمارها في مثل هذا الموضوع لانهم لا يجوزون الذي جلست عبد الله على معنى الذى جلست إليه عبد الله لان إليه حرف منفصل عن الفعل والمنفصل لا يضمر فلما كان القائل إذا قال الذى أكرمت إياه عبد الله ولم يجز أن يضمر إياه لانفصاله من الفعل كانت لفظة إليه بمنزلته وكذلك لا يجوز الذى رغبت محمد بمعنى الذي رغبت فيه محمد لان الاضمار انما يحسن في الهاء المتعلقة بالفعل كقولهم الذى أكلت طعامك والذي لقيت صديقك معناهما الذى أكلته ولقيته (1) وقال الفراء انما حذفت الهاء لدلالة الذى عليها صديقك معناهما الذى أكلته ولقيته (1) وقال الفراء انما حذفت الهاء لدلالة الذى عليها


(1) هذا الكلام يحتاج الى تبيين لعدم إيضاح ما تضمنه والحاصل أن العائد المنصوب يجوز حذفه ان كان متصلا وناصبه فعل أو وصف غير صلة الألف واللام فالفعل نحو يعلم ما يسرون وما يعلنون ويجوز في ما هنا أن تكون موصولا حرفيا قيل وشرط جواز حذف العائد المنصوب أن يكون متعينا للربط كما مثل فلو كان غير متعين لم يجز حذفه نحو جاء الذى أكرمته في داره فان العائد أحدهما لا بعينه وفيه نظر عند صاحب التوضيح وشرط الفعل أن يكون تاما فلا يجوز جاء الذي كانه زيد على الأصح ومثال الوصف قوله ما الله موليك فضل فاحمدنه به * فما لدى غيره نفع ولا ضرر بخلاف جاء الذي إياه أكرمت لانه منفصل وحذفه يوقع في إلباسه بالمتصل ومفوت لما قصد به من التخصيص وانما حذف منفصلا من قوله سبحانه وتعالى (ومما رزقناهم ينفقون) والأصل رزقناهم إياه لان تقديره متصلا يلزم منه اتحاد الضميرين المتحدي

[ 168 ]

وقال غيره في حذفها غير ذلك وكل هذا ليس مما تقدم في شئ فصح ان جواب ابن قتيبة مستضعف والمعتمد ما تقدم


الرتبة في ضميري الغيبة وهو قليل وبخلاف جاء الذى انه فاضل أو كأنه أسد لان اسم ان وكأن المشددتين لا يحذف الا شذوذا وبخلاف جاءني الضاربه زيد لان الوصف صلة الألف واللام واسمية أل خفية والضمير إذا كان مذكورا يدل على اسميتها نصا فإذا حذف فات هذا المعنى وهم بصدد التنصيص على اسميتها آخر الجزء الثالث من كتاب أمالي السيد المرتضى ويليه الجزء الرابع وأوله تأويل خبر والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Leave a Reply